الدين

«صرعى الاحتراب العلمي»

  • السعيد صبحي العيسوي
  • المحرر: عبد الرحمن الميمان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد؛

وقفتُ كثيراً متأملاً حال أحد المنتسبين إلى العلم في عصرنا، وكان ممن بزَّ فيه، حتى صار له فيه صولة وقلم، فدافع عن الحق، وصرع كثيرين من أهل الباطل، لكنه -فيما يبدو والله أعلم بحاله- لم يكن له حظ من السعادة في علمه، إلا ذلك النَّفَس الملتهب والقلم المحترب، فلا يُنعم النظر إلا في الشكوك والأهواء، ولا يهجع إلا على سَنِّ الرماح وبري أقلام الإبطال، حتى قسى قلبه، فجاءته قاضية المحتربين؛ الشكوك والريب، فزاغ عن الطريق. وكانت سهام هذا الصريع في المنتسبين إلى الحق أنكى فيهم مقارنة بخصومه القدماء الذين عاداهم قبل زيغته؛ لخبرته بالمذهَبَين، وهو ربُّ السيف والقلم؛ سيف الاحتراب وقلم البيان، فتجرأ على الحق بالرفض، وادعى أن الإسلام أغلالٌ موروثة.

إنَّ إلف المعارك –وإن كانت على حقٍّ– بلا حصانة تعبدية وإيمانية، عزلٌ لروح الطالب بظلال كثيفة وقطع لها في وادٍ قَفْر، وما هو إلا وقت يسير حتى يكون القلب مستَقَر الوساوس ومرتَكَز الشبهات.

***

المحتربون بالعلم؛ مَنْ رفعوا مسائل العلم سيوفاً على رقاب المنتسبين إلى الطلب، ووالوا وعادوا على بعضها، وجعلوا أرض العلم ميداناً للانتصار وتصفية الحسابات القديمة، وأدخلوا في أرض العلوم أسواقاً للسوَقة، فبِهم راجَت بضائع الكاسدين من أهل البدع وأعادوا تأهيلهم لفي ثوب عصري ليقبلها الناشئة.

«فما قصة الريب والشك؟»

المحتربون وإن استفتحوا التعلم خلواً من صفة الريب، إلا أنها نَمَتْ عبر الخصومة (لا المباحثة)، والرصد للإبطال (لا للاستفادة)؛ فعبر الخصومات والاحتراب تنمو دائرة الشك والوساوس يوماً بعد يومٍ، فلن تراها مقتصرة على محل الخلاف وإبطال أقوال فاسدة؛ بل تتسع دائرتها، وعبر اللوازم، ستلحق المسلَّمات والقطعيات بركب الظنيات.

وكم رأينا على مدارج الطلب، تساقط بعض شداة العلم، وفي مراحل مختلفة؛ فمنتكسٌ في أول الطلب، وآخر في وسطه، وثالث -مع الأسف!- بعد اشتداد عوده واستقامة ذهنه، فكم اختُطف لبيب فَطِن لم يخطر له يوماً الحيدة عنه أو تنكبه، لكنه سقط، وخارت قواه.

فادَّكر يا طالب العلم! كيف كان وقع ذلك الاحتراب بلا حق ولا حصانة، قائداً إلى مجافاة نور الوحي، والغفلة عن مقصد العلم الأعظم، وعدم اكتحال العين بأنواره؟!

وليتك إذ سفلت أولوياتك كنت في خاصتك، بل هي قدوة السوء التي تستنُّها، والصدود الذي تبذره، وإن كان لا تنويه.

وصدق ربي:

[فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم]

***

فإليك.. يا مَنْ خُطف ببريق تركيب الشبهات ورصها، وانتُزع.. ويا مَنْ حلَّق في خيالات النِّحَل قبل تجذُّر الإيمان والحق في قلبه، فسقط في خنادق مظلمة وليال كالحة لا فجر لها.

أكتبتها نصيحة مختصرة -نفعنا الله وإياكم بها- لعلها تنقذ رميم الأرواح، وتبعث رواحل أرهقتها المعارك.

«تفكر في مقصد العلم وحقيقته»

فالعلم ما أعانك على العمل ودفع الشبهة، يقول ابن الجوزي: «ورأيت بعض القوم يقول: أنا قد ألقيت منجلي بين الحصادين ونمت! ثم كان يتفسح في أشياء لا تجوز!! فتفكرت؛ فإذا العلم -الذي هو معرفة الحقائق، والنظر في سير القدماء، والتأدب بآداب القوم، ومعرفة الحق، وما يجب له ليس عند القوم، إن ما عندهم صور ألفاظ، يعرفون بها ما يحل وما يحرم، وليس كذلك العلم النافع، إنما العلم فهم الأصول، ومعرفة المعبود وعظمته، وما يستحقه، والنظر في سير الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال»[1].

«احذر معاصي السر»

قال بعض السلف في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} هو الذنب بعد الذنب. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب، وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.

وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ، حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلاً وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد[2].

«أدم الاتصال بأهل العلم الكبار»

فإن العلم وإن كانت مادته محفوظة مسطرة، إلا أن الانقطاع عن حملته صورةٌ من صور التفريط في القلوب الواعية، ونأيٌ بها عن الاستفادة من ثمرات العقول، والعلم هو المذاكرة، وفي دوام الصلة إحياء العلم وبعث لمسائل وتثبيت للقلب، خاصة في النوازل الحالّة، وفيها تثبيت لقدم العالم والطالب على صراط الطلب، وحصانة من الزهو وظنون الاكتفاء العلمي.

وديدن «العالم فيما مضى إذا لقي من هو فوقه في العلم كان يوم غنيمة، أو من هو مثله ذاكره، أو من هو دونه لم يَزْهُ عليه، ثم كان هذا الزمان أن صار الرجل إذا لقي من فوقه انقطع عنه حتى لا يرى الناس أن به حاجة إليه، وإذا لقي من هو مثله لم يذاكره، ويزهو على من هو دونه»[3].

«احذر مسالك الهوى»

احذرها؛ لأن الحق عزيز، وكلٌّ مع عزَّته يدَّعيه، ودعواهم الحق تحجبهم عن مراجعة الحق، نعم؛ إن على الباطل ظلمة، وإن على الحق نوراً، ولا يبصر نور الحق إلا من حُشي قلبه بالنور: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [سورة النور:40].

فالمتخبط في ظلمات الهوى، والمتردي في مهاوي الهلكة، والمتعسف في المقال؛ لا يوفَّق للعود إلى الحق، ولا يرشد إلى طريق الهدى، ليظهر وعورة مسلكه، وعزَّ جانبه، وتأبِّـيه إلا على أهله {كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} [الأنعام: 108]([4]).

«وسع معارفك.. واحذر تلك المتاهة»!

تعلم وانتفع من غيرك، وارْقَ سلم العلوم.. واحذر حبالات منصوبة تجتث طلاب العلم واحداً تلو الآخر.

واعلم أن العائد من تلك النِّحَل المخالفة يكون مَهِيضَ الجناح أو طاوي العزم خائره؛ مهيضاً لا حراك له، صُرف عن قضيته؛ أذابت الشكوك والاحتمالات زبدة معارفه وثوابته! فلا قواعد تشد أُزر فهمه، ولا ثوابت يرجع إليها؛ ووضع أمام كل عزيمة حجاباً من المجملات الفضفاضة؛ كالكل محتمل، والأمر واسع، والكل مجتهد.

«لا تكن الغصن العاق».

فإذا كان لا يقطع الشجرة إلا أحد أغصانها، فإن الانحراف بعد بلوغ المرتبة العلمية كفيلٌ بصدِّ الناس عن سبيل الله، وتردية الطلاب في تلك المهاوي المضلة.

«ارتفع عن الجدل إلا إذا لزم»

فلا تستشرف المناظرة، فالشُّبَه خطافة، وكم جرَّت وبالاً، فكانت آبدة. وكم من طالب نُقض نسيج عزمه بالانخراط في المناظرة، واستشرافها في كل نادٍ؛ أندية التواصل، وأندية الأخبار، ومنصات حب الظهور.

«اجعل لك حصانة يقينية»

اجعل لك حصانةً يقينيةً، تنفي الدخيل، وتطرد الشبهات بيقين من أنوار الوحي، وكن كما قال مالك رحمه الله: «أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله»[5]. وكان إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: «أما إني على بينة من ديني، وأما أنت، فشاكٌّ، اذهب إلى شاكٍّ مثلك، فخاصمه»[6].

«اشتغل بمعرفة عيب نفسك وأصلحه»

فهذا مُشغل عن تتبع عيوب الناس، بل يجعلك ناظراً إلى محاسنهم للاقتباس منها في إصلاح العيب، ومنافستهم في التخلق بالطباع الحسنة، «والعاقل لا يخفى عليه عيب نفسه؛ لأن من خفي عليه عيب نفسه خفيت عليه محاسن غيره؛ وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عليه عيبه؛ لأنه ليس بمقلع عن عيبه من لم يعرفه، وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها» كما قال ابن حبان[7].

«اجعل لك وِرد الحياة من الوحي كتاباً وسنة»

فإنَّ وِرد القراءة في الكتاب والسنة، وما كتبه العلماء في تدبر آي القرآن وشروح السنة، يحيي القلب ويجعل له باباً إلى التأثر والخشية، ويكون سبيلاً إلى الحياة الحقيقية للقلب؛ يقول الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}، فالوحي روح يحيي به الله القلوب.

ولا شك أن خوض غمار الخلاف، والنظر في المقالات وإبطالها قد يقسي قلب الطالب، خاصة من جعل مداره في تلك الكتب، ولم يُزَكِّ علومه بالروح الذي أنزله الله.

***

فيا من أمَّلت له الريادة في سماء العلم والعمل ونفع الخلق، اثبت ثبَّتك الله، واتَّبع ولا تبتدع، وفكِّر في العواقب، فإنه «لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب، والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره، صحيح الاعتبار في صباه، حسن العفة عند إدراكه رضي الشمائل في شبابه، ذا الرأي والحزم في كهولته»[8].

واعلم أننا أحوج ما نكون إلى سؤال الهداية والثبات عليها والثبات على الطلب، فقد ذكر الله تعالى الراسخين في العلم وذكر إيمانهم، ثم ذكر دعاءهم: {ربَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.

فالراسخون في العلم يتضرعون إلى الله بأن يهبهم الثبات على الهداية، ولم يكن الرسوخ العلمي كافياً للثبات على الهداية؛ فتضرعوا وذلوا له وألحوا على ربهم، طالبين رحمة الله، يحتمون بها من زيغ الفتن، وزلة القدم بعد ثبوتها.

هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه..


[1] صيد الخاطر (ص: 326).

[2] الجواب الكافي، ص 39.

[3] الذخيرة للقرافي (1/ 51).

([4]) الانتصار لأصحاب الحديث، ص 1-3. وينظر: ابن تيمية، التسعينية، 2/ 548- 549.

[5] تذكرة الحفاظ (1/ 208).

[6] سير أعلام النبلاء، (8/ 99).

[7] روضة العقلاء، ص 22.

[8] المرجع السابق.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى