عام

البناء الاجتماعي للقصص

كيف يمكن للسرد أن يقف في طريقنا للسعادة؟

  • مقتبس من حوار مع بول دولن*
  • ترجمة: سارة عبد الله
  • تحرير: أحمد الأحمري

ذهبت إلى العشاء مع إحدى صديقاتي التي أمضت طوال المساء شاكيةً من وظيفتها، ورئيسها، وزملائها في العمل، ومشوارها اليوميّ إلى العمل… كان كل ما يتعلق بتجاربها اليومية بائسًا و يعد هذا الأمر شائعا جدًا ،فقد قالت لي في نهاية العشاء: “أحب المكان الذي أعمل فيه”..

 كانت تعمل في المؤسسة التي دائمًا ما رغبت العمل فيها، كان والداها فخورين بها، وكان أصدقاؤها يشعرون بالغيرة منها. إذا لماذا  لم تكن سعيدة؟ عندما فكرت في قصة ما مدى سعادتها في مكان عملها؟ كانت تجاربها -يومًا بعد يوم، ولحظة إلى لحظة- تخبرها بشيء مختلف تمامًا.

ينصب اهتمامي على معرفة مصدر هذه الروايات/القصص، خاصةً تلك التي تعرقل أحيانًا طريقنا لأن نكون أكثر سعادة. هناك الكثير من الأبحاث النفسية التي تصف كيفية مساعدة القصص لنا في في حياتنا العامة… على سبيل المثال، في حالة مواجهة الشدائد أو تعرضنا لصدمة؛ إذا بحثنا عن التفسير والسبب من خلال القصص/السرد، فهذا يساعدنا على التعامل مع العواقب السلبية. أنا مهتم أكثر بالبنى الاجتماعية للقصص،و بما يخبرنا التطور أو المجتمع أو آباؤنا أو الحوادث التاريخية عن الحياة التي يجب أن نعيشها، وعلى وجه الخصوص؛ كيف يمكن ان نستفيد من  القصص من اجل عيش حياة أفضل؟

*بول دولن

 

هناك سؤالان أطرحهما على نفسي: أولًا، ما الأشياء التي نعتقد أننا نعرفها عن السعادة؟

غالبًا ما يأتينا ما نعتقد أننا ما نعرفه عن السعادة يكون من أشخاص يجيبون على الأسئلة التي نطرحها عليهم حول مشاعرهم وحالتهم المزاجية وما إلى ذلك؛ ولكن صُدمت مؤخرًا ببضع ورقات بحثية تُظهر أن بيانات التقرير الذاتي -الذي يعبر فيه الشخص عن نفسه ومشاعره- غالبًا لا تتناسق مع الطرق التي يمكننا من خلالها البدء في قياس السعادة من خلال النظر في تعابير الوجه، وتحليل المحادثة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، دائمًا ما تظهر بيانات التقرير الذاتي أن الأشخاص المحافظين أكثر سعادة من الليبراليين؛ أُخذت هذه الإفادة كحقيقة. ومع ذلك، عندما تلقي نظرة على تعابير أوجه الناس وتنظر إلى محادثاتهم التي يجرونها، نبرتها والجو العام لها… فإن الأمريبدو مختلف تماما. لذا أنا مهتم بمحاولة اكتشاف مدى سعادة الناس دون سؤالهم إلى أي مدى هم كذلك؛ البيانات الضخمة وغيرها من التحاليل التي تنظر إلى تصرفات الناس وسلوكياتهم تعطينها هذه الفرصة.

 

السؤال الثاني يتعلق بدور القصص والسرد/الروايات في حياة الناس، قصة العشاء مع صديقتي المذكورة في بداية المقال تؤطر هذا السؤال. أنا مهتم بمعرفة مصدر هذه الروايات/القصص، خاصةً تلك التي تعرقل أحيانًا طريقنا لأن نكون أكثر سعادة. هناك الكثير من الأبحاث النفسية التي تصف كيفية مساعدة القصص لنا.. على سبيل المثال، في حالة مواجهة الشدائد أو في حال تعرضنا لصدمة؛ إذا بحثنا عن التفسير والسبب من خلال القصص/السرد، فهذا يساعدنا على التعامل مع العواقب السلبية. أنا مهتم أكثر بالبنى الاجتماعية للقصص، بما يخبرنا التطور أو المجتمع أو آباءنا أو الحوادث التاريخية عن الحياة التي يجب أن نعيشها، وعلى وجه الخصوص؛ كيف يمكن أن تعترض القصص أحيانًا طريقنا في عيش حياة أفضل.

من منا لا يهتم بالعلاقات؟ لدينا علاقات شخصية مع آبائنا وأطفالنا، لكن العلاقات الحميمية مثيرة للاهتمام بشكل خاص. هناك الكثير من القصص حول أنواع العلاقات التي يجب أن تكون لدينا. على سبيل المثال، هناك قصص ضخمة قد يكون لها تفسيرات وأسباب جيدة عن الزواج والزواج الأحادي والذي قد يكون بالنسبة لبعض الناس وفي بعض الأحيان جيدًا.أيضًا، من خلال العلم يمكنني القول إن فكرة استمرار الحب الرومانسي هي هراء بالكامل، نعرف ذلك بوضوح من العلم نفسه. أما بالنسبة للحب العاطفي، فربما تكون محظوظ إن خرجت منه بعد اثني عشر شهرا، وربما ثمانية عشر شهرًا إن كنت محظوظًا. مع ذلك ما زال كثير من الناس يتوقعون استمرار الحب العاطفي، ويعتقدون أن زيجاتهم أو علاقاتهم فاشلة لكونهم لم يعودوا يشعرون كما كانوا في بادئ الأمر… إنها مجرد فوضى؛ نحن ندخل في الفوضى من خلال سرد قصة واحدة مناسبةللجميع حول أنواع العلاقات التي يجب أن تكون بيننا.

 

من أين تأتي القصص؟ وما مصدر القصص؟

يعد هذا السؤال أحد الأسئلة المثيرة للاهتمام.

تعتمد تصورات الناس ووجهات نظرهم حول أهمية وصدى القصة على مصادر هذه القصة. على سبيل المثال، في كثير من الأحيان سنقدم أسبابًا تطورية للقصة، وهذه قصة في حد ذاتها لأنه لا يمكنك أبدًا تزويرها. تأتي القصص من مجموعة كاملة من المصادر المختلفة؛ وجزء من عملي المستقبلي هو النظر إلى مدى أهمية بعض هذه الأسباب والمصادر للقصص المختلفة.بصفتي أكاديميًا، غالبًا ما ينصب اهتمامي على: البيانات الكمية؛وهي مجموعة البيانات الضخمة التي تكون نتيجة للكثير من الملاحظات المثالية لعدد كبير من الأشخاص وعلى مدار سنوات عديدة. وفي مجال العلوم السلوكية اهتم بالتجارب المنضبطة المعاشة، حيث تتم ملاحظة تصرفات أشخاص حقيقيين في العالم الحقيقي موزعين بشكل عشوائي على معلاجات وتدخلات مختلفة، بدلاً من سرد حكاياتي الخاصة حول ما يجب أن يبدو عليه العالم.

إليكم هذه القصةالمثيرة حول العلاقات، هناك بعض البيانات -ومعظمها ليس سببيًا لأنه لم يتم في ظل ظروف عشوائية منضبطة- تشير إلى أن الأزواج الذين ينامون في أسرّة منفصلة يكونون أكثر سعادة وأن زواجهم طويل الأمد مقارنةً بالأزواج الذين ينامون في نفس السرير… أنا مقتنع -كقصة لكيفية العيش في العصر الحديث- أن هناك خطأ ما في الزيجات والعلاقات التي ينام فيها الأزواج منفصلين؛ لأن هذا ليس ما يُفترض أن نقوم به وفقًا لمفاهيم الحب الرومانسي والعاطفي الذي يغذي الروايات التي نرويها عن حياتنا.لذلك، ما أريد استكشافه أكثر والذي يعتبر إلى حد كبير منطقة بحث جديدة بالنسبة لي، هو معرفة نقطة تعارض البيانات والعلوم والأدلة مع بعض الروايات والقصص التي يرويها الناس عن العلاقات وغيرها من الأشياء الأخرى. لدينا قصص جيدة عن التقدير والمكانة والإنجاز؛وقد يكون هناك أسباب تطورية لسبب احتمالية امتلاك الأشخاص الناجحين لمجموعة أكبر من الشركاء، لكن-ومن خلال اطلاعنا على البيانات التى غالبًا ما تكون ارتباطيه وليست سببية- تكرار هذه القصص أو الروايات عدة مرات سيمنع ويعيق الناس من أن يكونوا أكثر سعادة.مثلًا، شاغلو الوظائف الرفيعة الذين يضحون بالكثير من أوقاتهم الثمينة بالتواجد مع الأشخاص الذين قد لا يستمتعون بوجودهم -على عكس استمتاعهم بالتواجد بين أسرهم وأصدقائهم، واستمتاعهم بوقت فراغهم- باحثين وساعين لتحقيق النجاح والإنجاز، جاعلين أنفسهم بائسين أجل تحقيق ما صُمم -من خلال القصص- على أنه ما يجب عليهم السعي وراءه.ومع ذلك، لا أستطيع الجزم بتبني وحفظ وجهة النظر هذه وتطبيقها على كل مثال بسبب اختلاف السياقات، لكني أود أن أدفع القضية التي نحتاجها للتخلص من القصص والروايات وعيش الحياة في تجارب أساسها المتعة والرغبة بدلًا من التقييمات والإنشاءات -التي تفرضها القصص- حول الحياة التي يجب أن نعيشها وما يجب القيام به.

أثناء عملي خبيرا اقتصاديا في الصحة في أفضل جزء من حياتي الأكاديمية، ومن خلال ما أقوم به من عمل في كتابة الأوراق والتأثير على السياسة، ولغرض إبلاغ استخدام المواد العامة النادرة؛ طلبت من الناس أن يتخيلوا كيف ستكون الحياة في حال تجربتهم لظروف صحية مختلفة؟ على سبيل المثال، قد يُطلب منك أن تتخيل كيف ستكون حالتك لو كنت تعاني من بعض المشاكل البدنية أو لو كان لديك اكتئاب أو قلق،كان الناس يتصورون ويتخيلون كيف سيكون الحال لو كانوا في تلك الظروف أو الحالات.. لا تزال الأرقام وإجابات الناس التي حصَلت عليها من هذا العمل تستخدم من قبل السلطات التنظيمية لإبلاغ قرارات التوزيع والتخصيص.أدهشني بسرعة خلال عملي هذا أننا -وكما أظهر علماء النفس – ضعيفون للغايةفي القدرة على التنبؤ بأثر التغيّرات في ظروف الحياة -كتغير حالتنا الصحية وأشياء أخرى- على رفاهيتا. كان سبب اختياري المخصوص للوظيفة الجسدية والقلق والاكتئاب هو أنه عندما تطلب من الناس تخيل مدى سوء هذه الظروف، فإنهم يعتقدون أنها ستكون سيئة بالنسبة لهم إذا كانوا سيجربونهاحقيقةً في المستقبل. ولكن إذا أمعنّا النظر في أدلة البحوث المتعلقة بالسعادة، سنكتشف أنها تخبرنا ما هو عكس ذلك تمامًا، حيث تُظهر هذه البحوث أن العيش لفترة طويلة مع مشاكل عقلية -كالقلق والاكتئاب- أسوأ بكثير من العيش لوقت طويل مع مشاكل الأداء البدني.. وسبب ذلك هو الانتباه؛حيث تستمر مشاكل الصحة العقلية في لفت انتباهنا إلى وجودها في حياتنا بمرور الوقت؛ إذا كنت مصابًا بالاكتئاب فلن تستيقظ بعد عام من الاكتئاب بمشاعر أقل سوء، حتى لو مرّ على إصابتك عام كامل، لن تعتاد. على العكس، فإن مشاكل وقيود الأداء البدني يمكن الاعتياد عليها طالما لا توجد فيها سمة البحث عن الاهتمام وشد الانتباه كالألم مثلًا؛ فعام بعد بدئك بالعرج، لن يكون سيئًا كيومك الأول. هناك الكثير من الأدلة البحثية حول عدم قدرة خيالنا على التنبؤ بشكل جيد بمثل هذا، وما دفعني للمجادلة في هذا الموضوع هو سوء تخصيصنا للموارد.. حيث ننفق أكثر بكثير على مشاكل الصحة الجسدية من مشاكل الصحة العقلية نظرًا إلى تأثير المشاكل الجسدية على حياة الناس.

تتمثل إحدى المزايا العظيمة لبيانات السعادة في أنها ليست فقط تمكننا من معرفة ما يؤثر على الناس أثناء تعرضهم لظروف حياتهم المختلفة، بل أنها تقوم بذلك دون الحاجة إلى سؤالهم عن مدى تأثير هذه الظروف في حياتهم حسب اعتقادهم. جميع البيانات التي نستخدمها في اقتصاديات الصحة هي أن نقول لشخص ما “تخيل مدى كون هذا الأمر مشكلة بالنسبة لك، عندما تتخيل مدى كونه مشكلة في الأساس” تسمح لنا بيانات السعادة التي نحصل عليها من هذا العمل بمعرفة مدى سعادة شخص ما بالإضافة إلى معرفة مجموعة من المعلومات الخاصة به وبحياته، بما في ذلك حالته الصحية -طالما أن هذا هو ما يهمنا- ومن ثم تخبرنا نماذج الانحدارعن تأثير تلك الأحداث والظروف والحالات الصحية على سلامة شخص ما..تعتبر هذه النتيجة التي توصلنا إليها أخيرًا وبعد طول انتظار منّا نحن العاملين في الاقتصاد بشكل خاص وفي السياسة العامة،تقدمًا كبيرًا.

لاقتصاديات الصحة مجالان أساسيان للأنشطة: أولًا؛ أبحاث السعادة، حيث ينظر الأشخاص إلى بيانات المسح والتقارير الذاتية من النوع الذي تمت الإشارة إليه سابقًا -ما مدى رضاك عن حياتك بشكل عام؟ – ثم محاولة استنتاج علاقة السبب والتأثير من خلال تقنيات الانحدار المعقدة. أما النشاط الثاني فهو علم السلوك الذي يقوم بتدخلات كدفع الناس إلى التصرف بشكل مختلف باستخدام الحوافز المالية أو المعايير الاجتماعية أو أي تأثيرات أخرى لجعل الناس يتصرفون بشكل مختلف عن طريق إجراء تجارب عشوائية محكمة في البيئات الطبيعية.كما أن هناك طريقتين بحثيتين مختلفتين يتم استخدامهما في اقتصاديات الصحة: البحث المسحي، والتجارب العشوائية المحكمة، ولكن ليس هناك من يفكر في عواقب السعادة والرفاهية، فاقتصاديو الصحة ينظرون إلى التغيير في السلوك. لنفترض أنني أرسلت إليك رسالة تفيد أنك تستخدم الطاقة -الكهرباء- بشكل متقدم مقارنةً بمستخدمي الطاقة الآخرين، وبينت لك أن ذلك قد يكون له بعض التأثير على السكان،وعلى متوسط الطاقة، وعلى استخدامك للطاقة. ماذا لو كنت من النوع الذي يكره الحصول على مثل هذه الرسالة التى تلمح الى أنك شخص فظيع يفوق استخدامك للطاقة استخدام الشخص العادي؟ ماذا لو كنت على استعداد لدفع المال مقابل عدم استلام مثل هذه الرسالة التي تخبرك كم أنت شخص سيء بالنسبة للأشخاص الآخرين؟ ماذا لو جعلتك هذه الرسالة تشعر بالسوء بسبب إخبارك أنك شخص سيء مقارنة بالأشخاص الآخرين؟ لم ولن يتم الإجابة عن كل هذه الأسئلة بفصل هذين المجالين أو الطريقتين البحثيين عن بعضهما، وهذا ما أحاول أن أقوم به في بحوثي الخاصة.. باستخدام كلا الطريقتين ، ولاستخدام طرق البحث الخاصة بالعلوم السلوكية، يجب أن نقوم بعدد أكثر من التجارب المحكومة والعشوائية التي تبحث في أسباب السعادة وآثارها لأن معظمهما مترابط. فمثلًا من غير المعقول القول أن الأطفال يجعلون الناس أكثر سعادة؛ حيث لم يتم عمل أي تجربة عشوائية محكومة يحصل فيها الأشخاص على أطفال مخصصين أو لا يظهر عليهم تأثير أي علاج .من جانب اخر هناك مشكلة ضخمة تتعلق بتأثير الانتقائية. مع السلوكيات والظروف الأخرى، فنستخدم تجارب عشوائية لتقييم أسباب السعادة وآثارها لأن هناك مجموعة من العواقب التي تأتي من كون الناس سعداء أو تعساء.الأهم من ذلك، وبالنظر إلى نتائج السعادة للدفعَات التي نصنعها، ينصب اهتمامي على إظهار ومعرفة ما إذا كان الناس أفضل حالًا نتيجة لحثنا ودفعنا لهم لأن يكونوا صحيين أكثر، أو يدخرون أكثر من أجل تقاعدهم، أو يستهلكون طاقة أقل. من الواضح أنهم ليسوا دائمًا كذلك.


كخبير اقتصادي في مجال الصحة، فكرت بعقل الخبير الاقتصادي لمدة عشر سنوات.. يمكننا دائمًا أن نحظى برواية لطيفة تجعل حياتنا متماسكة ومنطقية، يمكنني القول أن هذا هو أعظم ما في القصص. في عام ٢٠٠٣ وبعد فترة وجيزة من فوز داني كانمان بجائزة نوبل، فزت بجائزة صغيرة في المملكة المتحدة مقابل تدريس إحدى المواد الدراسية، وهو ما منحني بعض الوقت للقيام بأشياء أخرى؛ بعد ذلك رأيت إعلانًا لمؤتمر اقتصاديات السعادة الذي سيقام في ميلان وخطر في بالي أنها فكرة جيدة. ذهبت إلى ميلان، وهناك قابلت داني كانمان صدفة في ذلك المؤتمر.. جلسنا بجانب بعضنا البعض في رحلة قصيرة بالحافلة لتناول “عشاء المؤتمر” أو شيء من هذا القبيل. خلال الخمس أو العشر دقائق التي كنا نتحدث فيها، دعاني دان إلى برينستون؛ لذا ذهبت. وهذا ما جعلني مهتمًا بكل من علم النفس السلوكي وأبحاث السعادة التي كان دان يشارك فيها كثيرًا في تلك المرحلة.

أحد الأشياء التي لا نحبذها أثناء قراءتنا أو تفكيرنا في القصص والروايات وكجزء من حالتنا البشرية هو تفسيرنا لمفهوم الحظ ؛ نحن نرى أنه ليس للحظ أي قوة. فمثلًاإذا روينا قصة فيلم ما لأحد الأشخاص، لا نروي قصةً عن مدى عشوائية ما حدث… هناك رواية كاملة للقصة من البداية والمنتصف وحتى النهاية. طبيعتنا الإنسانية لا تتقبل الحظ مفسر لحدوث الأشياء لأنه وكما ذكرت سابقًا ليس له أي قوة. ولكن بالنسبة لي وفي ذلك اليوم، وبالنسبة لكثير من الأشخاص؛ الحظ مهم للغاية.. فقد كنت محظوظًا ذلك اليوم لمقابلة داني.

من النقاط المثيرة للإهتمام والتي قد طرحها كانمان أيضًا فيما يتعلق باستخدام مقاييس السعادة في السياسة هو أفضلية عدم استخدام مصطلح “السعادة”. إن مصطلحي”البؤس” و”المعاناة” من أكثر المصطلحات بروزًا في رسم السياسات؛فإذا قلت لصانع السياسات “يجب أن يكون الغرض من السياسة هو تحقيق أقصى قدر من السعادة” سينظرون إليك على أنك تافه وصاحب فكر سخيف؛لكن إن قلت “الغرض من السياسة هو تقليل البؤس والمعاناة” فسيتقبلون ذلك وإن لم يتفقوا معك.فعلى الرغم من أن المقاييس التي قد نستخدمها أحيانًا في هذه الأشياء تكون متشابهة تمامًا، لكننا نعطي اللغة المستخدمةفي مسائل صنع السياسة اهتمامًا خاصًا.. لذلك -وعلى الرغم من أنه ليس من طبعي- إلا إني أحاول دائمًا أن لا أنسى استخدام مثل هذه المصطلحات -البؤس، المعاناة- بدلًا من مصطلحي السعادة والرفاهية.

كتبنا قبل بضع سنوات تقريرًا لمكتب مجلس الوزراء أُطلق عليه” “MINDSPACE”، والذي كان عبارة عن قائمة مرجعية تحتوي على تسعة عناوين موجزة من تسعة أحرف، لتدخلات العلوم السلوكية التي تؤثر علينا عمومًا من خلال العمليات اللاواعية والتلقائية. ومن العناصر التسعة للتقرير،تأتي ثلاثة عناصر من الاقتصاد، وثلاثة من علم النفس المعرفي، وثلاثة من علم النفس الاجتماعي..ويغطي المجال الذي أعمل فيه -العلم السلوكي- كل مجال من مجالات النشاط التسعة هذه كما يمكن أن نضيف علم الأعصاب كمجال آخر يغطيه العلم السلوكي؛ مع عدم قيامي ببحوث ودراسات في هذا المجال. كان هناك تقدم كبير في علم الأعصاب على مدى العقد أو العقدين الماضيين،و ذلك أني أعتقد أن مجال العلوم السلوكية يغطي جميع تلك المجالات ويعد استخدام هذا المصطلح جيدًا لأنه يُعتقد انه غالب ما يؤخر علم النفس علم الاقتصاد بسبب عدم فهم علماء النفس للاقتصاد.. لذلك من الجيد استخدام هذا المصطلح الشامل ليغطي العلاقة القائمة بين جميع هذه التخصصات المتداخلة فيما بينها. وينصب اهتمامي كاقتصادي صحي على عالم السلوك بالطريقة التي لا يهتم بها الاقتصاديون عادةً؛ فيأخذ الاقتصاديون البيانات ويحللون مستوى الانحدار الاقتصادي يأخذون هذه البيانات على النحو المعطى والمتاح. ومعظم البيانات والمقاييس التي لدينا عن السعادة هي تقارير “الرضا عن الحياة” لذلك أنا أهتم بالتفكير فيما إذا كانت هذه الأنواع من الأسئلة تعكس السعادة حقا.

 

فكر في هذا السؤال لمدة ثانية:

ما مدى رضاك عن حياتك بشكل عام هذه الأيام؟

ستستغرق وقتًا طويلاً للإجابة على هذا السؤال لأنه يتطلب معرفة تامة.

 وحتى لو أجبت على السؤال، ماذا تعكس اجابتك؟

ستعكس اجابتك مقدار شعور انك حققت الأشياء التي رغبت بتحقيقها هذه الأيام، وأنه تمت تلبية أولوياتك واختياراتك؛ولن يكون لإجابتك علاقة بالسعادة أو الحالات العقلية بالطريقة التي نفكر بها.

بالإضافة إلى ذلك، يستغرق الأشخاص حوالي ثلاثة ثواني -على الأكثر- للإجابة على هذا السؤال، لذا من الواضح أنهم لا يجيبون عليه.. يعطي هؤلاء الأشخاص بعض الردود الحدسية أو إجابات مثل: “نسبة رضاي عن حياتي على الأرجح حوالي سبعة أو ثمانية من أصل عشرة” بينما تعتبر الإجابة عن هذا السؤال أسهل بكثير من التفكير في مدى رضاك عن حياتك.أنا أيضًا مهتم كثيرًا بفهم مشاعر الناس أو فهم كيف يشعر الناس خلال ممارستهم لحياتهم اليومية لحظة بلحظة، ومن المساهمات المهمة التي قدمتها في هذا المجال هي التفكير في تلك الممارسات ليس فقط من حيث الحالات الوجدانيةمن الألم والبؤس والقلق والحماس، ولكن أيضًا من حيث الهدف والغاية.

بالتأكيد، لم يكن حديثي عن الهدف والغاية من حياة الناس هو الأول من نوعه، حيث تم الحديث عن “الغاية والهدف” منذ عصر أرسطو وحتى الألفي والنصف عاما الماضية، لكنه كان حديثًا تقييميًا وقصصيًا. هل هناك هدف وغاية لحياتي؟ وهل لحياتي معنى؟ لست مهتمًا بمعنى الحياة؛ اهتمامي الأكثر ينصب على معنى اللحظات التي اعيشها في هذه الحياة.. أنا مهتم فيما إذا كان حديثي هذا له هدف وغاية وما إذا كان مُرضي ويستحق الجهد وذو مغزى ؛ كشخص مشارك في الحياة العامة وليس فقط كمفكر يجب التفكير فيما اذا كان هذا الامر يستحق الذكر على المستوى المحلي والعالمي.

على سبيل المثال، لا يظهر لي المعنى والهدف من حياتي كأب عندما “أفكر” في أني أًب؛ بل يظهر هذا المعنى والهدف في التجارب التي أقضيها مع أطفالي وفي الأشياء التي قد لا تكون ممتعة أحيانًا؛ كسماع حكاياتهم وقصصهم المتكررة، ومساعدتهم في ربط أحذيتهم، وتعليمهم جداول أوقاتهم.. هناك الكثير من الأشياء التي قد تكون أكثر متعة من كل هذه الأنشطة؛ لكنها للأب تعتبر كأنشطة تشعرهم بالرضا والسعادة. تكمن مساهمتي في القول بأن الحياة وفي تجاربنا اليومية تحتوي على عناصر من المتعة والهدف أو الغاية، وبالتالي فإن الحياة السعيدة حسب تصوري لها هي تلك التي توازن بين هذين العنصرين بالشكل الصحيح للفرد، والذي لن يكون هو نفسه للجميع. إن رؤية الأهداف أو الغايات من تجربة أو ممارسة ما يكون بطريقة مختلفة في التفكير عن السعادة.. وهذي هي مساهمتي.

هناك بعض المقارنات المثيرة للاهتمام ولعدد كبير من الأسئلة والمتعلقة بمقارنة السعادة بين الأزمنة وبين الأشخاص.. إن التعامل مع تلك المقارنات الزمنية يعني التعامل مع تغيرات السعادة بمرور الوقت وما إذا كانت السعادة شيئًا يعتقد الناس أنه يحفزهم أو يهتمون به بأي شكل من الأشكال.نحاول بأي معنى أن نقيس ونغطي الرغبة بالشعور بالرضا كجزء من طبيعة الإنسان؛فلا يوجد من يبحث عمدًا وبدراية عن البؤس والشقاء. بالطبع، يرتكب الناس جميع أنواع الأخطاءخاصة عندما نضيف الهدف والغاية إلى ما نقوم به..فهناك الكثير من الأشياء التي قد تكون غير ممتعة ولكننا نقوم بها لأنها تعطي قيمة لتجاربنا.لدينا جميعًا -على مر الأجيال وفي جميع الأمنة- الدافع والحماس للبحث عن الأشياء التي نعتقد على الأقل أنها ستجعلنا نحس بشعور أفضل.. لا أعتقد أن هذا الدافع والحماس تغير على الإطلاق؛ ما تغير هو اللغة التي قد نستخدمها لتعكس ذلك وتمثله. فربما كان تجنب المعاناة والبؤس هو اللغة التي استخدمناها بشكل كبير ومتكرر في الماضي، وقد يكون الاحتفال بالسعادة والازدهار هو اللغة التي تستخدم الآن، لكن الرغبة الأساسية والدافع للعمل لم يتغير.

إن قضية المقارنات الدولية -مقارنة السعادة بين الدول- والشخصية -مقارنة السعادة بين أشخاص مختلفين- مثيرة للاهتمام، لكني لست مهتمًا بشكل خاص بالمقارنات الدولية لبيانات السعادة لاعتقادي بأنها لا تضيف لنا الكثير حيث لا يمكننا ترجمة الكلمة “السعادة” إلى بعض اللغات وحتى لو استطعنا ترجمتها فسيكون لها الكثير من المعاني المختلفة. هناك الكثير من التأثيرات الثقافية على التقريرالذاتي للبيانات، الأمر الذي يقودني إلى الاستنتاج بأن الناس يقومون بعمل كبيرلشيء يمثل مشكلة.. هذه المشكلة هي ما يجذبني بشكل كبير لقياس تجارب الناس-والتي قد تكون عالمية إلى حد ما- في المتعة والهدف أو الغاية بشكل مباشر.. فعندما يركلك شخص ما في ساقك وتشعر بالألم وتعبر عن مدى ألمك، فمن المحتمل أن تكون تجربتك هذه أكثر قابلية للمقارنة -بين الأشخاص وبين الثقافات أو الدول- من سؤال الناس عن مدى رضاهم عن حياتهم هذه الأيام؛ والتي تحوي جميع أنواع المشاكل حتى إن استطعت ترجمة ما يقولونه. ألفان وخمسمائةمن الخطاب الأخلاقي،ولم نتمكن من حل السؤال حول ما هوالشيء الذي نندفع له ونكافح من أجله أفرادا أو شعوبا.. ولن نتمكن أبدًا من الإجابة عليه خلال هذه المقابلة.

يتعين علينا أن نكون واضحين بشأن وجهة النظر المعيارية التي نتبناها عندما نقترب من اتخاذ القرار الفردي وصنع السياسات العامة. كما أننا بحاجة إلى أن نكون خالين من البيانات أو التجارب العشوائية تمامًا، أو المسوحات الكبيرة؛ حيث ستؤدي الاختلافات بين حساباتنا للرفاهية إلى استنتاجات سياسية مختلفة. هذا كل ما نحتاج إلى التخلص منه، سواء كانت هذه المناقشات المعيارية والفلسفية التي استمرت لمدة ألفين خمسمائة سنة مهمة حقًا، أو كانت والظروف والأحوال التي تمت خلالها مهمة. مثلًا، تهمنا التدابير والمقاييس التي نستخدمها عندما نتحدث عن الصحة العقلية والبدنية كما تحدثنا عن ذلك في وقت سابق؛ من المهم أن يكون لدينا بعض الوضوح بشأن ما نسعى إليه عندما نتدخل في حياة الناس للمساعدة في تحسينها. بالإضافة، إذا أردتني أن أحصر ما أعمله في جملة واحدة، فستكون إننا نقيّم تأثير جميع التدخلات السياسة على التجارب التي يمارسها الناس من المتعة والغاية أو الهدف والألم والعجز أثناء حياتهم اليومية. هذا هو الموقف المعياري الذي أتخذه عند الاقتراب من الخيارات الفردية أوالاختيارات التي أتخذها لأطفالي، وعند إبلاغي صانعي السياسة بما يجب عليهم فعله بالمال العام النادر.. هذا هو إطاري المرجعي.

يعتبر سؤال “التقرير الذاتي” في بحث السعادة قضية ضخمة. في الوقت الحالي، هو الطريقة التي يتم استخدامها على نطاق واسع لفهم كيف يشعر شخص ما؛ وهذا يجعل الامر منطقيا.. لأنني إذا رغبت في معرفة ما تشعر به فأنا لست في وضع أفضل للحكم على شعورك. لذلك؛ يمكنني أن أسألك عن مدى قلقك وانزعاجك وتوترك وحماسك وسعادتك.. وستكون في معظم الأوقات قادرًا على إصدار الحكم حول مشاعرك بشكل جيد. الأمر الأكثر صعوبة هو سؤال الناس هذه الأسئلة السردية العاكسة والأسئلة التقييمية: ما مدى رضاك عن حياتك هذه الأيام بشكل عام؟ لا يعيش الناس حياتهم بشكل روتيني مختبرين مدى رضاهم عنها، لكنهم يشعرون بالفرح والمتعة والغاية أو الهدف كما يشعرون بعدم الجدوى وعقم التجارب التي مروا بها في حياتهم. تعد التقارير الذاتية طريقة جيدة للاستفادة منها، لكنها ليست الطريقة الوحيدة. غالبًا ما يكون الأكاديميون بطيئين جدًا في استيعاب التقنيات الجديدة والأساليب الجديدة والبيانات الضخمة الجديدة، ويجب أن نستخدم هذه البيانات أكثر. هناك المزيد من الأشياء التي يمكن القيام بها في تحليل المحادثة؛ كالنظر في الأسلوب والمقصد، والنبرة التي يتحدث بها الناس مع بعضهم البعض، والحالات المزاجية التي يظهرها الناس عندما يشاركون في المحادثة.. يمكننا القيام بذلك دون أي تقرير ذاتي، وهذه إحدى الطرق التي سنحسن بها مقاييسنا للسعادة والرفاهية.

ربما تكون مشكلة التكرار في علم النفس هي مشكلتنا الكبرى في الوقت الحالي. كم من هذه الدراسات قابلة للتكرار؟ دور اللاوعي والنظام التلقائي في تشكيل السلوك والتأثير عليه هو أحد الأشياء التي نعرفها من علم السلوك بمساعدة علم الأعصاب على مدى العقد أو العقدين الماضيين. يكمن فهمنا الآن في أن السياق مهم للغاية، ما عليك سوى أن تغير شيئًا تافهًا تقريبًا في البيئة أو في زمان ومكان الموقف الذي يتصرف فيه شخص ما لكي يكون له تأثير كبير على سلوكه. ليس من المستغرب أن يصعب تكرار بعض هذه الدراسات، لأنه لا يمكنك تكرار البيئة وسياق المواقف التي تمت فيها ملاحظة هذه السلوكيات الأولية لأول مرة بدقة.يفتح لنا هذا الأمر المسألة المتعلقة بالتحضير والاستعداد؛ لا نشكك باستعدادنا طوال الوقت فالظروف والمواقف التي نكون فيها ترشدنا إلى التصرف بطرق معينة. هل يعني ذلك أننا نمتلك فهماً جيدًا لما هي تلك التحضيرات والاستعدادات الأولية بالتحديد؟ متى تعمل؟ أو إلى متى تستمر؟ لا، ليس كذلك. الأمر الذي يعني حاجتنا إلى مزيد من البحث، وأننا لن نقوم بتكرار الدراسة أحيانًا بسبب تلك العوامل الظرفية التي تؤثر علينا بشدة.

ليس هناك شك في أننا نستعد ونتأثر ونستشهد ببيئاتنا طوال الوقت بطرق غير واعية وتلقائية؛ حيث يتطلع الدماغ إلى جعل الحياة سهلة بالنسبة لنا، فهو يقوم بعمليات ربط البيانات والمعلومات التي لدينا والتي نحاول الحصول عليها طوال الوقت لمساعدتنا على القيام بذلك.. في معظم الأحيان، يقوم بعمل جيد جدًا. بالطبع، عادةً ما نرتكب الأخطاء والزلات في المصالح الأكاديمية والسياسية؛ فالتفاصيل الدقيقة للإعداد مثيرة للاهتمام للغاية، كما تجعل البحث الأكاديمي صعبًا للغاية؛ لأنه إذا بالغت في إعداد شخص ما، فسيكون ذلك في عقله الواعي وسيتوقف عن كون أفعاله أصلية. ولكن من أين تأتي تلك اللحظة الدقيقة؟ بمعنى أين تكون نقطة التحول بين شيء ما في بيئتك اللاوعية وشيء في معرفتك الواعية؟ لا عجب، مرة أخرى، إن مرحلة التكرار صعبة للغاية، لأن الأشخاص الذين سنقوم بعملية التكرار معهم سيكونون في بعض الأحيان في بيئة غير واعية وفي أحيان أخرى سيكونون في المعرفة الواعية. من الصعب جدًا، تمييز هذه الاختلافات وفهمها من الأساليب التجريبية.

أدرك أنه في صنع السياسات -في القطاع العام والخاص- لا يمكننا تقريبًا تجاوز أنفسنا؛ نحن بحاجة إلى قبول وتبني وإعلان حقيقة أننا مدفوعون بشدة من خلال عمليات اللاوعي والتلقائية. يعد “كانيمان” وأمثاله أكثر تشاؤمًا بشأن قدراتنا على التعامل مع هذه التحيزات والآثار بطرق تعزز الرفاهية، لكنني متفائل بأننا نستطيع؛ فإذا فهمنا الآليات التي تدعم استجاباتنا السلوكية لمحفزات ظرفية معينة، فيمكننا تصميم بيئات وتنظيم مجتمع بطرق تسهل على الناس القيام بأشياء تعزز الرفاهية وتصعب عليهم فعل أشياء لا تعزز رفاهيتهم. أنا متفائل تمامًا مع أن عدم قدرتنا على اتخاذ قرارات عقلانية ومدروسة أمر ضار، إلا أني أظنه أمر جيد.إن الاعتقاد بأن القليل من التدريب وقليل من المعرفة والفهم يمكن أن يبعدانك بطريقة أو بأخرى عن هذه الآثار التي قد تكون بمثابة ميزة تطورية لمليارات السنين، وأنه يمكنك الحصول على درجة علمية في الاقتصاد وفجأة تنفصل عنك الأسلاك وتنحرف عن هذه التأثيرات.. هو غطرسة حقيقية لدى علم الاقتصاد أو ربما لدى الناس بشكل عام.

دائمًا ما يتشاجر الأشقاء في الأسر مع بعضهم البعض، ويكرهون بعضهم البعض تقريبًا، ثم إذا بدأ شخص آخر من خارج الأسرة في الشجار مع أحدهم، سيتجمع الأشقاء ويقاتلون هذا الشخص القادم من خارج العائلة؛ في بعض الأحيان، أكون هكذا مع الاقتصاد. أحب الشجار مع أشقائي الباحثين والعاملين في الاقتصاد، ولكن ريثما يتدخل أشخاص من الخارج فسأقف قليلاً مع الاقتصاد.. مثل معظم الأشياء في حياة الأفراد وكذلك المجتمعات، إن بعض أكبر نقاط القوة لدينا هي أيضًا أكبر نقاط ضعفنا.

إن من أكبر نقاط القوة في الاقتصاد هي محاولة التنبؤ/التوقع، حيث لا يعد علم الاقتصاد علمًا وصفيًا كعلم النفس؛ بل هو علم توجيهي يشرح كيف يجب أن يكون العالم وما سيبدو عليه إذا تم سحب بعض الروافع -عادة المالية- منه.. هذا التوقع لما سيكون عليه العالم يجعل علم الاقتصادمفيدًا وقيمًا للغاية في صنع السياسات. المشكلة هي بالطبع أن توقعات علم الاقتصاد تخطئ في كثير من الأحيان، مما يجعل ميزته العظيمة هي أيضا نقطة ضعفه الكبيرة؛فعندما نرتكب أخطاء في التنبؤ، سنتسبب بمشاكل. لكن حقيقة أننا على استعداد -أقول أننا لأني عدت الآن إلى أسرتي التي أدافع عنها- لتقديم تلك الادعاءات التنبؤية التوجيهية هي السبب في أن الاقتصاد يؤخذ برأيه في صنع السياسة أكثر بكثير من علم النفس.

كان لعملي السابق كخبير اقتصادي في الصحة تأثير على السياسة الصحية، تكمن المشكلة في أن معظم هذا العمل لا يعد جيدًا الآن خاصةً من خلال عدسة السعادة؛فأنا أحاول إعادة صياغة كيفية تقييم تأثير السياسة، باستخدام السعادة كعدسة. يصر الأكاديميون على الكيفية التي لا يستمع بها صناع السياسات إلينا والتي تجعلهم لا يهتمون بأي دليل.. حسنًا، لا يقدم الأكاديميون الأدلة بطريقة مقنعة تجعل الناس يستمعون إليهم؛ فعندما يكون هناك الكثير من نماذج الانحسار والرسوم البيانية، من يهتم بكل ذلك؟ احكِ قصة بسرد جيد ينسجم مع البيانات الجيدة، وسيولي الناس المزيد من الاهتمام لما تقدمه. يتحتم على صانعي السياسات الاستماع إلى المزيد من الأدلة، ولكن يجب على الأكاديميين أيضًا تقديم الأدلة بطرق تجعل صناع السياسة يستمعون.

أحد الأشياء المثيرة للاهتمام التي لا تعد تناقضًا بل تناسق، هو أننا بحاجة إلى سرد عدد أقل من القصص لأنفسنا ولبعضنا البعض حول جميع انواع الأشياء، بما في ذلك أنواع الحياة التي يجب أن نعيشها. وفي نفس الوقت، من أجل الحصول على أدلة علمية يستمع إليها وتأخذ على محمل الجد من قبل صناع السياسات، نحن بحاجة إلى سرد القصص؛ بحاجة إلى روايات وقصص جيدة تدعم الأدلة والعلم. كما نعلم جميعًا، جميع السياسات تتعلق حقًا بالسرد والقصّ؛ مثلًا لا تقل “نحن بحاجة إلى التقشف”فهذا لا يعني أي شيء بالنسبة لسياسي.. ولكن هناك قصة كبيرة ورواية تدعم التقشف يمكنك استخدامها؛فكل شيء في صناعة السياسات يتعلق بالسرد والقصّ. يحتاج الأكاديميون إلى إدراك هذه الحقيقةبشكل أكثر مما يفعلون حاليًا؛ من أجل التأثير على صنع السياسات العامة: افهم السرد وافهم القصة وكن قادرًا على التحدث بطريقة تجعل صناع السياسات يستمعون لما تقوله بشكل أكبر مما يفعلون حاليًا.

من الصحة إلى السعادة إلى القصص، أتيحت لي الفرصة شخصيًا للقيام بمزيد من الأنشطة التي تواجه الجمهور، ليست المحادثات فقط، ولكن اللقاءات التلفزيونية وأشياء من هذا القبيل. أحب هذه الفرص التي تسمح بتقديم العلم للجمهور، إن الرغبة العامة لأي علوم جيدة ومُقدمة بشكل مناسب قوية للغاية. هناك افتراض بأن الناس لا يهتمون ولا يريدون أدلة أو علوم أو معرفة، لكن هذا يقلل من شأن الناس. إن خلفيتي عن الطبقة العاملة هي أنها تلك الطبقة التي كان لديهم القليل من التعليم الرسمي؛ في الواقع، لم يحصل أي من أفراد عائلتي على تعليم رسمي بعد النقطة التي كان عليهم فيها البقاء في المدرسة، مع ذلك كان لديهم جميعًا اهتمامات مختلفة..إن العثور على أشخاص يمكنهم تقديم أشياء شيقة لهم بلغة وبطريقة تروق لهم، هو أمر أدرك الآن أنه المكان الذي قد تتجه إليه حياتي المواجِهة للجمهور؛ فقد تعلمت أن أفعل ذلك بشكل أفضل. لقد قمت بتصوير برنامج تلفزيوني للجماهير ومن أجلهم، وقد علمني هذا البرنامج أنني ما زلت أتحدث مثل أي شخص أكاديمي؛ على الرغم من اعتقادي بأني أكاديمي بسيط جدًا ومتحدث بلغة عادية مقارنة بكيفية تحدث معظم الأكاديميين الآخرين. لكني تمكنت من العثور على طرق للتواصل بشكل أكثر فعالية مع الجمهور العادي.

 تمامًا كما يحتاج الأكاديميون إلى تعلم التواصل الفعال مع صانعي السياسات، نحن بحاجة إلى فهم أكبر من فهمنا الحالي للأشخاص الذين نتحدث إليهم.. ربما هذه هي الرسالة الرئيسية، أن نفهم الجمهور.. تعد هذه الجملة والنصيحة أمر واضح عند قوله، ولكن معظم الأشياء المثيرة للاهتمام ربما تكون واضحة: افهم الجمهور الذي تتواصل معه، وتواصل معهم بلغة سهلة بالنسبة لهم.


  • أستاذ علم السلوك في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية والسياسيةومؤلف كتاب (Happiness by design)

أعجبني المقال

المصدر
edge

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى