فكر وثقافة

العلاقة بين علوم الاجتماع والدين

  • مصطفى عشوي
  • ترجمة: راشد الخمايسة
  • تحرير: الجوهرة خالد

إنَّ فهم القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة وتطبيق تعاليمهما هو بلا شك المنبر الذي تنطلق منه العلوم الدينية واللُّغوية في العالم الإسلامي. ومع ذلك فإن ما حصل خلال التاريخ الإسلامي هو الاهتمام الكبير والمفرط بسلطة الطقوس على حساب المقاصد الفقهية الَّتي تنظِّم الأمور بين المسلمين أنفسهم وبيئتهم. هذا الإفراط له دوافعه النفسيَّة والسياسيَّة؛ وقد تناول جمال البنّا هذه الدوافع في كتابه “نحو فقه جديد”.

في الواقع أنا شخصيًّا طرحت هذا الموضوع للنقاش على تلاميذي من طلاب الدراسات العليا في معهد أصول الدين في الجزائر قبل بضع سنوات؛ لأن هذا الموضوع له صلة وثيقة بتقدم العلوم من وجهة نظر إسلامية في الماضي والحاضر وكذلك المستقبل. الهدف من النقاش ليس لمجرد الجدال، بل لإظهار أنه -وبشكلٍ نهائي- لم يكن يجب أن يتم الفصل بين العلوم بهدف القطيعة التامَّة وعزلها عن بعضها البعض، بل كان يجب أن يكون افتراق العلوم فقط بحسب غايات كل علم. وما يُستدَل عليه من الفصل بحسب الغاية هو دراسة عمق كل علم بعد تحديد موضوعه ومنهجيته بدقَّة. ولا ينبغي أن يشير هذا إلى الطرح الغربي، الذي يؤسس لقطيعة تامة بين العلوم الدينية والعلوم الاجتماعية حتى يتم فصل الدين عن العلوم من جهة، وعزل الفلسفة عن بقية العلوم من جهة أخرى.

ما ندعو إليه في سياق أسلمة المعرفة هو أنَّ العلوم “تكامليَّة”، بحيث إن توضيح أطرها الفلسفيَّة ومواضيعها ومنهجيَّاتها، هو ما يمنع وضع أي علم فوق آخر؛ ما لم يكن ذلك بُعدًا قانونيًا أو مرجِّحًا عقليًا  أو كليهما؛ وإنَّ الفشل في تحقيق هذا التكامل قد يؤدي إلى ما يلي:

  1. الانفصال المؤسف للعلوم عن بعضها البعض بشكل عام، والقطيعة بين العلم والدين بشكلٍ خاص، كما هو الحال في عدد من الدول الغربيَّة والإسلاميَّة. ويتجلّى هذا بوضوح على المستوى الجامعي والمعاهد المتخصصة في العالم الإسلامي؛ حيث بالكاد يعرف المختص في علوم الدين شيئًا عن علمي النفس والاجتماع، وبالمثل المختص في علوم الاجتماع يعرف الشيء اليسير عن علوم الدين.
  2. اختلاط مواضيع ومنهجيَّات هذه العلوم وأهدافها، بالإضافة لإمكانيَّة سيطرة منهجيَّة متَّبعة في بعض العلوم على العلوم الأخرى؛ فمثلًا، قد نشهد هيمنة -غير مبررة- لعلماء الدين والفقه على مجالاتٍ هي من اختصاص العلوم الأخرى، وهذا من شأنه أن يعرقل التحسن في هذه العلوم.

لتفادي هذه الهيمنة والانفصال المؤسفين، طرحتُ عددًا من التوصيات بُغْيَة سد الفجوة بين العلوم الإسلاميَّة والطبيعيَّة من جهة، وعلوم الاجتماع الحديثة والمختصين فيها من جهة أخرى في العالم الإسلامي.

فيما يلي عدد من التوصيات التي طُرحت في أرجاء العالم الإسلامي كنماذج في العلوم الاجتماعية؛ وهي تشرح مواقف العلماء المختلفة ومساعيهم للتعامل مع هذه المسألة من منظور إسلامي.

في رسالة قصيرة (1989) سعى الفاروقي إلى إضفاء طابع إسلامي/أسلمة على علوم الاجتماع.[1] فبعدما أظهر قصور المنهجيَّة الغربيَّة في دراسة علوم الاجتماع وعلمائهم -على سبيل المثال حقيقة أنهم تغاضوا عن الجوانب الروحيَّة، وتحيّزهم وإبعادهم القيم عن مجال العلوم الاجتماعيَّة- شرع الفاروقي في شرح هذه المسألة، وكيف يمكن أن تُعطَى العلوم الاجتماعية “بوصلة إسلامية”، ولتحقيق ذلك اقترح ما يلي:

  1. إعادة تكامل بين الدراسات والعلوم تحت راية التوحيد.
  2. الاعتراف بالحاجة للعلوم الاجتماعية في ضوء خلافة الله للإنسان؛ وبعد ذلك يطلق على هذه العلوم “علوم الأمَّة”؛ وشدَّد الفاروقي على أنَّ دراسة المجتمع لن تبتعد عن القيم والمبادئ الفقهية.
  3. لا ينبغي إهمال علوم الأمة لصالح العلوم الطبيعية، بل يجب أن تحظى بنفس الأهمية.
  4. دراسة الواقع لا ينبغي أن تقود إلى إهمال الكيفيَّة التي يجب أن تكون فيها الأمور.[2]

بعد هذه التوصيات، يباشر الفاروقي شرح المبادئ التي يجب على عالم العلوم الاجتماعيَّة أن يلتزم بها، وأولها الإسلام وما يصبو له أن يبقى على مقربة من النموذج الإلهي الذي ظهر في المصطلحات البشرية من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحرص على القيم الأخلاقيَّة والشرعيَّة، ويعمل على البحث عن الحقيقة في ضوء النموذج الإلهي، وكذلك -كلما أمكن- العمل على إنتاج نموذج جديد لنقد العلوم الاجتماعيَّة. ولنا أن نتساءل: هل هذه الشروط كافية لأسلمة العلوم الاجتماعيَّة أو صياغتها صياغة إسلاميَّة على حد تعبير صاحبها؟ وهل بإمكاننا تعميم نقد الفاروقي على كافة علوم الاجتماع الغربيَّة؟ وهل بإمكاننا التأكُّد من تطبيق علماء الاجتماع -أفرادًا- لهذه المنهجيَّة على العلوم الاجتماعيَّة ككل؟

  لن أدَّعي قدرتي على إجابة هذه الأسئلة في هذه الدراسة القصيرة. ومع ذلك، أود مشاركة رأيٍ مفاده أن طبيعة العلاقة بين العلوم الاجتماعية والدين في الغرب ربما ستسلط الضوء أو تعطي إجابة غير مباشرة على هذه الأسئلة، وكما نعلم سيتطلب ذلك المشاركة في النقاشات والحصول على أجوبة واضحة من المفكرين والباحثين المسلمين دون أيّ تحيُّز أو تحفُّظ. لقد زرع الفاروقي البذور الأولى في حقل “أسلمة المعرفة”، وعلى موضوع “صياغة العلوم الاجتماعيَّة صياغة إسلاميَّة” الحسَّاس جدًا، وفتح الباب لمن تبعه لتنظيم المؤتمرات لتعميق الدراسة وتشكيل وجهات نظر مختلفة. وهكذا عقد المعهد العالمي للفكر الإسلامي العديد من المؤتمرات بهدف ترسيخ هذه الفكرة، وجعلها قابلة للممارسة والتنظير العلمي. ورغم ذلك؛ فإنَّ هذه المحاولات لم تخلُ من بعض الأساليب السطحيَّة والتبسيطيَّة لهذه المسألة المطروحة، ولم يمر هذا دون إثارة بعض ردود الفعل السلبيَّة أو الاضطرار لمواجهة الاعتراضات، على الأقل في بعض جوانب المشروع كما أشار برهان غليون (1993). وسوف أتصفح هذه الآراء سريعًا لأن الموضوع لا يتطلب دراسة عميقة أو تقييمًا كاملًا هنا.

في عام 1992، خلال مؤتمر عُقِد في القاهرة، تحت رعاية المعهد العالمي للفكر الإسلامي ونقابة المهندسين المعماريَّين، طرحت مجددًا مشكلة القطيعة مع العلوم الاجتماعية. وقد طُرحَت كذلك عدد من المسائل ذات الصلة مثل مسألة “العلوم الاجتماعية على مفترق طرق بين التغريب والتحديث” التي طرحها رفيق حبيب، و”سمات الذاتيَّة والموضوعيَّة بين الفكر الاجتماعي الإنساني الغربي والفكر الخلدوني” التي طرحها محمود الداوودي، على سبيل المثال لا الحصر.

إذا اعتبرنا الموضوع الأخير عينة من العديد من الأطروحات التي طُرحَت خلال المؤتمر، فيمكننا أن نلاحظ أنَّ الداوودي عرَّف مفهومي الموضوعيَّة والذاتيَّة؛ وبعدها انطلق لشرح الدوافع الذاتيَّة في العلوم الاجتماعية في الغرب، وجادل بأنَّ الأزمة التي عانى منها الإنسان والعلوم الاجتماعية في العقدين المنصرمين على الأقل تعود إلى أزمة الموضوعيَّة والذاتيَّة (ص. 7) ولتوطيد وجهة نظره، ناقش الكم المتزايد من النقد الذي وجهه العلماء والمختصون في الغرب للعلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة الغربيَّة.

بلا شك يملك الداوودي كل الحق في المضي قُدمًا في طرح ما يؤيِّد موقفه من ادِّعاءات وآراء؛ ومع ذلك فإنَّ سرد الادِّعاءات دون مناقشتها وعدم تقديم حجج مضادَّة قد يُنظَر إليه على أنَّه تحيُّز ينبغي على العلماء المسلمين تجنّبه. تعود أزمة العلوم الاجتماعيَّة في العالم الإسلامي في رأيه إلى مشكلتين:

  • قبولنا غير النقدي لمفاهيم الإنسان والمجتمع التي نبعت من العقل الغربي التجريبي المادي.
  • حقيقة أنَّه منذ أن أصبحنا تحت تأثير سحر الغرب، لم نكمل دراسة فكرة ابن خلدون لاكتساب والوصول إلى مصادر المعرفة الفكريَّة التجريبيَّة من جهة، ومصادر المعرفة النفسيَّة والروحيَّة والمتسامية من جهة أخرى.

بالنسبة لي، لا أملك أي اعتراض على تبنِّي نموذج ابن خلدون لدراسة الحضارة وتحليل التاريخ على أسس النموذج الوصفي التاريخي الذي تبناه. مع ذلك، لدي تحفُّظات تتعلق بالمشكلة الأولى التي حددها الداوودي، والتي تعتمد على قبولنا غير النقدي لمفاهيم الإنسان والمجتمع التي رسَّخها العقل الغربي التجريبي المادي. فأولاً، لا يمكن تعميم هذا الادِّعاء؛ لأنَّه لا ينطبق علينا جميعًا. ثانيًا، تأثير هذا التبنِّي الشامل للمفاهيم الغربيَّة ليس واضحًا؛ فإذا كان هذا التبنِّي قد حدث لكُنَّا لاحظنا انتشار الفكر التجريبي بين علماء الاجتماع المسلمين، لكن ليس هذا هو الحال. في الواقع هناك انسحاب عام وشامل من التجريبيَّة يقلق المرء إذا ما كُنَّا نعاني من الخوف من التجريبيَّة[3].

بعد ذلك تحدث الداوودي في حقل علم النفس وعلَّق على استخدامه للفئران والببغاوات والقرود بهدف إجراء التجارب سلوكيَّة مخبريَّة والتي أصبحت على حد تعبيره “شائعة في علم النفس وتطبَّق نتائجها على الإنسان مما يعني أنَّ علماء النفس لا يفرقون بين الإنسان والحيوان” (ص. 19)

مجدَّدًا، ليس لدي أي اعتراض على تطبيق هذا إلى حدٍ ما على أتباع المدرسة السلوكيَّة، ولكن كيف يمكن أن يمتد لكافة فروع علم النفس (والتي يوجد منها ما يقارب الخمسين اليوم)، وعلماء النفس الفرديين الذين ينتمون إلى مدارس لديها منهجيَّات مختلفة تمامًا؟

بالإضافة إلى الجهود الجبَّارة التي بذلها المرحوم الفاروقي في إبراز المسألة الهامَّة المتمثلة في ضرورة صياغة العلوم الاجتماعيَّة صياغة إسلاميَّة والجهود المبذولة من قبل العلماء في جمعيَّة علماء الاجتماع المسلمين ومعاهد وأفراد آخرين، ظهر مقالٌ لمالك بدري 1979 في كتابه “معضلة علماء النفس المسلمين”. في تقديري، كتاب بدري قدَّم مساهمة لا يمكن التشكيك بها في إظهار مكانة الجوانب الأخلاقيَّة والدينيَّة في علم النفس. إنَّ الكشف عن معضلة علماء النفس المسلمين ضرورة كبيرة لكنَّها تظل غير كافية لمواجهة المشكلة؛ “أليس علينا إذن ألّا نكون مهووسين بمشاكلنا ونرتقي فوق قيودنا مروِّضين نقدنا لعلوم الاجتماع الغربيَّة؟ ألا ينبغي أن تلتقي مساعينا لتطوير علوم الاجتماع بمواضيع محدَّدة ومنهجيَّات صارمة، حتى نتمكن من الحصول على فهم واضح للواقع الإسلامي وتحفيزنا على حل المشكلات بطريقة علميَّة لا تقتلع إيماننا ولا وعينا؟” وهكذا في عمل الدكتور بدري قد حذرنا من مخاطر التواجد في “جحر الضب”، لكن ما زلنا عاجزين عن اكتشاف الطرق للخروج منه.

غالبيَّة الجهود المبذولة من قِبل العلماء المسلمين في العمل على مسألة أسلمة المعرفة، يمكن أن تُختزَل إلى ادِّعاءات سطحيَّة عن كون العلوم الاجتماعيَّة الغربيَّة في أزمة وأنَّها متحيِّزة ضد القيم وتتجاهل الجانب الروحي، وليست إنسانيَّة؛ وأخيرًا، أنَّها علمانية. للأسف بصرف النظر عن بعض الاستثناءات النادرة، لا يصادف المرء في الكثير من الأحيان العلماء الذين يناقشون مبررات وجود هذه العلوم والدور الفعلي الذي تلعبه في تشخيص المشاكل وحلّها بعضها، أو أي عوامل إيجابية أخرى. (انظر رجب، 1996).[4]

صحيح أن بعض المعاهد والجامعات والكليَّات بدأت في الظهور هنا وهناك في العالم الإسلامي بهدف ابتكار مناهج تضمن “تكامل” تدريس “المعرفة الشرعية/علوم الوحي” مع تدريس العلوم الاجتماعيَّة الحديثة، على أمل أن يُخفِّف هذا من تحفُّظ الجانبين. بالرغم من هذه الاستثناءات لا يزال المرء يشهد أنَّ المقترحات المُقدَّمة من قِبل العلماء المسلمين للتغلب على هذه الأزمة ما زالت -على حد فهمي- مثاليَّةً للغاية وليست علميَّة. ولا يسع المرء إلا أن يحترم مساعي العلماء الجادَّة؛ ولكنَّني أتساءل عمَّا إذا كان هذا النمط من التفكير يجب أن يصبح طريقتنا في أسلمة العلوم الاجتماعيَّة.

في الواقع أنَّ أصول هذه المشاريع التي تهدف إلى إخضاع كل العلوم لمنهجيَّة وأصول العلوم الدينيَّة ليست حديثة العهد. يمكن أن يتبع أثرها إلى الفترة الوسطى من الحضارة الإسلاميَّة، عندما كان علماء الكلام منغمسين في السؤال الملحّ حول العلاقة بين المنطق والوحي (عطية، 1980)، على سبيل المثال ناقش ابن رشد هذه المسألة في كتابه “فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”.

مؤخَّرًا عقد الدكتور جمال عطيَّة ندوة حول مسألة الفقه والعلوم الاجتماعيَّة وطرح خلالها السؤالين التاليين:

  1. هل بإمكان الفقه الإسهام في تطوير منهجيَّات العلوم الاجتماعيَّة؟
  2. هل بإمكان الفقه أن يكتسب شيئًا من منهجيَّات العلوم الاجتماعيَّة؟

بحسب عطيَّة، هناك مجموعتان لديهما إجابتان مختلفتان لهذه الأسئلة. واحدة ترفض منهج الفقه رفضًا تامًّا، وهذا هو رأي مختصي العلوم الاجتماعية، (لكن عطيَّة لم يحدد إذا ما كان يلمح إلى المسلمين أو غير المسلمين)؛ والثانية تعتقد أنَّ “العلوم الاجتماعيَّة لا يمكن أن تتطور إذا كانت مقيَّدة بمعايير صارمة” (ص. 11) بالنسبة للدكتور عطيَّة نفسه، فيرى أنَّ علوم الفقه وُجدَت في الأصل لتجعل أوامر الله دقيقة وواضحة، ثم يُستنبَط منها الأحكام. وهي ليست مصمَّمة لشرح الظواهر الاجتماعيَّة أو علاقاتها السببيَّة، ولا للعثور على القواعد الكليَّة التي تتحكم في هذه الظواهر. لذلك من الظلم مطالبة علم الفقه بتحمل عبء لا يستطيع تحمُّله (ص. 12).

إنَّ مساهمة الدكتور عطيَّة لإيجاد تعاون ممكن و”تكامل” ما بين الفقه والعلوم الاجتماعيَّة يجب ألَّا تفقد مصداقيَّتها؛ فكما أشار هو بنفسه، فإنَّ الفقه يقوم على الأساليب الاستنباطيَّة. وأودُّ أن أضيف هنا أن العلوم الاجتماعيَّة تقوم على كل من الأساليب الاستنباطيَّة والاستقرائيَّة بشكل عام، مما يزيد من استخدام هذا الأخير.

إنَّ الرغبة في إخضاع العلوم الاجتماعية للفقه، سواء أكانت من ناحية المنهج أو الموضوع، ما زالت تغري الباحثين المسلمين حتى الآن. في العدد الأول من دوريَّة أسلمة المعرفة (1995، حزيران/يونيو)، نُشِر مقال للدكتور لؤي الصافي تحت عنوان “نحو منهجيَّة أصوليَّة للدراسات الاجتماعيَّة” يُوكِّد الصافي أنَّ “الصراع ما بين العلوم والدين ليس صراعًا حتميًّا ينطبق على الثقافة الإنسانيَّة برمّتها” ويضيف “لكنَّه مرتبط بشكلٍ خاص بالتجربة التاريخيَّة الغربيَّة تحديدًا”؛ ويشير أيضًا إلى أنَّ أي محاولات لإنتاج نفس الصراع داخل الثقافة الإسلاميَّة هي محاولات مبتدعة. ويسهب شارحًا “أنَّ جهود العلماء المسلمين الأوائل اقتصرت على تطوير أدوات وأساليب البحث النصي، وبالتالي فإنَّهم لم يطوروا منهجيَّة عالية المستوى لدراسة الظواهر التاريخيَّة والاجتماعيَّة؛ ومن ثم كانت معرفتهم الاجتماعيَّة والتاريخيَّة تفتقر إلى الدقَّة العلميَّة والتماسك المنهجي”.

إنَّ هذا النقد غير المشروط الذي لم يستثني أحدًا من العلماء المسلمين إلا ابن خلدون يصعب عليّ قبوله. ومع ذلك أجد نفسي متفقًا مع صافي عندما أوضح أن “تطوير المنهجيَّة النصيَّة على حساب المنهجيَّة التاريخيَّة أدّى إلى خلل نظري ومفاهيمي واضح لا سيَّما في المجالات التي تتطلب الدقَّة فيما يتعلق ببنية المجتمع والتنظيم الاجتماعي”.

لقد كان تجاهل المنهج الاستقرائي شائعًا بين العلماء المسلمين، باستثناء جهود الرازي وجابر ابن حيَّان في الطب والعلوم، والشاطبي في الشريعة الذين ساهموا جميعًا في تطوير الاستقراء كمنهج للبحث.[5] على الرغم من جهود هؤلاء العلماء وعلى الرغم من كونها جهودًا استثنائية، إلا أنَّهم لم يتمكنوا من نشر الروح التجريبيَّة، ولا إنشاء أساليب استقرائيَّة لإجراء التجارب وتنفيذها بين الأمَّة الإسلاميَّة. بعد مراجعة نقديَّة للمنهجيَّة في السياق الإسلامي، ينتقل الصافي (كما يفعل معظم العلماء المسلمين الحديثين) إلى نقد الفكر الغربي، لافتًا الانتباه إلى “الحداثة المنهجيَّة” التي يتردد صداها في الوسط العلمي الغربي نتيجة إلى “الاغتراب التدريجي عن الوحي”.

بالإشارة إلى المنهجيَّة الأساسيَّة التي اقترحها صافي، تعتبر “منهجيَّة متوازنة” تهدف إلى تحقيق “التكامل” بين القواعد والأنظمة المُستخلَصة من المصادر المنقولة، وتلك المُستمَدَّة من المصادر التاريخيَّة.

عندما نفكر في المساعي التي تأمل في أسلمة العلوم الاجتماعيَّة من خلال خلق جسور واصلة بينها وبين علوم الشريعة -خصوصًا في الفقه- سنلاحظ للأسف، أنَّ العقل المسلم مفتونٌ بقوة تراثه، ويجد نفسه مقيدًا بأغلاله. وقد نبَّه بالفعل بعض الشخصيَّات البارزة في حركة أسلمة المعرفة إلى الوزن المعرقِل للتراث، والذي إذا ما عُومِل بسوء، سوف يعزِّز قبضة مفاهيمه ومنهجيَّاته التقليديَّة على العقل المسلم. فعلى الرغم من اعتبارهم التراث الإسلامي من أغنى مصادر التراث الإنساني، فقد أصرَّ هؤلاء العلماء على ضرورة تصفيته حيث لا يمكن اتباعه “في السراء والضراء حتى الموت”.[6]

لعل هذا ما دفع الدكتور العلواني (1993) إلى التأكيد على أنَّ أسلمة المعرفة كمنهج للمعرفة تتمحور حول المحاور الستة الرئيسة أي: المعالجة المنهجيَّة للقرآن والسنَّة النبويَّة الشريفة والتراث الإنساني، وتشكيل وبناء المنهج القرآني، وأخيرًا بناء نظام معرفي إسلامي معاصر. ودون اتصال إيجابي بحقٍّ مع التراث، يمكن أن يصبح هذا التراث عقبة أمام ما قد يكتشفه المسلمون حول المعرفة العالميَّة الواردة في القرآن الكريم. بالتالي هذا التراث قد ينتج عنه تراث آخر قد يعتبر كالماء بالنسبة للشخص الظمآن بينما هو في الواقع مجرد سراب. لا يمكن لهذا النوع من التراث تحفيز المجتمع بشكل فعَّال.

 خلال ندوة حول أسلمة المعرفة (1996 حزيران/يونيو، في ماليزيا) أصرَّ الدكتور العلواني على النقد الرصين ومراجعة عدد المواضيع المرتبطة بالإدراك والتوقيت والتحرك تجاه الدين والابتكار والتغيير. وقد لفت الانتباه إلى ثلاث خطوات:

  • مراجعة الدراسات المبنيَّة على القرآن.
  • مراجعة دراسة السنَّة النبويَّة الشريفة وتفاسيرها.
  • مراجعة دراسات التراث.

إلى جانب هيمنة المنهجيَّة الأساسيَّة (أي تلك القائمة على التحليل القرآني الاستنتاجي)، وتأثيره وسيطرته على أذهان العديد من المفكرين المسلمين المعاصرين ووزن الضغط الفقهي واللاهوتي والسياسي الذي تعرضوا له، يتعين على المفكرين المسلمين المعاصرين أن يواجهوا أيضًا الخطر الذي يلوح في الأفق لــ”النظريَّة المعياريَّة” بقيمها الفقهيَّة وغيرها من التعقيدات الوشيكة التي غالبًا ما يتم تقديمها على شكل ثنائيَّات، مثل ثنائيَّة الحق والباطل.[7] نحن لا نتردد في أن نقول إنَّ هذه المخاطر التي تلوح في الأفق والرغبة الملحَّة في نقد الغرب كوسيلة للتخلص من الهيمنة الغربية؛ سيكون لها عواقب وخيمة على عمليات التنظير والتشخيص، وفي النهاية القدرة على إعطاء حلول لحالة الأمَّة المتخلفة.

ذكر أبو سليمان (1992) أنَّ إحدى هذه النتائج ستكون “دفن العلوم الاجتماعيَّة”. وشرح أنَّ تطور الصراعات والأحداث السياسيَّة في الدول المسلمة أدى إلى الانفصال ما بين القيادة السياسيَّة والقيادة الفكريَّة. وقال إنَّ الانغماس في الدراسات التقليديَّة والوصفيَّة؛ والعمل بشكل ضئيل على المنهجيَّة الحرفيَّة والعلوم المرتبطة بالقرآن فقط وكذلك انفصال القيادة الفكريَّة (خصوصًا الفقهية) عن القيادة السياسيَّة؛ هي من بين العوامل التي أعاقت تقدم العلوم الاجتماعيَّة، وأدت إلى كثرة الكتابات الفقهيَّة في فقه العبادات على حساب فقه المعاملات. وهذا ما شرحه البنا (1996) حيث أوضح أن العوامل السياسيَّة التي أدت إلى تراكم علم فقه العبادات ما زالت مستمرة حتى اليوم. واحدة من أسوأ نتائج هذا “التراكم الشعائري” حسب البنا هو حقيقة أنَّه يسبب تشوهًا عميقًا ومنتشرًا للغاية، لدرجة أصبح مرادفًا للشخصيَّة المسلمة اليوم.[8]

على الرغم من هذا الهجوم غير المقيَّد على الفقه التقليدي، وإلقاء اللَّوم عليه لتخلف وتشوه الشخصيَّة المسلمة قد يعتبر قاسيًا، لكن تبقى حقيقة أنَّ البنا وأبو سليمان من بين آخرين، قد وضعوا أصابعهم تمامًا على الداء المزمن الذي جعل المسلمين غير قادرين على التقدم. وقد تجسد هذا في الجانب الفكري تحديدًا فيما يتعلق بالمنهجيَّة، نظرًا لأهميَّة تصنيف العلوم على أساس محتواها ومنهجيَّتها. في الواقع، لجعل الاستفادة من هذه العلوم مجديًا للمجتمعات الإسلاميَّة، ينبغي علينا تجاوز الإشكاليَّة الفكريَّة غير الواقعيَّة المتمثلة في “العقل والنقل” و”القرآن والواقع” و”الحق والباطل” و”المعيارية والوضعية” و”اليقين والتكهُّن” وما إلى ذلك. من غير الواقعي أن تهدر كل طاقاتنا على علاج وتكرار وتدوير هذه الإشكاليَّات منذ قرون مضت، ولا تزال تستهلك الكثير من وقتنا وجهودنا. لقد أصبح الأمر أشبه بالهاجس الذي يسيطر على الوعي واللاوعي على حد سواء، على الرغم من وجود الهداية في القرآن ووفرة المؤلفات العبقريَّة التي خلفها الكثير من المفكرين من عصبة ابن رشد وابن تيمية.

يضاف إلى هذه القضايا إشكاليَّة مسألة الأخلاق وتأثيرها على العلوم، بالكاد يقرأ المرء اليوم أي شيء يخلو من الإشارة إلى تحيُّز العلوم الغربيَّة، وحقيقة أنها مدفوعة بالقيم الغربيَّة أو تجاهلها لقضية “القيم” أساسًا! تجدر الإشارة هنا إلى أن طبيعة المعرفة أو العلم حياديَّة وأن استخدامها والاتجاه الذي تسلكه هو الذي ينتج عنه التحيُّز.[9]

بعبارة أخرى، أنَّ الموضوعيَّة والذاتيَّة صفات بشريَّة وليست بالعلوم أو حتى بالفن. أولئك الذي يزعمون أنَّ العلوم الاجتماعيَّة قد تجاهلت على سبيل المثال القيم قالوا هذا أحيانًا في الوقت الذي أصبحت فيه موضوعًا رئيسًا في علم النفس والاجتماع، مستمعين بمناقشة عدد من الكتب والدراسات التي تنشر. علاوة على ذلك، ليس هناك ما يمنعنا من دراسة القيم بأنفسنا من منظور إسلامي وأدراجه في دراساتنا النفسيَّة الاجتماعيَّة؟ أن تُقيِّد العلوم الاجتماعيَّة بقوانين القيم لن يولِّد علوم اجتماعيَّة، بل بالأحرى الأخلاق والصوفيَّة والعلوم الدينيَّة وما إلى ذلك.

بالفعل، فإن إخضاع العلوم الاجتماعيَّة للمنهجيَّات الأساسيَّة أو تقييدها بقوانين الأخلاق سيؤدي حتميَّا إلى التحقيق في الحق والباطل ومسألة الإيمان أو الكفر. وهذا بدوره سيؤدي لجعلنا رهائن تحت وطأة التراث غير المستقر، حيث كممارسة يجب إعادة جميع الاختلافات في العلوم التقليدية فورًا إلى القانون الأخلاقي، كما أشار الدكتور علواني. لأن العلوم الإسلاميَّة تقوم على أصول الدين والولاية، وكلاهما أسس على نفس القوانين الأخلاقيَّة، فقد ظهرت بعض الازدواجية الحقيقيَّة في الفكر الإسلامي أي أولئك الذين لديهم الحق ومن هم على الباطل الفرقة الناجية والفرقة الملعونة وغيرها. وحتى نتجنب مثل هذه المعايير الفكريَّة، من الأفضل أن نمتنع عن هوسنا بهذه الازدواجيَّة الفكريَّة (علواني، 1996) ونطبِّق القول العربي المعروف: “تذوَّق ما هو واضح مما هو غير واضح”.

لا حاجة لقول ذلك، أنَّنا بصفتنا مختصُّون بالعلوم الاجتماعيَّة ملزمين بنشر هذه العلوم لخدمة الدين والأمَّة الإسلاميَّة وفي ضوء ذلك أود أن اقترح المبادئ الآتية:

  1. تجنُّب الرجوع إلى القوانين الأخلاقيَّة أثناء دراسة الظواهر النفسيَّة والاجتماعيَّة والتاريخيَّة قدر الإمكان. وهذا لا يعني الابتعاد عن موضوع الأخلاق ولا نبذ القيم الإسلاميَّة، بل على النقيض، يجب أن يُعتبَر موضوع الأخلاق كموضوع محدد من مواضيع علم النفس، ويجب أن يتمتع بالدراسة العلميَّة بهدف إظهار الفجوة الموجودة بين عالم الأخلاق في الإسلام والعالم الذي يوجد ويتصرف فيه المسلمون. يمكن أن يتم ذلك في ضوء العوامل الرئيسة مثل الشخصيَّة والعمر والجنس والبيئة والثقافة والتاريخ.
  2. تجنُّب الانغماس في التراث، والمغالاة في تطبيقه على الظواهر النفسيَّة المعاصرة، خاصة مع التراث المتأثرة بقوة بالفلسفة اليونانية والطب والمفاهيم القديمة.
  3. تجنب المواقف المتطرِّفة تجاه ما هو غير إسلامي، والاستفادة من التراث الإنساني بعدل ونيَّة حسنة، ولا ينبغي أنَّ نقول إنَّ التراث فقط غربي، بل هو أيضًا شرقي وجنوبي وشمالي!
  4. تجنُّب التقليد الأعمى للغرب بكل نظريَّاته وفلسفاته وخلفياته الأيديولوجية.
  5. إقرار القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة كمصدرين للمعرفة يكملان المعرفة العالميَّة التي صاغها الإنسان عن طرق استخدام الأساليب الاستنباطيَّة والاستقرائيَّة وغيرها من أساليب البحث العلمي، والحفاظ على هذين المصدرين كمراجع رئيسة في مسائل العقيدة والأخلاق والسلوك.
  6. الرجوع إلى العلوم الاجتماعيَّة وفروعها المختلفة لوصف مشاكل المسلمين النفسيَّة، والاجتماعيَّة، والتربويَّة وغيرها. وبالتالي خلق وصف يتمتَّع بالدقة حيث يمكننا من تبنِّي الاستراتيجيات والخطط ذات الصلة بالمجتمع الإسلامي ووفقًا لظروفه البيئيَّة والثقافيَّة والتاريخيَّة.
  7. إنشاء معاهد إسلاميَّة متخصِّصة بالعلوم الاجتماعيَّة وإنشاء المنظَّمات والهيئات لتشكيل شبكات تُمكِّن المختصُّون المسلمون من تبادل الخبرات والتعاون في مختلف الحقول، وإصدار الدوريَّات المتخصِّصة.
  8. على المستوى الجامعي، هناك حاجة إلى ابتكار منهجيَّات تساعدنا على تأمين “تكامل” المعرفة الإسلاميَّة مع التخصص في العلوم الاجتماعيَّة، كذلك الحاجة إلى خبراء ومختصِّين للمساهمة في نشر الكتب ومواد للقراءة للتخصُّصات المختلفة

ما أسعى إلى قوله بإيجاز، هو أنَّ نقدنا للغرب تشوبه العاطفة والاختزال كما أنَّنا نميل إلى أن نرى التراث الإنساني كإشارة ضمنيَّة على التراث الغربي فقط. وبسبب هذا السلوك، نحن نظهر إما جهلًا مختلقًا أو نقصًا في وعينا على مدى التعدديَّة والتنوع في الغرب، وكذلك الفكر العالمي. كما نتجاهل نقد الفكر الغربي من داخله وليس هذا فحسب، بل أيضًا الفشل في استيعاب التخصُّصات الجديدة في الغرب، وغالبًا ما نختزل معنى العلم في العلمانيَّة، بنفس الطريقة التي اختزلنا بها علم النفس بالفرويديَّة، وفي حقيقية الأمر أنَّ هناك العديد من المدارس الفرعيَّة في الفرويديَّة نفسها. عدد التخصُّصات في علم النفس وحده الآن يفوق الخمسين؛ وعمر الجمعيَّة الأمريكية لعلم النفس قرنٌ واحد؛ صحيح أنَّ هذه التخصُّصات الموجودة في خدمة الإنسان والمجتمع، وأن بعضها مصمم أيضًا لممارسة تأثيره علينا ولغزونا ثقافيًّا ونفسيًّا، وقد يعملون بالفعل على تعميق صراعاتنا وطائفيَّتنا وإشغالنا بالأفكار السطحيَّة المميتة.

إن حدث ذلك، فأي محاولة منَّا لإلقاء اللَّوم على الآخر، أو تعليق عدم كفاءتنا وفشلنا على الغرب وغيره، مفضلين لعب دور الضحيَّة؛ فإننا ببساطة نغض الطرف عن حقيقة أنَّ شروط هزيمتنا تقع في أيدينا

بإمكاننا تلخيص المواقف المختلفة للمضي قدمًا بالآتي:

  1. على الفقهاء بشكل خاص التعاون مع مختصي العلوم الاجتماعيَّة. هذه التوصية أُدرِجت في كتاب مالك بن نبي المسلم في عالم الاقتصادي (طبعة 1979). في عمله هذا ناشد خبراء الاقتصاد التعاون مع الفقهاء في المسائل الاقتصاديَّة. ووفقًا لابن نبي، أنَّ دور الفقهاء تحديدًا هو تقييد أنفسهم ببيان ما إذا كانت المقترحات التي يقدمها المختصُّون مقبولة أم لا، وفقًا لمبادئ الفقه الإسلامي.
  2. ما يتم اقتراحه في مجال العلوم الاجتماعيَّة يجب أن يتم الإفصاح عنه، فمن هذا المنطلق يمكن لعلماء الدين والفقه التأكد ما إذا كان هناك أي تناقضات بين النتائج الفكريَّة للعلوم الاجتماعيَّة وأصول الإيمان ومبادئ الشريعة والمسائل الفقهيَّة. ومن هؤلاء العلماء الذين أوضحوا هذه النقطة حديثًا إبراهيم رجب (1996) وقوله لا يختلف عن قول ابن نبي.
  3. يجب أن تعتمد الدراسات على المنهجيَّة المناسبة للعلوم الاجتماعيَّة (انظر صافي 1995 وعطية 1988).

على الرغم من كوني مسرورًا لطرح هذه الآراء إليكم والقراءة عنها من أجل معرفتي الخاصَّة؛ إلا أنَّني لا أدعم هذه الاقتراحات، كونها تجعل علماء الدين هم أصحاب الرأي الفصل في النهاية.

مع ذلك، أشعر أنَّ التعاون يجب أن يبدأ على المستوى الجذري لتنجب الوقوع في ظروف تسهل احتكار وهيمنة الفريق الأول على الثاني، وحتى الوصول إلى المرحلة التي يرفض فيها عالم الدين منذ البداية جزءًا كبيرًا من أطروحات نفسيَّة واجتماعيَّة.

ذكر الدكتور رجب في لقاء خاص أنَّ عالم دين سأله عن مجال تخصصه، وعندما أخبره أنه مختص في علوم الاجتماع انصرف عنه رجل الدين وقال متذمرًا “أعوذ بالله من هذا”! والآن، كيف يمكن تصوُّر أن يعرض المتخصص خلاصة عمله لهذا “العالم المزيف”، لحسن الحظ، فإنَّ هذا السلوك نادر.

علاوةً على ذلك، فإنَّ هذه الاتجاهات، لا سيَّما الاتجاه الثالث أخشى أنَّها تهدف إلى نشر هيمنة علم المناهج الفقهيَّة على العلوم الاجتماعيَّة وهي منهجيَّة أكثر ملاءمة للتعامل مع النصوص والأشكال النظريَّة. ومن ثَم  لتجنب هذه المعضلات ولتقريب العلوم الاجتماعيَّة والدينيَّة من بعضها البعض، من المهم أن يقوم المختص في علوم الدين بأجراء بعض الدراسات النفسيَّة والاجتماعيَّة كما يحدث في جامعة بقوسنتينا (شرق الجزائر) ومعهد الدراسات الدينيَّة الأساسيَّة في الجزائر، والجامعة الإسلاميَّة العالميَّة في ماليزيا. وبالمثل يجب على المختص في علوم الاجتماع أن يقوم بإجراء بعض الدراسات الدينيَّة (مجدَّدًا يمارس هذا في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا) ولكن للأسف المزيج الثاني نادر جدًا.

بمجرد وضع المنهج والمنهجيَّة المناسبين لتحقيق هذه الأهداف، بعض النتائج المرتقبة سوف تحدث نتيجة لسد هذا الصدع:

  1. تنمية أجيال مستقبليَّة من العلماء المتعددين الذي لا يعانون، إلى جانب تخصصهم، من الجهل أو اللامبالاة والتقصير أو عدم الكفاءة في بعض المجالات لا سيَّما في المجالات المتعلقة بتخصصهم.
  2. تنمية جيل من العلماء والباحثين الذين لا يكتفوا فقط بتأكيد مكانة وتخليص منهجيَّة “التكامل” الفكري بين العلوم الإسلاميَّة والاجتماعيَّة، ولكن أيضًا “التكامل والتفاعل بين العوامل المختلفة التي تساهم في تشكيل الظواهر النفسيَّة والاجتماعيَّة.
  3. تنمية جيل من العلماء والباحثين القادرين على بذل جهود شخصيَّة في تطوير مجال العلوم الدينيَّة بناءً على التفسير السليم للمصادر والقدرة على فك رموز الواقع في نفس الوقت. هذا من شأنه إحياء ممارسة الحكم الشخصي على أساس الاجتهاد وسيساعد المجهود الفكري في فقه المعاملات بدلًا من إضافة الفائض الموجود بالفعل في فقه العبادات.
  4. تنمية الأجيال القادمة من المتخصِّصين في العلوم الدينيَّة والاجتماعيَّة الذين لديهم معرفة جيدة بمكانة الوحي كمصدر للمعرفة، والذين هم أيضًا على دراية بالواقع النفسي والاجتماعي عند دراسة أي ظواهر تتعلق بمجالهم.

  • المؤتمر الدولي نظمته جمعية علماء الاجتماع المسلمين، فيرجينيا (الولايات المتحدة) 25-27 تشرين الثاني 1996

[1]  يقصد رسالة “صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية”. (المراجع)

[2]  المقصود عدم الإغراق في التنظير “لما هو كائن” وتعطيل بوصلة الحكم الأخلاقي على الواقع، وهو عكس شعار (العلوم الاجتماعية الوصفية) التي تكتفي فقط بتوصيف وهيكلة المجتمع دون الحكم عليه أو محاولة تغييره. (المراجع)

[3]  المشكلة في طرح الداوودي هي أنه بالفعل تكاد التجريبية والمادية تنسحب من العلوم الاجتماعية؛ لكن ثمة مشكلات إبستمولوجية كامنة في التأسيس الغربي لأصول العلوم الاجتماعية أهم وأعمق بكثير من مجرد التجريبية والمادية؛ مثل جذورها الاستعمارية، والتزام الكثير منها بشكل أو آخر من التطورية الاجتماعية…إلخ؛ ناهيك عن أن “العلوم الاجتماعية الغربية” ليست نسيجًا واحدًا، بل يمكننا أن نجد المذهب ونقيضه وكلاهما غربيان. (المراجع).

[4]  وهذا يؤكد أن المشكلة هي الجذور الإبستمولوجية لهذه العلوم، وليست في كونها تخرج بهذه النتيجة أو تلك؛ وطالما لم نقدم بديلا إبستمولوجيا أقوى، أو نقدا إبستمولوجيا جادا= فلن تخرج المحاولات إلا عرجاء. (المراجع).

[5]  لم يحدث أن تجاهل العلماء المسلمون مكانة الاستقراء؛ فمنذ البداية وهو حاضر في المنهجية الأصولية؛ والعلماء الذين ذكرهم المؤلف لم يكونوا بدعا في هذا الأمر. وهذا التصريح من المؤلف يبين عن إشكالية أشار إليها بقوله إن علماء الاجتماع معرفتهم سطحية عن الشريعة، ومن هنا تنشأ التصورات المغلوطة لديهم عن المنهجية المعرفية الإسلامية. (المراجع).

[6]  المسألة هنا ليست كما بيّن المؤلف؛ إذا تصفح المرء أي كتاب في الفكر الغربي، سيجد أن الغرب من اليونان وحتى العلمنة -مرورًا بالمسيحية- لم ينقطع عن تراثه لحظة ما؛ حتى عندما كان يبدو ظاهريًا أنه ينسلخ عن أرسطو مرة وعن أوغسطين مرة= لم يتنصل لأي جزء من تراثه على ما فيه من تناقض واختلاف؛ ولعل هذا هو أحد روافد الديناميكية التي تميز الفكر الغربي. إذن فالمشكلة ليست في التراث من حيث هو، بل في تعامل كل أمة مع تراثها، فالتراث الغربي ثقيل هو أيضا وبجانب ثقله، فهو متضارب؛ لكنه لم يكن معيقًا؛ وبالمثل فالتراث بحد ذاته ليس قاضيًا على تأخر أو تقدم أمة، بل التقدم والتأخر هي أشياء نصنعها بأيدينا، ونفقدها بسلبيتنا. (المراجع).

[7]  الجدير بالذكر أن التراث كله يشهد بأن المسلمين يميزون جيدًا بين طبقات الحق والباطل، وأنهم لم يكونوا يرون -كما المسيحية- كل مخالف مهرطق؛ وإلا لما بقيت المذاهب الفقهية الأربعة إلى اليوم؛ فالمشكلة “هنا والآن” وليست “في ماضينا”. (المراجع).

[8]  أي أن المسلم هو فقط -الذي يصلي ويصوم- دون أن تكون له فاعلية إيجابية في المعاملات اليومية. (المراجع).

[9]  هذا التنظير يتجاهل أن كل العلوم الاجتماعية تشكلت في ظل هيمنة الاستعمار؛ وأن عامتها لا يزال يردد مفهوم البدائي وينظر نظرة دونية لغير الأوروبيين؛ وسواء سمي تحيزا أم لا، فثمة أزمات إبستمولوجية تعرقل استفادة المسلمين الكاملة من هذه العلوم دون تهذيبها. (المراجع).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى