فكر وثقافة

نظريّة النّوع (الجندر) ليست سوى فرضيّة إيديولوجية

من طرف فرانسوا-كزافييه بيلامي. بالنسبة للفيلسوف، التغايُر الطبيعي يُشكِّل جزءًا منّا، ومن أصلنا، ومن هويتنا، ومن علاقاتنا.

  • فرانسوا-كزافييه بيلامي
  • ترجمة: زيد أولادزيان
  • تحرير: سهام سايح

هل نظريّة النّوع موجودة؟ من خلال هذا السؤال الذي يُناقش بقوّة بالغة حاليًا[1]، يبدو لي من المهمّ محاولة إجابة – وصياغة ملحوظة.

لننطلق ممّا هو مُؤكّد: مبدأ النّوع موجود بالفعل. ظهر في الأدبيات الجامعيّة منذ أربعين عامًا، وقد انتشر في اتّجاهات مختلفة، إلى درجة أنّه أصبح اليوم مستعمَلاً في حقولٍ بعيدة بقدرٍ ما مثل علم الاجتماع، الأدب، الاقتصاد، أو السياسات العامّة.

ما هو معنى هذا المبدأ؟ هو يشكّل عند مستخدميه معيار التفسير لفكّ شفرة الحياة الاجتماعيّة والعلاقات الإنسانيّة، من خلال فكرة رئيسية: الاختلافات بين النّساء والرّجال ليست مرتبطة بتغايُر طبيعي، ولكنّها نِتاج بنية ثقافيّة، والتي نُظّمت برمّتها لترسيخ الهيمنة على جنسٍ من طرف الآخر.

للتوضيح أكثر، مفهوم النّوع يغطّي كذلك رؤية معيّنة إلى العالم – أقصد، بالمعنى الإيتيمولوجي للمصطلح، ونظريّة. المفهوم نفسه لا ينفصل عن الفرضيّة التي يرتكز عليها، التي تدّعي السّمة الثقافية والتي تنبني على الاختلاف بين الرجل والمرأة. إنّ هذا من أجل التّعبير عن هذا التصوُّر الخاصّ الذي صِيغ بالتّنافس مع مصطلح الجنس، والذي يُفترض أن يصف اختلافًا بيولوجيّا لا أحد يُنكره، في حين أنّ مفهوم النّوع يأخذ بالاعتبار نقطة عديمة الأهميّة.

أعذروني عن هذه التّحديدات التّجريديّة شيئًا ما؛ إنّها ضروريّة لتسليط الضوء على المحتوى الحقيقي لمبدأ النّوع، ومن ثمّ الافتراض المبدئيّ لـ «دراسات النّوع» الشّهيرة.

المدافعون عن هذا المفهوم، الذين يستخدمونه بشكل واسع اليوم (دون احتساب الندوات والمؤتمرات والدورات الدراسية والمنشورات المخصصة للدراسات المتعلّقة بالنّوع في جميع مجالات البحث) يرفضون بشدّة أن تكون «نظرية» ما مخفيّة وراء هذا المفهوم. ولكن هذا الرّفض ليس له ببساطة أيّ معنى.

 

  • تفسير التاريخ، والأدب، والحياة الاجتماعيّة، كأماكن للهيمنة الذكورية من خلال إقامة القوالب النمطيّة حول الجنسين، يمكن أن يكون فرضيّة للاشتغال؛ لكنّ الأمر يتعلّق كثيرًا بنظريّة خاصّة، وبهذا الصّدد فهي لا تملك دليلاً مؤكَّدًا لا جِدال فيه.

فرانسوا-كزافييه بيلامي

 

لنأخُذ تشبيهًا قريبًا لبيان ذلك: منذ وقت لا يزال قصيرًا، كان آلاف الباحثين في التاريخ، وفي علم الاجتماع، وفي الآداب، وفي كلِّ حقول وصف العالم، يحاولون تفسير الظواهر التي يدرسونها من وجهة نظر مكافحة الطّبقات. حياة المجتمعات الإنسانيّة تمّ تحليلها، استنادًا إلى أعمال ماركس خاصّةً، كصراعٍ كامِن بين الطّبقات الاجتماعيّة، مشكّلاً لتعارض بين الّذين يمتلكون وسائل الإنتاج والّذين ينفّذونها.

مبدأ الصراع بين الطّبقات كان مرتكِزًا على هذه النّظرة السياسيّة المعيّنة والحازمة. ولكن خلال العقود الماضية، الجامعيّون تظاهروا بإنتاج أدبٍ، واقتصاد، وتاريخٍ بصرامة علمية انطلاقًا من هذا المبدأ. إنّه تمامًا نفس الخداع الذي يُحاكيه اليوم مروِّجي مبدأ النّوع. تفسير التاريخ، والأدب، والحياة الاجتماعيّة، كأماكنَ للهيمنة الذكورية من خلال إقامة القوالب النمطيّة حول الجنسين، يمكن أن يكون فرضيّة للاشتغال؛ لكنّ الأمر يتعلّق كثيرًا بنظريّة خاصّة، وبهذا الصّدد فهي لا تملك دليلاً مؤكَّدًا لا جدال فيه.

من جهتي، أعتقد أنّها غير دقيقة تمامًا – أيضًا خاطئة مثل الماركسيّة، وأيضًا مدمِّرة كليًّا. وأنا بالتّأكيد أعتزم على مواصلة نقدها، دون أن يعطي هذا لأيّ أحد مهما يكُن الحقَّ في أن ينعتني بالظلاميّة.

نلامس هنا ملاحظة تبدو لي أساسيّة.

إنّه من الجائز تمامًا تصوُّر أنّه لا يوجد أيّ فرقٍ في الطبيعة بين الرجل والمرأة، والدفاع عن هذا المبدأ بالبحث، بل وحتى، لِمَ لا، التّرويجُ له من خلال النشاط السياسي. إنّ هذا هو ما تفعله على سبيل المثال كارولين دو هاس، المستشارة السابقة لنجاة فالو بلقاسم، والتي استطعتُ الردّ عليها في عمود منشور في Le Monde. النّقاش الديمقراطي يفترض رؤًى ومشاريع متحمَلة بأمانة.

إنّه مع ذلك شنيع للحيلولة دون الحوار، لمنع النّقد، بإخفاء حقيقة النّوايا التي يتمّ المواصلة فيها.

سياسة الحكومة كلها مصمّمَة من خلال الرؤية الأنثروبولوجية التي يغطّيها مبدأ النّوع – كتبت هذا سابقًا منذ أزيد من سنة. من بين نصوص أخرى، القانون حول المساواة بين الرِّجال والنّساء، الذي تمّ التصويت عليه مؤخّرًا في الجمعيّة الوطنيّة، يرتدي الماركة (العلامة التجارية) بالكامل. لنأخذ مثالاً واحدًا: معاقبة الأزواج (الثنائيّ) التي لا يأخذ فيها الرّجل عطلة رعاية الطفل مثل المرأة، هذا إقرار بأنّ الأب والأمّ يتمتّعان بنفس المكانة المعتبرَة بالضّبط أمام الطّفل الذي سيُولَد – وأنّ هذه الرؤية التي لها آلاف السنين التي تعطي للأب مسؤوليّة مفردة لتوفير احتياجات المنزل هي فكرة نمطيّة خالصة، يمثّل هذا تفكيكًا باسم المساواة.

 

  • زعم أنّ نظريّة النّوع هي «إشاعة حمقاء»، والتي «لا توجد»، مثلما هو خطاب الحكومة حول المساواة هو محايد تمامًا، ومفتقر للمنطلَقات، من الواضح أنّ هذا استخفاف بالحقيقة، وبالمواطنين في نفس الوقت.

فرانسوا-كزافييه بيلامي

 

الادّعاء، كما يفعله قانون توبيرا[2]، بأنّ طفلا يمكن أن يكون له أبَوَان أو أُمّان، يعني بأنّه لا أحد من الجنسين له وظيفة خاصّة في الإنجاب، وأنّ الإمكانيّة الاستثنائيّة للجسد الأموميّ، التي تعطي لحما لكائن جديد، ليست سوى وظيفةٍ بيولوجية هامشيّة، والتي ينبغي تجاوزها عندما تصبح حدًّا مزعجًا من رغبتنا في الأطفال.

كل هذا يستند إلى رؤية معيّنة للعالم. لماذا لا نفترض ذلك على هذا النّحو؟ السياسي له الحق في الدّفاع عن أفكاره؛ لكنّ هذا يتناقض مع الشرط الديمقراطي المتمثّل في دعم استراتيجية معيّنة، وذلك بتغييبها عن الرأي العام. زعم أنّ نظريّة النوع هي «إشاعة حمقاء»، والتي «لا توجد»، مثلما هو خطاب الحكومة حول المساواة هو محايد تمامًا، ومفتقر للمُنطلقات، من الواضح أنّ هذا استخفاف بالحقيقة، وبالمواطنين في نفس الوقت.

بما أنّ الحكومة تعتمد على مبدأ النّوع من أجل بناء سياستها، فإنّ من واجبها تحمّل مسؤوليّة ذلك. إنّ لها الحق في مناصرة رؤيةٍ مساواتيّة قائمة على عدم الاختلاف؛ لكنّه من المُشين أن تفعل ذلك في صمت، بصرف التعليم الوطني بالخصوص عن هدفه حتّى يتلقّى التلاميذ مثل مسلّماتٍ علميّة ما ليس في الحقيقة سوى فرضيّة إيديولوجية. نحن لا نفتقر إلى أمثلة ملموسة لبيان أنّه بالرّغم من كلّ التكذيبات فإنّ هذا هو ما ينتُج في الحقيقة داخل الفصول الدراسيّة.

إذا رفضت الحكومة اليوم تحمُّل هذه السياسة، فذلك لأنّها تعلم أنّها ستكون مرفوضة على نطاق واسعٍ جدًّا. نحن نعلم مدى تشكيل المغايرة عمق ما نكونُه. نعم، إنّ خبرتنا الإنسانيّة مسكونة بخصوبة الاختلاف، وبشكل خاص باختلاف الجنسين؛ نعم، هذه المغايرة الطبيعيّة تمثّل جزءًا منّا، ومن أصلنا، ومن هويّتنا، ومن علاقاتنا. لإعادة قول ذلك مرّة أخرى ودائمًا، سنسير غدًا مع كلّ ما يريد الآخرون إنكاره: حرية وعينا، وصفاء عقولنا، والسَّلام الذي نأمله للمجتمع، وقلوبنا التي لا تزال تريد أن تتعجب من الآخر، ثم أجسامنا من رجال ونساء.


  •  دارس، وأستاذ مساعد في الفلسفة، يُدرّس في القسم التّحضيري. وهو نائب رئيس بلديّة فرساي (مستقلّ).

[1] – جاء مقال بيلامي في سياق نقاش الرأي العامّ الفرنسي المحتدم حول نظريّة النّوع، والذي أثاره تصريحات وقرارات للوزيرة الفرنسية من أصول مغربية نجاة فالو- بلقاسم التي شغلت منصب وزيرة حقوق المرأة ثم وزيرة التعليم. فقد صرّحت أكثر من مرّة بأنّ نظريّة الجندر مجرّد إشاعة ولا توجد، وأنّ ما يوجد هو دراسات جندرية في مختلف المجالات البحثيّة، والتي تهدف إلى تكريس المساواة. وجدير بالذّكر هنا أن نجاة فالو بلقاسم مناصرة لنظرية الجندر وقضايا المثليين، واقترحت مشروع (ABCD المساواة) تم تطبيقه في التعليم، من أجل محاربة ما يسمّونه بالقوالب النمطية عن الجنسين. (المترجم)

[2] – قانون توبيرا (Loi Taubira) منسوب لكريستيان توبيرا التي شغلت منصب وزيرة العدل الفرنسيّة. ويُحيل مصطلح “قانون توبيرا” على ثلاثة قوانين كانت توبيرا وراء إقرارها. وفي هذا السّياق يُقصد به أحد هذه القوانين وهو القانون رقم 2013-404 لـ 17 ماي 2013، الذي يشرّع زواج المثليّين. (المترجم)

المصدر
lefigaro

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق