مراجعات كتب

عرض كتاب: (القرآن في سياقه التاريخي)

  • أميدو أولاليكان ساني*
  • ترجمة: أنس بن سعود الجروان.

  • اسم الكتاب: القرآن في سياقه التاريخي
  • المؤلف: جبريل سعيد رينولدز **
  • الناشر: دار نشر روتلدج
  • عام النشر: 2008
  • عدد الصفحات: 294

هذه هي الدراسة الثامنة في سلسلة روتلدج المعنونة بـــ “دراسات في القرآن”. منذ الربع الأخير من القرن العشرين، ظهرت اتجاهات جديدة في الدراسات القرآنية. وكان من بين هذه الاتجاهات الحركة التنقيحية للروايات التقليدية حول نص القرآن وسياقه وهرمنيوطيقيته (نظريات تفسيره). ومن بين اليسار الإسلامي “الليبرالي”، يعد نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور، ممثلين جيدين لهذه المدرسة الفكرية. أما العلماء الغربيون، فيبرز جيمس بيلامي وجون وانسبرو وباتريشيا كرون ومايكل كوك، على الرغم من أن غونتر لولينغ وكريستوف لوكسنبرغ (اسم مستعار) أصبحا أبرز ممثلي الخطاب “التنقيحي” الغربي حول القرآن. يفترض الاتجاه الأول قرآناً أولياً (القرآن الأصلي/نموذج أولي) مستمد من الكتاب المقدس وترنيماته، في حين أن الاتجاه الأخير يستنتج أن في نص القرآن وسياقاته مواد من كتاب القراءات السرياني الآرامي. يعرض الكتاب قيد المراجعة التحديات التي تواجه هاتين الأطروحتين، في إطار تطوير اتجاهات جديدة في الدراسات القرآنية التي تستند إلى السياق الموضوعي بدلا من السردية التقليدية المقدسة.

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول، “الأدلة اللغوية والتاريخية” يحتوي على خمس مقالات تتناول بشكل مختلف تحديات دمج فقه اللغة والتاريخ في الدراسات القرآنية، لا سيما على ضوء أطروحتي لولينغ ولوكسنبرغ. كما يناقش هذا الجزء الأبحاث الحديثة حول بنية القرآن والتوازي في الروايتين القرآنية والسريانية لــــ “أصحاب الكهف”. الجزء الثاني، “السياق الديني للشرق الأدنى القديم” وفيه أربع مساهمات، تركز بشكل عام على علاقة القرآن بالمسيحية على أساس مواضيع لاهوتية وتاريخية ولغوية معينة. تطرقت لتأثير اللاهوت المسيحي على القرآن، وقصص مريم والإسكندر الأكبر. الجزء الثالث “الدراسة النقدية للقرآن والتقاليد التفسيرية الإسلامية” يحتوي على مقالين؛ أحدهما بقلم ديفين ج. ستيوارت، يحلل فيه تاريخ الدعوة إلى تهجين نص القرآن من العصور القديمة حتى الآن، والآخر لأندرو ريبين والذي يدرس فيه النظريات في العصور الوسطى والحديثة حول المصدر الأجنبي لبعض التعابير القرآنية. وعلى منوال ريبين في هذا الكتاب يأتي مانفريد كروب، الذي يدرس عمليات وآليات نقل الكلمات الأجنبية إلى الكتاب المقدس الإثيوبي والقرآن (ص 204-16).

إن الخريطة اللغوية للجزيرة العربية قبل الإسلام، والدليل المستوحى من نمط الحياة في الصحراء العربية-السورية -كما يتضح من الدراسات الحديثة- قد قلص المواقف الهجومية والاندفاعية للقراءة السريو-آرامية للقرآن التي صاغها لولينغ ولوكسنبرغ، والتي لقيت صدى واسعا. إلى جانب ذلك، قد يُظن أن بعض المساهمين هنا أظهر اقتناعه بالطريقة الخادعة، إن لم تكن الخاطئة، بالأطروحات المركزية التي طرحها هذا الثنائي، من دون الحاجة إلى ذكر المزيد. ومع ذلك، قد يكون التوضيح ببعض الأمثلة بحسب ترتيبها جيداً. على سبيل المثال، ينتقد روبرت هويلاند ويرفض اقتراح لوكسنبرغ أن عدم اكتمال الأبجدية العربية لا يدعم وجود تراث عربي مكتوب، وبالتالي فإن القرآن كان يمكن أن يُستمد فقط من بيئة سريانية مسيحية (ص 63). كما ينتقد بويرينغ بشدة العديد من عمليات إعادة القراءة المغرضة التي يقوم بها لولينغ لاستبدال بعض المقاطع والتعابير القرآنية (ص 76)؛ وهذه التبديلات تميل إلى اللاعقلانية والتشكيك أكثر من الروح العلمية. كما يلخص ديفين ستيوارت ببراعة القول بأنه “لا يوجد مجال للخيال يسمح للمرء أن يرى في عمل لوكسنبرغ إدخال لنموذج نقدي جديد يثري الدراسات القرآنية” (ص 226). ولكن بعد ذلك، هناك بعض العيوب في الكتاب نفسه. مساهمة جيليو هي أقرب إلى جرد لدراساته السابقة من مقال جديد ومبتكر عن سفسطة لوكسنبرغ. أما ما يتعلق ببعض الروايات المتوازية والتشابهات الموجودة بين القرآن والتقاليد الكتابية، فبعض المساهمين في هذا الكتاب غير مستعدين لتقبل هذه الحقيقة، ويفسرونها بالاقتباس المباشر.  على سبيل المثال، سمير، ومراد، وفان بليدل، وغريفيث يفترضون “التأثير السرياني” فيما يتعلق بمثل هذه الروايات. وعلاوة على ذلك، فإن عناصر “الاستشراق” القديم لا ينقصها بعض الإسهامات هنا. فعلى سبيل المثال، لا يزال جيليو يجادل هنا بأن القرآن هو نتاج أكثر من مؤلِف (ص 88-108)، في حين يجادل بويرينغ بأنه لا تزال هناك حاجة إلى “البحث والتقصي” إلى أي درجة أتقن النبي محمد أسلوب النثر ذي القافية الذي يستخدمه بقوة في السور الأولى للقرآن (ص 82). وما زال مانفريد كروب، وهو على خطى “مارغوليوث”، يجادل بأن ” الأدب المفترض أنه ما قبل إسلامي (أي الشعر الجاهلي) مشكوك فيه” (ص 205). مساهمة عبد المسيح سعدي مهمة لقصرها وارتباطها الشديد بالموضوع (ص 217-22).[1]

تشير مقدمة دانيال ماديجان (11 -13)، من بين أمور أخرى، إلى الاتجاهات التنقيحية التي ألهمت وجهات النظر المختلفة كما هو موضح في هذا الكتاب. حيث يقول فيها: “يبدو أن الادعاء بأن البنية الأساسية والعديد من عناصر النص [القرآني] مسيحية في الأصل يكشف عن الرغبة في تجريد المجتمع الإسلامي من أساسه وكنزه الأعظم”. ولا يزال هناك القليل مما يمكن قوله في تقييمنا لهذه العبارة. منذ دعوة إبراهيم غايغر (1810-1874) المتهورة لدمج التقاليد الكتابية وما بعد الكتابية في الدراسات القرآنية، أصبح من الواضح أن إثراء الدراسات القرآنية برؤى من التقاليد الكتابية الأخرى، بل ومن تخصصات أخرى، هو شيء مرغوب، طالما أن هذه الرؤى لا تفرض رؤاها ومعاييرها على هذا النوع من الدراسات. فشل الثنائي لولينغ ولوكسنبرغ في الالتزام بهذا المبدأ الذهبي، كما تشير بعض المساهمات في هذا الكتاب. بشكل عام، يقدم فحوى الجدل من قبل مختلف المساهمين مثالا على الاشتباك الإيجابي، والتي يُحتاج إليها بشدة بين “التقليديين” و”الحداثيين” في الدراسات القرآنية، بحيث يستمر الكتاب عبر الزمان والتاريخ في إلهام الخطابات الفكرية والعلمية النزيهة.


* أميدو أولاليكان ساني: أستاذ دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في جامعة فاونتن بنيجيريا.

** جبريل سعيد رينولدز: أستاذ الدراسات الدينية في جامعة نوتردام بالولايات المتحدة الامريكية.

[1] كل هذه من بقايا التراث الاستشراقي القديم، وقد فندها كلها العديد من المستشرقين الآخرين مثل: موتسكي ونويفرت. (المراجع).

أعجبني المقال

المصدر
euppublishing

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى