فكر وثقافة

سؤال الثقافة بين علي أومليل وطه عبد الرحمن

  • بندر الأسمري
  • تحرير: عبد الرحمن الميمان

يستهويني أحيانًا النظرُ إلى أمرٍ ما من منظورين مختلفين، أو قُل التفكيرُ في الأمر الواحد بعقلين مختلفين، لأَصِل إلى نتائجَ تفيد على المستوى الشخصي –وإن كنت لا أجزم بفائدتها للآخرين–، فالمفكِّر والكاتب يطرُق موضوعًا يُهمه فيَصِل إلى نتيجة محددة، وكاتبٌ آخر يطرق الموضوع ذاته ليصل إلى نتائج مغايرة عمَّن سبقه. وفي المقارنة بين الاثنين نجد أن لا غموض وأسرار في الموضوع، فمتى اختلفت المسلَّمات والـمُنطَلَقات اختلفت النتائج، واختلافُها لا يستلزم خطأ أحدِهما وصحةَ الآخر، فكلٌّ يتضمن حقًّا ويشوبه باطل، والصحة تُعرف بنقيضها الخاطئ، أو قُل: التامُّ يُعرَف بنقيضِه القاصر. كان هذا هو دافعي لطرح سؤال الثقافة على مفكِّرَين جديرَين بالاهتمام، هما: علي أومليل وطه عبد الرحمن.

بدءًا مع كتاب (سؤال الثقافة) للمفكِّر المغربي علي أومليل نلحظ أنه يُعرِّف (مفهوم الثقافة) بأنها: “عادات وقِيَم تطبع الوجدان وينبني عليها سلوك”[1] أو قل: “محصلة المعارف والقيم الحافزة على السلوك”[2]. وحتى يصل إلى تعريفٍ دقيق يستبعدُ كلمة المعارف لتكون الثقافة هي: “القيم الحافظة لأي عمل في مجالات التربية والاقتصاد والسياسية”[3]. بمعنى أنها: المبادئ غير الظاهرة للعيان الدافعةُ للعمل والسلوك فيظهر تأثيرها في ذلك السلوك وتشكيل طريقة العمل. ولن نسأل المؤلف عن مصدر تلك القيم فهو غير معنيٍّ بها مع أهمية ذلك السؤال. ومن أثر غياب هذا السؤال فالمؤلف يجعل من الغاية ركيزة في تحديد القيمة، فإذا كانت غايةُ المدرسةِ الوطنيةِ التربيةَ على الـمُواطَنة فهذه الغاية تحدد القيمة التي تربِّي على المواطنة. وإذا كان الاقتصاد يبتغي جمع الثروة فعليه نختار قيم حرية المبادرة والمنافسة واحترام الوقت والعدالة الاجتماعية. وإذا كانت السياسة تبتغي الحكم والقرار النافع فعليه نحدد قيم المصالحة والديموقراطية. ومن هذا الطرح للمؤلف نستشِفُّ أن القيم الخاصة بمجتمعٍ ما قيمٌ متحولة تحول الغايات وتبدلها، لا ثابتة تقود المجتمع وتُوجهه حسب مصدرها المنبثقة عنه.

الأمر الثاني الذي يقوم عليه الكتاب لمقاربته سؤال الثقافة هو: (ما التحديات التي تواجه الثقافة العربية متى ما أرادت الصمود ثم الصعود؟) فيُجمِلها كالتالي:

  1. عولمة الثقافة[4]: الثقافة التي نستطيع أن نصفها بالعالمية هي الثقافة الأكثر انتشارًا بين مجتمعات الأرض، وعلى إثر هذا الانتشار ووفق طبيعة المقاومة البشرية تظهر هويات متعددة تلبي رغبة البقاء والحفاظ على الهوية الخاصة، فينشأ الصراع بينها وبين الثقافة المنتشرة، وهكذا تتحول غاية عولمة الثقافة إلى نقيضها، ويغدو توحيد العالم ثقافيًّا إلى تجزُّؤ المتجزِّئ بصعود هويات التعدد.
  2. أُحادية الاختيار: مع سقوط الاتحاد السوفيتي أصبح كُتَّابٌ ومفكِّرون يؤكدون ألا سبيل أمام الدول والأمم سوى تبنِّي اقتصاد السوق والديموقراطية الليبرالية في ثوبها الأمريكي في حالةٍ يتطابق فيها التحديث مع التغريب بجعل القيم الغربية طريقًا حتميًّا للتحديث والتجديد والتقدم[5].
  3. انشطار ثقافي: وذلك أن أسئلةً جديدة انبثقت من رَحِم المجتمعات بعد انحسار الاستعمار عنها لم تكن تلك المجتمعات تعرفها من قبل. مسائل دينية احتدَّ النقاش حولها وزاد الاختلاف والتصدُّع، فبعد أن كان الدِّين درعًا يجمع خلفه الهويات في مواجهة قوة الاحتلال، تحوَّل إلى أيديولوجيا ترتبط بتغيير البنية المادية للعلاقات المجتمعية، بالإضافة إلى قضايا خلافية لا يوجد حولها توافق ثقافي[6].

ذهب المؤلف بعد هذا إلى أمر ثالث أراه مِن جوهر الكتاب وهو (حوار الثقافات). المؤلف يجعل الاعتراف المتبادل بين ثقافتين شرطًا للحوار، وهذا الشرط غير متوفر في حالة الثقافة العربية وحوارها مع الثقافة الغربية بسبب ما أسماها “موقف أصوليتين”:

  1. أصولية إسلامية تُجمِّد النص حتى لا يمكن لمعناه أن يتغير، فلا اعتراف بتعدد القراءة وتعدد المعاني، مع رفض للحداثة بوصفها عندهم تغريبًا للإسلام واقتداءً بالغرب.[7]
  2. الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة القائلة بتفوُّق قيم الثقافة الغربية حتى لا يكافئها قيمٌ على وجه الأرض.

وواضح هنا أن المؤلف يرى أن لا مكان للحديث عن حوار ثقافي بين الثقافتين العربية والغربية لأسباب هي كامنة في مفاصل الثقافة العربية مع صمت تام عن سؤال مُلحٍّ وهو: هل الثقافة الغربية تقبل الحوار مع الآخر؟ وربما في صمت المؤلف عن هذا السؤال إجابة مسكوت عنها وهي الإقرار بقبول الثقافة الغربية على الانفتاح على الآخرين. مع أننا لا نجاوز الصواب إن قلنا: إن الثقافة الغربية في بنيتها الأساسية قامت على مفهوم السيادة، وهي تلك القوة العليا التي تُشكل مفهوم السيطرة الغربية في تحديد مفهوم الإرادة المطلقة في التحكم والتأثير وإنتاج القيم التي يحاول الغرب أن يحصر العالم حولها. “إذ ألم تعمل حقوق الإنسان درعًا لعمومية كاذبة، لبشرية وهمية استطاع الغرب الإمبريالي أن يخفي وراءها ذاتيَّته ومصلحته الخاصة؟”[8]

بهذه النقاط المركزية إضافة لبعض الموضوعات التي جاءت على هامش موضوع الكتاب الأصلي أنهى علي أومليل كتابه ذا العنوان الضخم.

نأتي الآن إلى ذات الموضوع –موضوع الثقافة– كما تناوله طه عبد الرحمن وإن لم يخص به كتابًا محدَّدًا من كتبه، ولكننا نستطيع الوقوع على شذرات هنا وهناك من خلال كتبه المتعددة وخصوصًا كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري).

ماهية الثقافة؟

إنْ كان طه عبد الرحمن يُعرِّف الثقافة في كتابه (حوارات من أجل المستقبل) بأنها: “ذلك الإنتاج الخطابي والسلوكي الـمُستند إلى قيم قومية حية. أي قيم قومية مرغوب فيها ومطلوب العمل بها”[9]، فهو يؤكد ذلك في كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري) بأنها: “مجموعة القيم والمبادئ المعنوية التي تختص بها الأمة[10] وتُقوم بها كل أعمال أبنائها وتصرفاتهم”[11]. ولا يغفل عنَّا أن الأمة كما يحددها عبد الرحمن هي: “المجتمع الذي يجمعه قيم مشتركة يدعو إليها ويُبشر بها سعيًا وراءَ الارتقاء بالإنسان”[12]. وإذا سألنا عبد الرحمن عن ماهية هذه القيم وما مصدرها فسنجده يجيب بكل وضوح أن القيم تنقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية:

  1. قيم اعتقادية: وهي أخصُّ القيم التي تميِّز الإنسان، فمتى تجرَّد منها ذلك الإنسان خرجَ مِن إنسانيته، فهي تتعلق بما يجب على الإنسان اعتقاده في الله ورسله والكون والوجود.
  2. قيم خُلقية: وهي القيم التي ترسم للإنسان ما يسلكه من سلوك، مثل الحرية والعدل والمساواة والإخاء والوفاء وقول الصدق.
  3. قيم معرفية: وهي المعاني العليا التي ينبغي أن تتطلع المعرفة عند الأمة إلى تحقيقها، مثل العقلانية والموضوعية والاتساق والتنسيق[13].

أما عن مصدرها “فاعلم أنَّ للأسماء الإلهية خصوصية ليست لغيرها، وهي أنها المصدر التي تُؤخذ منها القيم أخذًا مباشرًا، أي استبصارًا، كما أنها هي المورد الذي ترجع إليه”[14]. فالإنسان لا يُدرك القيمة إلا بتجلِّي الحق سبحانه باسمها، فالرحمة لا يعرفها الإنسان إلا بمعرفة الرحيم. أما عن مستودعها فهي مستودعة في الفطرة السليمة. ولا يمكن لمعترض أن يقول إن القيمة تصدر مِن العقل المجرد لأنها ذات طبيعة واجبة تتعارض وطبيعة الواقع، فالعقل المجرد يُنشئ القانون، أما القيمة فهي أسمى وأعلى بكونها المتصدرة على القانون، فبموجب قيمة العدل ينتج قانون العدل، ومن طبيعة القانون الواقعية أنه يحتمل التبدل والتغير باختلاف الأمم، فما هو عدل عند أمة قد يكون جورًا عند غيرها، ولا مجال هنا للنسبية، فقيمة العدل متسامية متعالية ثابتة وقد تختلف تطبيقاتها. ومثال آخر للتوضيح، قيمة الحرية تعني في الثقافة الإسلامية تلك الدائرة التي تمنع عنَّا سلطة الشهوات فنعيش في حرية الاختيار، وعلى نقيضها تكون في ثقافة الغرب بأنها تلك الدائرة التي تسمح لنا بالعيش تحت نير الشهوات فتكون خياراتنا تبعًا لشهواتنا ورغباتنا. وعلى هذا يجعل عبدُ الرحمن الثقافةَ على ضَربَين بحسب اتصالها بالقيم. فمتى كانت ثقافةٌ ما تأخذ بالقيم المتَّصلة بأصلها المتعالي –أو سَمِّه أصلها الديني[15]– فهي ثقافة متصلة، وعلى الطرف الآخر تكون ثقافة الانفصال أو الثقافة المنفصلة، وهي الثقافة التي تأخذ بقيم فُصلت عن أصلها المتعالي أو ما تسمى عند البعض بـ(علمنة القيم) أي تلك التي أُخذتْ مِن مصدرها الديني ثم نُزع عنها أصل المصدر وأُلبست لباسًا دنيويًّا حتى يُخيَّل للعقل بواسطة آلياته الاستدلالية أنها جاءت من العقل وحسب. وعلى إثر هذا الانقسام بين ثقافة متصلة وأخرى منفصلة نستطيع أن نتلمس أسباب ما أسماه عبد الرحمن بالتطرف الثقافي. فالثقافة المنفصلة تستلهم قِيَمَها من العقل المجرد أو ما أسماه عبد الرحمن بالنظر الـمُلكي، وهو النظر الذي يعتمد على دراسة الظاهرة وحسب في طبيعتها الظاهرة البارزة للعيان، وهذا النظر يبحث في الأسباب والعلل والنتائج –كما هو الحال في العلم الطبيعي الحديث– لا على النظر الـمَلَكُوتي، وهو ذلك النظر الذي لا يقتصر على الظاهرة في ظاهرها فقط، بل يعلم أن خلف الظاهرة معانيَ وقيمًا يرتقي بها من كونها مجرد ظاهرة إلى كونها آية “إذْ بفضل هذا النظر الأخير تحصل رؤية القيمة أو القيم المعنوية المقترنة بالظاهرة”[16]. فعندما أخذت الثقافة طريق الثقافة المنفصلة ونَبَذَتْ أخلاق الدين أُصيبت بالتطرف وأضحت تُطابق بين الثقافة “التي هي نتاجٌ يختلف باختلاف الأمم وبين القيم الأخلاقية التي تضمَّنتها الثقافة والتي قد لا تختلف في جزء منها باختلاف هذه الأمم”[17]وبين الواقع. وهذا الداء –داء ادعاء المطابقة بين الثقافة والواقع– يلزم منه اعتقاد الثقافة المنفصلة بشموليتها ويقينية مبادئها وفي ذلك تطرفها. ومن عواقب ذلك أن ظلَّت الثقافة المتصلة –وهي هنا ثقافة الأمة الإسلامية– تتعرض لمفاسد ثقافية جمعها عبد الرحمن في أربعة مفاسد:

  1. الاستتباع الثقافي: بأن أُشرب أبناء الأمة المستعبَدة ثقافة الأمة المستعبِدة التي خلَّفت وراءها زمنَ ما بعد الاستعمار مدارسَ ما فتئت تُخرج المزيد من ذوي الثقافات المنفصلة.
  2. التخريب الثقافي: بالتشكيك في الثوابت والتطاول على المقدسات بدعوى النزاهة والموضوعية.
  3. التنميط الثقافي: بفرض رؤية واحدة تكون معيارًا ثقافيًّا متطابقًا بين الأمم المختلفة، فعُمِّم نمط أمة في التفكير والسلوك على الآخرين، مما أفضى إلى تجريد الإنسانية من التنوُّع الثقافي والتعدُّد الحضاري الذي تنبني عليه الخصوصيات الـمُشكِّلة للمجموع الثقافي الكوني.
  4. التلبيس الأخلاقي: بمعنى اختلاط الحابل بالنابل بإفساد الطباع والتلبيس في المروءة. وبنشر المفاهيم مع تغطية لبعض معانيها الـمُندسَّة فيها، فمفهوم (العقلانية) يُقصد به من غير تصريح: ترك التوسل بالوحي، ومبدأ (إعمار الأرض) يُقصد به من غير تصريح: ترك العمل بالآخرة، فكان لا بد أن يُخرج لنا هذا الواقعُ إنسانًا ماديًّا دنيويًّا تتدهور معه الأخلاق.

وحتى ندرأ عنا هذه المفاسد ينصُّ عبد الرحمن على أن نصوغ لأنفسنا أولًا مفهومًا جديدًا للثقافة يتناسب مع رغباتنا واحتياجاتنا ويُلائم حالة التصدع التي تُكابِدها الثقافة الإسلامية، فصياغة المفهوم يرسم طريقًا واضحًا للمقاصد التي نبتغي الوصول إليها بالوسائل المتاحة والناجعة. وهذا أفضل مِن الاعتماد على مفاهيم ضبابية وتعريفات عامة تزيد من حالة التصدع والانشقاق والتبعية. أضف إلى ذلك أننا في اعتمادنا على مفاهيم أجنبيةٍ عنَّا فقد لا نَسلم من التشبُّث بمضامين لا تتطابق مع واقعنا تتضمنها تلك التعريفات فتبقى معها تنظيراتنا وأحكامنا في حكم المعلَّق في الهواء. فإذا ساءلنا أنفسنا: هل تكون الثقافة معارف أو قيمًا ومعاييرَ؟ وهل هي مضامينُ أو مناهجُ وآليات؟ وهل هي تقويمٌ لأخطاء وحسب أو هي قوة لإطلاق الإبداع؟ وهل مِن أهدافها تثبيت الهوية الموروثة أو تجديدها؟ فحتمًا سنصل إلى تعريف يناسب واقعنا وحالنا صاغه عبد الرحمن بالصيغة التالية: “الثقافة هي جملة القيم التي تُقوِّم الاعوجاجات الفكرية والسلوكية داخل الأمة على الوجه الذي يجدِّد اتصال الفكر والسلوك بأسباب هذه القيم في عالم الآيات، وبالقدر الذي يُمكِّن هذه الأمة من استرجاع قدرتها على الإصلاح والإبداع طلبًا لتنمية الإنسان والارتقاء به في مراتب الكمال العقلي والخلقي”.

وأعيد هنا إلى أن عبد الرحمن يقصد بـ(عالَم الآيات) ذلك العالم الضد عن عالم الظواهر المشاهَد المحسوس، ذلك العالَم المتضمِّن لكل المعاني والقيم الضرورية والتي لا تُشاهد بالعين الباصرة في حين تُشاهد بالعين الباطنة. فلو أخذنا مثالًا للتوضيح، هناك ظاهرة سقوط المطر، هذه ظاهرة نشاهدها في عالم الظاهر أو عالم الـمُلْك وفي هذا المستوى نعلم أسبابها وعِلَلَها الطبيعية، وهذه نظرة فرعية تُوصل صاحبها إلى العلم، ولكن في عالم الـمَلَكوت هناك نظرة أخرى، نظرة أصلية يكون عندها التدبر والتأمل {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[18]، فتتحول الظاهرة عند هذا المستوى إلى آية لها مقاصدها وتحمل معانيَ وقيمًا تُوصل صاحبها إلى الإيمان الذي يؤسِّس للعلم. الفرق بين الظاهرة والآية أن الآية لا يعدو كونها ظاهرة وقد تلبست بها القيم، في حين أن الظاهرة لا يعدو كونها آية وقد انتُزعت منها القيم.

الآن وبعد أن صاغ عبد الرحمن المفهوم الخاص للثقافة في المجال الإسلامي ومنه ينطلق إلى درء المفاسد الثقافية الأربعة التي لحقت بثقافة المسلمين، فبدءًا يجب علينا أن نُمحص تمحيصًا فلسفيًّا جملة المفاهيم الثقافية الكونية المفروضة علينا، من أمثال مفهوم (النظام العالمي) ومفهوم (العولمة) ومفهوم (صراع الحضارات) ومفهوم (حوار الحضارات) ومفهوم (نهاية التاريخ) ومفهوم (التحديث) حتى نعلم خلفياتها المصلحية ومرجعياتها المهيمنة أو ما يسميها عبدالوهاب المسيري بـ(المطلق المختفي خلف المفهوم)، “فكل مصطلح أو مفهوم يكون خلفه مطلق ينبني عليه”[19]. بمعنى أن هذا المطلق هو الركيزة النهائية الذي يدور حولها هذا المفهوم، فالعلمانية مثلًا تعتمد على مركزية الطبيعة وهي المطلق النهائي، والدولة الحديثة تعتمد على مركزية السيادة، وقِس على ذلك. فالثقافات الغربية تُحل العقل الكلي، وحتمية التقدم محل الإله المعبود في الثقافة الإسلامية، وكذلك تُحل مفاهيم نهاية التاريخ ومسار التاريخ على مفهوم الآخرة. وهذا الإحلال هو أساس في اختلافات الثقافات. فبحسب هذا المطلق أو المركز تُدرك كل ثقافة ما هو كلي أو جزئي من حولها، أو ما هو ثابت ومتغير، أو ما هو حلال وحرام.

أما الخطوة التالية بعد خطوة تمحيص المفاهيم بحسب عبدالرحمن فهي طُرق درء المفاسد الثقافية:

  1. درء الاستتباع الثقافي: وهذا يكون بالتحرر الثقافي والتكافؤ الثقافي. التحرر الثقافي بأن نكشف للعالم عن فداحة الأضرار التي تلحق الإنسانية جمعاء وعن خُبث الأساليب التي يتَّبعها الـمُتسلط في بسط سلطانه الثقافي على الشعوب. أما التكافؤ الثقافي فأن نُبلور مفهوم الكفاءة الثقافية، فالكفاءة هي بلوغ مرتبة المهارة الكافية في أمر من الأمور، فنوضح كيف أن الكفاءة الثقافية لا يُشترط فيها حصول الكفاءة الاقتصادية أو الكفاءة العسكرية.
  2. درء التخريب الثقافي: وهذا يكون بالتظلُّم الثقافي، والإعداد الثقافي. فالتظلم الثقافي إعلام الجماهير أن مِن حق الشعوب التي يُعتدى على تاريخها ودينها ومقوماتها الثقافية أن تشكو الظلم، فكما أنَّ في السياسة والقوانين الدولية مبدأ حق تقرير الشعوب لمصيرها السياسي فهذا قد يُفضي إلى مواثيق تنص على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الثقافي. أما الإعداد الثقافي فإنك إن أردت ممارسة النقد والكشف عن مكنونات ثقافة مغايرة عليك فأنت ملزم بإعداد نفسك في هذا الباب، وهذا يقتضي من الشعوب معرفةَ جزئيات ومضامين تلك الثقافة الدخيلة عليهم متوسِّلين بأقوى مناهج التحليل والمقارنة والاستدلال.
  3. درء التنميط الثقافي: وهذا يكون بالتعارف الثقافي والتكامل الثقافي. فالتعارف الثقافي يقتضي أن ننشر بين الشعوب المغايرة عنا أننا ما خُلقنا إلا لنتعارف[20] وإن محاولة فرض نمط ثقافي واحد على شعوب العالم تضر بمصالح الجميع، بما فيها مصالح الأمة الـمُستبدَّة أولًا، إذ إن هذا الفرض يُضيق من آفاقها الفكرية واستعداداتها الشعورية وتحرم أجيالها القادمة من الاستمتاع بالإمكانات المعنوية الواسعة التي تتضمنها الثقافات المختلفة، بالإضافة إلى أن التضييق على الآخرين سيولِّد انفجار مقاومات شعبيةٍ ومواجهات عنيفة تضرُّ بالمصالح الأمنية والاقتصادية. أما التكامل الثقافي؛ فالعالمية –متى ما كانت صادقة– لا تقوم في فرض ثقافة بعَيْنها على شعوب العالم، وإنما تقوم باجتماع هذه الثقافات بعضها إلى بعض فكلما زادت الرؤى زاد غنى العالمية.
  4. درء التلبيس الأخلاقي: وهذا يكون بتديين الثقافة وتخليق الثقافة. فتديين الثقافة يعتمد على الوعي بأن الثقافة المنفصلة عن الدين والأخلاق لا يمكن إلا أن تكون فيها نهايةُ الإنسان، فلا شيء يمنعها من أن تطلق العنان لكل أصناف الهوى والجبروت والغطرسة والتعالي والإبادة. أما تخليق الثقافة فهي إعادة الاعتبار لأهمية الأخلاق في كل المجالات، فبعد أن أُلِّه العقل وحده ونُبذت الأخلاق؛ وَجَدَ الدمارُ سبيلَه إلى مجال العلم والثقافة والفن والآدب. فالإنسانية ليست خاصية مادية، ولا نظرية منطقية عقلية، بل هي خاصية معنوية عملية، ولا تتحقق هذه المعنوية إلا بالأخلاق.

وهكذا نخلُصُ إلى أن المسلمين بفضل هذا التثقيف للواقع العالمي يمكن أن يُسهِموا في تشكيل المشهد الثقافي العالمي. وهنا يبرز اعتراض مشهور وله اعتباره، وهو: كيف يُعقل أن تثقِّف أمة متخلفة كأمتنا أمةً كأمة الغرب؟

بدءًا يلزمني أن أُبين أن عبد الرحمن لا يحكم على الثقافة الإسلامية أنها ثقافة متخلِّفة، وإن كان يقبل أن يحكم على حضارتنا أنها حضارة متخلِّفة، وله في هذا منطق: الحضارة متى كانت مجموعة من الوقائع العمرانية المادية الخاصة بأمةٍ ما فنستطيع أن نحكم على حضارة الأمة الإسلامية أنها حضارةٌ متخلِّفة حسب ما تراكم عند أهلها من المكاسب المادية، وهذا الحكم –التقدم والتخلف– إن توافق وقوعه مع مفهوم الحضارة فليس هذا متوافقًا مع مفهوم الثقافة مِن حيث إنها مجموعة مِن القيم والمبادئ المعنوية الخاصة بالأمة، “فلا نزاع في أن رصيد الأمة المسلمة مِن القيم العليا يشهد على تقدمهم”[21]، ولكن إن قلنا إن الثقافة المسلمة تشهد وضعًا متصدِّعًا لا متخلِّفًا فإننا لا نُجاوِز الصواب. والشاهد هو ذلك الازدواج بين مفاهيم مثل الحداثة والأصالة، الأنا والآخر، الإسلام والغرب، التراث والحداثة، التأصيل والتعصير، الثابت والمتغير، وقِس على ذلك.

أما دعوى العجز عن قوة تأثير أمة متخلِّفة في أمة متقدمة كالغرب؛ فإن كان المقصود أنَّ هذا الاعتراض مخالف لمقتضى العقل، فهذا باطل من أوجه:

  1. أنه يجوز أن يكون في الأمة المتخلفة أفراد تملَّكوا ناصية العلم والثقافة والفكر بقدر ما تملَّك أفراد الأمة المتقدمة وزيادة متى وجدوا الوسائل والمناهج والآليات الـمُعِينة لهم.
  2. أن الحالة الإسلامية متى سلَّمنا أنها أمة متخلِّفة ثقافيًّا فهذا التخلف مسبوقٌ بتحضُّر، فالحال أن مبادئ التقدم كامنة ومعطلة في هذه الأمة، فهي ليست في حكم المعدوم ابتداءً حتى نجزم بعجز التأثير، وإنما هي محتاجة إلى تجديد وتمكين وتذليل.
  3. أن التقدُّم يقبل النسبية والاحتمال، فما هو متقدم عند أمة قد يكون تأخُّرًا عند أخرى، أضِفْ إلى هذا أن الثقافة نفسها ليست مجالًا واحدًا، والأمم تتفاضَل في تحصيل نصيبها من هذه المجالات، “فالتنمية لها ألف طريق، والتنمية على الطريقة الأمريكية لم يثبت على نحو قاطع أنها أفضل من كل ما عداها”[22].
  4. ليس من الحق تقويم الأمم حسب مظهرٍ وحيد مع إغفال باقي جوانب الصورة، فمتى كان هناك مظاهر مادية فاعلم أن في مقابلها مظاهر معنوية، كما أن هذه المادية ليست جزءًا كليًّا بل كليات متجزئة.

أما إذا كان المقصود أن هذا الاعتراض مخالف لمقتضى الواقع فهذا باطل من أوجه:

  1. ظاهرة هجرة العقول الإسلامية دليل واقعي على أن العقول الإسلامية ليست أقل مِن أخواتها تمكُّنًا من أسباب التقدم.
  2. أننا لسنا مطالَبين بأن نُثقِّف الأمم الأخرى بما تتميز به هي أو بما تختص به من ثقافتها، بل فيما يختص بنا نحن، فمن التقليد والعجز أن نُعلِّم معلم الرياضيات مبادئ الحساب في حين غفلته عن أساليب التربية.
  3. إن كان الواقع دليلًا على أننا نأخذ من ثقافة الآخر (تثاقف) فهذا التثاقف لن يصبح تثاقفًا حقيقيًّا إلا إذا أعطينا بقدر ما نأخذ، وأن يأخذ منا الآخر بقدر ما أعطانا، فهذه أركانٌ في عملية التثاقف، فالمثاقفة هي المفاعلة في المعرفة والحوار.

وبعدُ، فسؤال الثقافة غدا عند علي أومليل موضوعًا مثل سائر الموضوعات التي يتناولها مفكرو العربية بطريقة لا أصِفُها بالسطحية، ولكن أقول إنها طريقة بسيطة تقتصر على نظرة قاصرة عن جذور الموضوع، لذا لا نستغرب أن تغدو الحلولُ حلولًا ساذجة لا تقوى على الصمود واحتمال التقلبات. فقد يُؤخَذ على علي أومليل أنه حاول الإجابة عن سؤال ضخم وفي كتاب منفرد بأسلوب كتابة صحفية إنشائية تقريرية لا استدلالية، فلا أفكار واضحة ولا منهج مستقيم مرسوم ولا نظرة شمولية لأمر الثقافة تتضمن جذور المشكلة وحقيقتها وأسبابها ونتائجها وحلولها مع الانشغال عن صلب الكتاب بدعاوى واعتراضات واستطرادات شَغَلَت المؤلف والقارئ عن سؤال الثقافة. بينما وجدنا طه عبد الرحمن وقد اعترض له سؤال الثقافة اعتراضًا في ثنايا دراسته عن الحق الإسلامي في إنشاء مجاله الفكري الخاص به بعيدًا عن التبعية والازدراء الموجَّه له مِن ثقافة أخرى تمارس عليه الاستلاب والعنف والتطرف الثقافي، فلم يُعِقْه كل هذا عن رسم خطوات واضحة واستدلالات متَّسقة لمساءلة سؤال الثقافة مبتدئًا بالتعريف والحد وعرض الجذور والأصول الإيمانية لمؤثرات الثقافة ليصل إلى عقبات هي عقبات كَأْدَاءُ أمام ثقافة إسلامية، ففصَّل في عَرْضِها، ثم أبان عن أساليب درئها، ليصل إلى مفهوم خاص للثقافة الإسلامية. مع التأكيد أن هذه الخصوصية لا تَعني الانفصال عن كونية العالم، بل هي خصوصية تأتي من المعنى الصحيح للكونية. فإن كان جمهور المفكرين العرب يرون أن مفهوم الخصوصية يُناقض مفهوم الكونية –من منطلق تعريفهم أنَّ الكونية تعني وحدة التاريخ الإنساني مع تناقضهم في الأخذ بهذا التطابق ومناداتهم بحق الاختلاف الفكري– فإن عبد الرحمن يرى أن الخصوصية لا تعني انكفاء الأمة على ذاتها، بل إن الخصوصية لا تعدو أن تكون حيز الأمة الذي من خلاله تتعقل ذاتها وتنفتح على غيرها. ومن هنا تغدو الخصوصية عنصرًا في الكونية، حيث إنَّ الكونية “حصيلة تأليف صريح بين الخصوصيات المختلفة”[23]. ثم مِن بعد هذا التعريف الخاص نستطيع تلمُّس حقيقة الثقافة وأهميتها، ومنه أيضًا نعلم كيف ندرأ المفاسد التي تُحاك ضدها ونضع الحلول. وهكذا يفتح عبد الرحمن طريقًا للحوار مع الثقافة الغربية الـمُتغلِّبة في حين أنَّ علي أومليل قد أغلقها تمامًا بقوله: “فلا مجال بالنسبة لهذا الفكر الأصولي المتشدد لأي حوار مع الحضارات[24]، “ولا مجال إذن للحديث عن حوار الثقافات وتفاعلها مع أصحاب هذه العرقية الثقافية (الليبرالية)”[25].


[1] كتاب سؤال الثقافة، علي أومليل، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2005، صفحة 9

[2]  السابق، صفحة 67

[3] السابق، صفحة 67

[4] السابق، صفحة 88

[5] جاء هذا من توهم أن سقوط الاتحاد السوفيتي هو انتصار للرأسمالية، مع أن الأقرب للصواب أن هذا السقوط فيه امتحان حقيقي للرأسمالية، وبداية أزمتها لوضع صدقيتها على موضع الشك فهذه أول مرة تكون فيها الرأسمالية على محك اختبار طريقة إدارتها للموارد والتنمية.

[6] الاتحاد العرقي واللغوي والديني لا يلزم منه توافق ثقافي فكري في كل المجالات، فالاختلاف طبيعة.

[7]  يظهر أن المؤلف يُطلق هنا إطلاقات عامة، فقد نسأله ما معنى: تجميد النص؟ وأي نص؟ وما تعدد القراءات؟ وما تعدد المعاني؟ وهل جميع أهل “الأصولية الإسلامية” متفقون على كل المعاني؟ ومن رفض الحداثة بإطلاق؟

[8] الحداثة وخطابها السياسي، يورغان هابرماس، دار النهار، الطبعة الأولى، 2002، صفحة 216

[9]  حوارات من أجل المستقبل، طه عبد الرحمن، صفحة 19

[10] الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، طه عبد الرحمن، صفحة 66

[11]  السابق، صفحة 81

[12]  السابق، صفحة 20

[13] السابق، صفحة 142

[14] دين الحياء، طه عبد الرحمن، الجزء الأول، صفة 71

[15] عالم الملكوت في مصطلح طه عبد الرحمن

[16] الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، صفحة 35

[17]  السابق، صفحة 57

[18] سورة فصلت، 39

[19] انظر كتاب العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، عبد الوهاب المسيري، الجزء الأول، الباب الثاني: بعض تبديات النموذج العلماني

[20] التعارف عند طه عبد الرحمن لا يتفق والاعتراف بالآخر عند علي أومليل، فالاعتراف عند أومليل يقتضي أن تعترف بوجود وحق الآخر وحسب، أما التعارف عند طه عبد الرحمن فيتضمن التعاون على المعروف، فالتعارف يرتقي من مجرد الاعتراف بحق الآخر إلى أن يصبح التعامل بين الشخصين أو بين الحضارتين على مقتضى قيم الخير.

[21] الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، صفحة 86

[22]  خرافة التقدم والتخلف، جلال أمين، صفحة 58

[23] الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، صفحة 27

[24] سؤال الثقافة، صفحة 123

[25] السابق، صفحة 127

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى