الدين

التَّجرِبَةُ القرآنيَّة: سُلْطَةُ القُرْآنِ الكَرِيم

كانت قوافل الإبل تسير في صحراءٍ شاسعةٍ ممتدةٍ امْتِدادَ النَّظَرِ، ولا يقطعُ مساحات تلك القفار في الظهيرة إلا أمواجٌ من السرابِ الذي يُغْرِي النُّفوسَ المتعبة من طولِ السَّفَرِ والحرارةِ الملتهبةِ ويخدعها ويُمنيها بأنْفَس ما تحتاج إليه في مثل هذا الطريق، وفي هذه الرحلات المتواصلة بلا انقطاعٍ سيهلك قومٌ وسيبقى آخرون يصلون إلى مرادهم ومبتغاهم سالمين، ولكنَّ ذاكرتهم ستظل محفورةً إلى الأبد بصور وذكريات لا تنمحي عن ذلك المسير. وكانت عادة النَّاس في جميع أطراف العالم الإسلامي السير على أقدامهم أو أن يُحْمَلوا على ظهور الإبل متجهين صوب مكة لأداء فريضة الحج، ويبدو -كما يُقال- أنَّ أول إنسانة على هذه البسيطة تخرق تلك العادة الرَّاسخة منذ مئات السنين؛ امرأة أوروبيَّة من طبقة النبلاء الأرستقراطية، بنت أدنبرة الاسكتلنديَّة، حيث كانت أول من ركب السيارة لغرض السفر لأداء الحج.

إنَّها الإنجليزيَّة النبيلة الليدي إيفلين كوبولد Lady Evelyn Cobbold، التي أسلمت وذهبت لأداء فريضة الحج، ولعلها حين كانت في طريقها إلى مكة -مؤمنة بالإسلام- تريد الانضمام إلى جموع المسلمين هناك، كانت تستعيد شيئًا من ذكرياتها المنْصَرِمَة، ومنها ذلك الموقف الذي حُفِرَ في ذاكرتها ولا يُمكن أن تنساه أبدًا. حيث كانت قبل هذه الرحلة الإيمانية بأمدٍ بعيد، في مبدأ حياتها قد ذَهَبَت في رحلةٍ سياحيَّة إلى مدينة روما الإيطالية، وفي تلك الزيارة قُدّرَ لها أن تلتقي بالبابا الذي خَمَّنَ -بحكم أنَّها أوروبيَّة المظهر- أنَّها تنتمي إلى الديانة المسيحيَّة، فطرح عليها هذا السؤال -للتأكد والاطمئنان على مذهبها الطائفي: هل أنت كاثوليكية؟ فكان جوابها المباشر والصادم: لا، أنا مسلمة!

في الحقيقة، لم تكن إيفلين كوبولد وقتها بالفعل مسلمة، لكنَّها كانت معجبة بالإسلام إعجابًا مبدئيًّا، وقد كَتَبَت عن ذلك الموقف، فقالت: “تملكني شعورٌ لا أزعم معرفته، كما أنني لم أفكر في الإسلام لسنواتٍ عديدةٍ، مما أشعلَ شرارة البحث، فعزمتُ على قراءة ودراسة الإيمان”.

وبعد مدة ليست قصيرة من تلك الحادثة، شاء الله لها أن تؤمن وتدخل بالفعل في دين الإسلام، وها هي ذي الآن في طريقها إلى مكة لأداء الحج في عام 1933م، وكانت وقتها تبلغ من العمر (65) عامًا. وحين وصلت كانت مُتْعَبة جدًا بعد تلك الرحلة الشَّاقة، وكانت بحاجة إلى الراحة والنوم العميق، من أجل أن تستعدَ ليومٍ تعرفُ وتدركُ إدراكًا عميقًا أنَّه سيكون يومًا طويلاً مُفْعَمًا بالأعمال الكثيرة، وفي مثل تلك الأيام لا شيء أكثر إزعاجًا من التَّوترِ والأرقِ الذي يطرد النُّعاس والنوم الذي لا غنى عنه الآن، وليس هناك شيءٌ يحتاجه المرء وقتئذٍ أكثر من أسباب السكينة الروحيَّة والاستقرار النفسي التي تُبَدّدِ ذلك الأرق وتزيل ذلك التوتر. تقول إيفلين كوبولد: “استلقيتُ، وعندما أغلقتُ عيني، سمعتُ من خلالِ النَّافِذِةِ المفتوحةِ قاصدًا للمشاعر يقرأ القرآنِ بنبرةٍ رنَّانةٍ عميقةٍ، بحيث يمكنني تمييز الكلمات والتَّعرُّفِ عليها. كان يتلو سورة يوسف. لقد غفوتُ على إيقاعِ الكلماتِ السحريَّةِ وإيقاعِ الصوتِ”.

كانت الليدي إيفلين كوبولد تحب كثيرًا تلاوة وسماع آيات القرآن الكريم، وتجد راحتها وسكينتها في ذلك، وترمي أحمالها الثقال وراءها متناسية همومها وأحزانها بمجرد سمعها تلاوة القرآن الكريم، كان بالنسبة إليها صوتًا يمنحها شفاءً وفرحًا وأمانًا هو كل ما تحتاج إليه الروح لتكون قريرة العين هانئة البال. وكانت آيات سورة النور تأسرها كثيرًا، وقد تعلَّقَت بها من أعماق روحها. وحين تحدَّثَت إيفلين كوبولد عن القرآن الكريم، وعلى وجه الخصوص عند حديثها عن آياتٍ من سورة النور، أَشَارَت إلى أنَّه من المستحيل في عمليَّة الترجمة إلى لغة أخرى إعطاء المعنى الدقيق للنص الذي يغمر الروح عند قراءته بلغته الأصليَّة، وذَكَرَتْ أنَّه بالنسبة إليها، فإنَّ عَظَمَة الكلام في المحتوى القرآني وبساطته، وتنوع الصور فيه، وروعة الرسم؛ هي التي تميز القرآن الكريم عن جميع الكتب المقدَّسة الأخرى. وخوفًا من أن تكون إيفلين كوبولد مُنْحَازة في حكمها على القرآن الكريم -كما تقول هي- ولعل ذلك بسبب إسلامها كما قد يظن القارئ لكلامها، فإنَّها ذَكَرَت أنَّها ستقتبس كلام المستشرق الكبير والمعروف صمويل جونسون Samuel Johnson، عن القرآن الكريم، فهو مستشرقٌ غير مسلم، ويبعد أن يُنْسَبَ إلى التَّحَيُّز إلى الإسلام.

يقول صمويل جونسون عن القرآن الكريم: “إذا لم يكن شعرًا، وإنَّه من العسير أن نقول بأنَّه كذلك أم لا، فهو أكثر من شعر. وهو ليس تاريخًا، ولا سيرة ذاتيَّة، ولا أنثولوجي (مقتطفات أدبية)، كالموعظة على الجبل [=التي تُعتبر من أجمل الكلام المنسوب إلى المسيح في الأناجيل]، وليس جَدَلاً ميتافيزيقيًّا كما في مقتطفات التعاليم البوذيَّة، وليس مناظرات كمناقشات أفلاطون بين المعلمين الحكماء والحمقى. إنَّه ليس أيًّا من هذا، والحقُّ إنَّه صرخة نبي، ساميَّة في صميمها، ولكن معناها يشمل الوجود، جاءت في حينها فتلقَّفها العصر طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، ولا يزال يتردد صداها في القُصُورِ والصَّحَارَى، تغمر المدن والإمبراطوريات، تُشعل أولاً قلوب صفوتها بنارِ الحماس فتثير فيهم الرغبة في فَتْحِ العالم، ثم تُلَمْلِمُ نفسها في قوة بنَّاءةٍ”.

إنَّ هذه الحيرة التي يجدها صمويل جونسون في نفسه تجاه القرآن الكريم، وعدم قُدْرَتِهِ على تصنيف القرآن الكريم، واجهها قبله وبعده كثيرٌ من المفكرين الغربيين والشرقيين غير المسلمين، لكنَّ معظمهم بعد تلك الحيرة اعترفوا بأمرين اثنين: أولاً: على المستوى الشخصي، وهو قوة وسطوة وسلطة القرآن الكريم على الأرواح الإنسانيَّة، وهَزّه لها من الأعماق، بحيث إنَّهم يجدون في نفوسهم أثرًا منه يعجزون عن وصفه أو أن يُعبروا عنه بالكلمات. ثانيًا: على المستوى الكوني، وهو دور القرآن الكريم المحوري والرئيس في تاريخ العرب والمسلمين في العالم كله. وهذه الثمرة القرآنيَّة التي قطفها العَرَبُ والمسلمون، وأشار إليها صمويل جونسون في كلامه السابق، تؤكدها إيفلين كوبولد التي عرفت عن قربٍ قوة تأثير القرآن الكريم وسلطته على الأرواح، وكيف يصنع الأفراد ويرتقي بالمجتمعات على أساسٍ متينٍ ومتماسكٍ، تقول: “بالقرآن والإيمان المغروسين في قلوبهم، فَتَحَ العرب عالماً أعظم مما فعل الإسكندر الأكبر، وأعظم من روما“.

لقد عاشت الليدي إيفلين كوبولد بعد تلك السنة التي حجَّت فيها ما يقارب ثلاثة عقود، وتوفيت في عام 1963م، تاركةً خلفها وصيتها التي طلبت فيها: أن يُصلى عليها باللغة العربية، وأن تدفن ورأسها متوجهة للكعبة، وأن تدفن على رأسِ هضبةٍ بسهولٍ في اسكتلندا. وكان لها ما طلبته بالفعل، وكان آخر ما سمعته في الدنيا بضع آياتٍ من سورة النور!

إنَّ القرآن الكريم يمتلك سلطة عظيمة عميقة فريدة في التأثير والتغيير في حياة الإنسان، داخليًّا وخارجيًّا، على مستوى الأفراد (=أخلاقيًا وروحيًا وسلوكيَّا)، وعلى مستوى المجتمعات (=نظامًا وانضباطًا ورقيًّا). ومن أعظم مظاهر تأثير القرآن الكريم قدرته على تغيير حياة الأفراد؛ واستحواذه الوجداني العميق على الأرواح وامتلاكها، وابهاره للعقول وإنارتها بخطابٍ متينٍ قويّ عميقٍ، وفي الوقت نفسه بكلماتٍ سهلةٍ يسيرة مفهومةٍ، وبمعانٍ عميقة في تأثيرها، قريبة من العمل بها وتطبيقها. وإذا ما خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ والعقولَ أَسَرَهَا بالإقناع، والإشباع الروحي، والرضا النفسي، وهكذا فإنَّ القرآن الكريم يصنع داخل النفس البشريَّة موجتين، تتخللان في أعماق الروح: موجهة رقيقة من السكينة والطمأنينة، تصنع التواضع وحسن الخلق والبساطة والطيبة، وموجهة قويَّة من الإيمان واليقين، تصنع التصميم، والقناعة، والصمود، والثبات، والقوة.

إنَّ العَالِم والبروفسور الرياضي الأمريكي المعروف جفري لانغ Jeffrey Lang، الذي كان ملحدًا وكان يشعر بفراغٍ عظيمٍ في روحه، حين شاء الله له أن يتعرَّف إلى القرآن الكريم عن قربٍ، فإذا بحياته كلها تتغير كليًّا، فبعد أن لامس القرآن الكريم روحه، وسكن قلبه، صار إنسانًا مختلفًا عن حاله الأول، واكتشف بمعرفته للقرآن الكريم عالماً جديدًا من النور والسكينة والطمأنينة كان يجهله ولا يعرف عنه شيئًا ألبتة. وقد تَحَدَّثَ جفري لانغ عن تجربته الشخصيَّة مع القُرْآنِ الكَرِيم وأثره في روحه وقلبه، بما يكشف بصورةٍ واضحةٍ عن سُلْطَةِ القُرْآنِ الكَرِيم على شخصٍ حديث الإسلام.

يقول جفري لانغ: “بوصفي ملحدًا كنتُ أعتقد أنَّ الحب ضربٌ من لطف التعبير لحالة معينة من أنانيَّة الإنسان وعدم شعوره بالأمن…ولكنني عندما قرأتُ القرآن، وبدأتُ أحافظ على صلواتي الخمس، شعرتُ وكأنَّ الختم قد فُضَّ عن قلبي؛ ليغمرني فيضٌ واسعٌ من الرحمةِ والعطف. وبدأتُ أشعرُ بديمومة الحب في قلبي، وأنَّ ذلك الحب كان أشد صلابة وحقيقة من الأرض التي كنتُ أقفُ عليها، وأنَّ قوة ذلك الحب أحيتني من جديد بحيث أصبحتُ أشعر شعورًا حقيقيًّا بالحب”. ويواصل الدكتور جفري حديثه، فيقول: “أمَّا أولئك الذين عانقهم الإسلام فإنَّ أعظم شاهدٍ على محبةِ الله المتواصلة والمتتابعة والداعمة والهادية لهم هو القرآن، فالقرآن هو كالمحيط الرائع يغريك كي تبحر في أمواجه الباهرة نحو الأعمق فالأعمق حتى تنجرف في داخله، ولكن بدلاً من أن تغرق في بحرٍ لُجِيّ مظلم، فإنك تجد نفسك مغمورًا في بحرٍ من النورِ والرحمةِ الإلهيَّة”.

ومن أعظم تجليات سُلْطَةِ القُرْآنِ الكَرِيم على النفس الإنسانية حين قراءة آياته؛ حضوره المهيب وقدرته العظيمة والعميقة على عَزْلِ القارئ عن العَالَم كله وعن نفسه والانفراد به، وقراءة أفكاره وهمومه، ومخاطبة أحزانه ومخاوفه، مخاطبةً مباشرةً، تُنَقّيِهِ من كل شيءٍ حتى من نفسه التي تشوهت ولحقت بها أدران الحياة الدنيا. فالقرآن الكريم يصفي الإنسان من نوازعه الذاتيَّة الأنانيَّة، ليكتشف القارئ له أنَّه وَجَدَ نفسه مكشوفةً، وأنَّه حين يقرأ القرآن إنَّما هو الذي يُقْرَأ، فمع القرآن صار يقرأ نفسه بعمقٍ منقطع النظير، حيث كُشِفَتْ خبايا نفسه أمامه، وجُعِلَ في مواجهة نفسه، يحاججها وجهًا لوجهٍ، ويواجه أفعاله وسلوكياته في ماضيه وحاضره في موقفٍ مهيبٍ ورهيبٍ، ويكشف أمامه خواطره ونواياه، ليدعوه من أعماق نفسه إلى إعادة النظر في نفسه من جديد، ويخاطبه بقوةٍ ولطفٍ، بقوة البيان والحقيقة والكشف، وبلطف الداعي ورحمته إلى التوبة والعودة إلى ربّ غفور رحيم ودود.

ويُشير إلى شيٍ من تلك المعاني فريدريك ماثيوسون ديني Fredrick Mathewson Denny، البروفيسور المتخصص في الفلسفة وفي دراسات الأديان المقارنة، والمهتم لفترة طويلة بتلاوة ودراسة القرآن الكريم، الذي يقول: “في قراءةِ القرآنِ تأتي لحظةٌ، على سبيل المثال في الدراسة الشخصيَّة التي تُرَكّز على فهم المعنى، سواء كانت التلاوة بصوتٍ عالٍ أو القراءة بصمتٍ، عندما يبدأ القُرَّاء [للقرآن] بالشعور بحضورٍ غريبٍ خارقٍ للطبيعة وأحيانًا مخيف. وبدلاً من قراءة [القارئ] للقرآن، يبدأ القارئ بالشعور بأنَّ القرآن يقرأ القارئ! إنَّ هذه تجربة مربكة وصادمة بصورة رائعة، ولا تتطلب من الشخص بأيّ حالٍ من الأحوال أن يكون مسلمًا قبل أن يشعر بها. وهذا التعبير عن قوة القرآن الأصيلة كان عاملاً رئيساً في انتشار الإسلام، فضلاً عن ولاء المسلمين المستمر للصراط المستقيم، لأنَّ القرآن نفسه يميز الدَّين [الإسلامي]”.

هذه التجربة التي خاضها وجربها وعايشها فريدريك ديني مع قراءة القرآن الكريم، وهو غير مسلم، يتحدث عن مثلها جفري لانغ، حيث إنَّه مرَّ بها وجربها بنفسه، يقول: “القرآن كان يعرفني أكثر مما كنتُ أعرف نفسي…لقد كان القرآن يسبقني دومًا في تفكيري، ويزيل الحواجز التي كنتُ قد بنيتها منذ سنوات، وكان يُخاطب تساؤلاتي…كان يقرأ أفكاري…لقد قابلتُ نفسي وجهًا لوجهٍ في صفحات القرآن، وكنتُ خائفًا مما رأيتُ. كنتُ أشعر بالانقياد…[و]بدلاً من قراءة القرآن فإنَّ القارئ يشعر وكأنَّ القرآن يقرؤه”. وهكذا يتفق جفري لانغ مع فريدريك ديني في أنَّ تلك التجربة القرآنيَّة بالفعل “تجربة عجيبة غير طبيعية”.

إنَّ القرآن الكريم يمتلك خاصية فريدة، وهي أنَّه يتملك الإنسان، بامتلاكه روحه ومشاعره ووجدانه وحسه وسمعه وبصره، حين يُخاطب القارئ المتمعن في آياته بصورةٍ شخصيَّةٍ مباشرةٍ، وحينما يمتلك القرآن الكريم شخصيَّة الإنسان فإنَّه يُوجه سلوكه إلى الأحسن ويُقَوّمه ويرتقي به في مدارج السالكين إلى أعلى مراتب السُّمُّو والرفعة، ويَشْعُر القارئ وكأنَّ القرآن الكريم إنَّما يخاطبه هو دون سائر النَّاس، وحين يتمكن القرآن الكريم من قلب القارئ تظهر آثاره مباشرة في مشاعره بالإخبات والخضوع، وعلى جسده بالقشعريرة ثم الليونة، وعلى روحه بالسكينة والراحة العميقة، وعلى نفسه بالطمأنينة والإحساس بالسلام الداخلي.

ويُشير إلى هذا المعنى أو قريبٍ منه المستشرق الفرنسي الشهير مارسيل بوازار Marcel Bouzar الذي يقول متحدثًا عن خاصية القرآن الكريم هذه: “القرآن يُخاطِبُ الإنسان بكليته: أعمق مشاعره -حسنة كانت أم سيئة- وعمله اليومي من منظور قد نستطيع نسبته إلى (علم النفس التطبيقي)”. ويُفَصّلُ جفري لانغ هذه التجربة القرآنية الفريدة بكلامٍ عميقٍ ورائعٍ بِنَاءً على تجربةٍ حقيقيَّةٍ، حيث يقول: “نجد أنَّ القرآن يدفع بالقارئ وهواجسه العمليَّة والآنيَّة…حيث يتبدى فيها للقارئ أنَّه يقف بمفرده أمام ربه وخالقه، ويشعر العديد من أولئك الذين يقومون بهذه الرحلة بشيءٍ من رهبة ذلك اللقاء وهوله بينما يقتربون في قراءتهم من نهاية القرآن”. وحينما قَرَأَ جفري لانغ هذه الآية الكريمة: (ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)، قال وهو يرتعد: “أَحْسَسْتُ بِرَعشةٍ تنتابني عندما قرأتُ هذه الآية. أخذتُ أُفَكّر في نفسي: هل أنتَ تُخاطبني؟…لقد تأثرتُ بوجهٍ خاص بالطريقة التي تجعلني أكرر الإحساس الذي تحدثتُ عنه آنفًا، بيد أنَّه -على المستوى الأعمق- تولد لديَّ شعورٌ غريبٌ بأنَّ القرآن كان يُخاطبني فعلاً؛ في الفكر والروح، بل أكثر من ذلك، ولكني أفتقر للكلمة التي تُعبر عن هذا الشعور”. ثم يواصل لانغ حديثه، فيقول: “إنَّ مقدرة القرآن هذه في إشغال القارئ بحديثٍ ذهني وروحي…تمنحه طاقة نفسيَّة هائلة”، ثم يُعَبّر عن إحساسه وشعوره الذي جَرَّبَهُ مع قدرة القرآن الكريم العميقة في كشف خبايا وخفايا الأنفس، بقوله: القرآن الكريم “ذا بصيرة نافذة في الطبيعة البشرية”. ويُشير إلى قريبٍ من تلك التجربة القرآنيَّة أيضًا المفكر الألماني الذي اعتنق الإسلام، وهو مراد ويلفريد هوفمان Murad Wilfried Hofmann، الذي يقول: “أَقْرَأُ القرآنَ وهو يتجسد لي صوتًا يستوعبني بقوة طاغية”.

بل إنَّ القرآن الكريم ينتصر لمن لا ناصر له، فينتصر لمن يجد الفطرة في قلبه والحق في نفسه ولا يجد عونًا له وسط مجتمعه، فيحس بالغربة والغرابة والوحدة في محيطٍ هادرٍ بالزيف، ولربما شكَّ فيما يجده في أعماقه من الفطرة بسبب ما يلقاه من طوفانٍ مُخَالفِ للحق والفطرة القويمة، حتى إذا لامسه القرآن الكريم طار فرحًا به؛ لأنَّه وَجَدَ برهانًا ينتصر لفطرته ضد لك الطوفان الجارف المضلل. ومثل هذا الموقف قد مَرَّ بالبريطاني المعروف كات ستفينز Cat Stevens، الذي قَصَّ تجربته مع القرآن الكريم حين تَعَرَّف إليه قبل دخوله في الإسلام، فكان القرآن الكريم له بمثابة صوت الفطرة الذي يُخاطبه مباشرة فأيقظ الحقَّ داخله، وأكَّدَ له أنَّ ما كان يجده في فطرته -وكان محيطه يُشكّكُهُ فيه- هو بالفعل الصواب، فكان القرآن الكريم له قبل إسلامه دليلاً أو فُرْقَانًا. يقول: “كانت قراءة القرآن بمثابة توكيدٍ لكلّ شيءٍ بداخلي كنتُ أراه حقًّا، وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقيَّة”.

إنَّ من تجليات التجربة القرآنيَّة -التي لا حصر لها- التي يجدها القارئ للقرآن الكريم، استحواذ الدهشة الروحيَّة والعقليَّة التي تعتريه عند سماعه تلاوته القرآن الكريم، وتأمله في معانيه، في صورةٍ يُكمل بعضها بعضًا في تناسقٍ عجيبٍ وتامٍ، وتلك الدهشة ليس خاصةً بالمرء المؤمن بالقرآن الكريم، بل سُلْطَة القرآن الكريم تشمل الجميع، وتؤثر فيمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن الأمثلة على ذلك: أنَّ المستشرق الفرنسي ألفونس-إتيان دينـِه Alphonse-Etienne Dinet، بعد أن سَرَدَ أقوال جملة من المستشرقين الغربيين (العجم) عن القرآن الكريم وسلطته على غير المسلمين، قال: “إن كان سحر أسلوب القرآن وجمال معانيه، يحدث مثل هذا التأثير في نفوس مثل هؤلاء العلماء الذين لا يمتون إلى العرب ولا إلى المسلمين بصلة، فماذا ترى أن يكون من قوة الحماس الذي يستهوي عرب الحجاز، وهم الذين نزلت الآيات بلغتهم الشعريَّة الجميلة؟”. ويقول المستشرق جاك ريسلر Jack Ressler وهو يتحدث عن أسلوب القرآن الكريم وتأثيره: “فنثره الإيقاعي والمدوزن يثير بحد ذاته فتنةً تخترق الأفكار، وتسطع الصور وتشع حرارة وإشراقًا، ولا يُمكن لأحدٍ أنْ ينكر أنَّ سلطانه البياني ورقيَّه الروحاني يتضافران معًا ليؤكدا أنَّ محمدًا كان قد حظي فعلاً بالوحي، بروعة الله وجلالته”. وتقول المستشرقة الإيطالية وأستاذة اللغة العربية في جامعة نابولي، لورا فيثيا فاغليري Laura Veccia Vaglieri: “إنَّ القرآن لا يُعقل أن ينبثق عن غير الذات التي وَسِعَ عِلمُها كل شيءٍ في السماء والأرض…إنَّه يُوقِعُ في نفسِ من يتلوه أو يُصْغِي إليه حِسًّا عَمِيقًا من المَهَابة والخَشْية”.

ولهذا لا يُستغرب أنَّ كبار وعظماء غربيين وشرقيين، من غير المسلمين، بُهِروا بالقرآن الكريم، وأُخذوا بِسُلْطَتِهِ وهيمنته العظيمة، بل حاول بعض عظماء شعراء الغرب محاكاته والاقتباس منه وتقليده، وأعربوا عن عظيم تأثيره في صميم أرواحهم، واقتباسهم جذوة من نوره، واللجوء إليه عند مدلهمات الخُطوب وعظائم الكروب، حيث لم يجدوا في غيره العزاء والسلوى التي تنزل على قلوبهم سلامًا وتُلامس أرواحهم بردًا، وإذا بهمومهم وغمومهم بعد القرآن الكريم تتبدد تبدد السُّحب السوداء حين تشرق الشمس على الأرض.

فمثلاً: كان شاعر روسيا الكبير ألكسندر بوشكين Alexander Pushkin مأخوذًا بروعة القرآن الكريم، مبهورًا بآياته ومعانيها، ولهذا فقد انطبعت كثيرٌ من معاني تلك الآيات في أشعاره، وتمثَّلها بكلماتها ومعانيها في أشعاره، وألهمته كثيرًا من محتويات قصائده. يقول تشرنيايف Chernyaev الناقد الروسي والمختص بأدب بوشكين: “أعطى القرآن أول دفعة للنهضة الدينيَّة عند بوشكين، ومن ثَمَّ فقد كان له أهميَّة في حياته الداخليَّة، وكان القرآن أول كتاب ديني يدهش خيال الشاعر بوشكين ويقوده إلى الدين”.

يقول ألكسندر بوشكين في إحدى قصائده:

صل للخالق، فهو القادر

فهو يحكم الريح، في يوم قائظ

ويرسل السحب إلى السماء،

ويهب الأرض ظل الأشجار.

إنه الرحيم قد كشف

لمحمدٍ القرآن الساطع،

فلننساب نحن أيضا نحو النور،

ولتسقط الغشاوة عن الأعين.

وفي قصيدة أخرى يقول ألكسندر بوشكين:

انهض أيها الوجل:

ففي كهفك،

مصباح مقدس

يضيء حتى الصباح.

وبصلاة خالصة،

تنحى، يا رسول

وأقم الصلاة في

خشوع حتى الصباح،

والكتاب السماوي

اقرأه حتى الصباح!

ويقول ألكسندر بوشكين: “إنَّ القرآن هو الكتاب الديني الوحيد الذي أذهل مخيلتي، إنَّ الكثير من القيم الأخلاقيَّة موجزة في القرآن في قوةٍ وشاعريَّةٍ”.

أمَّا يوهان غوته Johann Goethe، العالم والشاعر الألماني الكبير، فيقول: “القرآن المثير للعجب والدهشة! إنَّ أسلوب القرآن محكمٌ، سامٍ، مثير للدهشة، وفي مواضع عديدة يبلغ السموّ حقًّا”. ويقول غوته أيضًا: “إنَّ الإنسان إذا قرأ القرآن يرى فيه لأول مرة شيئًا جديدًا لم يألفه، ولكنَّه كلما ازداد في قراءته ازداد حبًّا له واجتذابًا إليه، حتى يقوده أخيرًا إلى إكباره وإجلاله”.

يقول غوته في رباعيته:

لله المشرق!

لله المغرب!

والأرض شمالاً

والأرض جنوباً

تسكن آمنة

ما بين يديه

وفي قصيدة أخرى، يتجلى فيها أثر القرآن الكريم وتعاليمه، إذ يتبرأ غوته فيها من ألوهيَّة المسيح، ويعلن بأنَّ الحق هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول فيها:

ويسوع كان طاهر الشعور، ولم يؤمن،

في أعماقه، إلا بالله الواحد الأحد.

ومن جعل منه إلهاً،

فقد أساء إليه وخالف إرادته المقدسة

وهكذا، فإنَّ الحقَّ

هو ما نادى به محمد،

فبفكرة الله الواحد الأحد

ساد الدنيا بأسرها…

وفي قصيدة له يظهر بها فرحه وسروره برؤية القرآن الكريم، يقول غوته:

رأيتُ بدهشة وابتهاج

ريشة طاووس بين صفحات القرآن:

مرحبا بك في هذا المكان المقدس

أغلى كنز بين بدائع الأرض!

انعمي في تواضع بهذا المجد العظيم

تكوني جديرة بالمكان المقدس الكريم

وفي قصيدة أخرى، يقتبس من القرآن الكريم كلمات وجمل، يقول غوته:

هو الذي جعل لكم النجوم

لتهتدوا بها في البر والبحر

ولكي تنعموا بزينتها

وتنظروا دائما إلى السماء

وفي رباعية أخرى له يقول غوته:

من حماقة الإنسان في دنياه

أن يتعصب كل منا لما يراه

وإذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم

فعلى الإسلام، نحيا ونموت نحن أجمعين

وحين مَرَّ يوهان غوته في أحلك ساعاته وأشدها وطأة على روحه، حينما أشتدَّ به البلاء، لم يجد العزاء إلا في آيات القرآن الكريم، وفي عقائد الإسلام. ففي رسالة أرسلها سنة 1772م إلى أحد أصدقائه المقربين، وهو صديقه الأكبر الفيلسوف يوهان هردر، يقول فيها: “إنّي أود أن أدعو الله كما دعاه موسى في القرآن: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)”. ولاحقًا كَتَبَ إلى صديقٍ آخر له، وهو هاينرش، في لحظاتٍ حرجةٍ وصعبةٍ كان يمرُّ بها حيث تعرض لمصابٍ أليمٍ، وكان يحتاج فيها إلى عونٍ معنويّ وروحيّ عظيم، يقول فيها له: “يتعيَّنُ علينا أن نلوذ مُجَدَّدًا بالإسلام”. وفي عام 1820م، عندما تعرضت زوجة ابنه لمرضِ خطيرٍ، كتب غوته يقول: “لا يسعني أن أقول أكثر من أنَّي أحاول هنا أيضًا أن ألوذ بالإسلام”. وفي العام نفسه كَتَبَ إلى صديقه فيلمر يقول له: “إنَّ الإسلام لهو الرأي الذي سَنُقِرُّ به نحن جميعًا، إن عاجلاً أو آجلاً”. وفي عام 1831م، حين تفشى واستفحل وباء الكوليرا، طلبت منه امرأة تعرفه جيدًا نصيحة في مواجهة هذا البلاء العميم، فكَتَبَ لها غوته قائلاً: “ليس بوسع امرئ أن يُقدم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن، فليتخذ كل إنسانٍ القرار الذي يناسبه. إننا جميعًا نحيا في الإسلام مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا”. ويشرح غوته ما كان يثيره ويلهمه ويعجبه في الإسلام، مقتبسًا مضامين ذلك من آيات القرآن الكريم، حيث يقول: “إنَّ العقائد التي يُرَبى عليها المسلمون لتدعو لأعظم دهشة. فالعقيدة الدينيَّة التي تقوَّى بها عزائم شبابهم تقوم في أساسها على الإيمان بأنَّه لن يصيب الإنسان إلا ما كَتَبَ له الله الذي يدبر كل شيءٍ، وبهذا الإيمان يتسلحون طوال حياتهم، ويعيشون مطمئنين لا يكادون يحتاجون لشيءٍ آخر”.

تقول كاثرينا مومزن Katharina Mommsen، الباحثة والأدبية الألمانية-الأمريكية المختصة بالأدب الألماني والشاعر غوته: “أسفرت الدراسات القرآنيَّة التي قام بها غوته عن نتيجة على جانب كبير من الأهميَّة، إذ ألهمته التخطيط لكتابة عمل تراجيدي عظيم…وقد تضمنت هذه الشذرات [لذلك العمل]، برغم قصرها، ثناءً ومديحًا عظيمين لم يسبق لأيّ شاعرٍ ألماني في أيّ عصرٍ من العصور أن قدَّمها لنبي الإسلام”.

بل إنَّ كثيرًا من الذين يقفون موقفًا سلبيًّا تجاه القرآن الكريم أو تجاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنَّهم لا يجدون مفرًّا من الاعتراف بما في تلافيف قلوبهم تجاه القرآن الكريم، فتخرج منهم في كلماتٍ صادقة عابرة، فَلَتَتْ من ألسنتهم في لحظات خضوعٍ وصفاءٍ وصدقٍ وحاجةٍ للاعتراف وعدم المكابرة؛ بأنَّهم يجدون راحتهم وعزاءهم وسلوتهم في كلمات القرآن الكريم أو في كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذا مثلاً المستشرق البريطاني المعروف آرثر جون آربري Arthur John Arberry في نهاية مقدمته التي كتبها في ترجمته للقرآن الكريم، تَحَدَّثَ عن كيف أنَّه عَثَرَ في القرآن الكريم على سندٍ وعونٍ في تلك الأوقات الحرجة والكرُبات التي كان يوجهها بصعوبة في حياته، حيث يقول: “لقد تم الاضطلاع بهذه المهمة [=ترجمة القرآن الكريم] بجديَّة، ووصلت إلى نهايتها في وقتٍ أَمُرُّ فيها بكربٍ وضائقةٍ شخصيَّةٍ عظيمة، فكانت سببًا في عزاء ومواساة الكاتب ودعمه ومساندته بطريقة سيكون دائمًا ممتنًا لها. ولذلك فهو يعترف ويُقِرُّ بامتنانه إلى هذه القوة أو إلى الله، أيًّا كان، التي ألهمت هذا الرجل أو الذي ألهم هذا النبي، الذي رَتَّلَ هذه الكتب [السُّور] المقدسة لأول مرة”. ويورد آرثر آربري شاهدًا على أسلوب القرآن الكريم المؤثر بلغته العربيَّة الأصيلة من كلام العالم الإنجليزي المعروف مارمادوك بكتال Marmaduke Pickthall‏، الذي اعتنق الإسلام وقام بترجمة القرآن الكريم، حيث يقول بكتال: “القرآن ذلك التناغم الذي لا يُضاهى، وتلك الأصوات التي تحرك الرجال وتدفعهم إلى البكاء والإحساس بالشعور الغامر بالفرح”.  ويَذْكر جفري لانغ عن آرثر آربري أنَّ “الاستماع إلى القرآن المُرَتَّل باللغة العربية، بالنسبة إليه، كأنَّما هو الاستماع إلى نبضات قلبه”.

وهكذا هي سُلْطَة القرآن الكريم، حين يُلقي بنوره فيخترق الحجب التي تحول بين الأنفس وربها فينيرها، وبتأثيره الذي يلامس الأرواح في أعماقها يحيي رميمها وينبت هشميها، وإنَّ القلوب -مهما كانت موافقة أو مخالفة- تجد في صميمها ضرورة تدركها وتعلم بها أنَّ سُلْطَان هذا الكلام ليس بِسُلْطَانِ بشرٍ يقدر على أن يتكلم بمثله من عند نفسه، وإنَّما هو كلام من يعرف خفايا الأنفس، وحاجات القلوب، وجوع الأرواح، وشوقها إلى كلامه وهداه ونوره.

وإنَّه في لحظة ملامسة الكلمات الإلهية للقلوب الحزينة، والنفوس الفارغة الخاوية من أيّ مُعِينٍ وناصرٍ، وفي لحظاتِ الصفاء والتجرد التي يَمُرُّ بها المرء، يجد في نفسه -دون خيارٍ منه- حاجةً مُلِحَّةً ورغبةً عارمةً في مواجه الحقيقة والاعتراف بها وإن كانت مُرَّة، وهذا ما حَصَلَ للمستشرق المجري اليهودي الشهير إيجناس جولدتسيهر Ignaz Goldziher، الذي أخذ يسترجع صور العبادة في محيطه الديني، وخيالات وذكرى أماكن العبادة التي وُلِدَ وترعرع فيها، يستجِرُّ ويسترجع تلك الخيالات والذكريات التي تَتَمَثَّلُ في عقله، ويُقارن كل ذلك بمحاولة أبناء ملته محاصرته ومضايقته، وكان في ذلك الوقت يَدْرسُ حديثًا نبويًا شريفًا، فيكتب حينذاك هذه الكلمات: “حين تقود أحدًا سريرته الدينيَّة لأن يترك عقيدة عاجزة، فهو بذلك لا يدخل إلى عقيدةٍ أخرى، بل لعله يكون هكذا قد عاد إلى حظيرة الإيمان بالرَّب. ليس هناك ملجأ آخر للخروج من الكذب سوى الحقيقة، وهي الإيمان بالرَّب. ليس للرب معابد في هذا العالم؛ ولا تُشعل المباخر إلا للشيطان، ولا تُعزف موسيقى الأرغن إلا إجلالاً للشيطان؛ كما أنَّ سدنته يعتلون المنابر من أجل التجديف على الرَّب واسمه، ولا ينأى عنهم سوى خادم الرَّب وعبده. لا تزال محاولات الجالية في أن تروضني أو تخضعني لأوامرها تبوء بالفشل. عادت في الأيام الأخيرة هوجة محاربتي من جميع النواحي، ولكني لم أتزعزع وظللتُ باقيًا على رباطة جأشي…[لقد] عكفتُ طوال فترة بعد ظهر اليوم على كتابة دراسة واسعة عن الصياغة المحمديَّة القائلة: (لَا مَلْجَأَ لِي مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ). ولكن أرأيتَ كيف تخرج الكلمات ذاتها من أعماق نفسي!”.

بل إنَّ أشد خصوم الإسلام عداوة وكراهيَّة، لا يسعه إلا أن يخضع ويعترف بهيمنة القرآن الكريم، كما حَدَثَ ذلك مع العالم اللاهوتي والقِس ألفارو القُرْطُبي Alvaro de Cordoba (863م)، الذي تَحَدَّثَ عنه السير توماس أرنولد Thomas Arnold -المستشرق البريطاني والأستاذ في جامعة كمبردج وجامعة لندن عضو هيئة تحرير دائرة المعارف الإسلامية التي صدرت في ليدن بهولندا- فقد تَحَدَّثَ عن ألفارو القُرْطُبي وعداوته للإسلام، ومع ذلك نقل اعترافه بسلطة القرآن الكريم عليه وعلى المسيحيين في وقته، حيث يقول توماس أرنولد: ‏ “نجد حتى من بين المسيحيين مثل ألفار Alvar الذي عُرِفَ بتعصبه على الإسلام، يُقَرّر أنَّ القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إنَّ المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به”.

إنَّ التجربة القرآنيَّة العظيمة أو قل سُلْطَة القرآن الكريم العميقة على الأرواح، تُوجِدُ في الأرواح حنينًا لا يُقاوَم، وشغفًا عميقًا في صميم النفوس، لا تقدر على دفعه أو إبائه، كما لا يقدر الرضيع ولا يستغني عن حنان أمَّه. ومن الذي يجد السلام الروحي والسعادة والفرح والطمأنينة، بعد الخوف والقلق والحزن والاكتئاب والفزع وضياع المعنى، ثم يريد أن يعود لما كان عليه، إلا من يريد أن يخرج من الجنَّةِ ليقذف به مرة أخرى إلى النَّار!

ولهذا، حينما تَحَدَّثَ جفري لانغ -وهو الأعجميُّ- عن شوقه إلى سماع القرآن، عَبَّرَ عنه بأسلوب الحنين العميق الذي ينبت في أعماق الروح، حنينها إلى سلامٍ أَلِفَتهُ ولا تريد أن تُغادره قط. فعندما سأله أحدهم عن سبب حبه لسماع القرآن الكريم وحرصه على حضور الصلوات الجهريَّة وهو لا يعرف العربيَّة جيدًا، قال: “أجبته على نحوٍ فكري بسؤالٍ آخر: لماذا يسكن الطفل الرضيع ويرتاح لصوت أمه؟ ذلك أنَّه على الرغم من أنَّ الرضيع لا يفهم كلمات أمه إلا أنَّ صوتها مألوف له ويسكته، إنَّه ذلك الصوت الذي عرفه هذا الطفل منذ الماضي البعيد…لقد كان هناك لحظات كنتُ أتمنى فيها أن أعيش تحت حماية ذلك الصوت للأبد”. ويتحدث جفري عن تلاوة القرآن في صلاة الفجر فيقول: “هناك شيءٌ ما خفيٌّ في النهوض ليلاً -بينما الجميع نائمٌ- لتسمع موسيقى [=تلاوة] القرآن تملأ سكون الليل، فتشعر وكأنك تغادر هذا العالم وتسافر مع الملائكة لتمجد الله عند الفجر”.

إنَّ هذه التجارب الشخصيَّة -التي لا حصر لهم- التي حَدَثَتْ لأشخاصٍ مع القرآن الكريم، مهما كانت لغتهم أو أديانهم السابقة أو بلدانهم أو ثقافتهم، تؤكد قدرة القرآن الكريم العميقة على التأثير، بل والتغيير، وقدرته العظيمة على انتشال الشخص، مهما كان بعيدًا، ومهما كان الوسط الذي يعيش ويعمل فيه، ومهما كانت درجة انغماسه فيه، من حاله السابق إلى حالٍ جديدٍ يختلف كليةً عن كل ما جربه وعرفه في حياته. فمثلاً: ريكس إنغرَم Rex Ingram، الكاتب المعروف والرَّسَّام ومخرج الأفلام الأمريكي-الأيرلندي الشهير، كان أحد أهم رموز هوليوود، حيث بلغت شهرته ذروتها في عالم السينما، وكان ابنًا لقسيسٍ بروتستانتي في أيرلندا، لكنَّه كان يفتقد شيئًا جوهريًّا ومعنويًّا في قلبه وروحه، وحين وَقَفَ على القرآن الكريم بُهِرَ به، ولما تَعَرَّفَ على العرب أحبَّهم وأنِسَ بهم، فاعتنق الإسلام، واعتزل وسط هوليوود السينمائي.  يقول ريكس إنغرَم عن القرآن الكريم: “درستُ مختلف الأديان فلم أجد مثل ما وجدتُ من العزاء والطمأنينة في مطالعة القرآن الكريم، طالعتُه مرارًا، وتمعنتُ في معانيه، وأشربته روحي، فرأيتُ فيه عذوبة وروعة، ولم يكن يومٌ يمر بي دون أن أتلو آياته”. ويقول عن الإسلام: “إني أعتقد أن الإسلام دين يجلب السلام والطمأنينة للروح، ويلهم الإنسانيَّة بالعزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة. لقد تسللت روح الإسلام إلى روحي، وأنا أقدر الإيمان بقضاء الله وقدره، كما أنني أصبحتُ غير مكترث بالآثار الجسدية للذَّة والألم”.

وهكذا يخرج المرء بعد الانغماس في عَالَم القرآن الكريم أو التجربة القرآنيَّة، قراءةً وتأملاً وتدبرًا، كمولودٍ جديدٍ قد اغتسلت روحه وطهرت عما لحق بها من أدواء وعلل العالم الدنيوي، لتصبح نفسه أكثر قابليَّة واستعدادًا لفعل وقول الخيرات، ويرى من نفسه إقبالاً -لم يعهده من قبل تلك التجربة القرآنيَّة العميقة- على فعل الفضائل ومحبة النَّاس ورحمتهم والعطف عليهم، ويشعر بجَسَارَةٍ وسهولةً في بذل الخير وسخاء اليد بالمال، وفي المبادرة بالقول والفعل الحسن للصديق، والعفو والمسامحة عن الخصم، وأثناء التجربة القرآنية والتَّشَبُّع بها يحس المرء أثناء بعلوٍ وسموٍ في روحه كأنَّه يُعانق السماء ويجاور النجوم، فيجد نفسه تترفع عن سفاسف الأمور وصغائرها، مما يتخاصم النَّاسُ على مثله أو أقل منه، فيبذلون فيه عواطفهم ويحرقون من أجله مشاعرهم، فتظلم أرواحهم وتعود نفوسهم مكتئبة حزينة منكسرة، قد أضلت طريقها، وتاهت عن غايتها الحقيقيَّة، فهي تتخبط في كل اتجاهٍ، تفتش عن وسائل سعادتها في أسباب شقائها. أمَّا صاحب القرآن الكريم فروحه في فرحها مع الآيات، يُحِس بسعادة غامرة يعجز أن يصفها بالكلمات أو يتحدث عنها أمام الآخرين كما هي حقيقةً. فهكذا يرتفع القرآن الكريم بالإنسان، بروحه ونفسه وجسده وأخلاقه وسلوكه، وإذ به يصبح إنسانًا أكثر تحقيقًا للمعاني النبيلة والعظيمة من الحب والرحمة والنقاء، وتَحَقُّقًا بها في فعله وقوله ونفسه، وهكذا كل من اقتبس من مصدر النور شعلة لا بُدَّ أن تضيء له، وبمقدار ما معه من النور الذي يلامسه، ظاهرًا وباطنًا، يفيض نورًا وسكينة وفرحًا حوله، في كلماته، وفي محيَّاه، وفي أفعاله. ويُمكن أن يُجمل القول في أثر القرآن الكريم في الأرواح بكلمة واحدة: إنَّه لها حياة حقيقيَّة، وبدونه فإنَّها ميتة، أو كما يعبر عن ذلك إبراهيم خليل فيلبس، القس السابق الذي أسلم، وكان من قبل راعيًا للكنيسة الإنجيليَّة وأستاذ العقائد واللاهوت بكلية اللاهوت الكندية بأسيوط، وقد أُخذ بروعة القرآن الكريم فقال: “للمسلم أن يعتز بقرآنه، فهو كالماء: فيه حياةٌ لكل من نهل منه”.

إنَّ سُلْطَةُ القُرْآنِ الكَرِيم وتأثيره على النَّاس ليس أمرًا نظريًّا، وله هو أيضًا شعورٌ فرديُّ، بل هو حقيقة واقعيَّة، تقع للأفراد وللمجتمعات، فتغير الجميع وترتقي بهم. فإن تأثير القرآن الكريم وسلطته برزت إلى الوجود في أرواح وسلوك الذين آمنوا به، منذ اللحظات الأولى لتَنَزّل الوحي الإلهي على قلبِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا بتعاليم القرآن الكريم تتحول إلى يقينٍ في قلوب المؤمنين من أصحابه، وأخلاقًا في أعمالهم، وحكمة في أقوالهم، وإذا بهم يضيفون إلى العَالَم المظلم حولهم نورًا كان يفتقده لقرونٍ طويلة، وإذا بمجتمعاتهم تتبدل وتتغير، وإذا بالرحمة تسكن مكان القسوة، وإذا بالطيب يحل محل الخبيث، وإذا بالفضائل الأخلاقيَّة تظهر في أفعال أفراد النَّاس وممارستهم قبل ساحات مجتمعاتهم، وإذا بالأخلاق السيئة تتقلص بمقدار تمدد حملة أخلاق القرآن الكريم، بدءًا من الجيل القرآني الفريد، الصحابة رضي الله عنهم، الذين تمَثَّلوا ومَثَّلوا أخلاق وتعاليم القرآن الكريم خير تمثيلٍ يمكن أنه يمثله البشر بطبيعتهم وقدرتهم الإنسانيَّة.

لقد كان أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم من أحرص النَّاس على تعلم القرآن الكريم وتلاوته والعمل به، وأشدهم فرحًا به، وبمن أنزله تعالى وتقدس، وبمن أُنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف لا يكون ذلك وهم الذين رأوا نوره، وشهدوا تنزيله، وأدركوا عظمة النعمة به، ودوره في تغيير حالهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكانوا أسرع الخلق إلى تعلمه وتعليمه، وحفظه وفهمه، والعمل به. يقول البراء رضي الله عنه: “أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن”. ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ”. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: “خيار هذه الأمَّة هم الصحابة، فلم يكن في الأمَّة أعظم اجتماعاً على الهدى ودين الحق منهم، فكلُّ خير فيه المسلمون إلى يقوم القيامة، من الإيمان والإسلام، والقرآن، والعلم والمعارف، والعبادات، فإنَّما هو ببركة ما فعله الصحابة، الذين بلَّغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله”. وقال رحمه الله: “ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم إيماناً وجهادًا ممن بعدهم؛ لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير، وبغضهم للشر؛ لما علموه من حسن حال الإسلام، والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي”.

وهكذا كانت تربية الصحابة رضي الله عنهم تربية على القرآن الكريم، قولاً وعملاً، صنعتهم حينما لامست آيات القرآن الكريم قلوبهم، فهزَّتها، ثم سكنت بها وفيها، وأخيرًا انقادت لها طواعيَّة، وذلكم هو الولاء الحقيقي الذي يحمل صاحبه حبًا لكلام الله له وانقيادًا إليه بطواعية ورغبة لا يتزعزع فيها أو يتردد، سواء كان في لحظات الرخاء والسعة والإغراء، أو في ساعات العُسر والشدة والابتلاء. وهكذا كانوا رضي الله عنهم كالحصون والجبال حول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يذودون عن نفسه بأنفسهم، ويبذلون أرواحهم فداءً للقرآن الكريم وللإيمان الذي تغلغل في قلوبهم وتشربته أرواحهم. يقول المؤرخ وعالم الاجتماعي غوستاف لوبون Gustave Le Bon: “إنَّ هذا الدين الجديد [=الإسلام] كان يواجه مناسباتٍ وفرصًا كثيرة تدل على أنَّ أصحاب محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] قد رُبوا تربية صالحة جيدة مكنتهم من النجاح في تلك المحن، لقد وقع الاختيار في العهد الأول على أناسٍ كان غرضهم الوحيد نشر الدين المحمدي [=الإسلام]”.

وحين استخفَّ بعض الأوروبيين بعظمة أثر وتأثير القرآن الكريم -وهم لا يمتلكون من معرفة اللغة العربيَّة إلا بعض كلماتٍ يسيرةٍ- أجابهم الفيلسوف والتربوي الفرنسي جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau وهو يستعيد مشاهد ذلك العصر الذي كان القرآن الكريم يتنزَّل فيه طريًّا، ويسمعه الصحابة رضي الله عنهم مباشرة من الفم الشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيتخيَّل ذلك روسو ويقول: “ولو أنَّه [=ذلك الأورربي] سَمِعَ محمدًا يُملِيه [=القرآن الكريم] على النَّاس، بتلك اللغة الفُصْحى الرَّقيقة، وبصوتِهِ المشعّ المقنع، الذي يُطْرِبُ الآذان، ويؤثر في القلوب، لخرَّ ساجدًا على الأرض، وناداه قائلاً: رسول الله! خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار، أو مواقع التهلكة والأخطار، فنحن من أجلك نود الموت أو الانتصار”.

وهذا الذي أشار إليه جان جاك روسو، أكَّدَهُ كثيرٌ من الفلاسفة والكُتَّاب الغربيين، الذين تحدثوا عن القرآن الكريم وأثره على العرب خاصةً وعلى عموم المسلمين عامَّة، وكيف قَلَبَ حالهم وغَيَّر كثيرًا من طباعهم، ورفع خيارهم في الجاهليَّة إلى عنان السماء، وحَرَّرَ ضعفاءهم وجعلهم أسياد الدنيا وقدوتها، وأعاد خلقهم من جديدة خلقًا آخر، أمَّة مُلْهَمَةً ومُلْهِمَةً، في دينها وأخلاقها وقيمها، في علمها وقوانينها وحضارتها، صنعت المعجزات في العالم بغير مقاييس أو أمثلة سابقة مماثلة، فجَعَلَ القرآنُ تأثيرهم في العالم راسخًا دائمًا، لغة وثقافة ودينًا، بعد أن كانوا أممًا متشرذمة ومتنازعة، متفرقة ومتخاذلة، يقضي بعضها على بعض ويفتخرون بذلك، والعالم لا يحفل بهم، ولا يُقيم لهم وزنًا ولا يُعَدونهم في جملة الحضارات البشريَّة، ولا الدول الكبرى. يقول الفيلسوف والناقد الروسي نيكولاي ستراخوف Nikolay Strakhov: “إنَّ القرآن على ما يبدو قادرٌ على التأثير بقوةٍ على النَّاس، وتصنع روح هذا الكتاب انتصارات كبيرة، وهو ينتصر على الأديان القديمة للإنسانيَّة”. ويقول يوهان جوتفريد هردر Johann Gottfried Herder، الفيلسوف والناقد اللاهوتي الألماني: “لو توافر للجرمان الذين غزوا أوروبا كتابٌ شبيهٌ بالقرآن؛ لما غدت اللاتينيَّة أبدًا سيدة لغتهم، ولا تفرقت قبائلهم وظلت في كل سبيل”. ويقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت William Durant: “كان للقرآن أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعيَّة، وحضهم على اتباع القواعد الصحيَّة، وحرر عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام، ومن الظلم والقسوة، وحسن أحوال الأرقاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، ووجد بين المسلمين درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض”.

ومقالة فريدريك ماثيوسون ديني، المتقدمة، التي أشار فيها إلى سلطة القرآن الكريم في هداية النَّاس إلى الإسلام، أكَّدَها أيضًا الكونت هنري دي كاستري Henry de Castries، وعزا انتشار الإسلام إلى سُلْطَة القرآن الكريم على قلوب النَّاس، حيث قال: “إنَّ ديانة القرآن تمكنت من قلوب جميع الأمم اليهوديَّة والمسيحيَّة والوثنيَّة، في أفريقيا الشماليَّة، وفي قسمٍ عظيمٍ من آسيا، حتى إنَّه وُجِدَ في بلاد الأندلس من المسيحيين المتنورين من تركوا دينهم حبًا في الإسلام، كل هذا بغير إكراه”. ويقول أيضًا: “ولو كان دين محمد انتشر بالعنف والإجبار، للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين، مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحيه في جميع أرجاء المسكونة. ويتحقق أنَّ الدين الإسلامي لم ينتشر بالعنف والقوة، بل الأقرب للصواب أن يقال: إن كثرة مسالمة المسلمين، ولين جانبهم، كانا سببًا في سقوط الدولة العربيَّة”. وتؤكد هذا الكلام المستشرقة الإيطالية لورا فيثيا فاغليري، التي تقول: “إنَّ الذي أدى إلى انتشار الإسلام السريع كونُ الكتاب الذي قدَّمه المسلمون إلى الشعوب المغلوبة، مع تخييرها بين قبوله ورفضه، كتاب الله، كلمة الحق، أعظم معجزة”.

إنَّ هذا التأثير العميق وهذه السُلْطَة العظيمة للقرآن الكريم لا تزال تمتد بامتداد الاتصال به، أو بمدى انتشاره في المعمورة كلها على يد حملته، قديمًا وحديثًا، وفي كل جيلٍ من أجيال البشرية، إلى يوم القيامة، يفرح بالقرآن الكريم ويُقر ويعترف ويؤمن به مَنْ طابت نفسه وربحت، ويكتمه ويخفيه مَنْ خشي على نفسه أو مكانته أو دنياه، ويجحد به من تعودت نفسه على غمط الحقّ وكراهيَّة الخير، فخسر بذلك نفسه وأهلكها.

إنَّ القرآن الكريم قد انفرد بخصائص وملامح كثيرة لا مثيل لها، أظهرها تلك الروحانية التي يخوضها القارئ بنفسه، مُسلمًا وغير مسلمٍ، فلا يجدها في غيره من الكُتُبِ، لا نوعًا ولا كماً، ليخرج من تلك التجربة إنسانًا مختلفًا، درجة اختلافه وتجدُّدِه بقدر صدقه وعمقه في استجابته لتك التجربة القرآنيَّة (وهذا الجانب يستحق إفراده بالدراسة العلميَّة الخاصة). وتثبت التجارب قوة ومتانة العلاقة الثنائية بين القرآن الكريم وبين القارئ، وسلطة القرآن الكريم الباهرة على روح القارئ وعقله ونفسيته، وتلك هي إحدى الفروق الكبرى بين القرآن الكريم وغيره من كلام البشر، مهما كان كلامهم عميقًا وعظيمًا، ومهما كان القائل عالماً ومتفلسفًا وخبيرًا بدواخل النفوس البشريَّة. فكلمات الفلاسفة والحكماء و’خبراء الطاقة‘ تطوير الذات، يدغدغ العواطف، وتطرب لها الآذان، وتثير النفوس إثارة تهييجٍ وانتفاش، ثم في النهاية لا محصل حقيقيًا من وراء معظمها؛ لأنَّها إنَّما تغذي الوهم، فلا تشفي علل الأرواح، ولا تداوي أوصاب النفوس. أمَّا كلمات القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلام، فتلك كلمات متعالية، عجيبة في قدرتها على النفاذ إلى أعماق الروح وغسل آلامها، ومن ثم تغيير الإنسان، لأنَّها حقائق تلامس الروح، وتتعمق في النفوس، فتداوي أوصابها وتشفي عليلها، وتطلقها من عقالها. إنَّنا نسمع الكلمات الأدبيَّة والمحفزات النفسيَّة الرائعة فتثيرنا وتلامسنا من الخارج، ثم نسمع القرآن الكريم فيدهشنا وينساب بطمأنينة داخلنا، فيلامس أعماقنا، فتسري السكينة في نفوسنا، ويخلق فينا روحًا جديدة غير تلك المتعبة القلقة. إنَّها ولادة جديدة للروح المؤمنة، قد أبصرت بالقرآن الكريم طريقها، أبصرته بوضوحٍ لم تكن تملكه قبل نور الكتاب العزيز، وإنَّ روحًا ذاقت لذَّة القرآن الكريم فلا تدعه لحظةً إلا حنَّت إليه حنينها إلى النور والشفاء، والسلام الداخلي، والطمأنينة، والفرح.

يقول ابن قيم الجوزيَّة: “إنَّ القرآن كله شفاء، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن”. ويقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: “إذا أدمن العبد النظر في كلام الله وكلام رسوله…انفتح له طريق الهدى”. ويقول الإمام الحافظ القدوة الزاهد ريحانة الشام أحمد بن أبي الحواري: “إنَّهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقَّه، وتلذذوا به، واسْتَحْلَوا المناجاة؛ لذَهَبَ عنهم النوم فرحاً بما رُزقوا ووفقوا”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى