تقارير ودراسات

الإبادة الجماعية المنظمة للروهينجا وواجب المسلمين الأخلاقي

  • د. نافيد بكالي وحسام منير
  • ترجمة: أحمد طاهر
  • تحرير: غادة الزويد

تُعد أزمة لاجئي الروهينجا واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في جيلنا الحالي، حيث تم تشريد أكثر من 700 ألف من الروهينجا من منطقة راخين ومينامار، منذ أغسطس2017. وفي أثناء هذا النزوح الجماعي قُتل الآلاف من البشر بأبشع الطرق وأكثرها وحشية. كان الضحايا من الرجال والنساء والأطفال الذين استهدفوا لمجرد أنهم ينتمون إلى أقلية عرقية مسلمة. وقد وصف مسؤولو الأمم المتحدة الأزمة بأنها عملية تطهير عرقي منظمة. لكن المصطلح الأكثر ملاءمة لما حدث للروهينجا هو الإبادة الجماعية.

في سبتمبر 2018، اعترفت كندا بالجرائم المرتكبة ضد الروهينجا على أيدي الجيش البورمي باعتبارها إبادة جماعية، وحثت مجلس الأمن الدولي على اتخاذ إجراءات. وفي الآونة الأخيرة، في نوفمبر 2019، رفعت غامبيا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، متهمة ميانمار بارتكاب تلك الإبادة الجماعية.

وتسلط هذه المقالة الضوء على بعض القضايا الرئيسية التي أشعلت فتيل هذه المأساة المروعة، وعلاوة على ذلك سيناقش المقال الوضع الحالي للروهينجا والواجبات الأخلاقية الإسلامية للعمل من أجل التغيير اللازم لمجابهة هذه الأزمة، والتاريخ مليء بالعديد من الحالات المشابهة التي تدخلت فيها القيادات الإسلامية للتخفيف من معاناة المجتمعات المسلمة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. بداية من القرن الأول الهجري ـ في عصر الخلافة الراشدة ـ وصولًا لحكم العثماني في منتصف القرن التاسع عشر.

يحفل تاريخنا الإسلامي بالأمثلة الشاهدة على وقوف القيادات الإسلامية في مواجهة الدمار حفاظًا على حرمة دماء المسلمين، وتبين كيف أن المسلمين قد استجابوا تلقائيًا للأزمات التي تعاني منها المجتمعات المسلمة، مُشكلين أساس مناقشتنا للواجبات الإسلامية الضرورية تجاه العمل الإيجابي والمثمر.

لم تحدث الإبادة الجماعية للروهينجا وما تلاها من أزمة لاجئين من فراغ أو بدون سابق إنذار، ومثلها مثل جميع عمليات الإبادة الجماعية، كانت عملية ممنهجة ومنظمة، واستغرقت العديد من السنين في التشكل. وكما هو موضح في المقالات السابقة التي نشرها مركز (يقين)، فإنه يمكن وصف عدد من العمليات التي أدت إلى الإبادة الجماعية للروهينجا بأنها ترجمة للإسلاموفوبيا المتأصلة في هيكل وبنية المخيال العالمي -وهي حالة تصبح فيها الإجراءات والتعاملات المعادية للإسلام طبيعية في نظر المجتمع- وذلك من خلال تشريعات موجهة تهدف إلى قمع المسلمين وتهميشهم.

وتدل الحالة المأساوية للإبادة الجماعية للروهينجا على أبشع العواقب المترتبة على ظاهرة الإسلاموفوبيا الهيكلية التي لم يتم التصدي لها، وقد وصف المؤرخون والباحثون المهتمون بقضايا العنف والصراع العرقي الإبادة الجماعية بأنها عملية تحدث عادة على ثماني مراحل. وهم: التصنيف، والترميز، التجريد من الإنسانية، والتنظيم، والاستقطاب، والتحضير، والإفناء، والإنكار. وفيما يلي بيان يوضح كيف بلغت هذه المراحل ذروتها في الإبادة الجماعية للروهينجا وما تلاها من أزمة اللاجئين

أزمة الروهينجا وقضية الإبادة الجماعية

يعد التصنيف والترميز عمليتان شائعتان شهدتهما الأقليات في جميع أنحاء العالم. وهي تنطوي بكل بساطة على تصنيف وعنونة المجموعات العرقية أو الدينية أو الثقافية داخل المجتمع  بوصفها “آخر”، وهذا ما تعاني منه مجموعات عديدة تُعتبر “في مستوى أدنى” من الـ”نحن”، بمعنى أنها “لا تستحق أن تُوجَد” داخل المجتمع الذي ينتمون إليه. وتشمل مرحلتي التجريد من الإنسانية والتنظيم على نزع صفة الإنسانية عن مجموعة ما بالإضافة إلى تنظيم الميليشيات غير الرسمية والمدعومة من الدولة والتي يتم تشكيلها وتنظيمها لمواجهة الأقليات المهشمة والاعتداء عليهم وقتلهم.

وبخصوص حالة الروهينجا، فقد تم التشهير بهم وتجريدهم من إنسانيتهم من خلال الخطابات السياسية والبرامج الإذاعية وغيرها من أشكال الدعايا الحكومية، لا سيما خلال فترة الحكم العسكري في الستينيات وما بعدها. وقد اتخذت عملية الاستقطاب والنفور بين الروهينجا أشكالًا متعددة، وأكثر الأمثلة الصارخة على ذلك هي القوانين التي تُحرّم على النساء البوذيات الزواج من الرجال المسلمين. فضلًا عن تلك التي تحد من عملية إنجاب الأطفال لدى الروهينجا. هذه أمثلة واضحة على كيفية تفعيل الإسلاموفوبيا الهيكلية من أجل قمع وتهميش سكان الروهينجا المسلمين، ومن خلال هذا التشريع، اقتصر وضع الروهينجا على إنجاب طفلين فقط، وهو إجراء يقلص فعليًا من النمو السكاني الطبيعي لهذه الجماعة الإثنية.

وفيما يتعلق بمرحلة التحضير السابقة لأعمال العنف في عام 2017، فقد تم إنزال العديد من الروهينجا في معسكرات داخلية على طول ساحل سيتوي في ميانمار كشكل من أشكال قمعهم داخل غيتوهات[1] وعزلهم عن بقية المجتمع البورمي، ومن خلال هذه العملية، حُرم الروهينجا من الحصول على الرعاية الصحية، وحرية التنقل، وتلقي التعليم، والفرص الاقتصادية لكسب الرزق.

ويمكن استنتاج العديد من المؤشرات الدالة على هذه المرحلة من خلال العدد الهائل للوفيات في الفترة من أغسطس 2017 إلى سبتمبر 2017، حيث قُتل أكثر من 9000 من الروهينجا. ولا يمكن منطقيًا فهم أو تفسير هذا العدد الضخم من الضحايا دون وجود شكل من أشكال التعبئة العسكرية والبوذية بالغة التطرف والغوغائية.

الإفناء هو أكثر مراحل الإبادة الجماعية وضوحًا، والتي تتضمن القتل الجماعي لمجموعة قد مرت بجميع المراحل المذكورة أعلاه. وهذا ما لا يمكن إنكار حدوثه في حالة الروهينجا منذ أغسطس 2017.

وفيما يتعلق بمرحلة الإنكار، فما زلنا في البدايات؛ بَيد أن هناك مؤشرات تدل على احتمالية حدوث هذا. فقد زعم خطاب الدولة -الذي روج له الجيش وكذلك رئيسة الوزراء أونغ سان سو كي قبل أحداث العنف في أغسطس 2017 وفي أعقابها- أن الروهينجا لم يكن لهم وجود حتى كجماعة عرقية بارزة لها وجود مستقل.

وفوق ذلك، كان يُشار إلى الروهينجا باستمرار بوسم “البنغاليين”.

 وعلى هذا النحو، وقبيل الإبادة الجماعية، كانت دولة ميانمار تنكر تاريخ الروهينجا وهوياتهم الجماعية. وقد زعمت أونغ سان سوو كيي -بخصوص ما يتعلق باندلاع العنف في عام 2017- أن ما حدث من عنف تم من قبل كلا الجانبين. بالإضافة إلى دفاعها الشديد عن الجيش ضد اتهامات الإبادة الجماعية في شهادتها الطوعية أمام محكمة العدل الدولية.

تاريخ الروهينجا

الروهينجا هم مجموعة عرقية مسلمة مستقلة، موطنهم الأصلي في منطقة أراكان التي تقع حاليًا في إقليم راخين في ميانمار بورما. وهم احدى الجماعات العديدة المتنوعة عرقيًا ولغويًا المقيمة في ميانمار والتي تختلف عن الأغلبية البورمية. لا يمكن معرفة بالضبط متى هاجر الروهينجا إلى أراكان، حيث يعتقد بعض المؤرخين أن نسلهم ينحدر من المجموعات العرقية الهندوآرية التي هاجرت إلى المنطقة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. بينما عارضهم آخرون قائلين بأن أسلافهم يتألفون من مزيج من مختلف السلالات الحاكمة التي حكمت المنطقة طوال القرن السادس عشر انتهاءً بالقرن الثامن عشر.

ما يمكن قوله بشكل قاطع عن الروهينجا هو أنه خلال الحكم الاستعماري البريطاني لميانمار الحالية أشارت بيانات التعداد السكاني إلى وجود أقلية مسلمة أصلية تُدعى “الروهينجا” والذين كانوا من المواطنين الأصليين لتلك الأرض قبل الحكم البريطاني في عشرينيات القرن التاسع عشر. كما أن هناك أدلة قوية تشير إلى أن الروهينجا كانوا من السكان الأصليين في منطقة أراكان لعدة قرون.

وقد يتساءل البعض لماذا يختلف الروهينجا عن غالبية سكان أراكان وميانمار إذا كانوا من السكان الأصليين لتلك الأرض؟

إحدى النقاط الرئيسية التي يجب استيعابها عند البحث في تاريخ الروهينجا هي أن ولاية راخين الحالية، التي تقع على الحافة الغربية لميانمار على حدود بنجلاديش، لم تكن من الناحية التاريخية جزءً مما يشكل سيادة المجتمعات البورمية العرقية.

في مواضع مختلفة من التاريخ، سقطت منطقة أراكان الجغرافية في أيدي العديد من حكام بورما الأصلية، بالإضافة إلى المغول والسلالات الحاكمة في البنغال. وأثناء الألف الميلادية الأولى كانت هناك هجرة جماعية لجماعة عرقية بورمية إلى أراكان تُدعى راخين. كانت أراكان موطنًا للكثير من الجماعات العرقية والدينية المختلفة، لكن- ومع هذه الهجرة الجماعية- أصبحت راخين بمرور الوقت تهيمن على المنطقة التي صارت تُعرف مؤخرًا باسم ولاية راخين، وأثناء إنشاء الدولة القومية في الحقبة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، أصبحت المنطقة التي يُشار إليها حاليًا باسم ولاية راخين رسميًا جزءًا من بورما التي أصبحت في نهاية المطاف ميانمار الحالية.

هذه الخلفية التاريخية للروهينجا مهمة للغاية، حيث أن الخطاب الذي يتبناه الغوغائيون والمتطرفون من الجيش والبوذيين- والذين كانوا في طليعة هجرة وإبادة الروهينجا الجماعية- يعزز مرارًا وتكرارًا الرواية القائلة بأن الروهينجا هم أجانب جلبهم البريطانيون خلال فترة الاستعمار. وعلى الرغم من أن البريطانيين قد أتوا بعمالة مهاجرة من الهند للعمل في مختلف القطاعات الزراعية في المستعمرة إلا أنهم كانوا في الغالب هندوس ولم يكونوا مسلمين. وهناك أدلة كثيرة تشير إلى أن وجود الروهينجا في ميانمار يسبق الاحتلال الاستعماري بقرون، حيث كان يُنظر إليهم باعتبارهم إحدى المجموعات السكانية الأصلية التي كانت تستوطن المنطقة قبل وصول العمال المهاجرين الهندوس من الهند. ومع ذلك فقد بدأت تلك التفرقة بين الروهينجا والمهاجرين العمال تتلاشى خلال الحكم العسكري في بورما في الستينيات، والتي تُعتبر نقطة تحول رئيسية أدت إلى تصاعد التوترات مع الروهينجا.

أصول النزاع

على النحو المبين سابقًا، كانت الروهينجا -قبل فترة الاستعمار- واحدة من العديد من الأقليات الأصلية في منطقة أراكان، وبينما كانت هناك حالات من الفتن والصراعات بين هذه الجماعات المختلفة عرقيًا ودينيًا إلا أنهم قد عاشوا في الغالب في هدوء وسلام نسبيين، وسرعان ما تغير ذلك خلال الاستعمار البريطاني، فقد كان من الشائع لدى المستعمرين في العديد من المناطق المستعمرة -أثناء الحكم البريطاني للمنطقة- إعطاء الأفضلية فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي وزمام إدارة المستعمرة للأقليات المسلمة على حساب الأغلبية البوذية وهذا ما أدي إلى اشتعال حدة التوترات بين هذه الطوائف الإثنية والدينية.

 خلال فترة الحرب العالمية الثانية، غزا اليابانيون ميانمار. وانحازت الأغلبية البورمية البوذية إلى اليابانيين في حين بقى الروهينجا موالين للبريطانيين، وقد قطع البريطانيون وعودًا للروهينجا تتعلق بالأرض والحكم الذاتي بسبب ولائهم خلال هذا الصراع، ولكن -بعد انتهاء الحرب- لم يفِ البريطانيون بوعودهم، واشتدت التوترات بين الأغلبية البورمية والروهينجا في أعقاب الحرب العالمية الثانية بسبب ما اعتبره البورميون ولاءات متناقضة من جانب الروهينجا. وتفاقمت هذه التوترات عندما تقدم الروهينجا بطلب التماس لضم أجزاء من إقليم راخين من قِبل باكستان الشرقية خلال التقسيم بين الهند والباكستان 1947. وعندما لم يتم هذا الضم، بدأت الأغلبية البوذية تشك جديًا في ولاء الروهينجا.

طبقًا للدستور البورمي لعام 1947، لم يتم منح الروهينجا وغيرهم من باقي الأقليات العرقية في راخين الجنسية، بل مُنحوا شهادات تسجيل وطنية والتي كان بموجبها من حقهم الحصول على كافة الحقوق القانونية وحقوق التصويت. وأُبلغوا كذلك بأنهم ليسوا مضطرين إلى التقدم بطلب الحصول على الجنسية لأنه تم الاعتراف بهم باعتبارهم أحد الأعراق الأصلية المكونة لاتحاد بورما. ومن هذا يمكن استنتاج أنه على الرغم من التوترات القائمة بين مختلف الجماعات العرقية في بورما، إلا أن الروهينجا يعاملون مثل أي أقلية عرقية أخرى، كما أنه من المحتمل في نهاية المطاف أن تكون هناك عملية تجنيس. لكن من المؤسف أن هذا لن يتحقق أبدًا، حيث قام الحكم العسكري بتغيير المشهد السياسي في بورما تغييرًا جذريًا.

في عام 1962، خضعت بورما لحكم ني وين بانقلاب عسكري. وكان الروهينجا يفقدون حقوقهم بشكل مطرد في ظل النظام العسكري وشهدوا تحولًا جذريًا في عام 1974 نتيجة لقانون الهجرة الطارئة. والذي بموجبه خرجت إلينا بطاقات هوية مبنية على الأصل العرقي تُسمي بشهادات التسجيل الوطنية، والتي حددت هوية المواطنين البورميين.

وأُصدرت للروهينجا بطاقات تسجيل أجنبية تصنفهم بكونهم أجانب، كما تنص المادة 145 من دستور 1974 على أن “جميع الأشخاص المولودين من أبوين كلاهما من مواطني جمهورية اتحاد بورما الاشتراكية هم من مواطني الاتحاد” وأصبح الروهينجا بحكم الواقع عديمي الجنسية وذلك بسبب المادة 145 إلى جانب قانون الهجرة الطارئة؛ حيث اعتبرهم النظام أجانب في الأراضي التي كانوا من سكانها الأصليين لقرون، كانت هذه القوانين الصارمة تفي بالغرض من الناحية السياسية عندما كان الجيش يواجه أزمة اقتصادية، فقد كانوا يعتقدون أن الوحدة يمكن أن تتحقق من خلال القوانين المعادية والدعاية المغرضة التي كانت تستهدف الأقليات وتعزز مفهوم الهوية البوذية كأساس للمواطنة.

أدت القوانين المتزايدة الصارمة التي تستهدف الروهينجا من السبعينيات حتى التسعينيات إلى إيذاء وأعمال عنف جماعية ضد هذه الأقلية على أيدي الأغلبية البوذية البورمية وأدى كذلك استهداف الدولة العلني في نهاية المطاف إلى فرار 200,000 من الروهينجا إلى بنغلاديش، وفرت موجة أخرى قوامها 250,000 شخص بين عامي 1991 و1992. في كلتا الحالتين، أعادت الحكومة البنغلاديشية معظم الفارين إلى ميانمار فقط لكي يعودوا إلى الأراضي التي صودرت وتم الاستيلاء عليها، مما أجبر الكثيرين على العمل في الأراضي التي كانت في وقت من الأوقات ملكًا لهم.

كان استهداف الروهينجا بشكل جوهري غطاءً للأزمة الاقتصادية التي أثارتها فترة الحكم العسكري الكارثية. وشعر النظام بضرورة خلق أعداء داخليين للانتقاص من تلك الأزمة التي تورطت فيها الدولة وقد أتت ثمرة هذا من خلال استهداف الروهينجا ووسمهم بـ “الآخر” وكذلك من خلال الترويج للقومية والهوية الوطنية البورمية البوذية. كان الروهينجا هدفًا سهلًا وآمنًا لأنهم كانوا مختلفين عرقيًا ودينيًا ولغويًا عن الأغلبية البوذية البورمية. وعلاوة على ذلك كانوا أقل تسليحًا من الناحية العسكرية عن جماعات الأقليات الأخرى في إقليم راخين.

المأساة الحالية

كان هناك العديد من المحاولات الفاشلة لإضفاء الطابع الديموقراطي على بورما خلال الحكم العسكري. وبدأت الأمور تتغير ببطء في أعقاب كارثة طبيعية في 2008 تدعى إعصار نرجس. كان لإعصار نرجس تأثيرات فتاكة على ميانمار. حيث أفسد 65 في المائة من حقول الأرز في البلاد ودمر 95 في المائة من المباني الواقعة في منطقة الدلتا. ويُعتقد أن هذا الإعصار الشرس قد خلّف وراءه ما يقرب ال 138 ألف قتيل. وكانت إدارة الدولة السيئة في ظل الحكم العسكري عاجزة بشكلٍ جليّ عن التصدي لهذه الكوارث، مما أدى إلى حالة استياء عامة في البلاد. واضطر الجيش-من أجل تخفيف حدة التوترات- إلى السماح بإجراء انتخابات جديدة في عام 2010.

 ومن خلال مقاطعة الأحزاب السياسية للانتخابات بشكل مستمر وبتزايد السخط العام، تمكنت أخيرًا حكومة ديموقراطية من الوصول إلى السلطة في ميانمار وذلك في عام 2015. وقد أشاد العالم بفوز حزب الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية (NLD) برئاسة سان سوو كيي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، باعتباره علامة على التقدم الديموقراطي وما تترقبه الأمة من مستقبل مشرق لامع.

كانت أحد العوامل الرئيسية التي مكنت أونغ سان سوو كيي من الفوز في الانتخابات هو قدرتها على جذب الدعم من مختلف الجماعات البوذية. وبتشكيل هذا التحالف، تمكنت الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية من كسب التأييد الشعبي من الجماهير. لكن وعلى الرغم من تمتع ميانمار بمظهر حكومي منتخب ديموقراطي إلا أن الجيش قد وضع الضوابط والموازين لضمان هيمنته الاقتصادية ونفوذه داخل الحكومة.

سمح النظام العسكري السابق لميانمار بالانتقال إلى الديموقراطية مقابل الاحتفاظ بنسبة 25 في المائة من البرلمان لصالح حزب التضامن والتنمية الاتحادي (USDP) وهو حزب سياسي يعمل كغطاء يتستر على محاولات هيمنة الجيش على شؤون البلاد. وبينما كان الجيش يغرس جذوره في البرلمان، كان على أونغ سان سوو كيي أن تمد خطًا رفيعًا ما بين الإذعان لمطالب الجيش و بين تلبية رغبات النخب البوذية الطائشة للحفاظ على قاعدة الدعم الشعبي.

لكن في حقيقة الأمر كانت حكومتها المنتخبة “ديموقراطيًا” غارقة في ديناميات السلطة المعقدة، الأمر الذي تطلّب من الرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية أن يغضوا الطرف صاغرين عن القمع الوحشي العسكري والعنف البوذي العنيف تجاه الروهينجا وذلك من أجل الحفاظ على صورة الحكومة التصاعدية المنتخبة ديموقراطيًا في ميانمار

وهكذا اشتد قمع الروهينجا وإساءة معاملتهم بعد انتخابات 2015. استتر ذلك القمع برداء الشرعية بمباركة الحكومة الديموقراطية المنتخبة، التي كانت تمثل تقدمًا لميانمار نحو الحداثة. وأطلقت الحكومة العنان للجيش والبوذيين الغوغائيين في استهدافهم ومهاجمتهم للروهينجا. وأدى هذا العنف والقمع المتجدد في ميانمار “ما بعد الديموقراطية” إلى موجات جديدة من اللاجئين الروهينجا الفارين من ميانمار إلى بنغلاديش المجاورة وماليزيا كذلك.

بلغ نزوح الروهينجا ذروته في 25 أغسطس 2017 عندما هاجم جيش إنقاذ الروهينجا الأراكاني (ARSR) – وهو جماعة مسلحة من الروهينجا- مراكز الشرطة، مما أسفر عن مقتل 12 ضابطًا وذلك انتقامًا للعنف والقمع الذي استهدف الروهينجا وقد أثارت عمليات القتل هذه رد فعل هائل وغير متكافئ نتج عنه اتباع الجيش والبوذيين المتطرفين لسياسة الأرض المحروقة والتي شملت إحراق قري الروهينجا بأكملها، والقيام بعمليات اغتصاب جماعية للنساء والفتيات، والمذابح الوحشية التي تعرض لها المدنيون، بمن فيهم الرجال والنساء والأطفال. ووفقًا لمسح أجرته منظمة أطباء بلا حدود، فقد توفى ما يقرب 9400 من الروهينجا في ميانمار ما بين 25 أغسطس و24 سبتمبر لعام 2017، وكان ما لا يقل عن 730 من الضحايا من الأطفال. وقد وقعت هذه الخسائر المُفجعة في الأرواح في غضون شهر من اندلاع أعمال العنف الأخيرة، وحتى الآن لا تزال الأعداد الدقيقة لوفيات الروهينجا من حملة الإبادة الجماعية هذه غير معروفة، ولن نعرف بشكل قاطع العدد الحقيقي والدقيق للوفيات إلا بأن يتم إجراء تحقيق دولي رسمي في ما حدث. ومهما يكن، فإن التقديرات تختلف ما بين عشرات الآلاف أو أبعد من ذلك.

كان هناك تدفق بشكل مستمر للاجئي الروهينجا إلى بنجلاديش وماليزيا وأندونيسيا منذ حملات القمع الحكومية العنيفة في ولاية راخين عام 2012. وفرت الغالبية العظمة من لاجئي الروهينجا أعقاب الإبادة الجماعية في أغسطس 2017 إلى كوكس بازار، بنجلاديش. ووفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR)، يوجد حاليًا أكثر من 900,000 لاجئ من الروهينجا في مخيمي كوتوبالونغ ونايابارا للاجئين في بنجلاديش. وقد أُتيحت الفرصة لأحد كتاب هذا المقال (نافيد بكالي) لزيارة هذه المخيمات في يناير 2018 و مرة أخرى في أكتوبر 2019.

خلال الموجة الهائلة الأولى من الوافدين اللاجئين في عام 2017، أعطت منظمات الإغاثة الأولوية للضروريات الأساسية للاجئين. وشملت توفير الغذاء والمأوى والمرافق الطبية الأساسية. وعلى الرغم من إحراز بعض التقدم فيما يتعلق بالبنية التحتية في المخيمات والخدمات المقدمة للروهينجا، إلا أن وضعهم لا يزال مزعزعًا ومثيرًا للقلق. فهم مجبرون للعيش في ظروف مزرية دون وجود أي حل يلوح في الأفق.

كان هدفي الأساسي من زيارة مخيمات اللاجئين الروهينجا في بنجلاديش هو استيعاب أكبر للواقع التعليمي لأطفال الروهينجا اللاجئين وإمكانية الحراك الاجتماعي من خلال البرامج التعليمية. وكانت الحقيقة المروعة هي أن البرامج التعليمية المعمول بها لأطفال الروهينجا اللاجئين متخلفة بشكل يرثى له، ويديرها معلمون غير مؤهلين، ومُسيّسة بشكل كبير، مما يؤدي إلى شعور بعدم الاستقرار لدى سكان الروهينجا.

في ضوء هذا الواقع التعيس، تطرأ علينا هذه الأسئلة:

  1. هل كانت هناك حالات مشابهة في التاريخ الإسلامي حيث أتى المسلمون بشكل جماعي لمساعدة المجتمعات المضطهدة مثل الروهينجا في محاولة لتحسين وضعهم وتخفيف معاناتهم؟
  2. ماذا يمكننا أن نفعل كمسلمين في ظل هذه الأزمة؟
  3. هل هناك أمثلة من التاريخ الإسلامي يمكنها أن توجه تفكيرنا؟

دروس من التدخلات الإسلامية في التاريخ

أحد أبرز الأسئلة التي أثيرت فيما يتعلق بأزمة اللاجئين الروهينجا هو لماذا لم يساند المسلمون -والدول ذات الأغلبية المسلمة على وجه الخصوص- الجماعةً الإسلامية التي وصفت بأنها “الأقلية الأكثر اضطهادًا في العالم”؟!

ويمكن الإشارة لحالات عديدة موازية في التاريخ قام فيها المسلمون ذوو النفوذ بتعبئة الدعم للأقليات المسلمة المضطهدة.

قبل الشروع في مناقشة بعض الأمثلة، هناك ثلاث نقاط مهمة يجب أن نضعها في الاعتبار. أولاً، يمكن للمقارنة أن تكون واضحة أو مشوشة; ويجب أن تُستخدم بعناية وثبات حسب سياق كل حالة.

 ثانيًا، غالبًا ما يكون الدعم “الإنساني” القائم على المبادئ والمثالية واقعًا في شرك المصالح السياسية. وبجانب أهمية وضع ذلك الأمر في الاعتبار فإن السؤال الذي ينبغي النظر فيه هو: إلى أي مدى تؤثر النوايا المختلفة وراء الدعم على أولئك الذين يعتمدون عليه فعليًا لبقائهم على قيد الحياة؟

وأخيرًا، هذه المقارنات ليست إلزامية. على سبيل المثال، ربما كان التدخل العسكري يعتبر ردًا مناسبًا في الأناضول في القرن التاسع، قد يكون التلميح إلى هذا الحدث مصدر إلهام أخلاقي لاتخاذ إجراءات قوية اليوم، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن التدخل العسكري هو الرد المناسب في ميانمار الحالية.

وقد اتخذت التدخلات لمساعدة المسلمين المضطهدين -أو بشكل عام الذين يعانون- أشكالًا مختلفة في التاريخ، ففي بعض الحالات، لم تكتفِ القيادات الإسلامية باتخاذ الإجراءات الملموسة لإظهار التضامن مع محنة المسلمين الذين يعانون فحسب، بل قامت أيضًا بإعادة توزيع موارد الدولة لمساعدة اللاجئين.

يُعرف عام 639 في عهد الخليفة الثاني الراشد عمر بن الخطاب بعام الرمادة. في إشارة إلى الجفاف الشديد وما ترتب عليه من مجاعة واللذان أصابا أجزاء كبيرة من الجزيرة العربية في ذلك العام. وعلى الرغم من تأثر المدينة النبوية بتلك المجاعة بشكل كبير، إلا أنه قد تدفقت إليها مجموعات من اللاجئين طلبًا للمساعدة وخيّموا على أطراف المدينة في عدد يصل إلى 60,000 شخصًا، وانتهج الخليفة عمر سياسة تمنع طرد اللاجئين بعيدًا وتُقر بتوزيع موارد المدينة المحدودة بشكل عادل قدر الإمكان، وذهب إلى أبعد من ذلك بالمؤاخاة بين جميع اللاجئين بالعائلات في المدينة لحين انتهاء المجاعة.

كما علق حد السرقة المنصوص عليه طوال فترة المجاعة واضعًا في الحسبان المعاناة التي كان يلاقيها كل من السكان المحليون واللاجئين على حد سواء، وإظهارًا لتضامنه وسلوكه المبني على أساس التزامه بالعدل اختار عمر ألا يأكل شيئًا أفضل من الطعام المتاح للجميع حتى تنتهي المجاعة.

ويقدم التاريخ العديد من الأمثلة التي اُستغلت فيها هذه الأزمة الحادثة في قلب الإمبراطورية من قِبَل أولئك القابعين على أطرافها لتأكيد استقلالهم والسعي لتحقيق المصلحة الذاتية، غير أنه في هذه الحالة قد استجاب إقليمي مصر وسوريا على الفور بإرسال الإغاثة، وقام عمر بن العاص في مصر بإعادة افتتاح قناة من الحقبة البيزنطية تمتد بين باب بابليون والبحيرات المرة حتى يمكنها إرسال المساعدات بشكل أسرع. و صاح عمر وهو في طريقه لرؤية سفن الإغاثة التي تصل ميناء الجار ” هلموا إلينا لتروا السفن التي أرسلها الله لنا من أرض فرعون” وآلت الأزمة بعد ذلك إلى النهاية.

وظهرت تدخلات أخرى استجابةً لدعوات القصاص والعدل والإسراع لمساعدة المسلمين المتعرضين للقمع. في أواخر ثلاثينات القرن التاسع الميلادي، وصلت أنباء إلى بلاط الخليفة العباسي في بغداد تفي بأن الإمبراطور البيزنطي تيوفيل قد شن حملة مضايقات على مدن الحامية الإسلامية في الاناضول. وعلى الرغم من أن الخليفة العباسي “المعتصم” كان منشغلًا بإخماد فتنة الخُرَّمية، إلا انه يُقال (ويجب أن نتلقى هذا الأمر ببعض التحفظ) أن قصة واحدة معينة من بلد زبطرة (دوغان شهير حاليًا) أجبرته على التدخل. وصاحت امرأة مسلمة تم أسرها على ايدي البيزنطيين “وامعتصماه” كما لو أنها تناشد الخليفة العباسي لحمايتها. أثار تصرفها هذا سخرية من قبل خاطفيها عمّا إذا كان الخليفة العباسي في بغداد يستطيع سماعها.

وبمجرد سماع ذلك، أجابها المعتصم: “لبيكِ يا أُختاه”، وأمر على الفور بشن حملة وقاد الحملة بنفسه واستولى على مدينة عمورية، مسقط رأس السلالة البيزنطية وأحد أهم مدن امبراطوريتهم.

مثال آخر، ألهم الله القادة المسلمين أن يضعوا خلافاتهم التافهة جانبًا من أجل الصالح العام. وقد ألهم الفقيه علي بن طاهر السُّلمي (المتوفي عام 1106) -في مؤلفه “كتاب الجهاد” الذي نشره بعد احتلال القدس في أول حملة صليبية عام 1099- نور الدين زنكي حاكم دمشق، ودعا السُّلمي المسلمين إلى النظر لهذه الحملة بكونها أكثر من مجرد غارة بيزنطية مؤقتة، بل هي غزو ضخم وشديد ينفذه الفرنجة، وحث القادة المسلمين على تنحية “الأحقاد القديمة و الأعمال العدائية السرية” جانبًا، وتوحيد ممالكهم المحلية الصغيرة، حتى أنه اقترح أن يتعاون مسلمو السنة والشيعة الإسماعيلية معًا من أجل المصالح الجماعية للمسلمين. وقد تبنى زنكي الكثير من هذه الرؤية وفي عام 1168 -قبل تحرير القدس بوقت طويل- وكان لديه منبرًا متقن الصنع تم نقله إلى المسجد الأقصى، وظل يستخدم هنك حتى عام 1969، والأهم من ذلك هو أن زنكي نقل رؤيته تلك إلى ربيبه صلاح الدين الأيوبي والذي حررالقدس في عام 1187.

من أقوي الأمثلة على التدخلات الإسلامية في التاريخ هو دور العثمانيين في تيسير عملية نجاة الشركس وثقافتهم أثناء وفي أعقاب الإبادة الجماعية للشركس (1864). وسنكتشف في هذا المثال كيف أن القيادة الإسلامية ساهمت في إعادة توطين اللاجئين دون إرغامهم على دمج ثقافتهم أو محوها. لن يمكننا إجراء استقصاء شامل لتلك الحادثة المنسية إلى حد كبير في التاريخ الإسلامي، ولكنها مشابهة بشكل ملحوظ لتجربة الروهينجا في وقتنا الحالي.

الشراكسة (والمعروفون أيضًا بالأديغا) هم من أقدم السكان الأصليين لمنطقة القوقاز، ويُعتقد أنهم عاشوا قديمًا على طول الساحل الشرقي للبحر الأسود على مدى الأربعة آلاف سنة. وببداية القرن السابع عشر، اعتنقت أعداد كبيرة من الشراكسة الإسلام، ويرجع ذلك على الأرجح بسبب النفوذ القوي للإمبراطورية العثمانية المجاورة، وجعلت العديد من جوانب الثقافة الشركسية الفريدة منهم عقبة أمام الإمبراطورية الروسية الآخذة في التوسع. ونفس الأمر بالنسبة لولائهم العميق للعثمانيين -العدو اللدود للروس. في ستينيات القرن التاسع عشر، وبعد هزيمة الإمام المشهور “شامل” في الشيشان وداغستان، حول الروس اهتمامهم إلى القضاء على وجود الشركس في القوقاز.

ركزت الحملات الروسية المتبعة لسياسة الأرض المحروقة على تجويع الشراكسة إلى حد الاستسلام، وبحلول شتاء 1863، سيق الألاف إلى ساحل البحر الأسود، حيث مات الكثير من الجوع والمرض والتعرض لهجمات الذئاب والدببة، وبناءً على تقديرات متحفظة، قُتل ما لا يقل عن 650,000 شخص أو ما يقرب من نصف الشراكسة كلهم على يد الحملات الروسية.

ولم يبق لدى العثمانيين إلا أن يأتوا لينقذوا الشراكسة من على الساحل. وناشد العثمانيون الروس إيقاف تلك الحملات لدوافع إنسانية، بدايةً بالسماح لأعداد كبيرة من الشراكسة للقدوم إلى الأراضي العثمانية بدعوى كونهم حجاج في طريقهم لمكة المكرمة والمدينة، وفي يونيو 1864، أصدر إعلان يشجع الشراكسة على القدوم إلى الأراضي العثمانية من أجل إنقاذ حيواتهم. وكانت ردة الفعل العثمانية منذ البداية مدفوعة بأكثر من مجرد مخاوف إنسانية، وربما زادت من معاناة العديد من الشراكسة لكن من المرجح أن يكون التدخل قد أنقذ الآلاف من الشراكسة، وكذلك  ثقافتهم وهويتهم.

على الرغم من عدم استعداد العثمانيين للتعامل مع ازمة اللاجئين إلا أن الشراكسة قد واجهوا العديد من التحديات في محاولة لبناء حياة جديدة لأنفسهم على الأراضي العثمانية. واستقر البعض في البلقان، حيث واجهوا مجددًا الاضطهاد من قبل الأنظمة الروسية في الوقت الذي بدأ العثمانيون يفقدون السيطرة تدريجيًا على تلك المنطقة، مما أدى هذا إلى أزمة لاجئين استمرت لعقود من الزمان؛ وفي عام 1878 كان هناك 180,000 لاجئ في إسطنبول ثلثهم تقريبًا من الشراكسة، وكانت الحكومة العثمانية “تخصص مبلغًا ضخمًا كل يوم لإطعام هؤلاء الناس ولجأت إلى دعوة الجمعيات الخيرية للمساعدة في توفير الطعام والملابس”.

أُعيد توطين الألاف من الشراكسة في بلاد الشام الخاضعة للعثمانيين، وعلى الرغم من تعرضهم غالبًا للتمييز باعتبارهم عبئًا على منطقة تعاني بالفعل اقتصاديًا إلا أنه كانت هناك أيضًا مؤشرات أكثر تفاؤلًا، مثل فرض ضريبة جديدة في دمشق للمساعدة في توطين اللاجئين وتم منحهم الاذن لإدارة محاكمهم الخاصة كنوع من التأكيد على هوياتهم وتقاليدهم. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر تم إنشاء قرى للشراكسة في فلسطين وبعد ذلك بوقت قصير في مرتفعات الجولان.

في مرتفعات الجولان- والتي كانت منذ فترة طويلة في حالة خراب- أُتيح للشراكسة الفرصة ليثبتوا للعثمانيين- وللعالم- مدى صلابتهم ومثابرتهم. فبحلول عام 1900 كانت الأرض معمورة بالبساتين وأصبحت مدينة القنيطرة مركزًا تجاريًا مزدهرًا. وفي عام 1907، حاز العديد من الشراكسة على فرص عمل كجزء من سلاح الفرسان الذي يحرس خط سكة حديد الحجاز الذي يمتد بين دمشق والمدينة المنورة، والذي دافعوا عنه أثناء الحرب العالمية الأولى.

حاول أيضًا العثمانيين تقريب الشراكسة من الجيش من خلال السماح لهم بإقامة وحدات شركسية يرأسها ضباط شركسيين، وببدايات العقد الأول من القرن العشرين، شكل الشراكسة وغيرهم من الجماعات القوقازية أكثر من ربع ضباط الجيش العثماني، على الرغم من كونهم يمثلون اثنين في المئة فقط من تعداد الإمبراطورية.

كما كانت لديهم الفرصة أيضًا ليتألقوا في مجالات أخرى، فأحمد مدحت والمعروف بكونه رائد الروائيين وكتاب المسرحيات الأتراك الحديثيين كان من هؤلاء الشراكسة، كما أنه ابتكر الأبجدية الشركسية المبنية على النص العربي للمساعدة في ضمان بقاء اللغة. وفي 1899، تم تشكيل جمعية الوحدة الشركسية في القاهرة (على الرغم من السيطرة البريطانية) وقامت بتوثيق تجارب الشركسيين. وفي 1908، تم إنشاء جمعية التضامن الشركسي في إسطنبول والتي تمكنت من انشاء نص روماني للغة الشركسية، ونشر أول مجلة دورية شركسية، وأنشأت المدارس التي كانت تُدرس تاريخ الشركس وثقافتهم. ونتيجة لذلك أُطلق على الفترة ما بين 1908 و1913 باسم ” عصر النهضة الشركسية “.

تُقدم تلك الأحداث المذكورة في هذا القسم بعد الأمثلة على واجب المسلمين للتصرف في مثل هذه المواقف وتُعطينا بعض الأمل في أن العمل الجماعي في مواجهة اضطهاد المجتمعات المسلمة أمر ممكن.

الخاتمة

هناك ما يقرب من مليون روهينجي استقروا في مخيمات اللاجئين، والغالبية العظمى منهم اُستوطنوا بنغلاديش بعد اندلاع العنف في أغسطس 2017. وهناك قصص مروعة لا حصر لها عن حالات التعذيب والتنكيل التي تطارد سكان المخيمات. بناءً على كل التقديرات المعقولة، ما حدث في إقليم راخين في ميانمار هو عملية إبادة منظمة لأقلية عرقية معينة، وتسميتها بأي شيء أقل من كونها مذبحة هو تعامي متعمد. القتل المنهجي للرجال والنساء والأطفال بناءً فقط على عرقهم لا يستحق أي تلطيف أو كناية لغوية، تمثل الإبادة والمذبحة الجماعية للروهينجا العواقب الوخيمة لسنوات من حالة الإسلاموفوبيا لم يتم التصدي لها.

ومع ذلك، بدلًا من سرد أهوال تلك المأساة فإنا نود أن ننقل رسالة أمل، و وميض هذا الأمل يلمع من خلال قذارة و تعاسة المخيمات. نعم كان هناك ألمًا، ألمًا وحشيًا وصريحًا ولا يمكن تصوره. ولكن خلف ندوب الناجين الظاهرة والمخفية هناك أملًا يشرق على وجوه أطفال تلك المخيمات. أملًا يشرق أكثر سطوعًا من أي ظل يمكن أن يلقيه عزم عسكري خسيس يهدف لتدمير شعب، وعصابات غوغاء تقتل الأطفال بلا آدمية أمام والديهم، و حكومة متواطئة مع تلك الأفعال الهمجية والوحشية.

إن الأمل على وجوه أطفال تلك المخيمات هو أمل الروح البشرية؛ لقد أظهر أنه يمكن للإنسانية والحب والقوة والكرامة أن يستمروا ويزدهروا على الرغم من أفعال الآخرين الدنيئة.

عندما دخلنا المخيمات، اندفع الأطفال مسرعين لاستقبالنا والترحيب بنا ومصافحتنا متزينين بالبسمات على وجوههم، لم يكن لدى هؤلاء الأطفال أي تطلعات يبغونها منا، كانوا فقط سعداء لرؤية أناس يزورونهم والذين يُفترض أن لديهم بعض مظاهر الاهتمام بهم وبمحنتهم.

لم تكن أيديهم ممدودة بحثًا عن الصدقات. كانوا مضيفين كرماء ونبلاء ويرحبون بالأجانب في – لعدم وجود كلمة أفضل- وطنهم. لم يشاركونا ممتلكاتهم المادية حيث لم يكن هناك الكثير للمشاركة فقد كان معظم الأطفال يركضون حفاة وبعضهم بالكاد يرتدون ملابس كافية لتغطية أجسادهم. بل شركونا أشياءً لا تقدر بثمن ولا يمكن لأحد أن يسلبهم إياها: صمودهم وكرامتهم وإنسانيتهم.

تمثل أزمة الروهينجا كارثة بالغة التأثير لدرجة أن محاولات التخفيف من تعاسة هؤلاء الأشخاص قد تبدو شاقة وبعيدة المنال. ومع ذلك يمكننا القيام ببعض الخطوات البسيطة والتي قد يكون لها تأثير جاد. ويجب أن يكون الدعاء أول ملاذ لنا في مواجهة هذه الكارثة. ففي النهاية الله قادر على كل شيء وهو من يملك أن يخفف كل الآلام والمعاناة والمصاعب. الدعاء من أجل إخواننا وأخواتنا الروهينجا هو فرض علينا جميعًا وأكثر شيء أساسي وضروري يمكننا القيام به من أجلهم.

ثانيًا، ينبغي أن نحاول المساعدة في الجهود الإنسانية للاجئي الروهينجا. هناك العديد من منظمات الإغاثة التي تقوم بأعمال مدهشة على أرض الواقع في هذه المخيمات. وبدون الدعم المالي لن تقدر تلك المنظمات على توفير الاحتياجات الأساسية للاجئي الروهينجا. فأرجوك اعثر على منظمة تثق بها وتبرع لها بكل سخاء.

وأخيرًا، إن الوعي بهذه الأزمة لهو شيء ضروري من أجل أي نوع من التغيير الهادف، كن على اطلاع قدر المستطاع بما يحدث. ومن خلال قيامك بذلك سيكون لديك إحساس واستيعاب أقوى لكيفية المساعدة بطرق أكثر جدوى.

 المعرفة نور، ولا يمكننا أن نطمس ظلمة جهلنا ولا مبالاتنا إلا بالنور.

اقرأ ايضًا: كشمير: ليست مشكلة الأرض؛ بل انتصار هندوسي على الإسلام


[1] -الغيتو:أي حارة اليهود في مدينة ما وهو وصف يشير إلى منطقة يعيش فيها، طوعًا أو كرهًا، جماعة أقلية من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين. المترجم.

أعجبني المقال

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى