عام

الحرب الخاسرة: مقابلة مع زيجمونت باومان

  • زيجمونت باومان
  • ترجمة: أنس بن سعود الجروان

أصبح عالم الاجتماع البولندي المولد زيجمونت باومان تدريجياً من خلال تحليله الدقيق للخبرة البشرية وتأثرها بالحداثة والعولمة في مقدمة علماء هذا العصر، بما في ذلك في بلده الأم.

يحاور الصحفي البولندي لوكاش غاليكي زيجمونت باومان في بيته بمدينة ليدز بإنجلترا.

زيجمونت باومان هو بروفيسور فخري في علم الاجتماع بجامعة ليدز بإنجلترا (حيث عمل بها منذ عام 1972-1990م)، وكذلك أستاذ بجامعة وارسو ببولندا، لديه عدد من الكتب بما فيها الحداثة والتناقض (1993م,polity)، الحداثة السائلة (2000م,polity)، الحداثة والهولوكوست (2001م, cornell university press)، والحياة السائلة (2005م، polity).

كما صدرت مؤلفات حول زيجمونت باومان وأخرى بالاشتراك مع، منها: ريتشارد كيلمينستير و إيفان فاركو (محررين)، الثقافة، الحداثة والثورة: مقالات تكريماً لزيجمونت باومان (1996م, Routledge)، دينيس سميث, زيجمونت باومان: نبي ما بعد الحداثة (1999م,polity)، وكيث تيستر, حديث مع زيجمونت باومان (2001م, polity).

 

– لوكاش غاليكي: كيف تعرِف حدود العولمة؟

– زيجمونت باومان: ليست العولمة عملية تحدث في مكان بعيد وغريب، إنها تحدث في ليدز كما في وارسو، في نيويورك كما في أي قرية صغيرة في بولندا. هي إذا تحدث في الداخل كما في الخارج، يكفي أن تمشي في الشارع لتراها؛ ذلك أن الفضاءات العالمية والمحلية يمكن فصلهما تجريديا فقط، ولكنهما في الواقع متداخلان.

تكمن المشكلة الرئيسية في أن العولمة التي نتعامل معها اليوم سلبية بشكل صارم. فهي مبنية على كسر الحواجز؛ حيث أنها تعتمد على عولمة رأس المال وحركة البضائع والمعلومات والجريمة والإرهاب، وليس على المؤسسات السياسية والقضائية التي تتكئ في بنيتها على السيادة الوطنية. هذا الجانب السلبي للعولمة لم يتبعه جانب إيجابي، والآليات المستخدمة في تنظيم الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية لم تؤسس بشكل كافٍ بما يجعلها تتعامل مع مستوى وعواقب العولمة.

 

العولمة والفوضى

– لوكاش غاليكي: هل هناك أي سوابق تاريخية لمثل هذا الوضع القائم؟

– زيجمونت باومان: قبل قرنين من الزمن، خاف أسلافنا من الفوضى المجردة التي لم يكن بالإمكان احتواؤها من قِبل القوى والتنظيمات البسيطة للمجتمعات المحلية القروية والأبرشيات والمدن الصغيرة. في تلك الأيام، كانت الفرص المتاحة لاتخاذ القرارات والمساحات الممكنة للعمل محفوفة بالمخاطر وعرضة للخراب بسبب الأثر الذي يمكن أن تتركه قوى العولمة على الدولة القومية. ورغم ذلك استطاع أسلافنا أن يبنوا آليات التمثيل السياسي والوسائل التشريعية والقانونية لإدارة الفوضى المحتملة، وتنسيق القوانين والإجراءات وجعلها تتسم بالشفافية النسبية، كما يمكن لها التنبؤ بالفوضى والتحكم بها بشكل أسهل.

كان رواد العالم الحديث يأملون في أن تثبت المجتمعات التي يحكمها العقل وتتحرك بوسائله التقنية أنها أكثر قابلية للتنبؤ وأقدر على التحكم من عالم يخضع لنزوات شبيهة بسلوك الكوارث الطبيعية، ولكن تحول هذا الحلم إلى وهم.

 والآن في عالم ما بعد الحداثة، نواجه الوضع الذي واجهناه أوائل القرن التاسع عشر في إنجلترا، حيث فقدت المجتمعات المحلية السيطرة على قوى التنمية الاقتصادية برغم توفر  الوسائل اللازمة للتحكم في مثل هذه القوى -وإن كانت ضعيفة-

هذا العالم الصناعي حين تجاوز أطره المحلية وجد نفسه في منطقة خالية من البشر، منطقة تشبه إلى حد بعيد الفضاء العالمي الحالي الذي صار معيار النجاح فيه متمثلا بالقوة المجردة وانعدام الضمير، لذا تبدو محاولات السيطرة على هذه القوى مخيبة للآمال.

 

– لوكاش غاليكي: كم مضى من الوقت قبل أن تروض هذه القوى؟

– زيجمونت باومان: لقد استغرق الأمر القرن التاسع عشر مع جزء لا بأس به من القرن العشرين قبل أن تتمكن الدولة الحديثة من إدارة هذا الواقع الجديد. لقد كان على الدولة الحديثة أن تؤسس قواعد وقوانين للتعامل مع القضايا التي لم تواجهها السلطات القديمة، كالقوانين المتعلقة بعمل الأطفال، وحظر تجارة الرقيق، وتنظيم أسبوع العمل، وتوفير مياه صالحة للشرب، والصرف الصحي الجيد، والرعاية الطبية الأساسية. يمكنك أن تلحظ أن هذه الأشياء بعمومها نشأت من أجل إصلاح الضرر الذي تسببت به قوى العولمة الاقتصادية الفوضوية.

لقد تطلب الأمر قرناً كاملاً حتى تُعادِل الجوانب السلبية لهذه العولمة المبكرة جوانبها الإيجابية. أما في عالم اليوم، فإن الإجراءات الجماعية متأخرة عما هو مطلوب، برغم اتفاق الجميع على الحاجة المُلِحة لفعل شيء ما.

نعم، العولمة مستمرة منذ وقت طويل، لكن الأحداث الحالية بوَقعها المذهل والصادم، جعلتنا نعي بشكل جيد تلك الأشياء التي كانت مخفية ومتجاهَلة في الماضي.

حين ننظر إلى الوسائل التي نملكها لحماية القانون والدفاع عن المواطنين نجدها بكل أسف لم تكن فعالة لترويض القوى العالمية المُجاوزة للحدود، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م وهجمات مدريد في شهر مارس من العام 2004م، وأحداث لندن في يوليو من العام 2005م أوضحت أن الوسائل التقليدية لتأمين النظام والقانون واستمرارية احترامهما كانت بلا قيمة (مع كامل الاحترام) فقد فاجأتنا جميعاً.

 

التنوير والثقة

– لوكاش غاليكي: هل تعتقد على ضوء ما حدث في العراق، أننا قمنا بعملية جراحية كبيرة لمريض كان يعاني فقط من الرشح؟

– زيجمونت باومان: نعم، وعلى أي حال، يجب علينا أن ندرك لِمَ حدث ذلك. فالمصائب التي نتجت من قِبل الأشخاص في مساق العولمة السلبية لا تزال تحدث كما الكوارث الطبيعية، ما أعنيه هنا أن لا أحد يستطيع أن يعرف متى ومن أين ستأتي، كما لو كنا نمشي في حقل ألغام، ندرك أن انفجاراً ما سيحدث ولكن لا أحد يعلم متى وأين. وفي مقابل ذلك ثمة رغبة كبيرة لتفجير حقل الألغام هذا وتدمير الألغام قبل انفجارها. ثم يصبح الأمر هاجسا ملحا ومشكلا إن كنت تملك كمية غير محدودة من القنابل ـ المفجرة للألغام ـ ولا تملك أي وسائل أخرى للتعامل مع المشكلة.

هذه صورة مختلفة عن العالم المستقبلي الذي تم تشكيله والتنبؤ به بداية العصر الحديث. أعني حلم فلاسفة التنوير بعالم منظم منصاع للإرادة البشرية، عالم لطيف ومضياف، لن يضطر فيه البشر للاعتماد على الصدف والمنح الإلهية فقط، بل سيصيرون قادرين على تحقيق أحلامهم بأنفسهم.

كان هؤلاء المفكرون قد شهدوا للتو زلزال لشبونة عام 1755م، والتسونامي والحرائق المتكررة التي أتت بشكل مفاجئ وأشاعت الدمار الذي لحق بالصالح والطالح.

فمن جهةٍ ألقى جان جاك روسو اللوم على الحضارة وأنها سبب هذه الكارثة الطبيعية، وانتهى إلى أنه حين يعيش الناس بانسجام مع الطبيعة لا في مدن مزدحمة بالسكان، وإذا لم يشيدوا المباني العملاقة وحاولوا إنقاذ أنفسهم بدلاً من إنقاذ ممتلكاتهم الشخصية من النار أو الطوفان، حينها فقط لن يكثر عدد الضحايا.

وفي مقابل ذلك تجاهل فولتير تلك الحالة الطبيعية، فقد كان يملك إيمانا أكبر بنوايا وسلوك الأفراد، فإذا تصرف الناس ـ وفق ما يقول ـ بشكل معقول؛ فإنهم سيشكلون مجتمعاً متحضراً يشعرون فيه بالأمان. وبرغم الاختلاف الكبير بين هذين المفكرين تجاه معظم القضايا، فإن ما يجمعهم هو الثقة بعموم الناس وبطبيعتهم واستجابتهم، وفي هذا السياق فقد أساء كلاهما التقدير.

 

– لوكاش غاليكي: إذن، بداية الحداثة هو الخوف من المجهول؟

– زيجمونت باومان: مشروع الحداثة ذاته ولد من الرغبة بعالمٍ بلا مفاجئات، عالم آمن بلا خوف. ثم كانت ثمرة جهود المائتي سنة الماضية، والإنجاز الذي توج هذا الحلم الطموح؛ إنشاء دولة الرعاية الاجتماعية التي تسمى خطأ دولة الرفاهية، ذلك أن المشروع لم يكن حول الرفاهية بقدر ما كان حول مجتمع يتحمل مسؤولية كل مواطن عبر توفير حياة بلا خوف ومليئة بالكرامة والمعنى.

إن مفهوم سياسة التأمين الجماعي كان لمواجهة نتائج تعثر الأفراد، فإذا مر فرد ما بتجربة سيئة، فإن على المجتمع واجب مساعدته هنا.

وإعادة توزيع الموارد لم يكن غاية بل وسيلة، فهو مفهوم بمجمله قائم على فكرة مفادها أن المواطن الذي يشعر بالأمان، هو وحده من يمكنه الاعتماد على نفسه ومن ثم يمكن الاعتماد عليه.

ويليام بيفيريدج الذي صمم النسخة البريطانية من دولة الرعاية الاجتماعية، كان ليبرالياً لا اشتراكياً، واعتبر أن مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية هي فهم للفكرة الليبرالية.

 

– لوكاش غاليكي: هل هذا يعني أن الدولة الاجتماعية بعد عدة عقود، استطاعت أن تحقق الهدف الليبرالي المتمثل في حق تقرير المصير؟

– زيجمونت باومان: كان هذا هو القصد، فلا يوجد تقرير للمصير الشخصي من غير تكافل اجتماعي، والحرية لن تكون كافية إلا بوجود ضمانة تسمح للجميع بامتلاك فرص متساوية لاستعمالها. إذا كان على الفرد أن يمر من فوق حبل دقيق، فيجب أن توجد شبكة في الأسفل لالتقاطه حين يسقط.

العولمة السلبية جعلت من شبه المستحيل إيجاد توازن معقول للالتزامات البشرية في إطار الدولة القومية، إنها توجه صفعة لمفهوم التعايش البشري.

وإذا نظرت حول العالم فباستثناء الدول الاسكندنافية ستجد مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية في تراجع، فقد قيل لنا أننا لا نستطيع تحمله. ولكن بدلاً من تأمين التزام الدول لحماية الناس من عدم الأمان والخوف الناتج منه، تطالِب الحكومات بمزيد من المرونة في سوق العمال وفي جميع مناحي الحياة المنظمة من قِبل قوى السوق، وهذا يعني بالضرورة مزيداً من حالة عدم الأمان. إن الذي ينادون به ليس تقليل الخطر بل زيادته.

إن نتيجة تراجع التزامات الدولة أنتج أزمة في شرعية السلطة. هذه السلطة تتطلب طاعة وانضباطاً واحتراماً للقانون. كما أنها تعد المواطنين بالأمن والحياة الكريمة، ولكن هذه الوعود التي تضمنت تعليماً مجانياً ورعاية صحية أساسية ومعاشات للتقاعد ومزايا أساسية للعاطلين عن العمل؛ تم التخلي عنها واحدة تلو الأخرى.

الدولة مقيدة، هي ذاتها اقتيدت لتصبح بيد قوى السوق! وإذا تجرأت لمعارضة قوى السوق، سيذهب رأس المال إلى مكان آخر حيث يمكنه بكل سهولة أن ينمو، حينها ستواجه الأمة فقرا وبطالة تنتشران كالطاعون، ففي عالم اليوم يمكن تحريك رأس المال بضغطة زر.

والسؤال هو: ما الذي سيحل مكان الأسس السائدة والتقليدية لشرعية الدولة؟ ما الذي يمكن اعتباره مصدراً لثقة المواطن؟ إنه أمر محزن، لكن العواقب الكارثية لهذه العولمة السلبية ( 11 سبتمبر مثلا ) ساعدت السلطات في إيجاد أسس جديدة لشرعيتها.

 

– لوكاش غاليكي: هل الدولة القومية التقليدية تخوض معركة خاسرة ضد العولمة؟

– زيجمونت باومان: في هذه المعركة يُتخذ عادة نوعان من الإجراءات بشكل متزامن، فمن جهة نحن نحاول أن نروض هذا العنصر الجديد المسمى بالعولمة، والذي لا تستطيع أي دولة أن تسيطر على قوته؛ فالآليات التي بحوزتنا أقل قدرة على مقاومة هذه القوى المضادة لها.

ومن جهة أخرى، هناك بحث يائس عن الوصفة السياسية والشرعية البديلة التي يمكن استعمالها في ظل التراجع الواضح لقوى الدولة حديثا، هذا البحث هو لإيجاد مجال تستطيع فيه الدولة أن تظهر لمواطنيها قدرتها على عمل شيئٍ ما.

كثيراً ما نشاهد في التلفاز مشاهد مبهرة، مثل: غزو القوات الخاصة أو مدرعات رابضة في المطارات أو شرطة يطوقون محطات القطارات وقطارات الأنفاق، هذا هو الدرس الذي تحاول أن تعلمنا إياه الدولة: نحن نسيطر على المشكلة، نعم قد تبدو الأمور سيئة، لكن يمكن لها أن تكون أسوا لو لم نقم بعملنا.

 

الأمن والحرية

– لوكاش غاليكي: فيما وراء المنظور العالمي ومنظور الدولة القومية، يظل هناك منظور للنفسية البشرية الفردية. من خلال هذا الإطار، كيف يظهر التوتر بين الحرية والأمن؟

– زيجمونت باومان: في عالم اليوم لدى الناس أسباب كثيرة للخوف، يمكننا بسهولة إعداد قائمة بالمخاطر التي يواجهها شباب اليوم؛ ولكن يستحيل إكمال هذه القائمة لأن الأسباب الحقيقية للخوف لا زالت مشتتة غير واضحة ومن الصعب تحديدها، وهذا يجعلها أكثر تهديداً. فالشاب الذي تلقى تعليماً لسنوات طويلة وطور من مهاراته قد يصبح عديم القيمة في السوق، لأن الوظيفية التي كان يطمح لها حين ابتدأ تعليمه قد نُقلت إلى كمبوديا. كما يمكن لحياته الخاصة أن تتشتت وتتبعثر لأن شريكه في الحياة وجد فرصاً أفضل.

يمكننا أن نذكر الآلاف والآلاف من هذه العناصر السائلة في الحياة الواقعية التي تُهدِّد الناس بالغرق، حيث تسبب شيئا من القلق الوجودي لدى عموم الأفراد. ويزيد الأمر تعقيدا أن معالم هذا الخوف باهتة غير واضحة، وكلما زادت ضبابية هذا الخوف؛ ازداد يأس الناس من الوصول إلى كيانات صلبة أو أشخاص يمكن أن يقع عليهم اللوم.

الإيجابية الكبيرة التي حدثت هي الانتقال من مستوى القلق الوجودي العام إلى مستوى الأمان الشخصي المتمثل في أن الفرد في النهاية سيدرك ما يفعل.

أستطيع وضع أقفال أفضل لأبوابي أو نظام مراقبة حول بيتي أو مستشعرات تتعرف على كل غريب يقترب، ثم وبعد كل اغتيال، وكل قنبلة، وكل عمل إرهابي، ستظهر مهام جديدة، ومن ثم سيجد الناس أهدافا ووظائف ثابتة يستطيعون التركيز عليها، تعطيهم حس المشاركة في السعي المهم والمفيد.

لا أستطيع أن أمنع شركتي التي أعطت لي وظيفتي وأعطت عائلتي معنىً للحياة من المغادرة لبناغالور، ولكني حين أرى شخصاً مبالغاً في ملبسه يرتدي معطفاً سميكاً أو يحمل حقيبة مشبوهة، فإني أستطيع الذهاب إلى الشرطي أو على الأقل يمكنني أن أشير إليه. وحين أركب في الحافلة وأرى من يبحث في حقيبته، يمكن أن أقوم بإنذار سائق الحافلة عنه فأنا لم أعد مستضعفاً بعد الآن. لكن تكاليف ذلك في المقابل عالية جداً، فالحريات المدنية التي تمتع بها الناس في إنجلترا منذ ميثاق (magna carta) عُطِّلت الآن. وشيئًا فشيئًا فإن مساحة الحريات المدنية التي طالما كانت مصدر فخر للإنجليز أصبحت مفككة. ومع ذلك تظهر آخر الاستطلاعات أن 73% من المشاركين البريطانيين فيها مستعدين لدفع ثمن ذلك في هذه اللعبة المظلمة.

 

– لوكاش غاليكي: إذاً، الحد من الحريات المدنية ليس أمراً غير شائع، ربما أن الموالين للملكة لا يتطلعون إلى الحماية من سلطات الدولة، بل يتوقعون أن تتم حمايتهم بواسطة الدولة؟

– زيجمونت باومان: لكل عملة وجهان، أن تتواصل بواسطة الانترنت مع شخص في نيوزيلندا وتتناقشون بتفصيل حول مشروع ما، له جانب مظلم في المقابل. وهنا لا أعني النشاطات الإرهابية فحسب، ولكن افتراضياً فإن كل نشاط إجرامي قد يعتمد على هذه الشبكة العالمية.

وفي هذا السياق، إذا كان احتكار استخدام القوة بحسب ماكس فيبير كوًن أسس الدولة الحديثة التي لم تكن موجودة منذ زمن بعيد، فمن الواضح جداً أن هذا الاحتكار الذي ادعت الدولة أنه حق لها منذ زمن، كان مصمماً ليناسب إطار المعارك الحدودية والحروب، وذلك من أجل كسب مناطق معينة وتثبيت قواتك العسكرية هنا وهناك، فارضاً على هذه المنطقة المأخوذة سلطتك الإدارية حارماً الآخرين من أخذها منك.

في الماضي، كان مفهوم السيادة والسلطة حدودياً، فالقوة العسكرية التي تحت إدارة الدولة، هي الضامن لهذا النظام الحدودي. لكن إرهاب اليوم باعتباره ظاهرة عصر العولمة بتجاوزه للحدود يفلت من هكذا تعريف؛ ذاك أن أعظم القوات المسلحة والتي تستعمل أقوى المعدات وأكثرها تعقيداً وتقنية فضلا عن أضخم ميزانية في التاريخ؛ تقف عاجزة أمام فرد يحمل في جيبه سلاحاً وزنه رطل واحد.

هذا خصم عسكري غريب جداً، ليس لديه مقر رئيسي ولا قاعدة ولا ثكنات عسكرية لتقصف. هذه القوة العسكرية تظهر من العدم ومن ثَمَّ تختفي إلى العدم.

أما هياكلها التنظيمية فإن أهميتها نظرية فقط، فلا وجود لقائد أو أوامر أو تسلسل قيادي. ومع ذلك، ولسبب ما فإن العديد من الأفراد المنفصلين يتبعون نفس الطريق، ويتحركون بطريقة مشابهة.

… إن رؤيتهم للعالم تشبه التصور الكوني المانوي مع مجموعة واسعة من الأتباع المحتملين. رؤية مانوية لعالمين منفصلين، يحكم أحدهما بواسطة الشيطان، والآخر الذي نحن فيه تحكمه الفضيلة والحقيقية، هذه الثنائية الانفصالية ليست من اختراع الأصولية الإسلامية بأي شكل من الأشكال.

 

الدين والجغرافيا السياسية

– لوكاش غاليكي: الحرب ضد الغرب شًنت باسم الروح الروسية، العرق الألماني، الشيوعية، والآن الإسلام. وذلك باستعمال التغريب كأيديولوجيا للكراهية ضد الغرب، وحينما تكون مبنية على أصول دينية، تصبح حرباً مقدسة ضد الشر المطلق. في هذه الحرب المقدسة، يجب على المؤمنين المخلصين تدمير الإله المزيف للمادية الغربية بكامل القوى والوسائل التي يملكونها، هل يمكن تحقيق النصر في مثل هذه الحرب؟

– زيجمونت باومان: من الذي أتى أولاً، الدجاجة أم البيضة؟ ما نواجهه ليس مجرد تسييس للدين سواء صدر من مسلم أو غيره، المشكلة حقا هي تديين السياسة، حيث يصير الخلاف الطبيعي لمصالح مجموعة ما؛ خلافا عقديًا دينيًا، ومواجهة هذه المصالح ستكون تبعًا مثل مواجهة شخص يتبنى معتقدات الخلاص ونهاية العالم.

أما التوق إلى اليقين في هذا العالم غير المستقر، فهو ليس إلا هروبًا من مشاكل معقدة للغاية لا يمكننا حتى تسميتها. إنه توق لتبسيط المعقد، وحنين لعالم ضائع حيث كانت الحياة أبسط، ليس فيها غير مجموعة أولية من المهام منوطة بالإنسان داخل هذا العالم.

 

– لوكاش غاليكي: هل الجغرافيا السياسية في خدمة الدين أم العكس؟

– زيجمونت باومان: يهيمن العالم الإسلامي على البترول، فمن البديهي إذا أن مصادر الطاقة ستلعب دوراً في صياغة النظام الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين، وتبقى المصادر المتوفرة في الشرق الأوسط هي الوحيدة التي يمكن أن تكون عملية بحلول منتصف هذا القرن.

تعتمد اقتصاديات الدول الكبرى وتحديداً الاقتصاد الأقوى على الوقود الرخيص، ويصبح الموقف أكثر تعقيداً حين نعتبر الصين والهند في طريقهما لتشغيل البلايين من سكانهما، ولك أن تتصور عالماً تقوم فيه العوائل الصينية والهندية بشراء سيارات وملئها بالوقود.

من يتحكم بمصادر البترول في العالم سيتمكن من تحديد الأوضاع العالمية.

عالم الاقتصاد الكبير يدرك هذه الحقيقة تماماً، كما تدركه شعوب الأقاليم المصدرة للبترول. ولهذا فليس من المستغرب محاولة الولايات المتحدة امتلاك نفوذ في الشرق الأوسط، فقد بدأت الأحداث بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، بدءا من محاولة الاستخبارات المركزية الأمريكية الإطاحة بحكومة (مصدق) في إيران (1952م)..

النخبة العربية تدرك تماماً قيمة مصادر النفط في بلدانهم وأنها تمكنهم من السيطرة على الغرب، وبرغم التفوق العسكري والاقتصادي الغربي فإنهم يفكرون دائمًا بطرق جديدة للتهديد، أما مجتمعاتهم فهي مقسمة بين هذه النخبة التي تكتسب زخماً تدريجياً، والشريحة المعدمة الفقيرة..

على الغرب أن يتذكر أنبياء الإرهاب لديه، ميخائيل باكونين، سيرجي نيكاييف، والشياطين التي أخترعها ثيودور ديتويفسكي. إنهم يتشاركون الأرض الخصبة ذاتها حيث يلتقي فيها المثقفون المحبطون وخائبوا الأمل مع المعدمين والمسحوقين والمهانين.

من السهل جعل أفرادٍ كهؤلاء ليس لديهم فرصة للعيش بكرامة يعتقدون أن لهم فرصة في ترك بصمة في هذا العالم. وتستمر القصة، فالشيطان الأمريكي الإسرائيلي لن يسمح لك بالعيش في كرامة، ولكن يمكنك ترك بصمة في هذا العالم عن طريق إصابة هذا الغول.

إن إساءة استخدام الدين لتحقيق أهداف ليس لها ولا لدوافعها أي شيء مشترك مع الدين مفهوم ساخر للغاية.

 

العنف والسياسة

– لوكاش غاليكي: هل هذه السردية مثال آخر للأجندة الدينية، أم أنها مفهوم للسلوك السياسي؟

– زيجمونت باومان: إنها مجرد إيديولوجيا، ولكن الفرق الجوهري هو أن هذه الأيديولوجيا السياسية المطروحة ليس هدفها إلهام الجماهير بأن تفكر، بل الحث على تنفيذ الأفكار واستهداف غير المؤمنين عن طريق الانتحاريين. وكما هو في كل إيديولوجيا، فإنها توجه العواطف وتسطح الرؤية للعالم وتقلل الخيارات. ومن ثَمَّ فإن المعرضين لهذه الأيديولوجيا يمكن أن يكونوا مرشحين للقيام بعمليات انتحارية.

يجب أن ندرك أن أساتذة انتحاريي المستقبل مثقفون، أي بحسب المعايير لدينا متعلمون ويحملون درجات علمية من صفوة المؤسسات التعليمية الغربية.

في عالمنا الفوضوي، الصراع القائم حالياً ليس حول شكل نظام العالم المستقبلي، ولكنه حول من يقرر هذا الشكل، وكل طرف في هذا الخلاف يستخدم جميع المصادر المتاحة لديه. ففي حين تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والاقتصادية فإن العالم الإسلامي لديه ورقته الرابحة التي ستكون حاسمة في هذا الخلاف، ولذا أصبح من المتيقن أنه في غضون الثلاثين سنة القادمة، لن يكون هنالك أكثر قيمة في المحافظة على الحضارة من النفط.

 

– لوكاش غاليكي: هل تعتقد أن الإرهاب يعتمد على ضعف الغرب؟

– زيجمونت باومان: إذا كان هدف الإرهابيين هو زرع بذور الشك في المجتمعات الغربية حول قوتهم عبر نشر الذعر وإصابة هذه المجتمعات بالشلل، فيمكن للإرهابيين الاعتماد على كبار مشاهير الإعلام المرئي الذي ينشرون صور الرعب بلا كلل. كما يعلم الإرهابيون أن خطوات الدول في مكافحتهم تخلق بيئة وجواً من القمع المستمر.

نحن في وضع يمكن أن يكون فيه كل شخص يحمل حقيبة ظهر أو يقود حافلة صغيرة قاتلاً متخفياً، شخصان أو ثلاثة بمعدات بدائية يمكن أن يكون لعملهم تأثيرًا قاتلاً، والعالم مليء بمثل هذه المواد المتفجرة. وعلى العكس من ذلك فإن القوة العسكرية الغربية لم تستطع أن تحدث أضراراً مشابهة لأضرار المواد البدائية برغم المليارات التي تملكها والأعداد التي لا تحصى من الضحايا التي أوقعتها، حين يستخدم التحالف المناهض للإرهاب فأسًا للحلاقة، يمكن للإرهابيين استخدام شفرة حلاقة لقطع الغابة، هذه حرب لا يمكن الانتصار فيها.

اقرأ ايضًا: إلى أي مدى يمكن أن تكون مخطئًا تمامًا بشأن التطرف

أعجبني المقال

المصدر
opendemocracy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى