التربية والتعليم

المهارة والإرادة والتشويق لفهم القراءة

  • دوجلاس فيشر ونانسي فراي
  • ترجمة: بشاير المنصور
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: نورهان محمود

يمكن لهذا الإطار ثلاثي المحاور أن يساعد الطلاب ليس فقط على تعلم معنى النصوص، بل أيضًا ليكسبهم الدافع والغرض منها.

إن مساعدة الطلاب على تكوين معنى من النصوص أمر بالغ الأهمية لنجاحهم، وفهم القراءة هو أحد أقدم أنواع البحث والتساؤل في التعليم.

بالعودة إلى أوائل القرن العشرين، لاحظ  ثورنديك أن “الفهم يتطلب تعاون العديد من القوى” (1917م، ص: 232)، وبعد مراجعة شاملة للبحوث، أوضح سنو (2002م) لاحقًا تلك القوى ولاحظ أن الفهم يعتمد على أربعة متغيرات:

  1. متغيرات القارئ: (العمر والقدرة والتأثير وقاعدة المعرفة والدافع).
  2. متغيرات النص: (النوع والشكل والسمات والاعتبارات).
  3. متغيرات السياق التعليمي: (البيئة والمهمة والطبقة الاجتماعية والغرض).
  4. متغيرات المعلم: (المعرفة والخبرة والموقف والمنهج التربوي).

لسوء الحظ، لم تستطع نماذج مساعدة المعلمين على تطوير فهم الطلاب مواكبة المعرفة حول ما هو مفهوم الفهم، بينما هناك استراتيجيات مثل: النمذجة أو التدريس المتبادل، فلا يزال تقديم إطار عمل موحد لتعليم القراءة والفهم بعيد المنال؛ لذا يحتاج مجال التعليم إلى نهج منظم لتعليم الفهم.

وقد أشار هاتي ودونوهيو (2016م) أنه يمكن تنظيم استراتيجيات تعليمية على طول سلسلة من المهارات والإرادة والتشويق، مما يثير تفكيرنا حول القراءة.

 تنطبق هذه المراحل الثلاث أيضًا على فهم القراءة المُحسَّنة لدى الطلاب.

وعندما يقوم الطلاب بكل ذلك، فإنهم يستطيعون أن يروا فائدة وأهمية الخبرات التعليمية التي يقدمها معلموهم لهم، والأهم من ذلك، أنهم يبدأون بتقبل مسئولية تعلمهم ويفهمون أن الصراع هو جزء طبيعي من تلك العملية.

 

تكوين المهارات:

في المرحلة الأولى من التعليم، يركز المعلمون على الأجزاء المكونة للقراءة مثل: اللغة الشفوية، الوعي الصوتي، الصوتيات، المفردات والطلاقة، وتصاغ المكونات وفقًا لعمر الطلاب واحتياجاتهم، مع ضرورة إهمال تعليم بعض المهارات عند إتقان الطلاب لها. ومع ذلك، فإن إهمال أي من هذه العمليات من الممكن أن يؤدي إلى الفهم الخاطيء.

فإذا كانت الطالبة تعمل على الكلمات الفردية، سواءًا لأنها لا تستطيع فك تشفيرها أولأنها لا تعرف ما تعنيه، فهذا يعني أن صياغتها ستكون أصعب وأحيانًا مستحيلة.

عندما يقرأ الطلاب بجهد، نادرًا ما يهتمون بالمعنى وغالبًا ما ينسون ما يقرأونه في بداية الجملة أو الفقرة، ويسمى هذا “معاناة الفهم”.

نحن نسعى بأن يتطور الطلاب من قراء استراتيجيين إلى قراء ماهرين، كما لاحظ كل من الفيرباش وبيرسون وباريس (2008م): أن: “مهارات القراءة تعمل بدون سيطرة القارئ المتعمدة أو الوعي الواعي… وله عواقب مهمة وإيجابية على ذاكرة العمل المحدودة لكل قارئ” (ص: 368).

 

من ناحية أخرى، فإن الاستراتيجيات تحدث أثناء التعلم الأولي، وتكون “مجدية ومدروسة” عندما يصبح النص أكثر صعوبة على القارئ لفهمه (ص: 369).

على مستوى المهارة، فمن الممكن إدخال استراتيجيات فهم محددة مثل المراقبة والتنبؤ والتلخيص والاستفصال والاستدلال.

عند فقد المعنى فإن الملاحظة تكون مهارة مفيدة، خاصةً عندما يكون لدى القارئ استراتيجيات إصلاح مثل: إعادة القراءة أو إعادة النظر في الغرض من القراءة أو استخدام أدلة السياق أو التحدث مع الآخرين أو صياغة الأسئلة.

وبالمثل، فإن تلخيص المعلومات في النص وطرح الأسئلة أثناء القراءة وإجراء الاستنتاجات من الممكن أن يحسن فهم القارئ للنص.

 

بناء الخلفية المعرفية:

الجدير بالذكر، أن استراتيجيات الفهم لا يمكنها أن تعوض نقص الخلفية المعرفية أو نقص المفردات؛ تخيل محاولة التنبؤ أو التصور أثناء قراءة الجملة التالية من كتاب الفيزياء: “إن السريان الكامن للطائرة المدعوم بالدوران/العزم الزاوي له أهمية عملية كبيرة” (جوز، 1986م، ص: 207) ربما يمكنك فك جميع الكلمات وقراءتها بطلاقة، ومن المحتمل أنك تعرف حتى المعنى العام للمفردات، ولكن بدون معرفة التخصص فالوصول إلى المعنى بعيد، ولن تساعدك حتى مجموعة كاملة من استراتيجيات الفهم.

هناك طريقتان تعليميتان فعالتان يمكن أن تساعدك في بناء الخلفية المعرفية وقضية المفردات هما: التعليم المباشر ومحاكاة المعلم. على الرغم من بعض التصورات السلبية حول التعليم المباشر، فهناك أدلة على تأثيره على التعلّم (هاتي ، 2012م). إن التعليم المباشر لا يخبر الطلاب ببساطة بما يجب عليهم فعله أوالتفكير فيه، بل هو طريقة صريحة لتوجيه تفكير الطلاب.

على سبيل المثال، قد يقوم المعلم بتدريس معنى المصطلحات الرئيسية بشكل مباشر ويطلب من الطلاب العمل على فهم معاني هذه الكلمات. تتطلب التقنية أن يقوم المعلمون بتزويد الطلاب بمدخلات ثم توجيه عملهم والتأكد من فهمهم وجعلهم يصلون إلى المعلومة بشكل مستقل، بينما تعد محاكاة المعلم باستخدام عملية التفكير بصوت عالٍ طريقة تعليمية فعّالة أخرى لتطوير مهارات الطلاب (فيشر وفري ولاب، 2011م). يصيغ المدرسون خبراتهم بحيث يمكن للطلاب تقليد الإجراءات المعرفية وما وراء المعرفية المماثلة.

إنها تقنية التلمّذة الصناعية حيث يتعلم الطلاب محاكاة أفعال شخص آخر أكثر مهارة، على سبيل المثال، قد يقول المعلم:

“أعتقد أنني لم أفهم هذه الفقرة جيدًا، سأعيد القراءة لأنني ربما لم أكن منتبهًا ولم أكن مركزًا.

 إذا لم يفلح ذلك، أعتقد أنني سأركز على الكلمات التي تحيرني.”

ثم يبدأ المعلم في توضيح ذلك بالضبط وفي المقابل، يطبق الطلاب نفس الاستراتيجيات على نص معقد بالمثل ليدعموا فهمهم.

لسوء الحظ، يترك العديد من الطلاب القراءة عند الوصول لمستوى مهارة التعلّم. يبدو الفهم القرائي للطلاب كمجموعة من المهارات التي يجب عليهم تحصيلها لفهم النص. ومع ذلك، فإننا نقول أن المهارات وحدها غير كافية؛ يجب أن تقترن المهارة بالإرادة لتنمية القراء الأقوياء الذين يختارون القراءة والتعلم من النصوص.

 

حيثما توجد الإرادة..

يركز مستوى الإرادة لفهم القراءة على أفكار الطلاب حول القراءة، وتدعو هذه الأساليب الطلاب إلى الانخراط بشكل كامل في النصوص ومحاولة خلق الموقف العقلي أو الميل أو العادة أو التصرف الذي يحدد مسبقًا استعدادهم للانخراط في القراءة. وبعبارة أخرى، تتعلق إرادة الفهم بإشراك الطلاب وتحفيزهم للقراءة والفهم.

في كثير من الأحيان ، يتخلى الطلاب عن القراءة عندما يكون النص معقدًا. من المفاهيم الخاطئة الشائعة أنه يجب تجنّب الصراع والقراءة يجب أن تكون سهلة دائمًا.

في الواقع، إن الفشل المُنتج هو عنصر ضروري في عملية حل المشكلات، والقراءة هي حل مشكلات. هناك أوقات نتعامل فيها مع الأفكار ونثابر على فهمها، وهذا لا يعني أن طلاب الصف الأول يجب أن يقرؤوا الحرب والسلام؛ بل يجب أن يُنظر إلى الصراع على أنه أمر طبيعي، وأن النصوص التي نقرأها في بعض الأحيان تكون صعبة.

إن التغلب على المهام الصعبة بشكل مناسب يغذي الإحساس بالفخر والإنجاز، وهما عنصران مهمان في التحفيز.

الصعوبة هي أمر حاسم لتحديد الأهداف، ولها تأثير قوي على التعلم، ولكن لم تخلق جميع الأهداف متساوية.

تركز أهداف الإتقان على زيادة الكفاءة: (“أريد أن أتعلم التحدث بلغة الماندرين”)

بينما تركز أهداف الأداء على درجة التقييم: (“أريد الحصول على A في دورة الماندرين”).

أهداف الأداء أقل تحفيزًا بكثير في حين أن مساعدة الطلاب على تحديد أهداف الإتقان يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي على إرادتهم. على سبيل المثال، من غير الممكن أن يؤدي الحصول على تقدير جيد للمقال (هدف الأداء) إلى زيادة رغبة الطالب في القراءة، ولكن كتابة مقال واضح ومتماسك قد يقنع الآخرين ويحفزهم على المشاركة (من المحتمل أيضًا أن يؤدي إلى تقدير جيد).

 لقد رأينا الطلاب يضعون أهدافًا لإتقان فهم رواية إيملي برونت: (“هدفي هو فهم طرق استخدام المؤلف لجهاز الراوي غير الموثوق به في مرتفعات وذرينج”) ومع النصوص العلمية: (“هدفي هو استخدام المعلومات في الجزء الرئيسي من المقالة مع ما هو مدرج في المخططات”).

لكن الطلاب لا يولدون بشكل مستقل بأهداف إتقان مثل هذه،  بل هي نتاج معايير النجاح التي وضعها المعلم، وتوضح أهداف الإتقان معايير النجاح في الدرس على التقدم المتزايد الذي يحرزه الطلاب في تعلمهم.

البعد الآخر للإرادة في القراءة والفهم هو توفير الاختيار، فلا يوجد شيء خاطئ في دراسة نصوص معينة في الفصل، ولكن إذا كان بإمكانك زيادة اختيار الطلاب حول النصوص التي يقرأونها فسيزيد عدد الطلاب الذين يقرأون بالفعل وبدلًا من إرسال الطلاب إلى المنزل لقراءة رواية كاملة، ركز على نوع أو موضوع أو فكرة وقم بإنشاء قائمة من 10 عناوين تسمح للطلاب بإتقان المعايير، ويمكنك أيضًا أن تختار من نوادي الكتاب ودوائر الأدب، ثم يختار الطلاب من قائمة العناوين المحتملة ويلتقوا بانتظام على شكل مجموعات صغيرة مع زملائهم القراء لمناقشة كتابهم المختار.

من الممكن أن يشارك الطلاب في القراءة إذا علموا أنه سيكون لديهم فرص للتحدث مع أقرانهم في الفصل حول النص.

وأخيرًا، لزيادة الإرادة، تأكد من أن تعلم الطلاب ذو صلة، فعندما يفهم الطلاب لماذا يقرأون شيئًا ما (ويقبلون تحدي التعلم)، من المرجح أن يبذلوا جهدهم.

يجب أن يقوم المعلمون بإجراء روابط بين المحتوى والطرق التي سيستخدم بها الطلاب المعلومات داخل الفصل الدراسي وخارجه.

على سبيل المثال، عرف الطلاب في صف العلوم بالمدرسة المتوسطة في براندي زيغلر أنهم سيستخدمون المعلومات التي كانوا يقرأونها في فصل اللغة الإنجليزية لكتابة رسائل إلى المسؤولين المنتخبين حول تلوث المياه.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمدرسين زيادة الصلة من خلال التأكد من أن النصوص التي يختارونها تحترم مجموعة من تجارب الحياة والاهتمامات والتطلعات الحياتية للطلاب.

 

التشويق:

تركز المرحلة الأخيرة من إطار عملنا على التشويق والذي يجب على الطلاب تجربته عند فهم النص؛ يشير التشويق في هذا السياق إلى الطرق التي يمكن للطلاب من خلالها استخدام المعلومات أو تجربة القراءة والفهم في خدمة شيء آخر وقد اكتشفنا هذه المرحلة عندما بدأنا نسأل الطلاب: “ما الذي يلهمك النص للقيام به ؟”

ضع في اعتبارك مجموعة من أطفال طلاب الروضة الذين قرؤوا يوم الإقلاع عن الطباشير (دايوالت، 2013م) مع معلمهم.

يتبع هذا الكتاب المصور وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وجمع الطباشير الملون، بعد عدة قراءات للنص على مدار الأسبوع، سأل المعلم الطلاب بعدما انتهوا من الكتاب عن ما الذي ألهمهم به أو ما الذي أثار فضولهم، فقرر مجموعة من الطلاب البحث في الإنترنت لمعرفة اللون الصحيح للشمس (يحتوي الكتاب المصور على نقاش حول هذا)، وأرادت مجموعة أخرى معرفة ما إذا كان المؤلف قد كتب كتبًا أخرى (لم يقم بالكتابة في ذلك الوقت) وقاموا بالبحث عن كتب إضافية حول الطباشير على وجه التحديد والفن بشكل عام، وقررت مجموعة أخرى كتابة كتبهم الخاصة حول ما سيقوله الطباشير، وكتبت إحدى الطالبات كتابًا حول ما قد يقوله حذاؤها، وهذا ألهم كل طالب، ولكن ليس بنفس طريقة نظرائهم.

أدى ذلك إلى تعزيز فكرة أن القراءة تتيح لك فعل شيء بالأفكار التي تكتسبها من التجربة.

يحتاج الطلاب إلى تجربة تشويق الفهم إذا أرادوا قبول التحدي المتمثل في تطوير مهاراتهم وإبداء الرغبة في الفهم. ناقش ريتشارد أندرسون -الرائد في بحث القراءة- مؤخرًا أننا بحاجة إلى استعارات جديدة لهدف القراءة أو التشويق.

وقال إن الطلاب يجب أن يتحدثوا ويفكروا ويتصرفوا، وناقش بأن الأدوار الجديدة قد تكون من رواة القصص أو الشارح أو المجادل.

 تخيل قوة كتابة مراجعات موقع أمازون أكثر من تقارير الكتب، أو أثر تقديم المعلومات للآخرين ورؤية شيء ما يتغير، أو مناقشة الأفكار أو الانخراط في ندوة سقراطية.

هناك العديد من الطرق التي تدعو الطلاب إلى التشويق والفهم، لكن جميعها تتضمن مشاركة الطلاب في أن يصبحوا منتجين وأن يشاركوا أفكارهم مع الآخرين.

 

فهم المستوى التالي:

إن مجرد فهم النص ليس هو نقطة تعليم الفهم، ففي كثير من الأحيان، يبدو أن المعلمين عالقون في مستوى المهارة، ويعملون بجد لتطوير نقاط القوة لدى الطلاب في هذا المجال وينسون إدخال الفرح والفضول والهدف في التجربة، لكن يقر الإطار الأكثر شمولًا لتعليم الفهم بأن المهارات ليست كافية.

وفي نهاية المطاف، يجب أن نبين للطلاب أن القراءة والفهم القرائي ليست تجارب سلبية. الهدف من هذا العمل هو فعل شيء بالمعلومات.

فعندما يتم تطوير المهارة والإرادة والتشويق في القراءة معًا، يمكن للمعلمين تغيير تعلم الطلاب بشكل جذري من النصوص.

اقرأ ايضاً: ضياع البوصلة والتبدد في عوالم المعرفة

المصدر
ascd
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق