فكر وثقافة

تفنيد خرافة الصراع بين الدين والعلم

- مقابلة مع بيتر هاريسون-

  • ترجمة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

في هذه المقابلة القصيرة، يعود بنا الدكتور بيتر هاريسون إلى القرن التاسع عشر ليطلعنا على أصل الخُرافة القائلة بأنّه لا سبيل للجمع بين العلم والدين/اللاّهوت.

البروفيسور هاريسون هو مدير معهد الدراسات المتقدِّمة في العلوم الإنسانية بجامعة كوينزلاند، أستراليا. مؤلف كتاب ” تقاطعات العلم والدين” The Territories of Science and Religion، ونظرًا لما حصده من جوائز فهو يشارك حاليًا في مشروع “العلم والعلمنة”.

سيعقد بيتر هاريسون دورة بكلية ريجنت في الفترة من 13 إلى 17 مايو بعنوان “الدين ونشأة العلم”.

أجرى المقابلة ديفيد روبنسون، محاضر في اللاّهوت والعلوم بكلية ريجنت. والمقابلة هي جزء من مبادرة مدَّتها ثلاث سنوات لتعزيز المحادثات حول علاقة الدين/اللاّهوت بالعلوم في الكلية وخارجها، وبتمويل من مؤسسة جون تمبلتون.

________________________________

 

 – روبنسون: أودُّ أن أبدأ بالسؤال عن عنوان دورة البرامج الصيفية التي ستعقدها بعنوان “الدين ونشأة العلم”، والتي ننتظرها بفارغ الصبر هنا في ريجن؛ لماذا من المهم بالنسبة لنا أن نحلِّل الدين والعلم بنظرة كُلّية بدلا من فصلهما؟.

 – هاريسون: هناك جدالٌ قديم حول سبب ظهور العلم الحديث في أوروبا الغربية في القرن السابع عشر، وجزءٌ كبير من الجواب على هذا السؤال يتعلّق بمجموعة من الأفكار المسيحية التي نشأ العلم في ظلها. بالنسبة لي، كان السؤال دائمًا ليس ما إذا كانت المسيحية أثّرت على تطور العلم أم لا، فهذا أمرٌ مفروغ منه، ولكن السؤال الأهم هو كيف أثّرت. اتضح أنّ هذا التأثير حدث بعدة طرق؛ أولاً: قدّمت المسيحية الدافع لاستكشاف الطبيعة، حيث كان يُنظر إليها على أنّها رسالةٌ أخرى من الله بجانب الكتاب المقدّس. ثانيًا: قدمت الأفكار المسيحية بعض الافتراضات الأولية الضرورية للعلوم الحديثة أبرزها فكرة أنّ للطبيعة قوانينَ تحكمها، وكان يُنظر إليها على أنّها سنن وثوابت إلهية. ثالثًا: قدمت المسيحية الأساس القيمي الذي منح العلم الحديث شرعيته الاجتماعية؛([1]) وهذا يفسِّر لماذا اندمج العلم وتبوَّأ هذه المكانة في الثقافة الغربية بطريقة غير مسبوقة.([2]) باختصار، لا يمكن فهم تاريخ العلم الحديث بشكلٍ كامل دون اعتبار الدور الرئيسي الذي لعبه الدين.

 – روبنسون: في أمريكا الشمالية الآن يفترض كثيرون أنّ الدين والعلم في تعارضٍ مستمر، لكنك ترى أنّ مؤرخي العلوم يرجِّحون بشكل كبير أنّ “خرافة الصراع” هي اختراع من القرن التاسع عشر؛ هل يمكنك أن تعطينا تاريخًا موجزًا لأصل هذه الأسطورة؟.

 – هاريسون: تعدُّ فكرة الصراع الدائم بين الدين والعلم واحدة من أكثر الأساطير الحداثية انتشارًا. وتعود أصولها إلى أفكار عصر التنوير حول التقدم البشري، وإلى المفكرين الذين يعزون الفضل إلى العلم باعتباره المحرِّك الأول لتقدم البشرية؛ وغالبًا ما اعتُبر الدين قوةً مُعرقلة لهذا التقدم. في القرن التاسع عشر، لُفِّقت “قصصٌ تاريخية” مختلفة تهدف لترسيخ وتوسيع هذه الأفكار التقدمية وتضمينها أمثلةً متوهمة للصراع بين الدين والعلم. أحد الأمثلة المؤثرة هو تأريخ جون ويليام درابر للصراع بين الدين والعلم (1875). زعم درابر أنّ تاريخ العلم كان ببساطة قصة “تصارع بين قوتين متنافستين”: العلم والدين، ثم بدأ درابر وأشياعه في فهرسة الحالات التي توهموا أنّها تؤكد سَرديتهم عن هذه الصراعات الدائمة، وبعد ذلك أصبحت تلك هي الدعائم الأساسية لأسطورة الصراع. على مدى الثلاثين عامًا الماضية بذل مؤرخو العلوم جهودًا كبيرة لدحض هذه الأسطورة، لكن رسالتهم كانت بطيئة جدًا في اختراق المُخيّلة الشعبية ومزاحمة الأفكار السطحية السائدة.

 – روبنسون: ستبيِّن لنا في الدورة كيفية إعادة بناء سيرة بعض العلماء مثل غاليليو وداروين حتى تبدو “نماذج مثالية للصراع بين الدين والعلم”؛ نريد تمهيدًا لتلك المناقشة… برأيك مثلاً ما أهم الحقائق التاريخية المصاحبة لتجربة غاليليو التي تساعد على “تفنيد أسطورة” الصراع؟.

 – هاريسون: الأقرب والأظهر أن يُنظر إلى سيرة غاليليو على أنّها صراع داخل العلم اتخذت فيه الكنيسة الكاثوليكية ما تبيَّن بعد ذلك أنّه الطرف الخاطئ. من المهم أن ندرك أنّه في ذلك الوقت لم تكن قضية مركزية الشمس قطعية بأيّ حال من الأحوال، بل كانت هناك أدلة دامغة تدعم الطرف المقابل ويمكننا اعتبار عدم وجود منظر نجمي ملحوظ هو أحد الأمثلة على تلك الأدلة. لم يكن هذا التدخل الرقابي في المسائل العلمية من قبل الكنيسة الكاثوليكية هو الطريقة التي كانت تعمل بها عادةً، فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية الراعي الرسمي للبحث الفلكي لعدة قرون قبل وبعد غاليليو. ولا يعني أيٌ من هذا أنّ الكنيسة لا تتحمل أيّ لوم  في هذه القضية، ولكن النظرة الصحيحة للمسألة هو أنّ قضية غاليليو لم تكن في المقام الأول تتعلق بالعلم والدين، ولم تكن أيضًا تمثيلًا لموقف الكنيسة تجاه العلم.

تصبح الأمور أكثر تعقيدًا بعض الشيء مع داروين لأنّ الالتزامات الدينية كانت أكثر حضورًا في المناقشة. ولكن مرةً أخرى، نحتاج إلى تذكير أنفسنا بأنّ دليل الانتخاب الطبيعي كان – في ذلك الوقت- محل جَدل لأسباب علمية، وأنّ داروين كان له مؤيدون بارزون في المؤسسة الدينية.

 – روبنسون: فيما يتعلق بمسألة الأساطير، لقد علّقت بأنّ “المسيحية والعلوم يرفضان الرواية السائدة لتاريخهما”؛ برأيك ما الدوافع الرئيسية وراء هذا التناقض بالنظر إلى أنّ الدين والعلم كلاهما يسعى للبحث عن الحقيقة؟.

 – هاريسون: بشكلٍ عام، فإنّ المسألة تتعلّق بكيفية استلال الحقيقة من الأحداث التاريخية. في حالة العلم، نحن نعرف الدور الهام الذي تلعبه العوامل الاجتماعية في نجاح النظريات العلمية، ونعلم أيضًا أنّ تاريخ العلم تجاوزي، بمعنى أنّه مقبرة للنظريات المهمَلة التي حظيت يومًا ما بتأييد عالمي، وبالتالي فإنّ نظرة متأنّية في تاريخ العلم تدفعنا إلى التساؤل والشك في الإجماعات العلمية الحالية نظرًا لاحتمال أن يثبت خطأ الكثير ممّا نتمسك به الآن. (هناك أيضًا قضية ما إذا كانت العلوم تبحث عن الحقيقة أو تبحث عن المنفعة – وهما ليسا شيئًا واحدًا- ولكن لنَدع هذا السؤال لمناسبة أخرى).

بالنسبة إلى الدين [المسيحي] فإنّ الأمور تبدو غير تجاوزية ومتوازية من نواحٍ معينة، فمثلا إذا نظرنا إلى الوقائع التاريخية حول تشكيل الشريعة والقرارات المَجمعية التي أدت إلى إرساء العقائد المسيحية العالمية المعروفة الآن، ففي هذه الحالة من الممكن أن نسترشد بالتاريخ لأنّ ما فات ليس عديم القيمة، على عكس السائد حاليًا في تاريخ العُلوم.

 – روبنسون: هناك من يحاولون دحض “أسطورة الصراع” بالحديث عن “الانسجام”، أو على الأقل إمكانُ الحوار بين العلم والدين؛ لقد حذرتَ من أنّ مثل هذه الدعوى “لديها القُدرة على خلق ظروف مماثلة لتلك التي شكلت أسطورة الصراع” هل يمكنك توضيح هذا؟.

 – هاريسون: سردية الصراع بشكل عام تفترض أنّ العلم والدين يتنازعان على منطقة تفسيرية واحدة، وأعتقد أنّ هذا خطأ. وعلى نفس المنوال، فإنّ بعض الأطروحات التي تدعو إلى الحوار تتعامل مع “الدين” بطريقة تؤكد أو تُضخم نقاط الاتصال بين العلوم والدين، وهذا يؤدي مرةً أخرى إلى الضغط على ما يتقاطع فيه العلم والدين، وما يحدث غالبًا هو إغفال الاختلافات الجوهرية بينهما والسِّمات المُميّزة لكل منهما. ومن المسائل ذات الصلة أيضًا دعوى أنّه يمكن تحقيق الانسجام ببساطة عن طريق تقديم تنازلات من جانب واحد في المسائل المتنازع عليها، ودائمًا ما يكون هذا الجانب هو الدين. قد يكون من الأفضل أن تتعلم التعايش مع مستوى معين من الاختلاف، خاصةً – كما لاحظت بالفعل- أنّ العلم بطبيعته مشروع متغيِّر.

 – روبنسون: محاضرتك المسائية العامة هنا ستكون بعنوان “الحدود المَرنة بين العلم والدين”، وتحدثت في مكان آخر عن “الفواصل” أو”النقاط الحدودية” بين العلم والدين؛ هل يمكنك إيضاح هذا التشبيه الجيو- سياسي بإيجاز وبيان كيف يمكن أن يساعدنا -علماءً ومؤمنين- في إبصار مواقعنا ومواقع الآخرين؟.

 – هاريسون: مثلما تتغيَّر الحدود الدولية بمرور الوقت، فكذلك الأمر مع الكيانات التي نشير إليها بـ “العلم” و “الدين”، وهذا له تعلق مباشر بمسألة الصراع. جزءٌ من العلاقات المتوترة حاليًا بين بعض الدول المتجاورة يرجع إلى الطريقة التي أنشئت بها تلك الحدود وكيف تغيّرت بمرور الوقت. قياسًا على ذلك، فإنّ بعض النّزاعات بين العلم والدين هي نتيجة للطريقة التي ظهرت بها حدود مفاهيمنا الحديثة عن “العلم” و”الدين” وتطورها بمرور الوقت. وبالاعتماد على هذا التشبيه، إذا أخذنا في الاعتبار إمكانية إعادة ترسيم تلك الحدود أو ربّما إرجاعها إلى ما كانت عليه في الماضي، فإنّ ما ننظر إليه على أنّه صراعات لا مفرَّ منها= قد يُسفر في النِّهاية عن علاقة أفضل.

 – روبنسون: أثناء وجودك في ريجنت، ستشارك أيضًا في حلقة نقاشية لأعضاء هيئة التدريس مع بروس هندرماش و دينيس دانيلسون حول موضوع “الكتابُ المقدّس ونشأة العلم الحديث”، لقد أشرت إلى أنّ “العقلية الحَرْفية التي يتميَّز بها البروتستانت في بداية العصر الحديث أدى إلى ظهور نظرة عالمية توفر بيئة ملائمة لازدهار العلوم الطبيعية”، ماذا يمكننا – ونحن في أمريكا الشمالية حيث يُنظر إلى “التفسير الحرفي” على أنّه اتجاه أصولي مُعارض للعلم- أن نتعلم من أسلافنا؟.

 – هاريسون: أودُّ أن أقول أولاً أنّني لستُ متأكدًا من أنّ المسيحيين الأصوليين يعارضون العلم لذاته. وبدلاً من ذلك، فإنّهم يعترضون على سمات معينة للعلم الحديث، والتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي هو أظهر هذه السِّمات، ولكنهم غالبًا ما يرون أنّ الداروينية ليست علمًا حقيقيًا. وما أراه هو أنّ الأصوليين يعتبرون بما يقدمه العلم، حيث خلطوا بين عقيدة الخلق المسيحية والنظرة المادية لنشأة العالم: والنتيجة الخلقوية العلمية([3]). أمّا بالنِّسبة لعِبر التاريخ، فربَّما يكون هناك الكثير ممّا يمكن تعلّمه من أسلافنا الذين كان لديهم مفهومٌ أكثر اتساعًا وثراءً لكيفية قراءة كلٍّ من الكتاب المقدَّس والطبيعة.


[1] – هذه الأسس الثلاثة ليست خاصة بالمسيحية، وما يجمع بينها هو أنّها مقدمات وأسس للعلم لا يمكن البرهنة عليها من داخل العلم أو النظرة المادية. (المترجم)

[2] – ليس بصحيح أنّ العلم منتج غربي، بل العلم انتقل للغرب من الحضارة الإسلامية ولم يبدأ به، وما يُذكر في هذا السياق هو عوامل (أنثروبولوجية-اجتماعية-اقتصادية) أكثر منها عوامل ثقافية معرفية تفسِّر فعلًا مكانة العلم، أما الذي انفرد به الغرب هو الصورة المادية للعلم أو الطغيان العلموي وتجاهل الأبعاد الأخلاقية والقيمية للممارسة العلمية. (المترجم)

[3] – أطروحة انبثقت من نظرية الخلق تحاول استعمال المعاني العلمية لدحض النظريات الزائفة لتاريخ الأرض، وعلم الكون (الكوزمولوجيا) والتطور الحيوي، وتحاول إثبات صحة مقادير الخلق الموجودة في سفر التكوين (عند اليهود أو المسيحيين)، وأكثر مناصري هذه العلوم هم من المسيحيين المحافظين والأصوليين الموجودين في الولايات المتحدة الذين يحاولون أن يثبتوا العصمة الكتابية Biblical inerrancy للكتاب المقدس، متحدين بذلك نظرية التطور. (المترجم)

المصدر
regent college

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق