الفلسفة

نظرية كل شيء بين الواقع والخيال

  • أسامة اليوسفي
  • تحرير: هند العايد

نظرية كل شيء هو الاسم المعطى للنظرية النهائية للكون وهي عبارة عن مجموعة من المعادلات الرياضية التي تصف كل ظواهر الكون التي تم رصدها والتي سوف يتم رصدها فيما بعد، نظرية كل شيء قائمة على فكرة الإختزالية (الفلسفة الإختزالية Reductionism)، تأخذ أي شيء كبير وتقوم بتكسيره لمكوناته الأساسية الصغيرة ومن المفترض أن ينتج هذا الشيء الكبير من مكوناته الأساسية الصغيرة، ما يحدث على مستوى الأشياء الأساسية الصغيرة هو ما يؤثر على ما يحدث على مستوى الأشياء الكبيرة أي أن السببية دوماً تكون من الأسفل للأعلي Bottom-Up Causation لا يمكن أن يحدث العكس، فإن أحضرت غاز على سبيل المثال مكون من ملايين الذرات (شيء ماكروسكوبي كبير) وأثرت في ذراته (الأشياء الصغيرة التي تكونه) مثلاً زودت سرعة الذرات (ستجد أن حرارة الغاز ترتفع) فهنا ما حدث على مستوى الذرات أثر على الغاز ككل كشيء كبير لا يمكن أن يحدث العكس ويؤثر الغاز ككل في ذراته حسب هذه الفلسفة، العلم الحالي أو الأصح معظم علماء العصر الحالي يتبنون هذه الفلسفة، العلوم المختلفة تتسلسل هرمياً هكذا: في القاع علم فيزياء الجسيمات بعد ذلك علم الفيزياء النووية بعد ذلك علم الفيزياء الذرية بعد ذلك علم الكيمياء العضوية بعد ذلك علم الكيمياء الحيوية بعد ذلك علم بيولوچيا الخلايا ثم علم الفيسيولوچي ثم علم النفس ثم علوم الاجتماع والسياسة والإقتصاد فأنت تبدأ من جسيمات دون ذرية كالكواركات والغلونات ثم جسيمات ذرية كالبروتونات والنيوترونات مكونة من الجسيمات دون الذرية التي تسبقها ثم ذرات كذرات الكربون مكونة من جسيمات ذرية ثم مركبات كيميائية كالجلوكوز مكونة من ذرات ثم خلايا كالخلايا العصبية مكونة من مركبات كيميائية ثم أجسام بشرية تقيم علاقات إجتماعية وإقتصادية فيما بينها مكونة من هذه الخلايا وهكذا يستمر التسلسل الهرمي إلي أن نصل لعلم الكونيات العلم الذي يصف الكون كله في قمة الهرم، يعني هذه الفلسفة كأنها تقول أن علم الإجتماع مثلاً ما هو إلا علم فيزياء الجسيمات يعني حسب علم العصر الحالي يمكن إعتبار علم فيزياء الجسيمات هو نظرية كل شيء لهذا العصر المعادلات الرياضية لهذا العلم يمكنها وصف كل الظواهر ما عدا الجاذبية، فهل هذه الفلسفة صحيحة؟ وهل يمكن الوصول لنظرية كل شيء التي تصف كل ظواهر الوجود؟

– هل هذه الفلسفة صحيحة؟

الجواب لا، معادلات علم فيزياء الجسيمات (وكذلك معادلات نظرية كل شيء المستقبلية إن وجدت) لن تصف كل الظواهر في الوجود، للتبسيط أكثر سأضرب مثال بمعادلة واحدة فقط من معادلات فيزياء الجسيمات، معادلة شرودينغر، معادلة شرودينغر هي معادلة كمية يمكن كتابتها بهذه الصيغة المختصرة [E[Ψ] = Ĥ[Ψ هذه الصيغة المختصرة تحتوي في داخلها علي رموز رياضية تعبر عن ثابت بلانك، شحنات وكتل نوي الذرات، شحنة وكتلة الإلكترون بالرغم من أن هذه المعادلة لا يمكنها أن تصف كل ظواهر الوجود فلا يمكن استخدامها مثلاً لوصف عمليات الإنشطار النووي إلا أنها تعتبر نظرية كل شيء بالنسبة لحياة البشر اليومية بحل هذه المعادلة يمكن أن تصف الإلكترونات والأنوية التي تصنع الصخور، الماء، الهواء، أجسامنا، النار، لكن هذه المعادلة لا تصلح إلا للتطبيق على عدد محدود من الجسيمات عدد لا يزيد عن عشرة جسيمات، لو زاد عدد الجسيمات عن عشرة، حلول المعادلة لن تكون دقيقة، حاول إستخدام معادلة شرودينغر مثلاً لوصف سلوك بروتين أو لوصف سلوك الدماغ البشري مستحيل، أكبر عالم فيزياء في العالم لو جلس حياته كلها يحاول حل معادلة شرودينغر لبروتين سيفشل، بالرغم من أن البروتينات مكونة بالفعل من الأنوية والإلكترونات إلا أن معادلة شرودينغر التي تصف هذه الأشياء لا تستطيع وصف البروتين، لا يمكن إستخدام المعادلة لقول أي شيء عن البروتين، بالنسبة لبروتين هذه المعادلة بلا فائدة كأنها غير موجودة، فالآن نحن نجحنا في إختزال السلوك الفيزيائي للأنوية والإلكترونات في معادلة بسيطة فقط لنكتشف أن هذه المعادلة لم تكشف لنا أي شيء عن العديد من الأشياء ذات الأهمية الكبيرة كالبروتينات والمخ، والسبب في ذلك أن الفلسفة الإختزالية تتجاهل التعقيد (العلاقات بين الأشياء الصغيرة) في الأنظمة، فالبروتين لم يعد مجرد إلكترونات وأنوية ذرات فقط بل هو إلكترونات وأنوية ذرات و كم هائل لا يحصي من العلاقات والتفاعلات المختلفة بينهم هذه التفاعلات تجعل البروتين سلسلة أحماض أمينية كل حمض أميني له خصائص مختلفة عن الحمض الأميني الموجود بجانبه (إختلافات درجة الحامضية، الحجم، درجة كره الماء …) وبين هذه الأحماض الأمينية علاقات مختلفة كالروابط الببتيدية التي تربطهم معاً والروابط الهيدروچينية التي تعطيهم أشكال فراغية مختلفة، فمن هذه التفاعلات والعلاقات ينبثق تعقيد لا يمكن أن تصفه معادلة أقصى ما تستطيع فعله وصف عشرة جسيمات، وبشكل عام من المستحيل أن يتمكن أي شخص من إستخدام معادلات علم فيزياء الجسيمات ويوضح من خلال هذه المعادلات كيف يمكن أن تنتج الأشياء المعقدة من الجسيمات دون الذرية، لذلك طبيب الأعصاب لا يحتاج أن يدرس فيزياء الكم، عالم الإجتماع لا يحتاج أن يدرس الكيمياء العضوية، هذه العلوم لن تفيدهم بشيء في تخصصاتهم، فالعلم لا يجب أن يبحث عن معادلات نهائية لأي شيء فلا يمكن وضع معادلة واحدة تصف كل الظواهر في الوجود؛ بل عليه أن يستمر في إكتشاف القوانين الجديدة التي تنبثق في الأنظمة كلما زاد تعقيدها (فالإنبثاقية Emergence أي انبثاق قوانين جديدة من العلاقات المعقدة بين الأشياء الصغيرة) هي النظرة الصحيحة للوجود، بالإضافة لذلك ليس صحيحاً أن ما يحدث على مستوى الأشياء الصغيرة هو ما يؤثر على ما يحدث على مستوى الأشياء الكبيرة وفقط، يمكن للسببية أن تكون من الأعلي للأسفل أيضاً Top-Down Causation أي أن ما يحدث على مستوى الأشياء الكبيرة يمكن أن يؤثر على ما يحدث على مستوى الأشياء الصغيرة يوجد العديد من الأمثلة علي ذلك في الوجود، في المثال الموجود بالأعلي لو تم تقليل حجم الغاز ككل سرعة الجزيئات التي تكونه ستزداد.

– هل يمكن الوصول لنظرية كل شيء؟

بناءاً على ما ذكر بالأعلى مستحيل الوصول لمعادلة واحدة تصف كل ظواهر الكون، لكن هناك سبب منطقي أيضاً لإستحالة حدوث ذلك وهو الاستحالة المنطقية لاكتمال المعرفة البشرية وهذا ما وضحه عالم الرياضيات والمنطق غودل في مبرهناته:

كل قضية منطقية لها حكمان حسب المنطق الصوري الأرسطي: إما ان تكون صحيحة وإما أن تكون خاطئة في المنطق القديم القضايا المنطقية كانت تصاغ بالكلمات و ليس بالرموز، النظام المنطقي هو مجموعة منتهية أو غير منتهية  من القضايا المنطقية وهناك نوعان من الأنظمة المنطقية: نظام منطقي مغلق ونظام منطقي مفتوح؛ الأنظمة المغلقة هي القائمة بعناصرها المكونة لها وفقط أما المفتوحة فهي التي تستعين بقضايا من خارج النظام أي من نظام منطقي آخر لإثبات تناسقها، النظام المنطقي يكون متناسق إذا كانت كل قضاياه صحيحة و غير متناقضة مع بعضها البعض، حدود  و نقائص منطق أرسطو الصوري القديم ومفارقاته مثل وجود قضايا منطقية لا يمكن الحكم عليها أنها صحيحة أو خاطئة – كمفارقة طروادة: أتى شخص من بلاد تروادة و قال لليونانيين القضية التالية (كل سكان طروادة كذابين) فهل نصدق هذا الشخص أم نكذبه إذا كان قوله قضية صحيحة فهو من طروادة إذن هو كاذب و هذا تناقض و إذا كان قوله خاطيء هذا أيضاً تناقض لأن هذا يعني أن سكان طروادة صادقين و هو منهم – دفعت ثاني أكبر عالم منطق في التاريخ بعد أرسطو إلي وضع مبرهنات (برهن على صحتها رياضياً بطرق معقدة جداً) سميت بإسمه مبرهنات غودل لعدم الإكتمال الرياضي Gödel Incompleteness theorems هذه المبرهنات تقول:

– في نظام منطقي مغلق لا يمكننا أن نجزم بتناسقه و لا بتناقضه على أساس التلاعب بقضاياه.

– كل نظام منطقي متناسق هو نظام منطقي مفتوح و غير مكتمل أي يجب أن نسلم بصحة قضايا (مسلمات) لا يمكن أن نبرهن على صحتها إلا من خارج النظام؛ فلكي يكون لدينا نظام منطقي متناسق خالي من التناقضات لا بد من التسليم بصحة قضايا وهذه المسلمات قد نبرهن على صحتها و لكن في إطار نظام منطقي آخر شامل للأول و هو بدوره به مسلمات يمكن البرهنة عليها فقط من خارج النظام و هكذا تتكرر هذه العملية حتى نصل لحقيقة مطلقة لا نهائية حيث تكون كل المسلمات حقائق.

يعني بإختصار أي نظام منطقي لا يمكن أن تثبت تناسقه من داخله لو حاولت إثبات تناسقه من داخله تقع في التناقض أو عدم القدرة علي البرهنة والتفسير كما هو موضح في مثال مفارقة طروادة بالأعلى، فهذه المبرهنات قائمة علي فكرة المرجعية الذاتية Self-Reference، أي أن تحاول تفسير شيء من ذاته، نظرية كل شيء لا محالة ستقع في هذه المعضلة، فهي تحاول تفسير كل ما في الكون (الذي يمكن تصوره على أنه نظام منطقي) من داخل الكون نفسه ونحن البشر من سنقوم بوضع هذه النظرية يعني نحن نحاول وضع نظرية نفسر بها أنفسنا هذا نوع من المرجعية الذاتية بالتالي يستحيل الوصول لنظرية مكتملة تصف كل شيء.

فنظرية كل شيء مجرد خيال في عقول بعض الفيزيائيين فقط والغريب أن أكثر الأشخاص تكلماً في إمكانية الوصول لنظرية كل شيء (ستيفن هوكينج) قال بنفسه في محاضرة له ألقاها في ذكرى وفاة عالم الفيزياء بول ديراك بعنوان : غودل ونهاية الفيزياء أنه لا يمكن أبداً الوصول لنظرية كل شيء بسبب هذه المبرهنات التي أثبتها غودل.


المصادر:

[1]https://www.pnas.org/content/97/1/28

[2]https://www.nature.com/articles/nphys4300#citeas

[3]https://royalsocietypublishing.org/doi/10.1098/rsfs.2011.0062

[4]https://iopscience.iop.org/article/10.1088/1742-6596/1391/1/012067/meta

[5]http://yclept.ucdavis.edu/course/215c.S17/TEX/GodelAndEndOfPhysics.pdf

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى