عام

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.. أم انفرجت؟

العجز والبيان بين الحال النفسية والنتيجة المعرفية

  • د. حامد أحمد الإقبالي

تتنامى عند الإنسان ملكة النظر والاستبصار وتزيد مداركه باتساع قراءاته ومعارفه، فالعقل أداة تتوسع بما تطلع عليه وتسمعه من التصورات والمفاهيم، وأهم معرفة يتوصل إليها الإنسان في طريق سعادته هي معرفة الله سبحانه وتعالى، وكلما اتسعت رؤاه حول الكون ونمت ملكاته أسعفه البيان للتعبير، فازدياد المعرفة يسهم بشكل مباشر في اتساع العقول وارتفاع الجهل وتنامي الأفكار، على خلاف من كان أسيراً لأفكاره الحبيسة لرؤيته المعرفية.

هذه المقدمة الواقعية ينقضها عند الصوفية فكرة أخرى مقدمة ونتيجة، وهي أنه (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) كما يقول النّفري في مواقفه ومخاطباته، وهذه عبارة قلقة؛ لأن النتيجة المشاهدة في العلماء وأهل الرأي أنه كلما اتّسعت عقولها وتصوراتها توصلت إلى اجتراح مفاهيم وإيجاد حلول معرفية ناجعة، بل وأنشأت شبكة من العلاقات المفاهيمية، ولسنا نتهم المتصوفة بسلوك سبيل المناطقة في غموض العبارات وخفاء الدلالات، حتى وصفهم أهل العلم بأنهم أقل معرفة وأعجز بياناً، مما يجعل العبارة تدور في رحى واحد لا تخرج منه ولا تصل الى نتيجة، كما قال ابن تيمية: “إذا ضاقت العقول والتصورات بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليوناني تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا؛ ولهذا من كان منهم ذكياً إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق؛ طوّل وضيّق وتكلّف وتعسّف وغايته بيان البيّن وإيضاح الواضح من العيّ “[1].

  لكن يبدو أن الصوفي مشغول بالمرئي عن الرؤية، وبالذات عن الموضوع، فكل محاولة يبديها لنقل هذه الرؤية هو انصراف عن مكان الرؤية وتشاغل عنها، فالأولى ليس موضوع الرؤية بل الرؤية نفسها، وأي التفات إلى غيرها جنوح عن الغاية من المعرفة فالتصورات الوجدانية تبدو هكذا عند النفري المفتون بالمخاطبات والمواقف الخيالية، فهو يرى أن العبارة تضيق عن استيعاب الرؤية كاملة، فالدهشة التي تظهر حين مشاهدة كامل الموقف تعجز عن التعبير عن مكنونها، فرؤية المعاينة تعني أن الكلمات قاصرة عن الإحاطة بالمعاني والأسرار، وبالتالي فإن الكلمات تصبح غطاء للحقيقة وستر لها، وتعني الرؤية هنا: رؤية الحق، التي تعتبر دليل الشهود الصوفي ، المعتمدة على الرؤية القلبية، فالمقولة تطرح إشكالاً من إشكالات التصوّف، والمتمثل في إشكال التبليغ إذ “تجد القوم يشكون أو يعتذرون من قصور العبارة عن التبليغ” كما يقول محمد عزام.

وشعور الدهشة عبّر عنه أيضاً ابن الجوزي في محاولته تفسير الحالة السكونية والضيقة عند أصحاب هذه الرؤية، فقسّم أولئك الذين اتسعت رؤاهم فانطلقت ألسنتهم بالمعرفة وأولئك الذين اتسعت رؤاهم وحارت ألسنتهم بالمعرفة إلى فريقين، فأما الفريق الأول فثبّته الله سبحانه وتعالى بالقول الثابت، وأما الآخر فلم تتحمل جوانحهم عظمة هذه المحبة فطارت عقولهم وخفقت قلوبهم، وهذا يحدث لمن باشر قلبه فيوض المعرفة فإنه يصاب بالدهشة التي تعقد لسانه وتصيب قلبه بالفناء، لكنه يجد مسوّغا لهذه الحيرة لأن المدارك إذا أوغلت في معرفة الخالق، فشاهدت العظمة الإلهية؛ تاهت في محبته فخرجت عن حد الثبوت، وقد كان خلق من الناس غلبت عليهم محبته، فلم يقدروا على مخالطة الخلق، ومنهم من لم يقدر على السكوت عن الذكر، وفيهم من لم ينم إلا غلبة، وفيهم من هام في البراري، وفيهم من احترق في بدنه”[2]

   أما أهل التجربة فرأوا أن ضيق العبارة هنا له ما يبرره -خلافاً للدهشة- فهو نتيجة نفسيّة وليس معرفية، فليست وظيفة الرؤية إذن الإدراك، كما أنها ليست عجزاً عن التعبير أو حبسة في الكلام، بل إنها فعل اختياري يبتغي الامتلاء الروحي والمعيّة الإلهيّة، فإذا بلغ هذا المقام فاض بالمعرفة دون أن يبذل عقله هذا الكم الكبير من العمليات الإدراكية والتحليلية لتنمية تصوّراته ومفاهيمه، وهذا المقام الذي يصل إليه العارفون من الصوفية يسمى (الوحدة المطبقة) وقد ذكره ابن العريف في محاسن المجالس قائلاً على ألسنة هؤلاء العارفين:

فألقوا حبال مراسيهم
وغطّوا فغطّاهم وانطبق

وعلى ذمة ابن عربي في فصوص الحكم، فإنّ هذا المقام يصل إليه الذروة من العارفين لأن من عرف الله كلّ لسانه: أي أنه جهل، وأما من عجز عن النطق -وهو يرى أن المقام يقتضي النطق- فذلك لم يجهل إلا العبارات، مثل أن يكون عامياً أمياً، فأدركه الفتح فصار من الخواص إلا أنه غير ناطق، ويستبق ابن عربي المعترضين على هذا المقام العالي فيقول: “إن المحجوبين لا يقبلون ما يقول وهم الأكثرون ولهم الحكم، فرأى أن السكوت أولى، فكتم ما عنده وهو قادر على الكلام”[3] فالسكوت بهذا المعنى إرادة تصحبها قدرة وليس عجزاً عن الإبانة والتعبير.

ويبدو أن محمد إقبال قد لاحظ أمراً مستساغاً ضمن ملاحظاته على المعرفة الصوفية مخالفاً بذلك ما ذهب إليه ابن العريف وابن عربي من أن المعرفة المباشرة عند الصوفية أصابتهم بالحبسة وتعثر الكلام إنما كانت هذه الحالات الصوفية أشبه بالشعور منها بالعقل ، وما يعلنه الصوفي أو النبيّ من تفسير لفحوى محتويات شعوره الديني يمكن أن يبلّغ الى الناس على صورة قضايا ولكن محتويات الشعور الديني نفسها لا يمكن الاطلاع عليها[4] ومن هنا يمكن أن نلتمس عذراً لهذه الطائفة التي تحاول وتعجز وهي مع ذلك تتغيا التعبير، ويمكن أن نلتقط خيطا رفيعاً يفرق بين التجربتين الإدراكيتين وهو أن التجربة الصوفية يتملكها الشعور الذي هو دافع إلى الخارج ، بينما الآخرون تتملكهم الفكرة التي هي إبلاغ إلى الداخل، وهو يرى أن الشعور لا يقل عن الفكرة كونه وعياً موضوعيا، وكأنه يشير بذلك إلى أمر وراء النفس الحاضرة لاوجود له إلا في توجيهها نحو الذات.


[1] -ابن تيمية، الرد على المنطقيين، 166-167.

[2]– ابن الجوزي، صيد الخاطر.

[3] -ابن عربي، فصوص الحكم.

[4] – محمد إقبال، تجديد الخطاب الديني، ترجمة عباس محمود، بيروت: دار الجمل، 2015، ص35

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى