عام

الحربُ على البنِين

  • كريستينا هوف سومرز
  • ترجمة: المعتصم الحراصي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

كثيرًا ما نظنُّ أنّنا متأكدون من المعلومات التي نعرفها مثل: أنّ المدارس الأمريكية تفضل البنين على البنات، بل وتروم إخمادَ نار الهمة فيهن. لكنَّ الحقيقة عكسُ ذلك تمامًا، فكل المقاييس تشير إلى تفضيل البنات على البنين؛ بل بات البنين هم الجنس الأقل درجة بين الجنسين.

إنه لتوقيت سيء أن تكون ولدًا في أمريكا، فالنصر الساحق الذي حققه المنتخب النسائي الأمريكي لكرة القدم الصيفَ الماضي أصبح رمزًا للفتاة الأمريكية، في حين بات من الممكن القول أن إطلاق النار الذي حصل في مدرسة كولومباين الثانوية يرمز لمعنى أن تكون فتى أمريكيًا. إن رداءة سمعة الفتيان ليست صدفة أو حادثا عرضيًا، فلسنينَ طويلة اشتكت المنظمات النسوية أن البنين يتمتعون بنظام تعليمي يفضلهم على البنات. وأعلنت الرابطة الأمريكية للجامعات أن “المدارس تقصِّر في حق الفتيات”، وكذلك ادعت متخصصتان في علم النفس التربوي أن “المدارس تكبل الفتيات بالأغلال النفسية”؛ ويجد المرء أثناء تقليبه النظر في الموضوع نهرًا جاريًا من المجلدات والكتب والمنشورات التي تتحدث عن دراسات تلصق بالأولاد تهمة تفضيلهم على البنات في المدارس، بل وتغمزهم وتلمزهم بالعدوانية وارتكاب الاعتداءات الجنسية في ساحات المدرسة.

إنّ الرأي الذي اعتلى منصة الإجماع في أمريكا في العقد الماضي يعرب عن بغض شديد للبنين لكونهم جنسا نال ما لا يستحقه من التمييز والتفضيل، وكذلك لكونهم عقبة في سبيل المساواة بينهم وبين البنات، وهو أمر مؤيد بشدة داخل المدارس. فكم من مُدرس وقع هذا الأمر منه موقعَه حتى لَيرى أن البنات بحاجة إلى اهتمام خاص حتى يُعوَّضْن ما سُـلِـبْنَه من اهتمام في سالف السنين. تقول باتريشا أورايلي، البروفيسور في تخصص التعليم، والموجهة في مركز المساواة بين الجنسين في جامعة سينسيناتي: “إنّه من الواضح أن البنين هم ‘رقم واحد‘ في هذا المجتمع وغيره من المجتمعات”، وأصدرت قوانين وسياسات – تعتمد على الفكرة القائلة أن المدارس تطفئ جذوة الأمل في الإناث- تهدف إلى نزع الأفضلية عن الذكور وإصلاح الضرر اللاحق بالإناث.

“تُـعامل الإناث معاملة دونية و ينالهن ما ينالهن من السوء والأذى، ويعامل الأولاد معاملة خاصة ويجدون من ذلك كسبا ومنفعة لا تجدها الإناث” هذا ما يعرفه الجميع، ولكنه لا أساس له من الصحة. إن البحوث التي نالت من الذكور بسوء واتهمتهم بأخذ ما لا يستحقون من الفضل والتميز= أبحاث مشوبة بالأخطاء، فأغلبها لم ينشر في مجلات معترف بها تعتمد مراجعة الأقران، وقد تبيَّن أيضًا أنها تفتقد إلى الأدلة بشكل مريب. وإن مراجعة سريعة للحقائق تٌظهر أن الذكور -لا الإناث- هم الطرف الأضعف والمهمَّش من حيث الفروق التعليمية. فالفتى الطبيعي متأخر بمعدل سنة ونصف عن البنت الطبيعية في القراءة والكتابة، وهو أقل التزامًا بدراسته وفرصته أضعف في دخول الجامعة. ففي العام 1997 قدرت قبول الجامعات بنسبة مقدارها 45% للذكور في مقابل 55% للإناث. ودائرة التعليم تتوقع انخفاض مستويات قبول الذكور في الجامعات إلى ما دون ذلك.

وأظهرت عدة بيانات من دائرة التعليم في الحكومة الأمريكية وأخرى من جامعات متعددة أن الإناث على العكس تمامًا مما يشاع عنهن من أنهن خجولات وطموحاتهن واهنة ومحطمة، فهن يتفوقن على الذكور في كثير من النواحي: في الدرجات الدراسية، وكذلك في كبر آمالهن وعظم طموحاتهن المستقبلية، وقد خضعن لبرامج دراسية صارمة، وشاركن – بمعدلات أكبر- في مواد متقدمة. واستنادًا إلى المركز الوطني لإحصاءات التعليم، فإنّ الإناث – ولو بنسبة ضئيلة- يتفوقن على الذكور في الاشتراك في دورات متقدمة للعلوم والرياضيات. وهن – الموصوفات بالخجل ونقصان الثقة- لهن قصب السبق في منظمات الأنشطة الطلابية، وجمعيات الشرف، و شاركن في الجرائد التي تصدرها المدارس والجامعات، وأندية المناظرات الطلابية. أما الذكور فإنّهم متفوقون في الرياضة فقط. ولكن هيهات، فالمنظمات النسائية يتربصن بهذا التفوق ويخططن له الخطط.

زيادة على ذلك، تقرأ الفتيات كتبا أكثر، ويتفوقن على الفتيان في امتحانات القدرات الفنية والموسيقية. ويدرسن في خارج الولايات المتحدة بأعداد أكبر، ويشارك كثير منهن في حركات حفظ السلام. وفي الجهة الأخرى، فالذكور يطرَدون من الدراسة بنسب أكبر من الإناث، وكذلك فإنّ نسبا أكبر من الذكور تترك الدراسة. والفتيان معرضون لاضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أكثر من الفتيات بثلاثة أضعاف، وهم أكثر وقوعا في الجرائم، وتعاطي المسكرات والمخدرات. تحاول نسب أكبر من الإناث الانتحار، لكن الموت يتمكن من الذكور بشكل أكبر. ففي عام 1997، وكانت سنة عادية كبقية السنين، أقدم 4483 طفلاً وشابًا بين الخامسة والرابعة والعشرين على الانتحار. كان منهم 701 أنثى، و 3782 ذكرا. ليس هذا وحسب، بل إن الإناث أكثر ‘انخراطا‘ أكاديميا كما في لغة الخبراء الأكاديميين. العام الماضي في مجلة The CQ Researcher ذَكرت مقالة كُتبت عن الإنجازات الأكاديمية للإناث والذكور ملاحظاتِ الآباء على أولادهم. فقال الآباء أنّ بناتهم يسعين إلى نيل رضى معلميهن بقضاء أوقات أكبر بالعمل على مشاريعهن، وبالقيام بالأعمال الإضافية لنيل درجات أكبر، و بالحرص على إظهار واجباتهن المدرسية بأفضل صورة. في المقابل، فإن الأولاد يعملون على واجباتهم سراعًا توقا للخروج للعب، غير عابئين برضى معلميهم أو سخطهم على واجباتهم المنزلية.

إنّ المستوى الدراسي مقياسٌ مهم لنجاح الطالب. فدائرة التعليم بالحكومة تقيس التزام الطلاب بالمعايير الآتية: كم من الوقت يقضي الطلاب في حل واجباتهم كل ليلة؟ هل يأتون مستعدين للدراسة (أي الأقلام وغيرها من الأدوات، و بالتحضير وأداء الواجبات)؟ استنادًا إلى استبيانات موجهة للصفوف الرابع والثامن والثاني عشر، فإن البنين أقل أداء للواجبات، وعندما تصل للصف الثاني عشر فإنّهم أقل أداء للواجبات من البنات بأربعة أضعاف. وكثيرًا ما اعترف الأولاد بحضورهم المدرسة من غير أدوات ودون أداء واجباتهم.

إنّ الفجوة في الأداء بين البنين والبنات في الثانوية تقود مباشرة إلى الفجوة في قبولات الجامعة. وقد نشرت دائرة التعليم إحصائية تقدر أنّه في عام 1996 قبلت 8.4 مليون طالبة إلى الجامعة، وفي مقابل 6.7 مليون طالب فقط. وتتوقع الأرقام أن الإناث سيتمسكن بهذا التقدم في القبول بل و سيتزايد المعدل خلال العقد القادم، إلى أن يصل في عام 2007 إلى 9.2 مليون طالبة جامعية في مقابل 6.9 مليون طالب فقط.

 

اقرأ ايضاً: الأكاذيب البغيضة وإحصائيات أعداد النساء في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM)

 

تحليل نتائج الامتحانات

لا تستطيع النسويات إنكار أن الفتيات يحصلن على نتائج أفضل وأنّهن أكثر انخراطًا في التعليم الأكاديمي، وأنّهن الجنس الأكثر عددًا في مؤسسات التعليم العالي. ولكنهن مع ذلك يحاججن أن هذه النتائج تكاد تكون غير حاسمة، وأن الأولاد كما يقلن يحصلون على نتائج أفضل في جل الامتحانات المعيارية، وخصوصًا في امتحانات التقييم المدرسي، وكليات القانون، وكليات الطب، والدراسات العليا وامتحانات قبول الجامعة.

نشرتُ عام 1996 مقالة في مجلة Education Week عن الطرق الكثيرة التي تتفوق بها الإناث على الذكور. وفي الجانب الآخر، اقتنص ديفيد سادكر -أستاذ مادة التعليم في الجامعة الأمريكية- نتائج لامتحانات تُظهر أن الذكور يتفوقون على الإناث. وكتب في كتابه “الفشل في تطبيق العدل: كيف تخدع المدارس الأمريكية الفتيات” الذي ألفه هو وزوجته مايرا عام 1994، كتب يقول: “إن كانت الفتيات متفوقات كما تزعم كريستينا هوف سومرز [كاتبة هذا المقال]، فإنّ نتائج الامتحانات هذه ليس للحقيقة منها نصيب”. ففي امتحانات SAT عام 1998 كان معدل نتائج الطلاب أكثر من الطالبات ب 35 درجة من أصل 800 درجة في الرياضيات، وأكثر ب 7 درجات في امتحان مادة اللغة الانجليزية. تبدو  هذه النتائج -كما قال سادكر- مخالفة لكل المقاييس الأخرى التي قيست بها أوضاع المدارس، لأنّه في غيرها من المجالات يتأخر الفتيان عن الفتيات في المستوى. فَـِلمَ إذن يؤدون اختباراتهم بشكل أفضل؟ هل سادكر محق في زعمه أن هذه النتائج دليل على تفوق مستوى الأولاد الدراسي؟

أنا أجيبه بـ “لا”. إن نظرة فاحصة إلى جموع الطلاب الذين يؤدون امتحانات SAT وما شابهها تظهر أن النتائج الدنيا للفتيات لا تتعلق بتفضيل الفتيان أو تقديمهم عليهن إلا فيما ندر. وهذه النتائج لا تؤكد ضعف مستويات البنات وليست دليلاً عليه. فلنرَ:

أولاً، استنادًا إلى College Bound Seniors، وهو تقرير سنوي عن مؤدي الامتحانات المعيارية تصدره هيئة الكليات، فإنّ الفتيات اللاتي عشن في ‘ظروف سيئة‘ و خضن امتحانات SAT  كان عددهن أكبر من عدد الفتيان الذين عاشوا في نفس ‘الظروف السيئة‘ وخاضوا نفس الامتحانات. ويعنون بالظروف السيئة مثلاً الدخل الشهري المحدود لعائلاتهم، أو عدم إكمال والديهم للشهادة الثانوية أو الجامعية. يقول التقرير أنّ هذه ‘الصفات‘ مرتبطة بتحصيل درجات أقل من المعدل العام في اختبارات SAT. إذن، بدلاً من توظيف درجات امتحانات SAT -زورا- دليلاً على تفضيل الأولاد على البنات، فعلى الباحثين النظر بعين قلقة إلى الأولاد الذين لا يحضرون أصلا إلى الامتحانات التي تؤهلهم إلى الدراسات العليا.

هناك عامل آخر يلبس هذه النتائج لباس من يفضل الأولاد وينحاز إلى صفهم. نانسي كول رئيسة خدمة الاختبار التربوي، تطلق عليها ظاهرة ‘الانبساط‘. إن نتائج الأولاد في امتحانات الذكاء أو مقاييس الإنجاز تُـطَبَّـق على عيناتٍ أطرافُـها شديدةُ الاختلاف؛ لأنّ مجموعات الأولاد تحتوي على اتساع كبير في مدى الفروق الفردية، أو كما يقول عالم السياسة جيمس ويلسون: “في عالم الذكور، هناك الكثير من العباقرة، والكثير من الحمقى”. فالأولاد يحتلون قوائم المنسحبين من الدراسة، والراسبين، و المعانين من صعوبات التعلم، ولا يدخل هؤلاء السابقُ ذكرُهم امتحاناتِ القبول للجامعات إلا نادرًا. هذا طرف، وفي الطرف الآخر هناك الفتيان المتفوقون بشكل استثنائي الجادُّون بشأن العلم الذين يحضرون هذه الامتحانات بأعداد كبيرة تخلق اختلالا في التوازن في الأرقام. ينبغي على سادكر وغيره من المُنافحين عن قضايا المساواة بين الجنسين أن يطبقوا نفس المنطق على كلتا الكفتين، فإن كان النقص في أعداد الفتيات في المجموعات المتفوقة في مقاييس القدرات هو علامة على ظلم للفتيات، فإنّ زيادة أعداد الفتيان في المجموعات الضعيفة هو أيضًا دليل على ظلم الفتيان.

هب أنّنا سنغض الطرف عن الطلاب والطالبات المتفوقين دراسيًا والذين يشكلون خُمسَيْ طلاب المدارس الثانوية الذين يؤدون اختبارات SAT.  ونعتمدُ بدلاً من ذلك نموذجًا حقيقيًا يعكس سمات طلاب المدارس الأمريكية، كيف يمكننا مقارنة الفتيان والفتيات مقارنة سليمة؟ حسنا لدينا الإجابة.

يقدم المركز الوطني لتقييم التقدم التربوي NAEP -الذي أنشئ عام 1969 بدعم من الكونجرس- أفضلَ قياسٍ لإنجازات الطلبة ذوي القدرات المختلفة. يختار المركز من 70000 إلى 100000 طالبًا وطالبة من 44 ولاية ليُختَبَروا في مهارات القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، ويختار المركز أن يكونوا في أعمار 9 و13 و17. في عام 1996 تفوق الطلاب الذكور ذوي 17 عاما على نظيراتهم من الإناث بفارق خمس درجات في الرياضيات و ثماني درجات في العلوم، بينما تفوقت الإناث بـ 14 درجة في القراءة و17 في الكتابة. لكن في السنين الأخيرة التي انصرمت بدأت الإناث باللحاق بالفتيان في الرياضيات والعلوم في حين بقي الذكور في مؤخرة الترتيب في مهارات القراءة والكتابة. في منتصف عام 1995، نشر الباحثان لاري هيدجيز وإيمي نويل مقالا في مجلة  Science بجامعة شيكاغو يُـبَـيِّـنانِ فيه ملاحظتهما أن مشاكل الإناث صغيرة ولكنها ليست ضئيلة الأهمية. وهذه المشاكل لها تأثير كبير قد يؤثر في عدد البنات اللواتي يتفوقن في مجالات العلوم والتكنولوجيا و يتوظفن فيها. أما عن مشاكل الأولاد في مهارات الكتابة فكتبا: “إن الفروقات في مهارات الكتابة بين الجنسين تنذر بالخطر، فالبيانات  تشير إلى أن الأولاد في (المتوسط) يعانون من ضعف شديد في أداء هذه المهارة الأساسية”.

قالا مُحَذِّرَيْن:

“إنّ الأعداد الكبيرة للبنين ضعاف المستوى في مهارات القراءة والكتابة لها تداعيات سياسية. يبدو أنّ الطلاب ذوي المهارات القرائية والكتابية الضعيفة سيواجهون صعوبة في تحصيل لقمة العيش في مجتمعنا المبني على المعلومات والبيانات المتجددة. لهذا، يجب أن تكون هناك تدخلات لتساعدهم على المشاركة بشكل بناء”.

كان هيدجيز ونويل يصوران مشكلة خطيرة على المستوى الوطني، ولكن لأن التركيز كان موجهًا إلى مشاكل الإناث فإن جزءًا صغيرًا من الأمريكيين يعلم عن هذه المشكلة، أو يدري عن وجودها أصلاً.

إن هذه الكذبةَ – كذبةَ معاناةِ الفتيات- استحكمت على العقول حتى أعمت أعين كثير من المدرسين عن استبصار الحقيقة مع أنّهم يدرسون كلا الجنسين بشكل يومي، وأعرضوا -ولو سهوا- عن أي دليل يشير إلى المعاناة الحقيقية للفتيان. أقامت مثلا مدرسة سكارسديل الثانوية قبل 3 سنوات ورشة للموظفين بخصوص المساواة بين الجنسين. وعلا على المنبر الصوت المعتاد عن ظلم الفتيات، غير أن صوتا مختلفا ظهر هذه المرة، فقد قدم طالب عرضًا مرئيًا يدلل فيه على أن الإناث في مدرسة سكارسديل متفوقات على الأولاد. لكن مدرس الدراسات الاجتماعية ديفيد جرين أبى تصديقه وظن أن الطالب جانب الصواب. فقام وبعض زملائه بتحليل أنماط تقييم الدرجات وتصحيحها في قسمهم، فتكشفت الحقيقة لهم عن صدق الطالب. ومع أنّه لم يظهر فرق كبير بين مستويات الطلاب والطالبات في مواد الدراسات الاجتماعية المتقدمة، ولكن في المواد الأسهل فقد كانت الطالبات هن المتفوقات.

ثم إن جرين اكتشف أمرًا آخر، وهو أن قلة يودون سماع هذه الحقيقة الصادمة، فإن مدرسة سكارديل متأثرة كحال غيرها من المدارس بالخطاب السائد عن مظلومية البنات. هذا الخطابُ الذي يهيمن على عقول لجنة المساواة بين الجنسين في مدرسته، حتى قادهم هذا إلى انتخاب أخصائي في قضايا المساواة. حاول جرين أن يسبر قضية أداء الفتيان السيء مع زملائه في العمل، فاعترف كثير منهم أن الفتيات يؤدين بشكل أفضل من البنين في المواد التي يدرسونها، ولكنهم لا يرون أنّ هذا الأمر يمتد إلى غيره من المواد. الظاهر أن المدرسين بعد سنوات من سماع مواضيع الفتيات المظلومات والمنتهكاتِ حقوقُهنَّ لا يودون الإصغاء لأي دعوى عن ضعف أداء الأولاد، ولو كان ذلك على مرأى ومسمع منهم.

 

 

القزمة العجيبة

كيف وصلنا إلى هذه الفكرة الغريبة؟ ما الذي ألمَّ بنا حتّى آمنا بصورة عن الفتيان والفتيات مضادةٍ للحقيقة؟ وكيف استشرى هذا التصور وتغلغل في قوانين الحكومة وسياسات المدارس رغم الدلائل الشاهدة ببطلانه؟ الإجابة متعلقة بشكل كبير بإحدى النساء المُحتفى بهن في الأكاديمية الأمريكية، وهي كارول جيليجان، بروفيسور الدراسات الجندرية الأولى بجامعة هارفارد.

كانت بداية جيليجان تحت أضواء الشهرة عام 1982 بتألفيها لكتاب: “بصوت مختلف” الذي ستناقشه هذه المقالة لاحقا. وفي عام 1990 أشهرت جيليجان وأبانت عن زعمها أن المراهقات الأمريكيات في خطر، فقالت جيليجان بتعبير كاد أن يخلو من أي دليل معتبر: “يا لفتياتنا، لا يقوين على مجاراة أمواج الثقافة الغربية، حتى يغرقن في بحرها أو يكدن”. وأنى لها ذلك؟ فمن الصعب الإتيان بأي دليل تجريبي على هذا الادعاء. ولكنها مع ذلك جذبت حلفاء أقوياء. وفي فترة قصيرة، أوصلوا قضية الإناث ذوات الحالة المهينة الصعبة والمظلومات -كما يزعمون- إلى حالة طارئة على المستوى الوطني.

كذلك فإن كُتابًا مشهورين -بعد أن صعقوا باكتشاف جيليجان- بدؤوا يرون (أو يتوهمون رؤية) أدلة على هذا الأمر في كل مكان. آنا كينديلين الكاتبة السابقة بمجلة نيويورك تايمز New York Times أشارت في عمود في إحدى إصدارات الصحيفة عام 1990 إلى أن أعمال البروفيسور جيليجان ألقت بظلالها المعتمة على ابنتها في عيد ميلادها الثاني فأطفأت شمعتها فقالت: “إن ابنتي مستعدة الآن لأن تثب إلى هذا العالم وتحلق بعيدًا، وكأن الحياة بستان بهيج، وفراشتي الصغيرة سترفرف بين أشجاره وحول أزهاره؛ لكن دراسات السيدة جيليجان من جامعة هارفارد تزعم أن هذا النشاط سيخفت بعد بلوغها الحادية العشرة، وأن هذه الفتاة النشيطة المليئة بالحياة ستخبو جذوتها ويتوارى أُوارُها”.

ثم إن كتبًا عدة ألفت ونشرت ككتاب مايرا وديفيد “الفشل في تطبيق العدل” وكتاب بيجي أورنشتاين: “فتيات المدارس: الشابات و مشكلة الثقة بالنفس” في عام 1994. وكذلك كتبت إيليزابيث جليك في نيويورك تايمز عام 1996 في موجة جديد من ‘أدب الضحية‘: “العشرات من الفتيات المنكوبات تسطر أسماؤهن في الصحف ممن اغتُصبن أو بُـلِـينَ بالعقد النفسية، أو حلقن رؤوسهن وشُوهت أجسادهن، وأخريات يعانين من تشدد عائلاتهن أومن تفكك أسرهن من جراء الطلاق” وهكذا فإن مراهقات هذه البلاد غمرن بالشفقة والرعاية والعناية.

كتبت الروائية كارولاين سي في Washington Post في 1994: “إن أشجع الناس وأفضلهم وأنبلهم وأكثرهم احتمالاً للعذاب هن الفتيات من سن 12 إلى 15”. وعلى نفس المجرى، توقع زوج السادكر في كتابهما “الفشل في تطبيق العدل” مصير طفلة ذات ست سنين تلعب على الأرجوحة في إحدى الحدائق بقولهما: “وَقفت هناك على رجليها القويتين وأمالت رأسها إلى الخلف ولوحت بيديها، وكأنها أميرة في مملكتها، لكن المستقبل على وشك أن يدثر حياتها بلحاف الأسى. فلو أن آلة تصوير التقطت لها صورة بعد ست سنوات، لوجدناها مكبة على وجهها تحملق إلى ثرى مآسيها بدلا من ثريا طموحاتها، ولانْـحل رباطُ جأشها وانحدرت ثقتُها بنفسها انحدارَ صفوان من شاهق”. ومثل الصورة السابقة فإن صورًا أخرى أشد مبالغة في إيذانها بعظم الخطر (المتوهم) المحدق بالإناث ستظل ترسم. كتبت ميري بايفر أستاذة علم النفس الإكلينيكي في كتابها “إحياء أوفيليا” عام 1991 والذي يعد أكبر الكتب المتحدثة عن مأساة البنات نجاحًا: “إن شيئًا غامضًا مبهمًا يحدث للمراهقات  في زهرة أعمارهن، فكما تختفي السفن والطائرات في مثلث برمودا، فإن هذه الزهور تُمزَّع بتلاتها ثم تذهب أدراج الرياح”.

إن وصف المراهقات بالتعرض للعذاب والأذى مشعر بالقلق، لكن لم نر بعدُ أي دليل معتبر يعضد هذا الوصف. وقطعا لم تحضر جيليجان ولا من نحا نحوها واتبع خُطاها أي دليل محكم قائم على المنهج المرضي والمتبع في مجالات علوم الاجتماع. في الجانب الآخر فإن العلماء الذين يلتزمون بقواعد البحث العلمي ويستنون بسننها= تتبدى لهم صورة أكثر إشراقا عن الفتيات المراهقات.

آن بيترسين الأستاذة الجامعية السابقة في طب الأطفال ونمو المراهقين في جامعة مينيسوتا، ونائبة الرئيس الحالية في مؤسسة Will Keith Kellogg Foundation تحكي إجماع الباحثين في علم نفس المراهقين قائلة: “من المعلوم أن غالبية المراهقين من كلا الجنسين يتجاوزون هذه المرحلة التطورية في حياتهم بنجاح، ودون أية مشاكل عاطفية أو نفسية مؤثرة، وأيضا يشكلون هوياتهم وشخصياتهم على نحو إيجابي، ويستطيعون تكوين علاقات سليمة مع عائلاتهم”. دانيال أوفر بروفيسور علم النفس بجامعة نورث ويسترن، يتلو الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ويقول: “إن جيلاً جديدًا من الدراسات يشير إلى أن 80% من المراهقين طبيعيون و منخرطون في حياتهم الاجتماعية بشكل عادي”.

وفي حين كانت جيليجان ترفع صوتها منذرة بحلول المصيبة، أُجريت دراسة بجامعة ميشجان على 3000 طالب وطالبة في المرحلة الثانوية اختِيروا وفق معايير علمية. كان سؤال الدراسة:(كيف هو رضاك عن حياتك بمآثرها ومثالبها؟ هل أنت شديد السعادة أو متوسط السعادة، أو أنك لست راضيًا عنها هذه الأيام؟ أظهرت النتائج أن 86% من الإناث و 88% من الذكور أجابوا بالرضى عن حياتهم ، لو أن تلكم البنات كن حقا في ‘انحدار نحو الهاوية‘ كما قال سادكر وزوجته فإنّهن على ما يبدو غير مدركات لذلك.

على الضد من القصة المأساوية التي ترويها لنا جيليجان وأتباعها، فإن الفتيات في التسعينات تقدمن في مجالات الحياة بشكل غير مسبوق. صحيح أن البعض وجدن أنفسهن ‘يغرقن في بحر الثقافة الغربية‘ (وكان منهن من وجد نفسه بين يدي الأطباء النفسيين)، ولكن السواد الأعظم منهن كان يعيش حياة هانئة، و يسابقن الفتيان في سني الدراسة الأولى بل ويسبقنهم، ويدخلن الجامعة بأرقام لم يسبق أن عرفت، و يحضرن دروسا لأصعب المواد وأكثرها تحدِّيا، ويشاركن في الرياضات المختلفة، وبشكل عام فقد نلن من الحرية والفرص ما لم يسبق أن نالته فتاة في ما غبر من الأزمنة.

الفرق الكبير بين زعم جيليجان عن المراهقات وما أدلى به علماء آخرون= يشير بأصابع الريبة والشك إلى جودة بحوث جيليجان ومصداقيتها، ويرتفع صوت العجب كلما فحص المرء طرقها وأساليبها في البحث. إن كارول جيليجان شخصية معروفة ومقدرة، فكثيرًا ما اقتبس الصحفيون كلامها فيما يتعلق بعلم نفس الأخلاق النسوية. وقد كانت امرأة العام في  Ms. magazine في 1984. ووضعتها مجلة  Time في قائمة أكثر الأمريكيين تأثيرًا في 1996. وحازت عام 1997 جائزة هاينز Heinz Award  وقدرها 250000 دولار “لتغييرها نموذج التفكير عما يعنيه أن تكون إنسانًا”. ولا شك أن تغييرًا كهذا مفخرة كبيرة وحدث كبير. ولاشك أنه سيتطلب قدرًا كبيرًا من الأدلة التجريبية المعتبرة. ولكن في الواقع فإنّ معظم بحوث جيليجان مبني على قصص وأحاديث جاءت من عدد صغير من المقابلات. وأيضًا فإن البيانات التي استخدمتها غير متاحة للمراجعة، مما يبعث الشك في قوتها وموثوقيتها.

قدَّم كتاب “بصوت مختلف” الأطروحة المثيرة للجدل القائلة أن الرجال والنساء يملكون طرقا مختلفة للتعامل مع المشاكل الأخلاقية. استنادًا إلى بيانات من ثلاث دراسات قامت بها،  فإن جيليجان وجدت أن النساء يملن إلى أن يكن أكثر لطفا واهتماما، وأقل منافسة، وأقل تجريدًا وتنظيرًا من الرجال وأكثر واقعية؛ فهن يتحدثن بلغة اللطف والتعاطف. تعالج النساء المواقف الأخلاقية بمنطق الاهتمام واللطف، على العكس من الرجال الذين يقفون موقف الحزم والالتزام بالقوانين والمبادئ المجردة في المواقف الأخلاقية، فهم يتعاملون بمنطق العدل. واحتجت جيليجان كذلك بأن الأسلوب الأخلاقي الذي تتبعه النساء لم يدرسه العاملون بمجال علم النفس بشكل كافٍ. ووصلت إلى أن مجالات علم النفس وفلسفة الأخلاق بكاملها مبنية على دراسات تهمل النساء بالكلية.

نجح هذا الكتاب نجاحا سريعا، وبلغت شهرته الآفاق، فقد بيعت منه 600 ألف نسخة وترجم إلى 9 لغات. قال أحد مراجعي الكتاب في مجلة  Vogueمفسرًا سبب جاذبية الكتاب: إن جيليجان ترمي بالتصورات المسبقة عن النساء عرض الحائط. بل إنها حولت ما كنا نتوهم أنه نقاط ضعف إلى نقاط قوة لدى النساء. من المستحيل أن تقرأ كتابها بعين منصفة إلا ويرتفع للنساء عندك شأوٌ ولا شأن.

تلقى الكتاب ردود فعل مختلفة من النسويات. صُدم بعضهن بفكرتها التي تقول أنّ النساء مختلفات عن الرجال بل يَـفُـقْـنَـهم أداءً، من بينهم الفيلسوفتان فيرجينيا هِلد و سارة رَدِك، وآخرون ممن يطلق عليهم: نَـسَـويات التغيير. وعلى الضفة الأخرى هاجم بعض النسويات جيليجان لكونها تُـرَسِّـخُ في كتابها التصوراتِ التقليديةَ عن الأمومة والحضانة واللطف الفطري في النساء وغيره. ووجد كثير من علماء النفس الأكاديميين ممن ينتسبون أو لا ينتسبون إلى النسوية دعاوى جيليجان عن الفروقات والتوجهات الأخلاقية لدى الرجال والنساء غيرَ مقنعة وغيرَ مُدَعَّمَة بما يكفي من الأدلة. فقد راجع لورنس ووكر من جامعة بريتيش كولومبيا 108 دراسات عن الفروقات بين الجنسين فيما يتعلق بخياراتهم الأخلاقية. وأصدر عام 1984 مراجعة للكتاب في مجلة علمية مختصة بقضايا نمو الأطفال اسمها Child Development يدلي فيها باستنتاجاته أن: “الفروقات بين الجنسين في خياراتهم الأخلاقية في عمر المراهقة والشباب تكاد تنعدم”. وفي عام 1987 حاول 3 علماء نفس بكلية أوبرلين اختبار أطروحة جيليجان. وقاموا بامتحان مئة طالب وطالب من الجنسين امتحانًا في التفكير الأخلاقي و استنتجوا أنّه: لا وجود لفروقات ذات أثر بين الجنسين بالقدر الذي أشارت إليه جيليجان”.  وبنحو موافق لِووكر، أشار الباحثون الثلاثة أن “جيليجان أخفقت في إيراد أدلة علمية تجريبية مقبولة لدعم ادعائها”.

قامت أطروحة جيليجان في كتابها “بصوت مختلف” على ثلاث دراسات أجرتها جيليجان: ‘دراسة طالب الكلية‘ و‘دراسة قرار الإجهاض‘ و‘دراسة الحقوق والواجبات‘. إليك كيف قامت جيليجان بوصف الدراسة الأخيرة:

“اشتملت هذه الدراسة على نماذج من كلا الجنسين تطابقت فيهم صفات العمر والذكاء والتعليم والوظيفة والوضع الاجتماعي على مقياس من تسع درجات يشمل دورة حياة الفرد: وكانت أعمارهم: 6، 9، 11، 15، 19، 22، 25-27، 35، 45، 60.  كان عدد الذين أجريت عليهم الدراسة 144 شخصًا (8 من الذكور و8 من الإناث في كل مرحلة عمرية)، وكذلك نموذجا فرعيا آخر من 36 شخصًا (اثنان من الذكور واثنان من الإناث  في كل مرحلة عمرية). جُمعت البيانات عن تصوراتهم عن النفس والأخلاق، وعن تجاربهم في المواقف الأخلاقية الحرجة، وعن أحكامهم على مسائل أخلاقية مفروضة أو متخيلة.”

هذا الوصف هو كل ما تعلمه عن آلية الدراسة، التي يبدو أنها لم تُسَمَّ تسميةً رسميةً ولم تُنشر، ولم تخضع لمراجعة الأقران وكانت على كل حال ضيقة النطاق وفقيرة في عدد الأفراد المختبرين، ولا يمكن الوصول إلى بياناتها.

في سبتمبر عام 1998، اتصلت مساعدتي الباحثة إليزابيث يوين بمكتب جيليجان، وسألتهم عن كيفية الحصول على نسخ الثلاث دراسات اللواتي كنَّ العُمُد لكتابها ‘بصوت مختلف‘. وكان رد تاتيانا بيرتش أن البيانات غير متاحة وليست مفتوحة للعامة، وبسبب حساسية البيانات خصوصا المتعلقة بالإجهاض فإنّها ستبقى سرية. ولما سئلت عن مكان حفظها أجابت أن البيانات الأصلية تجهز حاليا لترسل إلى مكتبة جامعة هارفارد.”البيانات موجودة صدقا في المكتب، ونحن على وشك إرسالها إلى مركز Murray البحثي”، كما قالت. وفي أكتوبر عام 1998 قام هيو ليبيرت أحد طلابي ومساعديَّ في هارفارد بالحديث مع بيرتش. وأخبَرَتْه أن هذه البيانات لن تكون متاحة قبل نهاية العام الدراسي وأضافت: “قد احتفظنا بالدراسات بمنأى عن الأعين لأن مواضيعها حساسة، واقترحَت عليه أن يتصل مجددًا بين حين وآخر”. حاول هيو مجددًا في مارس، ولكنها أخبرته هذه المرة أن”البيانات لن تكون متوفرة لفترة طويلة”.

حاول مساعدي ليبرت التواصل معهم مرة أخرى في سبتمبر الماضي. أرسل بريدا إلكترونيا مباشرة إلى جيليجان، لكن بيرتش هي التي ردت عليه قائلة:

“لن تُنشر أي دراسة من دراسات كتاب ‘بصوت مختلف‘. ونحن في طور التبرع ‘بدراسة طالب الجامعة‘ إلى مركز Murray البحثي في رادكليف، ولكن هذا الأمر لن يتم قبل سنة من الآن على أقل تقدير. وفي الوقت الحالي فإن البروفيسور جيليجان لا تنوي التبرع بالدراستين الأخريين. أعتذر لك عن عدم توفر ما تحتاج إليه”.

بريندان ماهر بروفيسور في جامعة هارفارد ورئيس كرسي قسم علم النفس السابق. أخبرْتُه بعدم إمكانيتنا الوصول إلى بيانات جيليجان وعذرُها هو أن هذه البيانات حساسة لدرجة جعلت نشرها متعذرًا. فضحك وقال: “إنه لأمر غير عادي أن يقال إن بيانات امرئ ما شديدة الحساسية لدرجة أنه لا يمكن للآخرين أن  يروها”، وأشار إلى أن هناك ضوابط منهجية للتعامل مع المعلومات السرية في البحوث العلمية،  تخفي الأسماء وتنشر النتائج “ليرى الآخرون إن كان باستطاعتهم إعادة تمثيل البحث”. وعلى الباحث أيضًا أن يشرح كيف اختُبرت مواضيع البحث، وكيف سُجلت المقابلات والمنهج الذي استخدم لتفسير النتائج.

 

 

السياسة في رداء العلم

لاقت أفكار جيليجان عن المراهقات المظلومات رواجًا بين المنظمات النسوية اللاتي لم يكن لديهن أدنى شك في أن المجتمع يقسو على النساء. وجذبت انتباه الجمعية الأمريكية للنساء الجامعيات AAUW ذات التأثير السياسي الكبير، وقد قيل أن منتسبيها قد جذبتهم أبحاث جيليجان وأنهم يريدون معرفة المزيد. في عام 1990 أصدرت مجلة الأحد التي تصدرها صحيفة نيويورك تايمز New York Sunday Magazine ملفا شخصيا لجيليجان وهو ما عجل باكتشاف أزمة الإناث المستترة عن الأبصار. ثم بُعيد ذلك ببرهة أجرت AAUW دراسة بالتعاون مع مركز Greenberg Lake للاستطلاعات، سأل الباحثون فيها 3000 طفل (2400 بنت و 600 ولد من الصفوف 4-10) عن تصوراتهم عن أنفسهم. ثم في عام 1991 نشرت الرابطة النتائج المقلقة في تقرير بعنوان “بخس الفتيات، بخس أمريكا”. يقول التقرير: “إنّ الفتيات بعمر الثامنة والتاسعة واثقات بأنفسهن ولهن شخصيات قوية وهمم عالية، ولكن دوائر الزمان لا تتركهن إلا وقد تحولن بعد المراهقة إلى نفوس مهزومة وهمم مقيدة وطموحات محطمة”. آن براينت المديرة التنفيذية في AAUW والخبيرة في العلاقات العامة، نظمت حملة إعلامية لتخبر الجميع أن ‘المأساة الأمريكية المنسية‘ كُشفت وما عاد رداء التستر يحجبها. وقامت بعدها الصحف والمجلات في البلاد بنشر تقارير تروي أن الفتيات يتأثرن بعدم المساواة بين الجنسين إلى أن تتآكل ثقتهن بأنفسهن. وأخبرت شيرِن شُستر -التي كانت رئيسة الرابطة في ذلك الوقت- نيويورك تايمز New York عن سبب قيام الرابطة بالعمل على التقرير قائلة: “أردنا أن نعضد اعتقادنا بعدم المساواة ببعض الأدلة الحقيقية والواقعية”.

وبينما كانت هذه الدراسة تحتل عناوين الصحف الرئيسية، نشرت صحيفة  Science News -وهي صحيفة مغمورة وكانت تغذي الصحف المهتمة بآخر أخبار التقدم في العلوم والتكنولوجيا- تقريرًا أبدى فيه مختصون في مجال تطوير المراهقين ارتيابهم بشأن نتائج الدراسة السابق ذكرها. الراحلة روبيرتا سيمونز التي كانت بروفيسور علم الاجتماع بجامعة بيتسبيرغ، والتي وصفتها صحيفة ساينس نيوز Science News قائلة: “هي الموجهة القائمة على الدراسة الأكثر طموحا واتساعا عن ثقة المراهقين بأنفسهم إلى الآن”. قالت أن بحثها لم يسفر عن أية اختلافات جوهرية بين الجنسين كما تقول AAUW واستنادا إلى كلامها فإن: “معظم الأطفال يمرون بسن العاشرة وصولا إلى العشرين بلا أية مشاكل كبيرة، وتنمو ثقتهم بأنفسهم نموا طبيعيًا”. لكن شكوك سيمونز والخبراء الآخرين لم تنشر في أيٍّ من تلك المئات من الصحف كما فعلت مع بحث Greenberg Lake.

ثم قامت الرابطة الماضي ذِكرها مجددا وبسرعة بدراسة جديدة أسمتها: “كيف تبخس المدارس حقوق فتياتِها”. قام بها هذه المرة مركز كلية Wellesley لدراسات المرأة ونشرت في 1992، وكانت الدراسة تركز على تأثيرات اللامساواة (المزعومة)  بين الجنسين على أداء الفتيات في المدارس. أكدت الدراسة أن المدارس تحطم ثقة الفتيات “بسلبهن حظهن من الاهتمام داخل الفصول بشكل منظم” وهذا الانحياز إلى البنين يؤدي إلى تثبيط عزمهن وإضعاف إنجازاتهن الأكاديمية. كانت مأساة جيليجان تتحول إلى قضية حقوق مدنية، فقد كانت الإناث ضحية لتمييز جنسي واسع الانتشار. قالت الرابطة معلقة: “إن التداعيات واضحة جلية، وعلى النظام أن يتغير”. ثم بعد ذلك أصدر كتاب بنفس العنوان (كيف تبخس المدارس حقوق فتياتها) و تلقفته الصحافة ومعجبون ليس لهم من النقد والتمحيص البنَّاء نصيب. وكانت المقالة التي نشرتها سوزان شايرا في عام 1992 لنيويورك تايمز الشكل الاعتيادي الشائع من التغطية الصحفية حينذاك. يقول عنوان المقالة: “الانحياز ضد الفتيات يبلغ أوْجَهُ في المدارس مسببًا أضرارًا يصعب زوالها”. كتبتها شايرا من غير أن تقوم بمقابلة أي ناقد لهذه الدراسة. ثم فيما بعد، أخذت AAUW هذه المقالةَ وأعادت كتابتها وجعلتها ضمن أحد برامجها لجمع التبرعات.

اتصلتُ في مارس العام الماضي بشايرا وسألتها عن الطريقة التي اعتمدتها لتحليل الدراسة وفهمها. وسألتها عما إذا كان بإمكانها كتابة نفس المقال بنفس الطريقة هذه الأيام. فأجابت بالنفي وأشارت إلى أنها تعلمت الكثير عن مشاكل الفتيان في المدارس منذ ذلك الحين. وسألتُها أيضًا عن سبب عدم إدلائها بالآراء المعارضة للدراسة في مقالها، فأجابت أنّها كانت على سفر في الوقت الذي نشرت فيه الدراسة، وأن موعد التسليم كان قد اقترب. يبدو إذن أنّها اعتمدت بشكل كبير على تلك الدراسة وحسب، من غير أن تنظر إلى مصادر أخرى غيرها. يجدر القول أن شايرا حاولت التواصل مع دايان رافيتش التي كانت السكرتيرة المساعدة في دائرة التعليم في الولايات المتحدة والتي كانت ناقدة معروفة لنتائج أي بحث أو دراسة مناصرة لقضايا المرأة، ولكنها لم تنجح.

مضت ستُّ سنوات، ثم نشرت نيويورك تايمز قصةً في صفحتها بثت موجة من الشكوك حول الدراسة الماضي ذكرُها. وهذه المرة نجحت الصحفية تامار لِوين بالوصول الى دايان رافيتش التي قالت لها: “كانت تلك الدراسة خاطئة بالكلية”. الطريف أن الدراسة رأت النور في الوقت التي كانت الفتيات يتفوقن فيه على الفتيان في معظم المجالات. ربما كانت ستكون استنتاجاتها صحيحة قبل 20 سنة مضت، ولكن وقت خروجها كان سيئًا جدًا. فقد كانت هناك كل تلك البرامج المخصصة للفتيات، في حين لم ينل الفتيان حظهم منها.

إن واحدًا من الأشياء الكثيرة التي أخطأ فيها التقرير مثلاً هو موضوع الاختلاف ما بين الجنسين فيما يتعلق ‘بالصراخ بالإجابة‘. فطبقا لرابطة AAUW أوضحت دراسةٌ أجراها سادكر وزوجته أن الطلاب الذكور في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة يرفعون أصواتهم بالإجابة أكثر بثماني مرات من الإناث، وكلما صاحوا بالإجابة أصغى المدرسون، لكن عندما ترفع الفتيات أصواتهن بالإجابة فإن المدرسين يأمرونهن برفع أيديهن أولا.

يبدو أن هذه الدراسة -كما وجدنا- مفقودة ولا يمكن إعادة بحث نتائجها. في عام 1994 طلبت إيمي سالتزمان العاملة في U.S News & World Report من سادكر نسخة من الدراسة التي استند إليها في زعمه عن ‘الثماني مرات‘ في الفقرة السابقة. أجابها سادكر أنّه عرض نتائجه في ورقة بحثية غير منشورة في ندوة كفلها الاتحاد الأمريكي لبحوث التعليم. ولا يملك لا هو ولا الاتحاد نسخة من الدراسة هذه. ثم اعترف سادكر أن النسبة المذكورة أعلاه قد تكون غير دقيقة. وبالفعل، فقد أشارت سالتزمان إلى دراسة مستقلة أجراها البروفيسور المساعد لمادة التعليم بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، التي وجدت أن الأولاد يجيبون بغير استئذان مرتين أكثر من الفتيات لا غير. على كلٍّ، أيّاً كانت النتائج، فلم يُقدم أحد أي دليل يثبت أن السماح للطلبة برفع الصوت بالإجابة له تأثيرات إيجابية أو سلبية على المستوى الأكاديمي. لكن الأمر الذي له تأثير هو مشاركة الطلاب، فالفتيان أقل مشاركة وهو ما قد يدفع ببعض المدرسين لدفعهم للإجابة أكثر من الفتيات، أو إلى تغاضيهم عن عدم التأدب بأدب الإجابة.

بيد أن هذه الدراسة القائلة بخفوت شعلة الفتيات على المستويين الشخصي والأكاديمي، -على ما فيها من استشراء الخطأ- فقد خطا ركبُها صاعدًا مدارج الشهرة واستقر في أعلاها. يصف ساكر وزوجته فرح آن براينت أحد العاملين في الرابطة وهي تخبر أصدقائها قائلة: “أتذكر لما ذهبت إلى النوم ليلةَ أصدر التقرير، كنت مسرورة جدًا. فلما أفقت بالصباح كانت أول فكرة طرقت خاطري قولي: “يا ربِّ، ما نصنع بهذا الأمر منذ اليوم؟” ثم حدث أن انحازت قوى سياسية إلى جانبهم، وانتصر مؤيدو هذه القضية مرة أخرى.

أدى تصنيف الإناث على أنهن شرذمة مستضعفة استضعافَ الأقليات الأخرى في الدولة، إلى إصدار الكونجرس وثيقة المساواة بين الجنسين عام 1994. و صُرفت الملايين من الدولارات لدراسة هذا الشأن و كيفية ردع اللامساواة ضدهن. ثم في المؤتمر العالمي الرابع لشؤون المرأة بالأمم المتحدة في بكين عام 1995، قام فريق من أعضاء الوفد الأمريكي بعرض قضية التأثيرات السلبية النفسية والتعليمية على الفتيات الأمريكيات على أنّها قضية انتهاك لحقوق الإنسان.

 

 

وسقط القناع

في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين بدأت الحقيقة تتكشف للعيان، وبدأت تظهر أصوات قد ملأها القلق بشأن الفتيان لا بشأن الفتيات هذه المرة. في عام 1997 أعلنت شبكة التعليم العام في مؤتمرها السنوي عن نتائج لاستبانة جديدة أجرتها بشأن الطلاب والمعلمين و وسمتها “بالمعلم الأمريكي 1997: قضايا الجندر في المدارس العامة تحت المجهر”. مولت الدراسة شركة لتأمين الحياة وأجرتها شركة لويس هاريس وشركاؤه للبحوث.

خلال فترة قدرها ثلاثة أشهر في عام 1997 سُـئِـل 1306 طالبًا و 1035 مدرسًا في الصفوف 7 – 12 عدة أسئلة عن المساواة بين الجنسين. ولا داعي للقول إن ممول الدراسة والقائم عليها لا مصلحة ‘فكرية‘ لهم في هذا الشأن حتى نقلق بانعدام الموضوعية. وما وجدته هذه الدراسة يناقض معظم ما وجدته رابطة AAUW و سادكر ومايرا و مركز جامعة ويلزلي لدراسات المرأة. يقول الاستبيان: “على الضد من الرأي الشائع القائل أنّ الأولاد لهم أفضلية على البنات فإنّه يبدو أن البنات لهن الأفضلية من حيث خططهن المستقبلية وتوقعات المدرسين عنهن وحتى في المواقف التي يمررن بها كل يوم في المدرسة مع المدرسين والطلبة”. وهناك نتائج أخرى من هذه الدراسة: الفتيات أكثر ميلاً إلى أن يرين أنفسهن متقيدات بالدراسة وأكثر رغبة في تحصيل تعليم جيد. وعلى الكفة الأخرى فإنّ %31 من الأولاد (نسبة أكبر من البنات بنسبة %11) يشعرون أن المعلمين لا يولونهم اهتمامًا كبيرًا.

في المؤتمر، عرضت نانسي ليفِرت أستاذة علم نفس الطفل بمعهد الأبحاث في مينيابوليس تقارير استبيانات قامت بها هي وزملاؤها على أكثر من 99000 طفل في أعمار من 6 إلى 12. سئل الأطفال فيها عما يسميه الباحثون ‘أصولا تنموية‘. حدد المعهد 40 أصلاً تنمويًا أو ‘لبنة أساسية للنمو الصحي‘، نصف هذه اللبنات عوامل خارجية مثل :العائلة الجيدة ووجود أسوة حسنة في حياة الطفل، و نصفها الآخر عوامل داخلية مثل: امتلاك الطفل طموحًا مستقبليًا، وامتلاكه معنى وهدفا في حياته، وامتلاكه ثقة اجتماعية. قالت ليفريت -بشكل اعتذاري نوعا ما- أن الفتيات تفوقن على الفتيان فيما يتعلق ب 37 بندا من أصل 40 بندا. تفوقت الإناث على الذكور في معظم البنود التي تقاس بها جودة الحياة، فقد كن أقرب إلى عائلاتهن و امتلكن طموحات أكبر وارتباطا أكبر بالمدرسة وكن أقوى شخصية من الفتيان. ختمت ليبرت كلامها بقولها أنّها سبق أن وصفت الإناث بالهشاشة والضعف، لكن هذه الاستبانة “أرتني أنّهن يرتكزن على أساس قوي”.

اتحاد Horatio Alger Association المؤسس قبل 50 عاما، والداعي إلى دعم المبادرات الفردية والسعي وراء ‘الحلم الأمريكي‘ يطلق سنويا استبيانات عن العودة للمدارس. ألقى أحد الاستبيانات التي أجراها هذا المعهد عام 1998 الضوء على مجموعتين من الطلبة: شديدي التفوق ويشكلون %18 من الطلاب الأمريكيين وضعيفي المستوى ويشكلون %15 من الطلبة. كان المتفوقون يعملون بجد ويختارون موادَّ أكثر تحديا لذكائهم ويضعون المهام المدرسية على رأس أولوياتهم و يحصلون على نتائج عالية ويشاركون في أنشطة خارجة عن نشاطهم الدراسي ويشعرون أن المعلمين والإداريين يستمعون إليهم ويهتمون بأمرهم. طبقا لنتائج هذا الاتحاد كانت المجموعة المتفوقة مكونة من %63 من الإناث و %37 من الذكور. وعلى الكفة الأخرى كان الضعفاء متشائمين بشأن مستقبلهم ودرجاتهم متدنية وقليلي التواصل مع مدرسيهم. هذه هي الفئة التي يصح أن نطلق عليها الفئة المخذولة، والتي يشكل الذكور فيها %70 من العدد الكلي طبقا لنتائج الاتحاد.

في ربيع عام 1998 نشرت جوديث كلاينفيلد عالمة النفس بجامعة ألاسكا نقدًا دقيقا وشاملاً للبحوث التي تناولت فتيات المدارس و عنونته: “خرافة ظلم المدارس للفتيات: علمُ الاجتماع وسيلةً للخداع”. كشفت فيه كلاينفيلد عن عدد من الأخطاء في دراستي رابطة AAUW  ومركز ويلزلي مستنتجة أنّها كانت قضية سياسية خُلعت عليها أزياء العلم. ثم شجع هذا البحث فيما بعد عددًا من الدوريات مثل نيويورك تايمز و إديوكيشن ويك على إعادة النظر مرة أخرى في الزعم القائل بمأساوية حالة الإناث.

لم ترد رابطة AAUW  ردًا حاسمًا على اعتراضات كلاينفيلد، و بدلا من ذلك، اشتكت ماجي فورد الرئيسة الحالية للرابطة في مقال في نيويورك تايمز بأن كلاينفيلد “هونت من المشكلة بل جعلتها مسألة تنافس سخيف: من تضرر أكثر البنات أم الأولاد؟ وهذا الأمر لن يوصلنا إلى حل لأية مشكلة”. إنّه لأمر عجيب أن ينطق مثلَ هذا الرد رئيسةُ المركز الذي سعى جاهدا في ما مضى على أن يشيع دعوى أن الفتيات مظلومات.

 

 

الأولاد وأمهاتهم 

انتشرت موجة هادئة من إعادة النظر في تلك الدعاوى بعد تزايد الأدلة على أن رجحان الكفة كان في صالح الفتيات لا الفتيان. بل إن بعض المعلمين اعترفوا أن الذكور من الطلاب قد يكونون في الجانب الأسفل و الأهزل من قضية اللامساواة بين الجنسين. عام 1998 قابلتُ رئيس لائحة التعليم في أتلانتا و سألته: من المتقدم في مضمار التعليم؟ البنات أم البنين؟ فقال: “البنات”، من دون تردد. قلت: “في أي المجالات تَـقَـدُّمُهن؟” قال: “أيَّ مجالٍ شئتِ”. ويقول مدير مدرسة في بنسلفانيا عن مدرسته:”إن الطلاب الذين يملؤون قوائم تاركي الدراسة والذين فصلوا من المدرسة والذين سقطوا في امتحاناتهم وغيرها من قوائم السلوكات الدنيا هم في الغالب من الذكور وبفارق عن الإناث لا تخطئه العين”.

بل إن كارول جليجان بدأ يسترعي الأولادُ اهتمامها هي أيضًا. عام 1995 عملت هي وزملائها في كلية التعليم بجامعة هارفارد على “مشروع هارفارد على سيكولوجية النساء ونمو الفتيان و ثقافة الرجولة”. وخلال عام وحسب صرحت بوجود أزمة بين البنين تشاكل في خطورتها أزمة البنات أو تكاد تزيد. و كتبت عام 1996 مقالة بعنوان:”مركزية العلاقات الإنسانية في مراحل نمو الإنسان” تقول فيها: “إن وجود الفتيات في نظام أبوي ذكوري يلقي بظلامه على نموِّهن السيكولوجي، وإنه لأشد ظلمة على البنين”.

زعمت جيليجان أنّها اكتشفت نمطًا صادما من عدم التشاكل في مراحل نمو الأطفال. تمر الفتيات بالمشاكل والصدمات النفسية في فترة المراهقة بينما تتكون الأزمة بالنسبة للفتيان في سِنـيِّـهم الأولى. فهم يمرون بالضغوطات لأجل أن ” يَـشُـبُّوا على البنية الاجتماعية والأخلاقية للحضارة الذكورية؛ لأجل أن تنموَ الروح الذكورية في داخلهم”  وهذه العملية من “تقمص الذكورة” تصبيهم بصدمات نفسية مؤذية. وصرحت جيليجان في بوسطن جلوب Boston Globe عام 1996:”كثيرًا ما تظهر على الأولاد في هذه الأعمار أعراضٌ من الاكتئاب والتصرفات غير الطبيعية وصعوبات التعلم، بل حتى أعراضٌ من الحساسيات و التأتأة و التلعثم”. قد يرحب المرء بتقبل جيليجان أن الفتيان يعانون من مشاكلَ كتلك، هذا مع عدم غض الطرف عن مزاعمها المُشكلة بشأن أسباب هذه المشاكل ومصادرها.

تتكون نظرية جيليجان من ثلاث فرضيات:

  • يُعاد تشكيل عقليات الصبية تشكيلاً معوجًا بفصلهم عن أمهاتهم فصلا جبريا يصيبهم بصدمات نفسية.
  • يُحال بين البنين وبين التعبير عن مشاعرهم ويُحرمون -بما يسببه ذلك من ضرر على قواهم العاطفية- من تكوين علاقات صحية.
  • إن إصلاح هذه الأمة قد يعتمد على تحرير الفتيان من هذه الثقافة التي تُعلي من شأن قيم الشجاعة والشرف والبطولة والتنافس، والتخلص من ثقافة المحاربين والاقتصاد الرأسمالي.

فلنفحص هذه الأقاويل بمبضع النقد و نرَ أيصدقُ زعمها أم لا؟

أولاً، وفقا لجليجان فإن الأولاد في خطر منذ سنيِّ عمرهم الأولى، فتبدأ معاناتهم مع مشاكل التأتأة والتلعثم وصعوبات التعلم بل والتبول اللاإرادي ويحدث ذلك قبل أن تتمكن العادات والتقاليد من إبعادهم عن أمهاتهم (أحيانًا تضيف جيليجان إلى هذه القائمة أمراض الحساسية واضطراب فقدان التركيز و محاولات الانتحار)، ومع ذلك فهي لا تشير إلى أي مصدر بحثي طبي لتدعم به نظريتها عن أسباب هذه المشاكل ومصادرها. هل ثمة أية دراسة مثلاً تقول أنّ الصبية الذين يطيلون اللُّـبث والمُكث عند أمهاتهم أقل عرضة للحساسيات أو أقل تبليلاً لفُرُشِهم؟ إن تأكيد جيليجان على أن العادات الاجتماعية هي التي تدفع بالأولاد ليبتعدوا عن أمهاتهم وتسبب لهم بذلك اضطراباتٍ صحيةً لهو أمر غير مُثبت تجريبيًا. ولم تقترح جيليجان أي اقتراح لكيفية اختبار ادعائها، ولا يبدو أنّها ترى أن ادعاءاتها هذه ينبغي دعمُها بدليل تجريبي، فهي تملؤها الثقة أن الصبية في سنواتهم الأولى ينبغي حمايتهم من هذه الثقافة التي تُـعَـزِّزُ فيهم مبادئ الرجولةِ قيمَ الحربِ وقيمَ الاقتصادِ الرأسمالي، والتي تَسْتَلِبُ من الصبية الصغار مشاعرَهم وأحاسيسَهم، وهي بهذا السببُ الجذريُّ لتصرفاتهم المنكرةِ وغير الطبيعيةِ، وهي مصدرُ الحروب وغيرها من جرائم العنف التي يقترفها الرجال.

لكن هل حقًا أن عنفَ الفتيان وعدوانـيَّـتَـهم سبَبُه فصلُهم عن أمهاتهم؟ ثلاثون عامًا من الأبحاث تشيرُ إلى أن غياب الأب عن المنزل هو المتسبب الأكبر في ذلك. الفتية الأكثر ارتكابًا للتصرفات العنيفة وغير اللائقة هم الفتية الذين فصلوا حقيقةً لا مجازا عن آبائهم (أي أن الأب غائب تمامًا عن المنزل). فوفقا للمكتب الأمريكي للإحصاء فإنّه في عام 1960 كان عدد الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم دون آبائهم مليون ونصف، ووصل عددهم في عام 1996 إلى أكثر من 16 مليونا. وبارتفاع ظاهرة ‘اليتم الأبوي‘ ارتفعت كذلك معدلات العنف. الكتابات التي أنشئت بهذا الشأن ليست حديثة، ففي عام 1965 كتب السِناتور دانييل مونِهان محذرا من مخاطر تربية الأولاد من غير حضور أبوي، فقال في دراسة لدائرة العمال: “إن أي مجتمع يسمح لجموع من أولاده أن يُـنَـشَّـؤوا في عوائلَ مفككةٍ تحكُمُها النساء دون أن يكون لهم علاقة صحيةٌ مع رجل قدوة لهم، ودون أن يكون لهم أية تصوراتِ معقولة وواقعية عن المستقبل، إن هذا المجتمع ينتظر دماره، وإنه مُلاقيه عن قريب”.

وكتب عالم الاجتماع ديفيد بلاكنهورن في “أمريكا اليتيمة” يقول: “على الرغم من صعوبة إثبات الأسباب المباشرة للظواهر في العلوم الاجتماعية، فإنّ تراكم الأدلة يرجح كفة الرأي القائل أن ‘اليتم الأبوي‘ سبب أولي للعنف في أوساط الشباب”. كذلك يؤيد هذا القول وِليَم جالستِن وزميله إليلن كَمارك العاملان السابقان في حكومة الرئيس كلينتون في منصب استشاري الشؤون المحلية. قالا في تقرير صادر عام 1996 معلقيْن على العلاقة بين الجريمة والعوائل فاقدة الأب: “إن هذه العلاقة وثيقة الرباط جدًا، حتى إنك لو تحكمت بشكل العائلة وهيكلها (بتأكيد وجود والدين في كل عائلة مثلا) لتضاءلت حيال هذه العلاقةِ العلاقةُ بين العرق والجريمة، أو العلاقةُ بين الدخل المنخفض والجريمة”. ويتكرر هذا الاستنتاج مرات عديدة في كتاباتهم.

كأن حجابا أُلقي على ناظري جيليجان فلم تر كل الأدلة التي تشير إلى أن فصل الأولاد عن آبائهم يضر بهم، فقد دعت إلى تغيير جذري في تربية الأطفال الذكور بحيث يبقوْن على اتصال مع جانبهم الأنثوي .فتقول أنّنا يجب أن نحرِّر الفتية الصغار من ثقافة رجولية مدمرة “تكبل قدراتهم على الشعور بآلامهم وآلام الآخرين والإحساس بها”. ولأن هذا المرض (كما شخصته هي) مرض عالمي على الأرجح فإنّ التغيير يجب أن يكون جذريًا. يجب علينا أن نغير جوهر الطبيعة الطفولية. يجب أن نتوسل ما يمكننا توسله لإبقاء الأولاد ملتصقين بأمهاتهم. يجب أن نستأصل هذا النظام الاجتماعي الذي عليه “تُبْنَى المجتمعات الذكورية الأبوية”.

إنّ أفكار جيليجان هذه شديدة الجاذبية لأولئك الذين يعتقدون أن مصلحة الأولاد هي في كونهم أكثر اتصالا بعواطفهم ومشاعرهم. لكنه قد يكون من النافع لأي امرئ يبغي نصرة مشروع جيليجان هذا أن يعلم أن أطروحتها المركزية (أن الأولاد مصفدون بأغلال من الأفكار الرجوليه التقليدية) ليست بأي شكل من الأشكال أطروحة علمية تجريبية. ولا يبدو أن جيليجان تعتبرها كذلك، لأنّها لم تدلِ بأية بيانات مؤيدة لكلامها. في الحقيقة، إن أية أطروحة مبنية على الظنون والتخمينات كهذه الأطروحة لا يمكن أن تأخذها أية جهة مختصة في علم النفس على محمل الجد. وإذا ابتغينا أن ننتهج نقدًا أقل حدة وأقل ‘أكاديميةً‘، فإن كلام جيليجان لا يزال على نفس المستوى من اللامعقولية. فمن الطبيعي لأي صبي جرت في عروقه دماء الفتوة والشباب أن يستجدي والده ويسأله أن يعينه على صعود مدارج الرجولة لينال الحظوة في مجتمعه وبين أقرانه. وإذا قيدنا هذه الرغبة قسرًا -رغبةَ أن يكون رجلا كأترابه- فإنه يلزمنا من ذلك أن ننكر دور التكوين البيولوجي والطبيعة الجسدية في تحديد رغبات الناس وطبائعهم. ولسوء الحظ فإن منظري أساليب التعليم هؤلاء هم من يصنعون المشاكل بنكرانهم لهذه الطبيعة.

تتحدث جيليجان عن التغيير الجذري “للهيكل الأساسي للسلطة” بتغيير ما يقيد الفتية الصغار من تصورات تقليدية  وعادات قديمة. لكن ماذا يعني تقييد هؤلاء الفتية وعلى أي شكل هو؟ هل كان مارك توين الشاب أو ثيودور روزفلت مثلا مقيديْن بالصور النمطية عن الرجولة؟ هل تشكل مخيمات الكشافة الصيفية مثلا ضررًا على الأولاد إن هم ذهبوا إليها؟ إن ما تدعو إليه جيليجان من دفع الأولاد ليتشبهوا بالبنات يعني -إن أردنا تطبيقه واقعا- منعهم قسرًا وجبرًا من أن يكوِّنوا مجموعات أصدقاء صبيانية لا فتيات فيها. هذا الوجه الحقيقي المظلم من هذا المشروع الذي يزعم أنه يريد تحرير الأولاد من قيود الذكورية التي تكبلهم.

لاشك أنّ عددًا من الصبيان الصغار فعلا سلبوا رهافة الحس والقدرة على إبداء مشاعر العطف واللين كما قالت جيليجان، لكن هؤلاء لا يمثلون السواد الأعظم من بني جنسهم. جيليجان تطلق أحكاما كلية على الأولاد بقولها إنهم “يكبتون إنسانيتهم” و”يتألمون ولا يتكلمون” وتؤكد على أن هذه حالة عامة وجدت بسبب أن الأولاد يفصلون عن نبعِ الرعاية الأساس، أمهاتِهم. لكن هذا القول تنقضه خبراتنا و مشاهداتنا اليومية. حقٌّ أن الفتيان تغلب عليهم روح تنافسية أو حتى عدوانية على تصرفاتهم، لكن أولئك القريبين منهم كآبائهم وأجدادهم ومعلميهم ومدربيهم وأصدقائهم الذين خبروا صفاتهم وسبروا طبائعهم رأوا منهم البرهان على إنسانيتهم وولائهم وتعاطفهم وتراحمهم.

يظهر أن جيليجان ترتكب مع الأولاد نفس الخطأ الذي ارتكبته مع البنات، فهي تَطَّلع على مشاكل عند عينات صغيرة ثم تفسرها على أنّها مشاكلُ عميقةُ الجذورِ ولَّدَتْها ضغوطاتُ المجتمع وتصوراتُهُ النمطية على الأطفال. وأن الضغط الناتج عن الرغبة في الاتصاف بتوقعات المجتمع يلحق أضرارًا كثيرة بالأطفال من كلا الجنسين في طفولتهم إلى سن المراهقة. لكن في الواقع معظم الفتية ليسوا عنيفين ولا فاقدين للإحساس والمشاعر (إذا استثنينا أولئك الذين لم يربِّهم آباؤهم فاعتنقوا مفاهيم خاطئة عن الرجولة أوهمها بها أقرانهم)، بل إنّهم أولاد، أولاد عاديون، و ليس من عيب أو إخفاق في أن تكون رجلاً كما هي طبيعتك.

هل تفهم جليجان الأولاد؟ هل تتعاطف معهم؟ أبريئة هي من سوء الفهم الذي طال كثيرًا من منظري قضايا الجندر الذين ما فتئوا يلومون ‘الثقافة الذكورية‘ على كل لوثةِ أو علةِ اجتماعية أو نفسية؟ لا شيء مما سمعناه يظهر أن الحكمة جارية على ألسنتهم وأقلامهم يدفعنا إلى أن نثق بأساليبهم الجديدة في التربية الاجتماعية للبنين.

كل مجتمع يواجه مسألة تهذيب أخلاق فتيانهم وشبانهم وتأديبهم. وقد كانت الطريقة المعتادة هي بَذْرُ قيم الشرف والمروءة في نفس الفتى، حتى إذا شبَّ كان له من نفسه -قبل غيره- وازعٌ ورادعٌ عن القبائح، وإنّك إن فعلت ذلك ربيت رجلاً. فهذه الطريقة تحترم طبيعة الأولاد الرجولية، وقد اختبرها الزمان فأثبت جودة نتائجها. حتّى في هذه الآونة، مع اختلال الموازين الأخلاقية واضطرابها، يفهم معظم الشباب كلمة رجل ويُجمِعون على احترام ما تتضمنه من مفاهيم ومبادئ. لكن ما تقترحه جيليجان وأتباعها مخالف لهذا تمامًا، فهو يبتغي تأديب الأولاد بسلب الرجولة عنهم. ولا أكثر وضوحًا من ذلك قولُ جلوريا شتاينم: رَبِّ ولدك كما تربي ابنتك. وهذه الطريقة شديدة الإهانة للفتيان وخصوصياتهم وتعدٍّ للحدود التي ينبغي أن يقف عندها المعلمون في مجتمع ديموقراطي وحر.

هل تمخضت المشكلة المصطنعة عن الفتيات عن أي شيء ذي قيمة ونفع؟ في الحقيقة نعم. فقد أصبح الآباء والمدرسون والإداريون يهتمون أكثر من ذي قبل بمن تعاني من الفتيات في مواد الرياضيات والعلوم، ويمدون يد التشجيع والعون لمشاركتهن في الرياضة. ولكن من ذا الذي يجرؤ على القول أن هذه الفوائد -على أهميتها- تطغى على الأضرار التي أنجبتها الإشاعات القائلة بتفضيل الأولاد على البنات و بانتهاك حقوقهن النفسية والتعليمية؟ كم من فتى اليوم وصم بهذا الجرم الذي لم يقترفه، جرمِ التعدي على الفتيات؟. و لربما قعدت إلى جانبه في درس أو محاضرة فتاة يصفونها بالمسكينة، وهي قد فاقته فطنةً وذكاءً و كانت أقوم منه لسانًا، وأسلم رأيًا.  و لربما وقر في قلبه أن المدرسين أكثر ميلاً إلى إعطائها انتباههم واهتمامهم منه، وأن فرصتها أعظم في التعليم الجامعي منه. وهو مع ذلك يعلم أن الأعين تتوجه إليه متهمة إياه بانتمائه إلى الجنس المهيمن والمفضَّل على غيره.

 

أقول أخيرًا، إنّ الهوة ما بين الجنسين من حيث الإنجازات الأكاديمية لا ريب في حقيقتها. وهي تهدد مستقبل الملايين من الأولاد الأمريكيين. لا يحتاج الرجال أن “ننقذهم” من رجولتهم، بل أن يحصلوا على المساعدة التي يحتاجونها فعلاً. ولكن، في هذا المناخ -المليء بالحنق عليهم- الذي يعيشون فيه، فإنّ أي برنامج موضوع لخدمتهم ومساعدتهم لن يحصل على الدعم  الكافي لأجل أن تكون هذه المساعدات مفيدة لهم، ولابد أن يتغير هذا الوضع. لا بد أن نرفض هذا التحزب والتعصب الجنسي الذي يعمينا عن الفهم الصحيح لهذه القضايا. ولا بد من أن يعلو صوت العدل والاتزان والموضوعية والمعاملة المنصفة فوق أي صوت. وينبغي أن نعمل لأجل لأن تعود المياه إلى مجاريها كما سبق أن كانت، وهذا يعني أن لا نسمح لأحد ارتدى رٍبقة التحزب والتعصب أن يكون من صناع القرار منذ الآن.

اقرأ ايضاً عن: النسوية

المصدر
theatlantic
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق