مراجعات كتب

رمزيّة “فالوسكا” في رواية كآبة المقاومة

  • ليلى العمودي

حين ينخرط الشخص في دوّامة المقاومة يفقد خصائل مهمة من شخصيته، يفقد أمورًا وجودها كان سيخفف الحمل الثقيل لهذه الحياة، ولهذا الواقع، يفقد المُقاوم طبيعتهُ البشريّة الحالِمة، والرقيقة، والعذبة، يفقدها دون أن يُخبِر ذاته بذلك، ودون أن يمنحها إنذارًا مسبقًا بذلك، فيصير هذا الفقد غير واضحٍ في البداية، ويعاني صاحبه من (كآبة المقاومة) ومن أمورٍ أخرى لم يلتقطها عقله بعد.

يفقد هذا الشخص، حُسن الظن، والبراءة التي تعطي مسحةً طفولية للإنسان مهما كَبُر. يفقد الرغبة في أن يكون ضمن الجموع، يفقد الثقة بهذهِ الجموع، يفقد الأمل بها، إنه لا يراها إلا كأشياء ثانوية -إن لم نقل زائدة- يراها امتحانا له ولصبره، يراها إمعانًا في إذلاله، وإبعادًا لكلّ رغبة احترامٍ لها.

لا يصير للمقاوم رفيق، يشك في الجميع، (إن لم تكن مجرمًا صريحًا فأنت جاسوس)، إن لم تكن واحدًا من الاثنين، فأنت فردٌ من ذلك القطيع الذي فقدَ الأمل منه، في البدء لا يكون مدركًا أنه سيخوض فيما بعد معركة الشوق لتلك البراءة، وحين يبدأ معرفة ذلك يتشدّق بمقاومته ورفضه، وهو يفضّل أن يكون مقاوِما يعطي أحكامًا قاسية، -وفي الحقيقة هي تتناسب مع الواقع- على أن يكون مرنا فيها… بعد مرور سنوات، أو عقدٍ من الزمن، تبدأ أولى علامات الحنين، يعرفُ ذلك حين يجتهد للحصول على أقرانٍ له يشبهونه في مقاومته، وقسوته، وسواده، ورفضهِ القاطع، يشعر أنّ إكمال الطريق دون رفقة أمرٌ مرهق، وأنّ هذه الساحة التي سرح ومرح فيها مدة طويلة استنزفته الآن. يرى أنّ خذلان المجتمع له، لا يُعد شيئًا أمام طريقٍ خالٍ من رفقةِ النضال والمقاومة.

عند هذهِ المرحلة بالضبط، عند هذا المنعطف الحادّ الذي قد يُفضي لانتكاسةٍ لا عودة منها؛ نحتاج “فالوسكا”.

لكن، ما هو السرّ الذي يحمله فالوسكا لكلّ مقاوِم؟

في رواية كآبة المقاومة لـ لاسلو كراسناهوركاي -383صفحة- تسلسلٌ وصفيّ وسرديّ لمراحل البؤس التي يتدرج بها المُقاوم وصولًا للا معنى، في حالات نادرة يستطيع الشخص إكمال الطريق، وفي أخرى هناك حالات تدركها رحمات إلهية من الوقوع في دوامة العبث، في هذا العمل الروائي إشارة للجموع، ودورها في إحداث التغيير، سلبًا كان أم إيجابًا، وتأكيد على أنها وحدها التي تملك الساحات، لكنها لا تنفي كذلك أنّ ما خلف الساحات هو الذي يحدد المصير في الغالب. في هذه الرحلة المتصلة يطلّ علينا “إيزتر” بتقلباته ومخاوفه، وقلقه الدائم، ثم حصوله على وسيلة النجاة ممثلة بشخصية “فالوسكا” ورغبته الشديدة في الحفاظ عليها، بعد أن كانت رغبتهُ شديدة في التغيير.

جاء في وصف “فالوسكا”: (فقد كان الرجل مقتنعًا بأن فالوسكا لا علاقة له بالكون الحقيقي على الإطلاق. وكان يرى أن ذلك الكون عنده ليس إلا صورة، أو شيء لعل الفتى يتذكره منذ الطفولة. يتذكّر صورة فحسب من نظام كونيّ لمحه مرة فصار ذلك النظام ميدانا شخصيًّا له. وكان من الواضح له أنه مشهد وضّاء لا يمكن نسيانه أبدًا، أو إيمان محض قائم على افتراض مفاده أنه كانت هناك، أو ربما كانت هناك، آلية سماوية “مدفوعة بمحرك خبيء من السحر والأحلام البريئة”)

إنه تمامًا الاحتياج المناسب لحالة المقاوِم القانِطة من كلّ شيء، كان السيد “إيزتر” يرى فيه آخر حبال الوصل مع هذه الحياة، يراهُ النجاة. في حين أنّ بقية أفراد الشعب لا ترى فيه إلا مجنونا يجلب الضحك لهم بذاتهِ الفالوسكيّة، أو كما جاء في الوصف: (كان المجتمع المحلي، “بالنظر إلى ميله الطبيعي”، لا يرى في فالوسكا إلا شخصًا أبله).

كان “إيزتر” يراه إنسانا سويًّا، على الفطرة، يَرى ما لا يُرى، يُبصر بقلبهِ، يحسّ بالشيء، لا يشبه البقية. كأنه يشبهُ الأطوار الأولى لتشكّل المقاوم! كانت علاقة مبنية على الحنين.

إن كلمة قالها “هارر” تؤكد ذلك: (ذلك المعتوه فالوسكا، الذي كان يمكن أن يشكّ في شيءٍ ما -بالغريزة- ويتوصّل إلى استنتاجِ شيءٍ ما “بعقله الفاسد”).

لكنّ “إيزتر” حتى في محاولتهِ ترك روحه المقاوِمة يُقاوم، يقول لاسلو كراسناهوركاي في الرواية: (كان عليه أن ينسحب إلى نقطة من الأمان الداخلي ولو لمجرد أن العالم الخارجي قد صار محل تدهورٍ مؤلم؛ وكان عليه أن يتجاهل ذلك الوخز، وتلك الرغبة في التدخّل، لأن مغزى الفعل وغايته كانا يتآكلان نتيجة افتقار ذلك من الفعل افتقارًا شاملًا إلى المغزى). إنّ وجود شخص كـ “فالوسكا” هو من أخرجه من حالةٍ كثيفةٍ سابقة إلى حالةٍ خاوية. يضيف كراسناهوركاي عن وسيلة “إيزتر” الفالوسكيّة للنجاة: “الملجأ الوحيد الأخير الذي يستطيع فيه أن يظلّ حرًا وأن يظلّ واضحًا. فكرة الملجأ الأخير هذه هي ما جعله يزداد اقترابًا من فالوسكا”.

تظهر رمزيّة “فالوسكا” في أنه كان بمثابة اليد التي أمسكت بـ “إيزتر” من الوقوع في أسفل درجات الانتكاسة، لا يعني وجوده أنه أنقذ “إيزتر” بالكلية لأنّ الأخير كان قد تشبّع من المقاومة المقرونة باللا جدوى، “فالوسكا” مثّل حياة جديدة لـ “إيزتر”.. كانت حياة الهروب والنأي بالنفس عن كلّ شيء، إنها الحياة التي لن يهضمها ولن يفهمها أيّ مقاوم، وأيّ ثائر. لكنّه قد يحتاجها فيما بعد.

كان “إيزتر” قد وصل لمرحلة بؤس المقاومة، حين تطول مدة الرفض دون نتيجة مرئية، يصبح الفعل لا معنى له، قد لا يعلن المقاوم ذلك أملًا منه بالعودة لتلك الروح الاندفاعية، لكنه يعيش صراعًا داخليا، بين روحيْن، إحداهما تجرّد كلّ فعلٍ مُقاوِم من المعنى، وتُسفهه. نعرف أنّ المقاومة معرفة بالدرجة الأولى وهي التي يتمخض عنها كلّ أفعال العصيان والرفض، لذلك يصفها “إيزتر” فيقول: (المعرفة تقود إما إلى الوهم التام أو إلى حالة اكتئاب غير عقلانية). وفي اعتقادي أنّ “الوهم التام” من إحدى معانيه المقصودة هي المقاومة التي تعوّل على شعارات أثبت الواقع أنها تُرفع في مكان، ويُقتل لأجلها في مكانٍ آخر الألوف، إنها المقاومة التي تلبس كل وجوه هذا الفعل لكنها تتوهم أنها تفعله، تناقضٌ صارخ، كشفته ثورات متعاقبة.

في صعود نجم المقاوم لمعانٌ ثاقب، وبريقٌ مُغرٍ، لكنّ (الرمز) كأحد تجليات المقاومة يتعرض للسقوط أحيانا، الحالة التي وصل إليها “إيزتر” تُخبرنا عنها “السيدة إيزتر” بعبارات مختصرة، بجمل قصيرة، صارِمة، إنها نهاية بائسة لشباب مليءٍ بالاندفاع! تصف فتقول: (هذا المعتوه، هذا الحطام المتهاوي… لم يعد أكثر من ظل واهٍ لذاته السابقة، لم يعد إلا شيخًا يثير الشفقة، أرنبًا مذعورًا، هيكلًا عتيقًا مرتجفًا تدمع عيناه) ما أقساها من كلمات. عنيفةٌ مرتين، لذاتها أولًا، ولكونها وُجهت لمقاوم.. ثانيا.

ويمكننا إدراك الفرق بين السيد “إيزتر” والسيدة “إيزتر” من خلال مقولة لعالم النفس “إريك فروم” حين قال في كتابه: الإنسان بين الجوهر والمظهر: (وارتقاء المعرفة، في أسلوب الكينونة، يعني التعمق… بينما يعني، في أسلوب التملك، الحصول على مزيد من المعارف). كان ذلك تماما ما يعيشه الشخصان بعوالمهما المتصلة والمختلفة، حين غاص “إيزتر” في التعمق أُصيب بداء كآبة المقاومة، لكنّ ذلك يعتبر ضريبة يدفعها المقاوم وهو على علم مسبق، إذ أنه قبل خوضهِ هذه التجربة يُقر أنّ ثمن المعرفة قاسٍ والأقسى حين تُرافق هذه المعرفة رغبة جامحة في تغيير الواقع، هذا الجموح الذي يصطدم بواقعية الحياة لا يلبث أن يتلاشى من كلّ الثقوب، حتى القُعُود الذين لا صوت لهم يجدون من خلاله مدخلا لتسفيه “أحلام الشباب” التي انتهت بكارثة نفسية. إنّ الحصول على المعرفة يتم بالطريقة التي قالها “إريك فروم”: (وتبدأ المعرفة –إذا- بتبديد الوهم) لكنهُ يُدرك تبعات هذه المعرفة فيضيف: (المعرفة تعني رؤية الحقيقة عارية).  يبدو ذلك توصيفًا معبرًا عن الشكل المخيف الذي تتجلى فيه المعرفة لمن رغبَ بها، فالعريّ الكامل يصيب الناظر له بصدمةٍ تعتريها روح الاشمئزاز، وخوف يجتاح النفس، بل هذا العري في الحقيقة قد يُفضي للصد لا الإقبال. إنه رؤية كاملة، كما الحقيقة تماما، تكون موجودة –وربما متاحة- نُقر بها، لكن ما إن نراها دفعة واحدة، صريحة، مندفعة، نصاب حينها بالوجل، تشكّ حتى في أنك رأيت، وكلّ ذلك نداء داخليّ لتعزيز رغبة الإنكار التي تعتمل في داخلنا.

حالات قليلة نشهد فيها سقوط الرمز، الأولى حين تُعلّمنا النضالات المتتالية وَهم رمزية ذلك الرمز، وكذب مقاومته التي تجترّ كلامًا يناقض أفعالها، والثانية حين يتعرّض الوعي المجتمعي لنكسة ما بعد “هزيمة الثورة” تصير الجموع التي كانت حاضنة لروح المقاومة -عوضا حتى عن أجساد المقاومين- تصيرُ ناقمةٌ هازئة. وفي ذلك تَـقول “إيزتر” عن ذلك الذي وصفته بـ “الحطام المتهاوي”: (فخسر ذلك الاحترام “غير المفهوم على الإطلاق” الذي كان يتمتّع  به بين الناس، الذين صاروا الآن -فجأة- يعتبرونه موضوعًا للسخرية العامة)، وتختمُ وصفه بالقاصِمة حين تقول: (هذا التجسيد الحيّ لأكثر الهزائم إذلالًا). !

في كآبة المقاومة، تكثيفٌ مركّز لكآبة هذا الفعل، ليس هو بحدّ ذاته، بل ما يتلوه من صِعاب تتجلّى في كلّ شيء، وحولَ كلّ شيء. كآبةٌ شاملة. مسيطرة. تُفني الشخص قبل أن يفنى من لضده قاوَم أشباه “إيزتر”.


المصادر:

1/ كآبة المقاومة، لاسلو كراسناهوركاي، ترجمة: الحارث النبهان، دار التنوير 2020م.

2/ الإنسان بين الجوهر والمظهر، إريك فروم، ترجمة: سعد زهران، دار عالم المعرفة.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى