عام

أنوار الخندق

  • عثمان العمودي

لو سألتني عن كتابٍ تتأبطه أيامك هذه لأشرتُ عليك بالتماس الجامع الصحيح لأبي عبدالله البخاري، وأن تفتح كتاب المغازي منه، وتأخذ الورقات التي ضمنها (باب غزوة الخندق) فتجعلها هجيراك ليلا ونهارا .. ويكفيك أن تتأملها..

ولعلك إذا عجبتَ من فقه الإمام البخاري وحسن صنيعه وسَلسلَته للأحاديث بهذا النمط البديع= طغى على ذلك عجبُك مما تقرأ مِن حال العصبة التي جُمعت لها الجموع، وحُشدت عليها الحشود، وأقبل عليها الأحزاب ينثالون من كل جانب، ويسيلون من كل واد، لا يلوون على شيء، ولا يردهم إلا استئصال شأفة تلك الشرذمة القليلة وقطع دابرها!

وقعَ الخبرُ على المسلمين فلا تسل كيف باتوا لياليهم وقضوا أيامهم، وما ظنك برجالٍ كان مرادهم إعلاء الدين، وهمهم انتشار الدعوة، وقصدهم رفعة الأمة، يسعون لذلك ويجتهدون، ويتسابقون على ذلك ويتنافسون… ثم يرون آمالهم ومطامحهم معلقةً على شفرات السيوف!

وومضَت فكرةُ حفر الخندق لهم فما استأنوا عنها لحظةً واحدة، وكانوا فوق ذلك كله قد نهكهم الجوع وأضناهم التعب، وأحوالهم آنذاك -كما في البخاري- عجيبة! يصف المشهدَ سهل بن سعد رضي الله عنه، وكان يوم ذاك من فتيان الصحابة – على أن صغرَه لم يمنعه مشاركةَ القوم- فيقول: (وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا)، ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه -وعُمره قريبٌ من صاحبِه- وقد أعجبَه مشهد الاجتماع والتكاتف: (جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم)، ووصفَ حالهم فقال: (بهم النصب والجوع)، وفي لفظٍ: (والقوم جياع)! وتدمع العين وهي تقرأ حال المصطفى صل الله عليه وسلم على لسان جابر: (ثم قام وبطنه معصوبٌ بحجر)، وفي لفظ: (رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً شديدا)..

وهذا كله -على مافيه من مرارة وأسى- لا يثير العجب، وليس الجوع والنصب عليهم بجديد، ولكن العجب حقاً هو في تلك الروح التي كانت تسري في أبدانهم بالقوة والنشاط، وفي تلك الصيحات التي كانت تجري على ألسنتهم بالأمل والبشرى!

والله -لولا الله- ما اهتدينا
ولا تصدّقنا ولا صلينا

فأنزلنْ سكينةً علينا
وثبِّت الأقدامَ إن لاقينا

إن الذين قد بغَوا علينا
وإن أرادوا فتنةً أبينا

ويردد النبي صلى الله عليه وسلم معهم: أبينا! أبينا! قال: (ويرفع بها صوته)، وفي لفظ: (ويمد صوته بآخرها)، وكأنما كان يمد مع صوتِه خيطاً من الفأل الباسم والبِشر الوَضيء!

تشخَصُ أبصار الصحابة إلى قائدهم وحبيبهم فإذا به (ينقل من تراب الخندق حتى يواري الترابُ جلدةَ بطنه)، وفي لفظ: (كان النبي صل الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمرَ بطنَه -أو قال اغبرّ بطنُه-)! وهكذا كان صل الله عليه وسلم.. يحفر، وينقل، ويحدو، ويردد.. ويضرب عن الهموم والمصاعب الذكرَ صفحا.. فلا غرو بعد ذلك أن يدب إلى الصحابة دبيبُ الأمل فيحثهم على العمل!

*  *  *

يقول جابر: (إنا يوم الخندق نحفر، فعرَضت كديةٌ شديدة [صخرة عظيمة] فجاؤوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضَت في الخندق، فقال: «أنا نازل» فضربها فعادت كثيبا)!

أنا نازل!

كلمتان أطلقهما النبي صلى الله عليه وسلم رسمَت خارطةً للخطة المتَّبعة وقت الأزمات والملمات.. «أنا نازل» فالوقت ليس وقت اللطم والندب والبكاء، بل هو وقت العمل.. وقت رجال الحقائق!

وفي لفظ غير البخاري أنه صل الله عليه وسلم ضربها بالمعول فكسَر ثُلثها، فقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام.. والله إني لأبصر قصورها الحُمر الساعة)! ثم ضرب ثانيةً فكسر الثلث الآخر فقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح فارس.. والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض)! ثم ضرب ثالثةً فقطع بقية الحجر وقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح اليمن.. والله إني لأبصرُ أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة)!

أما هذا فشيءٌ عُجاب! الجموع تسير إليهم، والأعداء تتكالب عليهم، والصحابة أصابتهم المجاعة، وأنهكهم الحفر، وأضرّ بهم النصَب، وهم على دينهم وديارهم وأبنائهم في خوف، وربما كانت غايةُ الواحد منهم أن ينصرف عنه المشركون عامهم هذا.. وفي هذه الحال المُمِضّة ينهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشرهم بمقاليد الدول العظمى!

إن هذا والله لم يك نوراً انبعث من الصخرة فأضاء ذلك وحسب، بل هو نور انقذف في قلوب الصحابة ساعتهم هذه.. نورٌ صافٍ من الأمل الذي لا يكدره يأس، والفأل الذي لا يشوبه شؤم، نورٌ فيه تحقيقُ البشرى وقربُ المطالب وبلوغُ الأماني.. وأنواراً كثيرةً غير هذه تشع من ذلك الخندق، ودونك هذا الباب فاقرأه تجده (تمثّلَ في جسمٍ من النور ساطعِ)!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى