الفلسفة

لعبة المساعدة الذاتية

يعتقد الملايين أن علم النفس الشعبي يمكن أن يغير مهاراتهم في التنس أو حياتهم العاطفية أو أمزجتهم. هل جميعهم مخطئون؟

  • رامي غابريل*
  • ترجمة: د. فاطمة عاشور
  • مراجعة: مصطفى هندي ورفيدة حسين
  • تحرير: مزنة حسين

“خطأ مزدوج!” … “انتهت اللعبة!”

أنا في العادة شخص هادئ، ولكني رميت مضرب التنس باشمئزاز… التنس، يا لها من مأساة!

اتخذت قرارًا حزينًا بمصافحة منافسي الخارق بعد انتصار آخر سهل. ربما كان يشعر بالأسف من أجلي هذه المرة، وبينما كان يخرج منشفته، كشف سره؛ لقد كان يقرأ كتب المساعدة الذاتية لممارسة التنس و”لم يخسر شوطًا واحدًا [فضلًا عن مباراة كاملة] حتى الآن!”. أشعر بالغضب، يبدو الأمر وكأنه يتعاطى منشطات، لكنها منشطات أفكار وليست عقاقير.

أنا لا أقرأ الكتب التي تدعي أنها تساعد أولئك الذين يقرؤونها على تحسين وتطوير أنفسهم. أعتذر عن لهجتي المتعالية، ولكن مع دكتوراة في علم النفس وعشرات المحاضرات للطلاب الجامعيين -التي تكون القاعات فيها مزدحمة بالطبع- لا يمكن أن أقرأ كتابًا للمساعدة الذاتية؛ هذه الكتب… دون مستواي.

هذا ما كنت أفكر فيه، على الأقل أثناء عودتي إلى المنزل بعد ظهر ذلك اليوم، لكن وبعد خسارة أخرى في عطلة نهاية الأسبوع التالي، جال في ذهني رأي مختلف قليلًا: إذا كانت كتب التنس هذه من أكثر الكتب مبيعًا، فهل كانت لدى كافة اللاعبين الذين هزموني في دوري النادي المحلي الفرصة لقراءة هذه الكتب أيضًا؟

قلت في نفسي “لا، غير ممكن” هل يستعين كل من يعيش في كاليفورنيا بكتب المساعدة الذاتية حيث يطلقون طاقاتهم الرياضية ويأكلون بذور الشيا؟ لا يبوح الزملاء في نادي التنس بمشاعرهم ومن غير المرجح أنهم يستمتعون بمثل هذا الهراء.

بعد هزيمتي الرابعة على التوالي، بفارق 0-6، تواضعتُ وتوجهت مباشرةً إلى متجر لبيع الكتب المستعملة. أعرفكم بنفسي: اسمي الدكتور غابرييل، وهأنذا قد استخدمت كتب المساعدة الذاتية.

كيف يحكم الشخص على أن أمرًا ما لن يفيده في حياته؟ وكيف يقرر ذلك الشخص أفضل طريقة لإصلاح نفسه؟ في عصرنا العلماني، ثمةَ عدد كبير من الخيارات، بدءًا من تقاليد الحكمة القديمة (الدينية) وكتيبات تحقيق الرغبة في العصر الجديد، وانتهاءً بكتب علم النفس الشعبية التي كتبها علماء النفس بحسن نية. ظاهريًا، تبدو هذه الطرق الثلاثة مختلفة تمامًا، لكن هل جميعها مجرد أنماط من التفكير السحري [1]؟

عندما يتراجع علماء الدماغ والفلاسفة التحليليون من المجال العام إلى أدبيات مجالاتهم المعقدة وغير المفهومة في معظم الأحيان، فإن هناك خطرًا من أن يلعب المشعوذ والفوضوي دور الرجل الحكيم الذي يخاطب العاطفة لا العقل. وبعبارة أخرى، أعني مؤلفي كتب المساعدة الذاتية.

ينقسم عالم المعرفة بين الوسط الأكاديمي الذي لا يعترف بالروح -أو بأهمية الوقوع في الحب- وصناعة النشر التي تقدم أي تسلية عاطفية لتسهيل رواج الكتب. وتقدم صناعات المعرفة المتناقضة رؤًى مختلفة للسيطرة على مجال علم النفس الأكاديمي، وهو عمل تأسيسي يسعى إلى شرح الحالة الإنسانية من خلال البحث العقلاني والتجريبي عن الحقيقة، في حين يتخذ علم النفس الشعبي الشخصية الأسطورية نرجس نموذجًا له، ويوفر طقوسًا خرافية تعتمد زعمًا على قوة الذات غير المحدودة.

تحولتُ إلى كتب المساعدة الذاتية في التنس لأنني كنت قلقًا بشأن كفاءتي في اللعب. وفي النهاية، لم أكن متأكدًا على الإطلاق من السبب الذي يدفعني إلى قضاء وقتي في هذه الرياضة وتعذيب نفسي. كنت أعرف أن ثمةَ خطأً ما في الطريقة التي لعبت بها (للأسف!)، وأردت أن أعتقد أن هناك طريقةً لإصلاحها. وسعيت إلى الحكمة واعتقدت، من خلال شراء الكتب، أنني قد أجد طريقة لمساعدة نفسي.

إذا نظرنا إلى الوراء، أعتقد أنني حققت بعض السيطرة في مبارياتي من خلال الاعتقاد أنها قابلة للتحكم. ربما يكون هذا مكمن حل اللغز.

استنادًا إلى قائمة أفضل الكتب مبيعًا، فإن طموحاتنا تدور حول أن نصبح أكثر كفاءة، ونقع في الحب، ونجني الكثير من المال.

كتب المساعدة الذاتية -بما في ذلك علم النفس الشعبي- هي نوع من الكتب (ناهيك عن الندوات ومقاطع الفيديو) التي تحتوي على استراتيجيات عملية وأخلاقية لتغيير سلوكياتنا وعاداتنا العقلية. وتقدم مبادئ تبشر -من خلال الأمل والممارسة والإيمان المطلوبين- بتحكمنا في عقولنا، وهذا بدوره يساعدنا على تحقيق تطلعاتنا. وتعد حركة المساعدة الذاتية، من نواح كثيرة، استمرارًا للحكمة التقليدية القديمة، وربما بديلًا عنها. وتلهم هذه الكتب ملايين الناس وتعلمهم عن طريق سرد حكايات شخصية تُقرأ مثل الأساطير الأخلاقية العميقة. ومن هذه الأدبيات، نحصل على معادلات فرضية prescriptive [أي ما يجب أن يكون] مثل “يجب ألا تتدخل في شئون غيرك من أول لقاء”، ومعادلات وصفية descriptive [ما هو واقع بالفعل] مثل “انظر كم هو عظيم توني روبنز، لا يتدخل في شئون غيره أبدًا”.

 في عصر النشر الحالي ما بعد جلادويل Gladwell، فإنهم يُضمنون كتبهم المعرفة السطحية للإحصائيات بشكل متزايد لتأسيس السرد الأدبي. وتشمل المواضيع المتكررة في علم النفس الشعبي يوتوبيا الشفاء العلاجي، وأهمية التفكير الإيجابي، وتحقيق السعادة، وإمكانية تغيير الذات (أتساءل عما إذا كان ورثة جان جاك روسو يحصلون على حقوق مالية من صناعة النشر!). ويبدو أن الهدف من هذه الأدبيات التحقيق المُعْجِز لتطلعات المرء بعد تشبعه بالأمل، وبالطبع الوصول إلى حالة من الفرح والسعادة الدائمة. وبمعية زميلي شون فيكتوري، راجعتُ 40 كتابًا من الكتب الأكثر مبيعًا في مجال المساعدة الذاتية في الولايات المتحدة، مع التركيز على الكتب المنشورة منذ عام 2001، وما نشر قبل ذلك نوقش بشكل جيد في عمل ستيفن ستاركر “Oracle at the Supermarket” (2002). وإذا أراد المرء أن يدلي ببيان شامل بناءً على استشارة قائمة أفضل الكتب مبيعًا، فإن طموحاتنا تكمن في أن نصبح أكثر فاعلية، ونقع في الحب، ونجني الكثير من المال.

وسواء قدَّم الانتقادات من هذا النوع علماء النفس الأكاديميون أمثالي أو المراهقون الساخرون، فإن الانتقادات المعتادة لكتب المساعدة الذاتية كانت تفتقر باستمرار إلى التحقق الخارجي[2] من صحتها، وتتجاهل بشكل متكرر الفروق الفردية في تطبيق استراتيجيات الدواء الشافي المزعومة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك استغلال الجهل والأمل في المساعدة الذاتية الطبية والغذائية. ومع ذلك، فهي صناعة تقدر بقيمة 11 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها، ويجب أن نأخذ ذلك على محمل الجد.

ليس البحث عن الكلمة المكتوبة للتوجيه بالأمر الجديد، وبالطبع تلوح كتب المساعدة الذاتية القديمة مثل تاو تي شينج Tao Te Ching، وفلسفات كونفوشيوس Analects of Confucius، والبهاغافاد جيتا Bhagavad Gita، وتأملات ماركوس أوريليوس Meditations of Marcus Aurelius، والقرآن الكريم [3]، والكتاب المقدس، في الأفق بصفتها مصادر مجربة وصحيحة للحكمة. ولا توفر هذه الكتب وصفات أخلاقية فحسب، بل توفر أيضًا سرديات ميتافيزيقية لأصل ومصير الحياة. وفي الواقع، كانت الحكمة القديمة بمثابة المنظومات الأخلاقية المحمولة في شكل كتاب، وتخاطب رسائلُهم الحالة الإنسانية من ناحية احتياجاتنا الوجودية والنفسية والعاطفية للأمل والإحساس بالغاية والسيطرة.

فلا عجب إذن أن علم النفس الشعبي اكتسب شهرةً في الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، مع انحسار وتراجع مأثورات الحكمة المؤسسية (بما في ذلك المسيحية) في ثقافتنا، وأصبحت المعارف الكونية البديلة التي اختلطت وتطابقت مع التقاليد الأصلية والعالمية معروفةً على نطاق أوسع، ومن هنا بدأ علم النفس الشعبي يحل محل الدور التقليدي لأصحاب الحكمة في المجتمع المحلي.

تلقي المساعدة الذاتية بظلالها على اهتمامات الناس من خلال مطابقة الطقوس المناسبة مع الهموم السائدة. وعلى غرار تقاليد الحكمة القديمة، فإنها تميل إلى الاعتماد على التفكير السحري مثل القوة الكبيرة لأفكار الفرد، أو الاعتقاد بأن الكون سوف ينصاع لرغبتكم. وحتى أحدث كتب المساعدة الذاتية تقوم بذلك، على الرغم من أنها مليئة بالمزاعم التجريبية التي تدعي أنها تتجاوز النرجسية والخرافات معتمدة على عدم إمكانية الوصول إلى المعلومات. ويظهر علم النفس الشعبي في عناوين الكتب التي تبدو بسيطة وتعلمنا كيفية تهدئة عقليتنا حتى لا نشعر بالضيق والاختناق عندما تتدفق علينا المعلومات فنندفع للأمام. وبعد كل شيء، وكما هو الحال في عناوين المساعدة الذاتية المراوغة الأخرى، فإن مفارقة الاختيار تتمثل في أنه حتى وإن قرأ هذه الكتب أشخاص يحملون شهادات الدكتوراة مثلي، يحتم علينا بالتأكيد أن نجد أنفسنا قد عثرنا على السعادة ونشعر بأننا الأفضل.

يأتي علم النفس الشعبي برسالة حول إمكانية التغلب على العقبات من خلال الإرادة الحرة للذات القوية، بالإضافة إلى الإرشاد المستمر لممارسة التفاؤل المأمول وتعطيل اليأس وانعدام الأمل. باختصار، هو انعكاس لثقافة فردية أو حتى نرجسية في الولايات المتحدة المعاصرة. ومن ثَمّ يمكن أن تكون الاختلافات بين أنواع كتب علم النفس الشعبية ثانوية نظرًا للغرض الملهم الذي تتشاركه وهو تمكين الأفراد من اكتساب المزيد من السيطرة على العقل والوظيفة. وفي جميع الحالات، تركز هذه الكتب بشكل حصري على دور الفرد في تحقيق السيادة الذاتية، مع تجاهل جميع العوامل الأخرى التي تؤثر في مصير الشخص، مثل الفقر أو الصراع الأسري أو القمع السياسي.

لا تَقبل كلمات المؤلفين لأنهم روحانيون أو رجوليُّون أو لأن المؤلف طبيب اُستضيف في برنامج أوبرا، بل اقبل كلماتهم وأنصت لها لأنهم علماء ويستخدمون البيانات.

وبصفتي عالمًا وأكاديميًا، تعلمتُ أن تجاهل الجوانب التجريبية -مثل الحقائق والتاريخ والإحصاءات- كان سلوكًا يتصف بالخُرافة، إنه يعني تجاهل الأدوات التحليلية التي بُذلت جهودٌ مضنية للحصول عليها في العصر الحديث والعودة إلى التفكير السحري، وقد يتخذ هذا شكل إضفاء طابع شخصي على الطقس والصلاة من أجل المطر، أو الإيمان بالمصير أو أي قوة مجردة أخرى. وقد تكون الصلات الخاطئة المرتبطة بالأمل وتحقيق الأماني جزءًا من الحالة الإنسانية، لكن التبرير العقلاني في الأوساط الأكاديمية هو لب الجودة الصافي. [4]

وفي دراستي لكتب المساعدة الذاتية، قررت أن أتعمق في الطريقة التي توفر بها الأنواع الفرعية لعلم النفس الشعبي احتياجاتنا، وتوصلتُ إلى أن الفروق بينها دقيقة، فالغرض من المساعدة الذاتية في مجال العمل تحقيقُ أقصى استفادة من العلاقات المهنية وأعلى الطموحات المالية، بينما تقدم المساعدة الذاتية العاطفية كتيبات للعلاقات الحميمة، وعلى الهامش تُوفر دفعات من الأمل في النجاة من الوحدة مستخدمة الأساطير المحلية للحب الرومانسي. إن كهنة العصر الجديد بحاجة إلى الأساطير الميتافيزيقية لإضفاء المعنى والأمل على الحياة اليومية. وتعيد المساعدة الذاتية الملهمة الثقة بالنفس وسط انعدام الأمان والاستقرار الشخصي الناجم عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. ويميل علم النفس الشعبي العلمي إلى تقديم مشورة علاجية مماثلة لأغراض الحب والعمل واحترام الذات، وعلينا بدلًا من قبول كلمات المؤلفين لأنهم روحانيُّون (مثل big ups، ديباك شوبرا)، أو رجوليُّون (مثل hey-ho، توني روبنز)، أو لأن المؤلف طبيب اُستضيف في برنامج أوبرا (مثل rake it in، فيل ماكجرو)، أن نستمع إليهم لأنهم علماء ويستخدمون البيانات.

يلبي كل نوع من هذه الأدبيات احتياجات مختلفة حيث تصف كتب الأعمال، مثل كتاب روبنسز “أيقظ قواك الخفية” (1991) أو كتاب ديفيد ألين” (2001) كيف تنجز جميع المهام”، طريقةً للنجاح من خلال تنظيم جهود الفرد والتحركات المهنية نحو تحقيق النجاح المالي. وفي الوقت نفسه، تتناول كتب الحب، مثل “الرجال من المريخ والنساء من الزهرة” (1992) و”الحب بذكاء” (2006)، العواطف التي تنشأ في علاقات حميمة، وتعالج انعدام الأمن الشخصي الذي يبقينا منعزلين (وبؤساء إلى أقصى درجة). ومن ناحية أخرى، فإن كتب العصر الجديد، مثل “الاتفاقيات الأربع: دليل عملي للحرية، كتاب من حكمة حضارة التولتك ” و”قوة الآن”، تخاطب مباشرة الأشخاص الذين أداروا ظهورهم للعقيدة الدينية التي نشأوا فيها، ولكنهم ما زالوا بحاجة إلى مزيج من معتقدات معينة ومجتمع للمؤمنين بها. وأما الأدبيات الملهمة فقد جسدها فيلما جويل أوستين “Break Out!” (2013) وبروس ويلكنسون

“A Life God Rewards” (2002) وتتمحور حول المزج بين القيم المسيحية التقليدية والطموحات المالية لكتب الأعمال (ولسبب ما، أصبح هذا النوع أكثر انتشارًا بعد عام 2001).

عادة ما تُطرحُ الادعاءات الصوفية في أدبيات حركة العصر الجديد، كما أن الأدبيات الملهمة تعدُ مزيجًا من الأخلاق اليهودية المسيحية وسيناريوهات الحياة الهندوسية فيما بعد الموت. ومن أوضح الأمثلة على ذلك عمل براين ويس”Many Lives, Many Masters” (1988) . وتصر بعض الادعاءات التي قيل إنها مستمدة من الشرق أو البوذية أو الهندوسية على فعالية إرسال رغبات المرء إلى العالم، مثل أعمال روندا بيرن (2006) “السر” وشوبرا ” (2004)كتاب الأسرار”([5]). وتفترض الأفكار الميتافيزيقية المقدمة في علم النفس الشعبي -إما بشكل صريح في كتاب شوبرا “القوانين الروحانية السبعة للنجاح: الدليل العملي لتحقيق أحلامك” (1994)، أو ضمنيًا كما في عمل رويز “الاتفاقيات الأربع: دليل عملي للحرية، كتاب من حكمة حضارة التولتك”- موقفًا فلسفيًا من المثالية، أي أن العقل أقوى من المادة.

تقوم حكمة علم النفس الشعبي على ثلاثة أنماط رئيسة: أن هناك قوة للفكر، وأن هناك عادات فعالة للتنظيم العقلي، وأن هناك فوائد يمكن الحصول عليها من كتاب للمساعدة الذاتية. وربما -كما في الريجفيديا السنسكريتية القديمة (أحد الكتب المقدسة لدى الهندوس)- تعد الطقوس أو التعويذات هي نفسها تجسيدًا للحكمة، ويصبح الاعتقاد عند تطبيق نظام ما -سواء كان نظام “السر” أو “الطاو” (نظام عقدي يشكل عقيدة غالب اليابانيين وينتشر بشكل محدود في غيرها من الدول في جنوب شرق آسيا)- متجسدًا في الأفعال، ومن ثَمَّ يصبح هذا التقليد العالمي لتحقيق شعور بالسيطرة من خلال تجسيد المعتقدات في إطار أفكار وأفعال تعبدية هو ما يجعل علم النفس الشعبي يراهن على موقفه.

إن قوة التفكير في الواقع ادعاءٌ مثالي فيما يتعلق بكيفية تغيير الفكر الاستباقي للعالم من خلال جعل الفرد على اتصال بالقوى اللانهائية، مثل الكون والإله والحياة الماضية والإمكانات الكبيرة والحب والكارما (مفهوم الخلاص لدى الديانات الجنوب شرق آسيوية) والسحر ومستويات جديدة من الإنسانية، أو ببساطة الطبيعة الحقيقية للواقع. وتُستمد الوصفات العلاجية في هذا السياق عمومًا من مجموعة من الحكماء بدءًا من بوذا إلى أبراهام لنكولن (ومؤخرًا ستيف جوبز)، أو من إلهامات الحياة الماضية، وحكمة “الشرق”، والمعجزات، والإيمان الخالص، والتحولات التنويرية في الطريقة التي نتصور بها العالم من حولنا. على سبيل المثال، كتاب التنس الذي اشتريته به قدر لا بأس به من التعاليم البوذية لطائفة زِن Zen (طائفة بوذية تتبع فرقة الهانايانا)، واستغرق الكتاب الصفحات تلو الصفحات في شرح كيفية عزل التأثيرات الخبيثة للفكر، لا سيما الميل إلى الحكم على ضربات الخصم، وذلك للسماح للأجزاء الأعمق من النفس أن تعمل بحرية في إطار لعب من يقرأ الكتاب.

تكمن الرسالة الثانية لعلم النفس الشعبي في أن العادات الفعالة للتنظيم يمكن أن تساعدك على تمكين الذات، والتأثير على الناس، والعمل على تحقيق الإنجازات، وإدارة وقتك، وتحسين ظروف حياتك، وكسب المال، وبناء الشخصية. ومن بين الاستراتيجيات العملية المزعومة تبرز التعاليم البوذية والبروتستانتية بشكل متكرر، على سبيل المثال الترشيد الصارم للطاقات العقلية المنشور في الأدب التجاري الذي تجسده كلاسيكيات مبكرة مثل ديل كارنيجي (“كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الناس” (1936) وستيفن كوفي “العادات السبع للناس الأكثر فعالية” (1989))، ثمةَ تركيز على الفرد، وعلى وجه التحديد على وجود عنصر داخل كل فرد، يشار إليه عادة باسم “اللاوعي” أو “الروح” الذي يعد مصدرًا غير مرئي للقوة الإبداعية التي يمكن تسخيرها باستخدام تمارين تأملية معينة.

تتطلب كل هذه العادات الممارسة، والاجتهاد، والثقة، والجهد المعرفي، وفي بعض الأحيان، الإيمان بآيات وحكم القائد الملهم واستيفاء شرط الانضمام (على الأقل من الناحية المالية) إلى مجتمع مناصريه (عادةً ما يكون مجتمعًا لمناصريه). وكما هو الحال في الرسالة الأولى، فإن هناك عنصرًا من عناصر تحقيق الرغبات يتمثل في أن إيمان الفرد بتنظيم العادات وسن طقوس التنظيم سيؤدي إلى السيطرة على العقل. وعلى سبيل المثال، فإن كتاب التنس الشهير الذي قرأته لبراد جيلبرت بعنوان “Winning Ugly” (1993)  لم ينصح فقط بما يجب التفكير فيه أثناء اللعب وبين الأشواط، ولكنه تضمن أيضًا فصلًا يصف بدقة أهمية تعبئة حقيبة التنس الخاصة بك بضمادات وجوارب إضافية.

قد يكون الاعتقاد بوجود إجابة أو حل أكثرَ أهمية مما إذا كانت الممارسة المحددة ناجحة بالفعل

وتؤكد الرسالة الثالثة، حول قيمة الممارسات العلاجية، على أن الاعتقاد سيحسن من ثقة الشخص بنفسه، ويساعد على إدارة شعور الشخص بالتضحية، ويولّد شعورًا بالتمكين. ويوجد تركيز على الفرد هنا، ودعوة إلى رحلة الوحي الذاتي التي “ستغير حياتك”. وتهدف هذه الرسالة إلى إقناع القارئ بوجود استراتيجيات مضمونة لعلاج الجروح العاطفية. وتُقَدَّمُ مجموعة من الأساليب الباطنية، بما في ذلك مهارات التأمل المناسبة، وتعلم كيفية كسر العادات العقلية السيئة، و”الصراخ البدائي”، وتذكر حياة الماضي، وتحقيق لحظات من الإلهام الاستعلائي (الغيبي) حول شخصية الإنسان وصدماته.

يعتمد علم النفس الشعبي على الطريقة التجريبية، حيث تكون المقابلات مع العلماء -كما هو الحال في عمل مالكوم جلادوي” (2005)  طرفة عين: قوة التفكير بدون تفكير”- أو مجموعة من التجارب النفسية -كما في عمل دانيال كانيمان (2011) ” التفكير: السريع والبطيء ” مدعومة بتأكيدات المؤلف. وتتطلب هذه الممارسات، قبل كل شيء، الثقة في المعالج أو العالِم وطريقته. وقد أثبتت كتب التنس الأكثر مبيعًا التي قرأتها أحقية تصدرها عندما يعطي المؤلفون تفاصيل من قاموا بتدريبهم ومدى نجاحهم. وقد يكون الاعتقاد بوجود إجابة، عاطفيًا على الأقل، أكثر أهمية من نجاح الممارسة المعينة بالفعل أو عدمها. وليس من المستغرب، في تسلسل أبراهام ماسلو الهرمي للاحتياجات، أن تكون الحاجة إلى السلامة والأمن (في هذه الحالة، الاعتقاد بوجود إجابة)، مقدَّمة على الحاجة إلى تحقيق الذات.

من خلال النظر إلى المساعدة الذاتية التقليدية، وجدتُ العديد من الوصفات حول كيفية إدارة حياة الفرد العقلية ليصبح شخصًا قابلًا للتكيف، ومواءمة معتقداته مع طرق سلوكية جديدة للوصول نحو هدف أكبر. ومثل الكتب البراهمانية القديمة التي تملي عمليات الطقوس لترتيب الكون، دَرَبَّني علم النفس الشعبي على الشعور بمزيد من التحكم في أفكاري وأفعالي من خلال كل من الممارسات العلاجية (“الحفاظ على التركيز بغض النظر عما أركز عليه”) والسرد الميتافيزيقي (عند التفكير حول لماذا لم تصل لهدفك، فإنك تُوقِف الاسترسال الروحاني عن طريق فصل العقل عن الجسم).

ينص الادعاء الواسع على أن آمال الفرد وأحلامه -وتشكلاتها المادية في شكل فرص عمل، وشركاء علاقة رومانسية، وتهدئة روحية، وتهدئة شياطين الرغبة، ومجرد الاستفادة القصوى من الحياة- يمكن تحقيقها من خلال التفكير الصحيح في مثل هذه الرغبات. ويبدو هذا لي كأنه تفكير سحري، وربما لا يزال التفكير السحري يحتفظ ببعض القيمة، لكن هل يمكن أن يجدي فعلًا؟

ربما يكون علم النفس بحد ذاته في الأساس مثل قراءة الفنجان أو الاستماع إلى نصيحة كاهن حكيم، لكن ذلك يكون مفيدًا فقط إذا تصورنا النجاح على أنه سد الفجوة بين الطموحات وعدم الرضا. وللكثيرين، فإن الاستراتيجيات والمبادئ العملية التي تشكل الجوهر الفلسفي والأخلاقي للمساعدة الذاتية هي تلبية الحاجة إلى الأمل والتغلب على أوجه القصور الذاتية. وإذا كان الغرض من الطقوس الدينية التحقق من معتقدات الفرد عن طريق إشباع المشاعر التي تحفز المعتقد، فإن المساعدة الذاتية من مخلفات التفكير الديني، والإيمان هو محرك التفكير السحري حقًا. وفي الواقع، لا تؤدي المساعدة الذاتية والدين أدوارًا متشابهة مثل الاعتقاد والطقوس، إنهم أيضًا يُوظِّفون العمليات الذهنية الشائعة، مثل العواطف والاحتياجات الاجتماعية والمحرمات. [6]

قد يكون التفكير السحري مفيدًا إذا كان لديك مشكلةٌ غيبيةٌ غامضة للتعامل معها، ولكن إذا كانت مشكلتك عدم وجود جهد أو إرشاد أو تدريب… إلخ -كما هو الحال في معظم الحالات- فسيكون التفكير السحري عديم الفائدة. وفي نهاية المطاف، قد تكون فائدة علم النفس الشعبي بمثابة علاج وهمي يؤكد ويوفر الطقوس حسب معتقدات القارئ. وفي ضوء ذلك، فإن علم النفس الشعبي هو العلاج الروحي الذاتي لعصرنا، فنحن نعلم أنه عندما تُوضع الحيوانات في مواقع لا حيلة لها في الخروج منها داخل المختبر، فإنها تنخرطُ في أنشطة تبدو مرتبطة بمكافأة أو جدول زمني، وينخرطون في هذا السلوك كوسيلة لإدارة قلقهم.

دون قضاء الوقت في التفكير في الميكانيكا الفيزيائية للتنس، فلن تكون لدي أي فرصة حتى لو كنتُ الدالاي لاما

تسير الطريقة التي نُقَيِّم بها حياتنا والطرق التي نتبعها لإيجاد علاج على منوال واحد، فشكل السؤال يحمل إجابته الخاصة. وفي حين أن الحقيقة في الدين للمؤمنين هي كلمة الله، فإن الحقيقة المتمثلة في المساعدة الذاتية هي تحديد رغبات الذات ومن ثم إشباعها. وعلى الرغم من مصداقيتها، فإن الموجة الجديدة من علم النفس الشعبي العلمي تلعب نفس اللحن على أداة مختلفة، وتظل الرسائل الأساسية هي قوة الفكر، وأهمية التنظيم، وموثوقية الرسول. والحقيقة تظهر الآن في التفاصيل والبيانات. لقد اُستبدل الإله بالكون المادي الذي يمكن للعلم أن يبحث فيه بفضول واندفاع، وأصبحت النفس الآن “طبيعة إنسانية” نلتزم بها جميعًا. وربما لم تكن المساعدة الذاتية، بل آمالنا في التقييم الذاتي الدقيق التي بُنيت حول جوهر التفكير السحري القائل بأن الإرادة أقوى من الجسد.

بالعودة إلى الملاعب، كنت مقتنعًا تمامًا بحكمة التنس (“لا تحكم على أخطائك”، “اجعل كرة التنس عالمك”، “استغل ضعفه”)، وكنت متأخرًا بفارق كبير، كنت أتمنى أن أقول إن رغبتي الخرافية في الفوز قد بُثَّت بنجاح في الكون، أو أنني كنت قادرًا على متابعة المباراة دون الانخراط عاطفيًا في ذلك، لكن هذا لن يكون صحيحًا. في الحقيقة، ربما اكتسبت بعض المعرفة حول ما يمكن أن تكون عليه نفسية اللاعب الآخر، خاصةً إذا كان قد قرأ نفس كتب التنس مثلي، لكنني كنت أعاني من نفس العيوب المزعجة التي لا يمكن التغلب عليها كما كانت دائمًا. وبصراحة، لم تكن ضرباتي جيدة، ولم يكن لدي أي مدرب، ولا أتمرن مع آلة الكرة. باختصار أنا لا أتدرب بما يكفي.

في الحقيقة، دون قضاء الوقت في التفكير في الميكانيكا الفيزيائية الكامنة وراء التنس، فلن تكون لدي أي فرصة، حتى لو كنتُ الدالاي لاما. دائمًا ما تكون الأساسيات أكثر أهمية، ومن ثم أكثر استهلاكًا للوقت وأشد صرامة من العوامل الباطنية. ربما نحتاج في الولايات المتحدة إلى عدد أقل من كتب علم النفس الشعبية المثيرة التي تغذي مفاهيمنا حول قوة الذات، والكتيبات الإرشادية الأكثر مللًا. وبينما يسرق بروميثيوس النار من الآلهة، يحدق نرجس في انعكاسه الساحر على الماء دون توقف، ولكن في النهاية، لم يعلمه ذلك شيئًا.


  • رامي غابريل مدرس مساعد بقسم الفلسفة ومؤسس مشارك لمجموعة البحث في العقل والعلم والثقافة بجامعة كولومبيا بولاية شيكاغو، ومؤلف كتاب “لماذا أشتري: الذات، الذوق والمجتمع الاستهلاكي في أمريكا” الذي صدر عام ٢٠١٣، وهو أيضًا مؤلف مشارك مع ستيفن لكتابٍ بعنوان “العقل العاطفي: الأصول الفعالة للثقافة والإدراك” الذي صدر عام ٢٠١٩.

[1] – التفكير السحري هو تفكير يشير إلى أن أفكار المرء يمكن أن تتسبب في حد ذاتها في حدوث آثار في العالم أو أن ذلك التفكير هو عبارة عن شيء ما يتوافق مع القيام بهذه الآثار. (المراجع)

[2] يقصد الكاتب مراجعة كتب المساعدة الذاتية من مختصين (غير الكاتب) لضمان جودة العمل.

[3] – معاذ الله أن يُسَوَّى بين كتابه المنزل وبين التلفيقات البشرية. (المراجع)

[4] – هذا لأنهم وضعوا إطارًا معينًا للأسباب والآثار يعتمد فقط الأسباب المادية ويستبعد أي أسباب أخرى، بينما الأسباب في الإسلام أوسع من المفهوم الضيق للأسباب في الأوساط الأكاديمية الغربية، وقد ثبتت فعالية الأسباب الشرعية (الدعاء والصلاة والاستغفار…) بالتاريخ وبالتواتر وبالتجربة، والفارق أن ما جعله الله سببًا يُعد الأخذ به من الشرع والدين، ولذلك كان اتخاذ أسباب لم يعتبرها الله أسبابًا ولم يُرشد إليها (مثل الرقى الشركية والتمائم والعلاج بالطاقة وقانون الجذب وغير ذلك) محرمًا شرعًا. (المراجع)

[5] – انظر كتاب (خرافة السر) لعبد الله العجيري. (المراجع)

[6] – هذا مبني على تفسير معين لنشأة الدين، وهو التفسير الذي يرى أن حاجة الإنسان إلى الأمان وسط تضارب المصائب من حوله وخوفه من الطبيعة وغفلته عن أسبابها المادية هي ما أدى به إلى اختراع الدين، وتلك ليست إلا دعوى لا يمكن لأصحابها البرهنة عليها بالأدلة التي يزعمون أنه لا أدلة غيرها، فكلام المؤلف المبني على هذا الكلام ليس بصحيح. وإذا كان المؤلف يعيب على المساعدة الذاتية أنها تهمل عوامل واقعية كالفقر والفروق الفردية والمشاكل الأسرية، فالإسلام لم يهمل شيئًا من هذا وعالجه أحسن ما يكون. (المراجع)

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى