عام

قبيلة الحرية

  • نيك جيليسبي
  • ترجمة: هدى الجابري
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

في كتابه الجديد “انتحار الغرب” يتساءل الكاتب في مجلة “ناشيونال ريڤيو” چوناه جولدبيرج عن السبيل لإنقاذ الحضارة.

يرى چوناه في كتابه “انتحار الغرب” كيف تفّكك القبليّة، والشعبوية، والوطنية، وسياسات الهوية الديموقراطية الأمريكية أن المشروع الليبرالي الديموقراطي لم يعد في خطر فقط، بل أضحى هو نفسه خطرًا مُحدقًا على ذاته.

ويستطرد جولدبيرج فيقول: بأن الولايات المتحدة قد نسيت أوتملصت من قيمها الجوهرية؛ حتى أدى ذلك إلى انهيار مؤسساتها، وصار نتاج ذلك، أمة بهوية مزعزعة، وثقافةٌ بلا هدف.

يقول جولدبيرج: “أرغب في الثراء السريع، وفي جعل العالم أكثر ثراءً، بيد أن العنف الذي يخلّفه ذلك على المؤسسات والعادات والقيم الراسخة، يُصِيرُ البشر لشخوصٍ هائمةٍ بلا هُدى”.

جولدبيرج المُصنف كأحدِ روّادِ الصحافة السياسية المحافظة الحديثة، والمُحرّرُ المُخضرمُ في مجلة “ناشيونال ريڤيو” ومن الذين أسهموا في انطلاق المجلة وتواجدها على الشبكة العنكبوتية، أضحى حالياً يكتبُ عامودا في مجلة “لوس إنجلوس تايمز”، مزامنةً مع عمله كأستاذ في American Enterprise Institute.

كتب جولدبيرج: الفاشية الليبرالية: التاريخ السري لليسار الأمريكي من موسوليني إلى سياسة المعنى، و استبداد الكليشيهات: كيف يُخادع اللليبراليون في حرب الأفكار، وهي ما جعلته يتربع على عرش الكُتّابِ الأكثر مبيعًا.

وعلى غرار كتابيه السابقين، يمزج جولدبيرج في كتابه الجديد “انتحار الغرب” التاريخ والفلسفة بإشارات الثقافة الشعبية، ويَظْهَرُ فيهِ امتزاج يأسِ جولدبيرج بذكائهِ المُتّقد في صورةٍ جليّةٍ تمامًا كما عهدناه.

في شهر يونيو، حاور “نيك جيللسبي” من مجلة ريزون “جولدبيرج”. ودار حديثهما عن كيف ومتى ضلّت أمريكا سبيلها، ولماذا يُنْظَر للعصبية القبلية بمنظار المُذْنِب المسؤول عن ذلك.

كما تحدث الإثنان عن الدور الذي يلعبه دونالد ترامب في اضمحلال الغرب، بالإضافة للتساؤل حول تبدّلِ رأي جولدبيرج على مدار سنوات حياته المهنية، ليصبح أكثر محاباة للـ “الليبرتارية”[1].

 

  • في كتابك (انتحار الغرب) تحدثتَ عن (المعجزة)، ما الذي قصدته بذلك؟

جولدبيرجعند حدوث أمر سماوي، تكسوه عظمة تجعلنا نقف عاجزين أمام تفسيره، ندعوه بالمعجزة.

فلمدة ٢٥٠،٠٠٠ سنة قضى الإنسان العادي في أصقاع العالم حياته بدخلٍ يقاربُ الـ ٣ دولارات يوميًا أو أقل. ثم حدث أمرٌ غير مسبوق في تاريخ البشرية جمعاء، حين بدأت تلك الحال بالتبدّلِ. وعلى ذلك نجد إجماعًا مدهشًا وتامًا بين صفوف الليبراليين والمحافظين، فكلاهما يتفقان بشكل أو بأخر على صحة هذه الأرقام.

بيد أن كل ذلك الإجماع يتلاشى بمجرد طرق باب الإجابة عن سؤال “لماذا حدث كل ذلك؟”.

وفي رأيي إن ظهور هذه المعجزة لم يرتبط ببعضٍ من السياسة العامة أو أمرٍ من هذا القبيل، بل تقف خلفها تلك الكلمات واللغة وقصتنا التي نرويها لأنفسنا، مشابهةً في ذلك لأطروحة (ديردري ماكلوسكي)، فعلى امتداد آلاف السنين، ظلت أوروبا الغربية تنظرُ للابتكار كخطيئة، خطيئة مُتعلقة بالتشكيك في النظام القائم آنذاك.

ثم وعلى حين غِرّةٍ، تطفو فكرة جون لوك على السطح، ومفادها أن ثمار جهدنا مِلك لنا. فإن أتقنت صنعة ما، فأنت جديرٌ بحصد ثمارها.

.. تمامًا كانتشار النار في الهشيم، غزت هذه الفكرة أرجاء المعمورة، ولا أرى في ذلك ما قد يُوصَفُ بالمعتاد والطبيعي.

فلو كان هذا ديدن البشر وطريقتهم التلقائية في الانضمام لمجتمعات مزدهرة تخضعُ لسيادة القانون والاستقلالية الفردية، لرأينا بروزًا لهذه الفكرة في سجل التطور البشري لما قبل ظهورها بــ ٢٥٠٠٠٠ أي بعد عصر الإنسان البدائي.

 

  • ما الرؤية اللازمة للحفاظ على المعجزة؟ وعند حديثك عن موت الغرب، هل قصدتَ الانتحار حقيقةً؟ أم لكونها قد فُرِضَت علينا؟ 

جولدبيرج: ظل كتابي ولمدة العامين يحمل اسم “قبيلة الحرية” كعنوان مؤقت له. وفيه دار النقاش حول حاجتنا لتأجيج نوعٍ من الالتزام القَبَلي لمؤسسات الحرية. هناك مؤسسات بالمعنى الاقتصادي للكلمة، ولكن هناك المنظمات المادية والجماعات والتقاليد التي تعمل على تمديننا وتجعلنا نحترم الحرية ونعجب بها ونريد الحفاظ عليها، وغالبًا ما يتم تعليمنا هذه الأمور بطريقة تتّسم بالبدائية، بيد أنه لا مفر لنا من تعلم هذه الأمور، فما أن نُولد في كنفِ عائلةٍ تحتضنُ أفكارا معينةً وتلتزم بها، حتى يتم تلقيننا ذات الأفكار.

وعلى الرغم من كونها كبد الحقيقة، إلا أن اعتناق هوية بدائية ووجوب تعلمها= يظلّ أمرًا تكسوه الغرابة. فنحن بوصفنا كبشر لدينا هذا الاستعداد للالتزام بأمر وإن لم يُشكل لنا فوزًا على الصعيد الفردي، لذا يسهل علينا الاغتناء.

تقول أرندت “تُجتاح الحضارة الغربية كل جيل من قبل ثلّة من البرابرة؛ أي أولئك الذين ندعوهم بالأطفال”.

فنحن نُخلقُ مُدجّجين بأفكار نمطيّة مسبقة، لا تتبدّل ولو مرت آلاف السنين. لنقل إن طفلًا وُلد في عصر الڤايكنج، ونقلَ لعصرنا هذا، فلو تربى على يد عائلة لطيفة من نيو روتشيل، لانتهى به المطاف للعمل كإختصاصي لتقويم الأسنان.

من الأمور التي تشدّ الوثاق بين أنصار الفكر المحافظ الحديث والليبرتاريين -أنصار الفكر التحرّري- تلك الفكرة التي تقول بأن الرأسمالية تقوم على قيمٍ، إن تخلّت عنها فلن تجد سبيلًا لخلقها أو استعادتها مجدّدًا.

خَلّفَ كتاب فريدريك هايك “العجرفة المُهلكة” عظيم الأثر عليّ، وفيه يخلق هايك عالمًا مصغّراً وآخر كونيًا. أمّا العالم المُصغر، فهو عالم الأسرة في المقام الأول، ويشمل الصداقات والمجتمع، أما القوانين التي تحكم هذا العالم، فهي بعيدة كل البُعد عن تلك التي تحكم الأسواق.

وكما أذكر دائمًا، فأنا المُنتسب للشيوعية في عائلتي.

لنفترض أن لك طفلين، يتمتّع أحدهما بموهبةٍ حقيقية، في حين يفتقدها الآخر، حتمًا لن تتفوه بكلمات مثل: “طفلي هذا لا يملك ما يؤهله ليصمد في هذه الحياة”. إذن فالحال في هذه العائلة تنطبق عليه مقولة: كلٌ حسب طاقته، يهبُ كلًا على حسبِ حاجته.

ويرى هايك أن العالم المُصغر مولدٌ لقيمِ الاحترام – احترام حقوق الإنسان، احترام كرامة الإنسان واحترام القاعدة الذهبية. (عامل الناس كما تحب أن تُعامل).

وتخلق هذه الضروب من الأفكار الثقافية المُتقدة العالم الكونيّ لعمل نظام الحرية الموسّع، كعالم للعقود والمستهلكين وسيادة القانون. وذلك يُقنّن حدًا للتعامل مع الغرباء، فالطريقة التي نتعامل بها معهم في الوضع الطبيعي -أن نُعاجلهم بحجر على رؤوسهم- تبدّلت في العصر الحديث فأضحينا نعمدُ لبيعهم تلك الأحجار.

لذا فبعضُ ما أودّ برهنته، أن كل ضرب من الحكم الشمولي أو الحكم الاستبدادي يبتغي قيم العالم المُصغر ويسعى لإنفاذها على العالم الكوني، وبفعلهم ذلك، فأنهم يُقوّضون بناء الحرية وسيادة القانون.

بيد أن في حال إنفاذك لعقلية العالم الكوني على العالم المُصغر فإنك بذلك تدُكّ محركات توليد القيم التي تُفعّلُ عمل المجتمع. وإن عمدتَ لتحويل أي عائلةٍ لنشاطٍ تجاري، فأنت بذلك تُدمر هذه العائلة. وإن حاولت أن تجعل بلدًا من ٣١٠ مليون نسمة يسير كما لو أنا رئيسها أحد والدينا، فأنت هنا تدُك كل ما يقوم عليه المنطق دكًا.

 

  • بأي وقتٍ تُؤرخُ لهذا الانحدار؟ فالأمر يبدو كانتحار بطيء؟ 

جولدبيرجقال رونالد ريغان “مع حلول كل جيل، نصبح أكثر قربًا من الطغيان”.

وكم واجهنا ذات العقبات فيما مضى! فالحقيقة أنه لا يسري في دمائنا حب مُتأصلٌ للحرية، بل لا بدّ من تعليمنا إياه.

استحوذْت تلك الرغبة في توضيح التاريخ الأمريكي بكلّ مساوئه، على جُلِّ اهتمامي، فبكل تأكيد أرغبُ في معرفة كل ما يتعلق عن العبودية، وكل أمر دخيل سيّء أعقب قدوم كولمبوس، وما اقترفناه بحق السكان الأصليين.

وذلك ما نجده جليًا في التعليم العالي، وإن راقبت بكثبٍ أي برنامج جوائز سخيفة تُنتجه هوليوود لوجدت هذا الأمر حاضرًا، كما هو الحال في الصحافة الرائجة.

  • أنت لا ترمي إلى أن نعلم أولادنا أن كريستوفر كولومبوس هو أعظم رجل في العالم؟

جولدبيرج:  لا على الإطلاق، بيد أن ميلنا لمقارنة أحداث ماضية بواقع مثالي مستقبلي= أمرٌ يثيرُ حفيظتي. ولطالما وجدت المؤسسة الأمريكية نفسها تُكابد شتّى ضروب المشاكل مع ذلك، على الرغم من كونها أفضل حالًا عن كل ما تلاها لاحقًا.

ومع ذلك نجد أنفسنا نتشبّث بالقاعدة الذهبية، ليس في حاضرنا فقط، وإنما في أي زمن في نموذج مثالي لعالم خيالي مستقبلي مقارنة بأي أمر تحدثوا به سابقًا في عام ١٧٧٦.

دعنا لا ننسى نجاعة الأفكار المُنبثقة من المعجزة. فتلك الأيديولوجية التجارية البرجوازية عملت يداً بيد مع الطبقة التجارية فصيّرت من الفقراء طبقة ثرية، ومن الأغنياء طبقة أكثر ثراءً. أما إن كنت ذا فكر تقدُمي يرى الاهتمام بحالة الفقراء، فلتعلم أن هذا النظام الاقتصادي الوحيد الذي جعل من الفقراء طبقة أكثر اغتناءً!

فلتدرك ذلك!

بيد أن أحد أهم الأمور المجيدة والعظيمة عن الثورة الأمريكية والاتفاق الدستوري يكمن في تسطيرهم لهذا الهراء وتكبيلنا به، ونظرًا للمخزون الثقافي لسكّان المؤسسة الأمريكية غالبية القرن التاسع عشر= توطد هذا الآخر واستقر في مؤسساتنا.

أما ما نحن بصدده فلم يبدأ تكشفه في الستينيات ولا في الخمسينيات من القرن الماضي، بل مع دخول العصر التقدّمي الذي زامن عودة كل أولئك المفكرين للولايات المتحدة بعد تلقيهم لتعليمهم عبر المدرسة التاريخية بألمانيا. أولئك المفكرون الذين يرون صلات تربط كل شيء، في حين يرفضون تمامًا آراء المدرسة النمساويه وما سواها.

وبعد تغلغل هذه الأفكار وأحكامها لسيطرتها على الجامعات، ووقوع الحرب العالمية الثانية، تأتي مرحلة نغدو فيها، وبسرعة خاطفة، أكثر ثراءً، فيأتي معتنق المادية منتقدًا.

أرغب في الثراء السريع، وفي جعل العالم أكثر ثراءً، بيد أن العنف الذي يُخلفه ذلك على المؤسسات والعادات والقيم الراسخة، يُصِيرُ البشر لشخوصٍ هائمةٍ بلا هُدى.

فتتولّد طبقة غنية غفيرة، أو ما أسماها شومبتير “بالطبقة الجديدة”. طبقة حُفِزت لاحتقار النظام وازدراء الرأسمالية. أولئك القساوسة اللذين يستلّون أسلحتهم الوحيدة من كلمات ومفاهيم لتقويض النظام ولتقوية شوكتهم. فيخرج علينا أباطرة بُغاة، يدافع عنهم محامون ذوو منطق وكلمات جهورية.

 

  • وكأن انتحار الغرب من الكماليات، صحيح؟ فلا داعي لنقلق حيال وفرة الطعام، ولا لميزانية الأسبوع المُقبل، فها نحن نعيش في وفرة وسعادة، لنبدأ حينها بالتعامل مع المؤسسات التي أسهمت في كل هذا وكأنها من المُسلمات؟ 

جولدبيرج: نتيجة لهذا المستوى الكلّي من الثراء، ها نحن نشهد اتحاد لطبقات العالم الحاكمة، لتجسّد المعنى الحرفي للعالمية. ونرى تلك الفئة من الشعوبيين ممن تتوثّق صلاتهم بمن يُشبههم حالة وإن فصلهم المحيط بُعدًا، أكثر من إتصالهم بالأقربين لهم كعامل تنظيف أفنية منازلهم.

 

  • كيف انتهى بنا الحال للتواجد في عالم يدعي فيه الأغنياء بأن عمّال المصنع السابق في وسكنسون تُباع لهم فاتورة بضائع من قبل معتنقي العولمة؟ فأضحينا الآن نشهد تعصبًا قبليًا أكثر من قبل طبقة النخبة؟ 

جولدبيرج: في اعتقادي جزء من سبب وصولنا لهذة الحال المزرية يقف خلفه الطبقة النخبوية التي لا تُفصحُ عن سلوكياتها. فالأغنياء يعيشون حياة برجوازية مرفهة. والسواد الأعظم من الناجحين في هذه البلاد يتريّثون حتى ارتقائهم لأعلى درجات العلم الممكنة ليتزوجوا بعدها ثم ينجبوا.

يتّضح من ذلك أنك إن اتّبعت هذا النمط من الحياة البرجوازية فستكون على خير ما يرام.

ففي بعض الحالات تبين أن المكاسب الاقتصادية الناتجة من بعض الزيجات تفوق أو تعادل تلك الناتجة من إكمال الدراسة الجامعية.

بيد أن جزءا من طباع “جشطلت” طبقة النخبة ألا يخبروا غيرهم بالزواج. بل يحبذون الحديث عن الالتحاق بالكلية، بعيدًا عما يرونه من الفظاظة، كقول ربما يجب عليك الزواج.

وأجد في هذا أفضل مثل يُوّضح ازدراء هذه النخبة لتلك القيم التي أوصلتهم للثروة، وارتعاد فرائصهم لفكرة الإفصاح والنصح بتلك القيم.

 

  • وقفت مجلة ضد ترامب خلال حملته الانتخابية على الرغم من مناصرته للعديد من السياسات التي كانت المجلة تنادي بها منذ عقود. وعلى أي حال فقد عُيّن رئيسًا. فهل ترامب حقيقةً هو الرئيس الذي كنا نترقّبه طوال الوقت؟

جولدبيرجلطالما كنت أرى ترامب كأحد أعراض مشاكلنا، وليس المسبب لها، بيد أنه يجعل معظمها في حال أسوء مما سبق.

في اعتقادي أن ترامب كسر الحاجز الدموي الدماغي بين السياسة والترفيه بطريقة سيصعب رتقها.

وذكرت في أواخر يوليو/ تموز من عام ٢٠١٦ بأنه لو ترشح توم هانكس أو أوبرا لربما تمكن أحدهما من الفوز بالانتخابات، فالكل يُبغض هيلاري وترامب. فكلا الحزبين قاما بتسمية المرشح المؤهل للخسارة أمام المرشح الأخر.

فالخيار كما ترى كان بين اثنين أحلاهما مر.

أثبت ترامب أن بإمكانك أن تكون جاهلًا بالدستور وتحكم دولة، وبإمكانك حثّ جموع حشودك على ارتكاب أعمال العنف ضد الآخرين، وبإمكانك التفوه بأشد الأمور خسة، طالما أنك تستمتع بذلك.

 

  • كيف لنا أن نُعيد إحياء مؤسساتنا أو إنشاء أُخرى تستحق ثقتنا حقيقة ونركن للطمأنينة لجانبها؟ فمنذ عام ١٩٦٨ وأكاذيب الحكومة تتوالى علينا أكثر فأكثر: ڤيتنام، ولجنة المراقبة، وما إلى ذلك، فإما ذلك أو أنها حكومة غير كفؤة. كيف نعاود الاستثمار في هذه المؤسسات بشيء من الثقة والطمأنينة؟ 

جولدبيرج:ليس هنالك إلا اليسير من السياسات المُعتمدة، إلا أني أرى أن هنالك أمرًا واحدًا يظهر جليًا من بينها، وهي ببساطة تلك الفكرة المقتضية بتقنين السلطة للمستوى المحلي لأقصى حد ممكن. وأرى أن الذعر الملتف حول العولمة ما هو إلا محضٌ من السفاسف. وفي رأيّ فإن بعض منها عادل تمامًا، وبعضها خاطئ تمامًا وإن ظل مفهومًا.

لذا عليك أن تعالج الشكاوى المطروحة كلٌ على حدة. بيد أن هنالك وجهة نظر واسعة وغير قابلة للجدال مفادها أن واشنطن أو ما سواها من القوى المتواجدة تقوم بإصدار العديد من القرارات المُتعلقة بحياتنا.

فلو أراد مجتمع مّا حظر نوع من الجبن، لما يتوجب تدخل هيئة الدواء والغذاء؟ فلندعهم يفعلوا ما يحلو لهم!

فها أنت تُقنن عمل السلطة لأقصى مستوى محلي ممكن، ليدرك الناس أي السلطات تتواجد، بل ويسمونها بأسمائها.

عندها ستظهر معارك ثقافية لخوضها، يتحتّم على المنتصر فيها أن ينظر في اليوم التالي في عينيّ الخاسر لها. فينمّي شعور المذلة لديهم إحساسًا يدفعهم للحياة لليوم التالي رغبة في القتال.

وعوضًا عن كل ذلك، نجد هذه الإئتلافات الرعناء الهادفة لفرض أسلوب حياة واحد على الدولة أجمع.

 

  • لكن هل يرغب الناخب العادي لترامب بتحمل المسؤولية عن حياته؟

جولدبيرجأنصت إلي، لا أجد حرجًا في إلقاء بعض اللوم على الناس.

فذلك ما برع فيه الديموقراطيون لوقت طويل. أرأيت ذلك الوعد بأن الحكومة وُجِدت لمحبتك ورعايتك! وكل هذا الهراء المسمى بـ(حياة چوليا) وتلك الجملة التي اُستخدمت كافتتاحية للمؤتمر الديموقراطي عام ٢٠١٢ :(الحكومة هي الأمر الوحيد الذي ننتمي إليه) أمر ترتعد له الفرائص! .. تمامًا كسياسة المعنى التي تناولتها هيلاري كلينتون في معرض حديثها.

ماذا يحدث حال شعورك بالعجز، ها أنت بمفردك، مُغترب تقبع في زاوية في ضاحية أمريكية أو في حي في المدينة، بلا علاقات اجتماعية! تبدأ حينها بتلمس طريق لواشنطن!

كلي ثقة بأن ذاك السطر القائل بأن (الحكومة هي الأمر الوحيد الذي ننتمي إليه) قد نُوقِش كثيرًا. فالرغبة للانتماء لشيء ما، تغزو عدد هائل من الناس.

 

  • إذًا فنحن ندفع بالسلطة لأسفل سافلين، كل ذلك حسن وجيد. لكن كيف يتم ذلك بطريقة لا تسمح بتطور الأمر ليصل لما وثقته في كتابك ووصفته بأسوء ضروب الغرائز القبلية والتي تُدمر أمريكا كما ذكرت؟ وما هي الرؤية الإيجابية تلك التي يملك فيها الناس انتماءً محليًا ولكنهم يدركون في ذات الوقت كونهم جزءا من أمر أكبر وأكثر تنوعًا؟

جولدبيرجمن أعظم ما تقدمه معجزة الرأسمالية الديموقراطية الليبرالية إتاحة العديد من الهويات. وبالرغم من ولائنا المتعدد لمؤسسات مختلفة، إلا أن أي منها لا يحصرنا به تمامًا، بل يمكننا التنقل بينها كما نشاء، بل قد نذهب لأبعد من ذلك فنجرب واحدة ونتركها.

أما القول (بإمكانية اختزال أحدهم لشيء مفرد) فمعضلة تُشكلها عقلية سياسة الهوية. فبفعل ذلك تحور العقلية القبلية لمنطق (من ليس مثلي فهو عدوي).

ومن الأسباب التي تدفعني للاعتقاد بأن سياسة الهوية، الممزقة لنياط قلبي، تزداد شعبيةً بين جمهور المحافظين ويتم تمثيلها بين الليبراليين، يقف خلفها دفعنا للناس بالاعتقاد بأنهم لا يطيقونها ولا يمكنهم النفاد من بين قضبان هواياتهم.

 

  • هل ستصبح ليبراليًا الآن؟ فحديثك تحرري في جوهره: تتحدث عن هويات متداخلة وحركة نحو الحرية وتعريف الذات، وعن التهجين مقابل نقاء النوع؟

جولدبيرج: كلا، ليس الآن. استمع إليّ، كتب وليام. إف. باكلي كتابًا حمل عنوان، “تأملات صحفي تحرري”، هنالك بعض الأمور التي أتعامل معها بتحرر، وأخرى بتحفظ. فلمدة ٢٥ عام ناديت بضرورة تواجد من يمثل الليبرالية في كل اجتماع لصناع السياسة وعند البحث عن حل لكل مشكلة.

نعم .. غالبًا ما سيخطئ الليبرتاريون(المتحررون)، لكن التحرري سيُبادر دومًا بسؤال: (هل ينبغي علينا فعل شيء؟).

وفي اجتماعات صُنّاع السياسة نجد وفرة التفكير الجماعي حيث يدور حول فكرة ضرورة القيام بأمر ما، وفي ذات الوقت ينبري متحرريّ الفكر قائلًا: (لحظة، فلنعمد للنظام ذاته، فلنداويها بالتي هي الداءُ)، أليس موقفه هذا بموقف شخص متحفظ للغاية!

” لطالما آمنت بأن التيار التكتّلي المحافظ أقرب التيارات لليبرتايين”. ذات مرة كتبتُ مقالًا لمجلة ناشيونال ريڤيو، “من خسر التحرريين؟” وعندما بدأت أفكّر في الأمر واقرأ عنه، أيقنت أن الأُطرالسائدة خاطئة تمامًا. ففي الواقع نجد التحرريين أقدم عراقة من المحافظين. وبذا يمكننا القول إن التيار المحافظ الأمريكي الحديث أصغر ظاهرة أيدولوجية مهمة في السياسة الأمريكية.

ويتضح جليًا أن الاشتراكية أقدم بكثير فالليبرتارية تعود لسبنسر. في ذات الوقت، بزغت النزعة الأمريكية المحافظة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية. وإن نظرنا للتيار المحافظ حينئذ فهو لا يشبه التيار المحافظ الحديث بتاتًا، ولا يمت بصلة لليبرتارية الحديثة.

 

  • أشعر بأننا أحرزنا تقدمًا هنا، فلطالما اُعتبر التحرريون كأخ صغير متمرد للمحافظين، أما الآن فنحن كأبناء العمومة، أو كمن يرتبطون بصلات قرابة تضربُ جذورها في الأرض.

جولدبرج: نعم، ربما.


[1] – الليبرتارية وفلسفة الحرية(بالإنكليزية: libertarianism) ويسميها البعض “مذهب مؤيدي مبادئ الحرية”، هي المذهب السياسي الفلسفي الذي من أولوياته الحفاظ على الحرية الفردية، ويدعو إلى التحرر وازالة القيود المفروضة على الِفرد من قبل الدولة والمجتمع كالعادات والتقاليد وتقليص حجمها قدر المستطاع. يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد يملك نفسه تِماما وبالتالي فإن لديه الحرية في التصرف فيها وفي ممتلكاته وفي عقائده كما يشاء شرط ألا يكون هذه في التصرفات تعد على حريات الآخرين وممتلكاتهم. -الإشراف.

أعجبني المقال

المصدر
reason

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى