عام

المشترك اللفظي

  • بدر ثاني

تعد اللغة العربية من أسمى اللغات؛ لما تتميز به من ثروة ووفرة في الألفاظ والمفردات، يستطيع من خلالها الكاتب أو المتحدث التعبير عن مكنوناته والأحداث المحيطة بسيل وافر من المعاني سواء كانت مترادفة أم متضادة تشكل فيما بينها ظواهر فريدة لهذه اللغة الجميلة. ومن تلكم الظواهر اللغوية ظاهرة: المشترك اللفظي.

في هذا المبحث البسيط ألقي الضوء على هذه الظاهرة من النواحي التالية:

1- تعريفها لغة واصطلاحا.

2- كتب القدماء التي عالجت هذه الظاهرة.

3- أسباب نشأتها.

4- كيف وُجد المشترك اللفظي في اللغة؟

5- موقف العلماء من المشترك اللفظي.

6- أمثلة على المشترك اللفظي من بعض الكتب.

ويستطيع المرء من خلال حصر مفردات المشترك اللفظي من زيادة حصيلته اللغوية ووضع كل مفردة في سياقها المناسب حقيقة أو مجازا الذي من خلاله يستطيع التورية والتغطية والتعمية على بعض المواقف المحرجة.

1-تعريف المشترك اللفظي

أ- لغة:

من الاشتراك وهو الاجتماع، والمخالطة، يقال: أشرك فلانا في الأمر إذا دخل فيه معه، ولفظ مشترك أي مجتمع فيه معان كثيرة (مختار الصحاح للرازي).

ب-اصطلاحاً:

ويتجلى من خلال تعريفه عند العلماء القدماء والمحدثين:

1- عرفه سيبويه في كتابه (باب اللفظ والمعنى) ومن كلامهم: ” اتفاق اللفظين، والمعنى مختلف، نحو قولك: وجدتُ عليه من الموجدة، ووجدتُ، إذا أردت وجدان الضالة.

2- وعرفه الأنطاكي في كتابه ” دراسات في فقه اللغة ” :( إن الاشتراك هو أن تتعدد المعاني للفظ الواحد، ويسمى اللفظ الذي تعددت معانيه بالمشترك).

3- وأما الرازي في المحصول فعرفه بقوله:(هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا من حيث هما كذلك)

4- وجاء في كتاب (الصاحبي في فقه اللغة) لأبي الحسين أحمد بن فارس قوله في باب الأسماء كيف تقع على المسميات: ” يسمى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين، وذلك أكثر الكلام، كرجل وفرس، وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو عين الماء، وعين المال وعين السحاب. ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف، المهند، الحسام.

2-كتب القدماء التي عالجت قضية المشترك اللفظي

أ-في القرآن الكريم:

1- الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة ١٥٠هـ.

2- الوجوه والنظائر في القرآن لهارون بن موسى الأزدي الأعور المتوفى سنة١٧٠هـ.

3- الوجوه والنظائر للحسين بن محمد الدامغاني.

4- معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي خصص قسماً كبيراً منه في المشترك.

5- كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد للمبرد (ت٢٨٥هـ).

ب-في الحديث الشريف:

كتاب الأجناس من كلام العرب وما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى لأبي عبيد القاسم بن سلام (224ه)

ج-في اللغة العربية ككل:

1- كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه لأبي العميثل.

2- المنجد لكراع النمل.

3- ألف فيه كذلك الأصمعي، واليزيدي.

3-أسباب نشأة المشترك

1- وجود كلمة في صيغة الجمع أشبهت أخرى في صيغة المفرد مثل “النوى” جمع نواة و ” النوى ” البعد، فيما يعرف بالاشتراك الكاذب، ولا يستعمل إلا عند التكلف من الذين يريدون التورية وما يشبهها في دقائق البديع.

ومنه الاشتراك تشابه اسم وفعل في النطق، مثل الفعل (هوى)أي سقط و (الهوى) الذي هو ميل النفس، والحب، ومنه أيضاً تشابه صيغ مختلفة الأصل والاشتقاق والعموم.

2- وجود كلمة هي من حيث اللفظ عند أكثر من قبيلة، مع اختلاف المعني أو الاستعمال في كل من هذه القبائل، فإذا ما حدثت وحدة بينهما أكتسب اللفظ أكثر من معنى من القبائل التي كانت تستعمله.

3- الاستعمال المجازي أو اختلاف اللهجات، أو التعريب من لغات أخرى، أو التطور اللغوي.

فمثلا كلمة “كافر” لم تطلق على “الآكار ” و “الليل ” إلا من قبيل المجاز، بسبب حمل هذه الألفاظ لمعني التغطية، فالآكار يغطي البذور بالتراب، والليل يغطي الأشياء بظلامه.

4-كيف وُجد المشترك اللفظي في اللغة؟

قال بعض العلماء إنه وجد في اللغة بسبب الوضع:

1- إما من واضعين بأن يضع أحدهما لفظاً لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر، ثم يشتهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادة المعنيين، وبمرور الوقت يشيع الاستعمال عند الفريقين، فيستعمل هذا ذاك والعكس، حتى ينسى الواضع، ويبقى الاستعمالان.

2- وإما من واضع واحد؛ لغرض الإبهام على السامع، حيث يكون التصريح سبباً لمضرة.

5-موقف العلماء من المشترك

1- موقف المُثْبتين:

 الأكثرون من علماء اللغة قالوا: إن المشترك اللفظي واقع في اللغة واعترف به ابن فارس ومثل له (بالعين) و(مضى) كما ألف كتاباً في الرد على منكري الأضداد، وأفرده بعضهم بتآليف مثل الأصمعي، والخليل، وسيبويه، وأبوعبيدة، وغيرهم.

2- موقف المنكرين:

أ- ابن درستويه: على رأس المنكرين للمشترك اللفظي، وعلة إنكاره هو إرجاع المعاني كلها لمعنى واحد وأنه لا يقع في كلام العرب للأمور التالية:

1- لأنه يُلبس، وواضع اللغة هو الله، فقد وضعها للإبانة عن المعاني.

2- لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على المعنيين المختلفين لما كان ذلك إبانة، بل تعميم وتغطية.

3- الذين جوزوا وقوع المشترك اللفظي متوهمون مخطئون، والمثل على ذلك مجيء فعل وأفعل لمعنيين مختلفين في نظر المجوزين، فمن لا يعرف العلل، ويتعمق في دراسة الكلمات يحكم هذا الحكم مع أنهما في الحقيقة لمعنى واحد، وإذا وقع في كلام العرب أنهما لمعنيين مختلفين؛ فإنما يرجع ذلك إلى لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام.

4- ويضرب مثلاً على توهم المجوزين بلزوم الفعل وتعديته، وذلك أن الفعل لا يتعدى فاعله إذا احتيج إلى تعديته لم تجز تعديته على لفظه الذي هو عليه حتى يتغير إلى لفظ آخر بأن يزاد في أوله الهمزة، أو يوصل به حرف جر؛ ليستدل السامع على اختلاف المعنيين.

وفي رأي ابن درستويه أن اللغة لا تعترف بهذه الظاهرة، وأنه إذا وجد اختلاف في المعنى؛ فإنما يرجع إلى تصاريف الكلمة، فهي المفتاح الوحيد للتفرقة بين المعاني.

ب- أبو هلال العسكري: أنكر المشترك اللفظي أيضا حيث ألف كتاباً سماه (الفروق اللغوية)، حاول أن يفرقَ فيه بين الألفاظ مثل كلمة قعد وجلس هل هما بمعنى واحد أم بينهما اختلاف، فقال: فكما لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد؛ لأن في ذلك تكثيراً للّغة بما لا فائدة فيه.

وتحدث أبو هلال على (فعل وأفعل) فقال: لا يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى واحد، كما لا يكونان على بناء واحد إلا أن يجيء ذلك في لغتين، فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين؛ وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها، وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عاداتها وتعارفها، ولم يعرف السامعون تلك العلل والفروق فظنوا ما ظنوه من ذلك وتأولوا على العرب ما لا يجوز في الحكم.

3- موقف المعتدلين:

أ- أبو علي الفارسي: من المعتدلين فكان لا يغالي في إنكار المشترك مغالاة ابن درستويه، ولا يبالغ في جميع صوره مبالغة الفريق المؤيد للمشترك، فهو يقول: ” اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي ألا يكون قصداً في الوضع ولا أصلاً؛ ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل.

ب- المحدثون: حاول بعضهم الموازنة بين من أنكر المشترك، ومن أقر به. ومن بينهم إبراهيم أنيس وتمام حسان وعلي عبد الواحد وافي.

6- أمثلة على المشترك اللفظي من بعض الكتب

أولاً: كتاب المنجد في اللغة لكراع النمل:

1- العرش: السرير ويكون للملك، وعرشُ البيت: سقفه، والعرش: اسم لمكة، والعرش: البيت، وجمعه: عروش، والعرش: ما يستظل به، والعرش: الذي يكون على فم البئر، يقوم عليه الساقي، وعرش الرجل: قوام أمره، فإذا زال ذلك عنه قيل: ثُلَّ عرشه أي: هدم.

2- الدين: الإسلام، والدين: الحساب، والدين: العادة، والدين: الطاعة والدين: الجزاء.

ثانياً: كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه لابن الشجري:

1- الجنُب: الرجلُ الغريب، والجنُب: الرجل المخالط للمرأة، وقد استعمل للجماعة في قوله تعالى: ” وإن كنتم جنباً فاطهروا”.

2- الخليل: الصديق، مأخوذ من الخُلَّة، وهي المودة، وفي التنزيل:” لا بيع فيه ولا خُلَّة “، والخليل: المحتاج، مأخوذٌ من الخَلَّة، وهي الحاجة.

وختاما فإن المشترك اللفظي موجود في الكتاب والسنة واللغة في رأي أغلب العلماء ولا اعتبار لقول من نفى ذلك، وهو من أهم العوامل التي تؤثر في تحديد المعنى.


المراجع:

1-الترادف والمشترك اللفظي في القرآن الكريم..، عبد القادر عبد الله محمد علي، بحث مقدم لنيل الدكتوراة في اللغة العربية، جامعة السودان للعلوم، الخرطوم 2016.

2-المشترك اللفظي عند القدماء والمحدثين، فاطمة لطفي، مقال على موقع الألوكة، 2010.

3-المشترك اللفظي في القرآن، عبد القادر عبد الله أحمد، جامعة السودان، بحث.

4-المشترك اللفظي وترجمة معاني القرآن، المولودي بن إسماعيل، دراسة.

5-المشترك اللفظي عند الأصوليين..، بابكر الخضر يعقوب، حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد 35، الإسكندرية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى