الدين

كَيْفَ جُمِعَ القُرْآنُ؟

جعل الله سبحانه وتعالى الرسالة المحمّدية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- آخر الرسالات السماوية وجعل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين فقال عزّ من قائل: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ، وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) [الأحزاب:40] وجعل القرآن الكريم آخر الكتب وناسخها والمهيمن عليها فقال سبحانه وتعالى مخاطبًا رسوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة:48] وكان الله عز وجل قد أرسل المرسلين من قبل وأيدهم بالمعجزات، كلٌ بما يتناسب وطبيعة قومه وزمن الإرسال وحدود الرسالة وتشريعاتها، فلمّا جعل الله عز وجل محمّدًا -صلّى الله عليه وسلم- خاتم المرسلين ومبعوثًا إلى الناس كافةً وجعل الإسلام خاتم الرسالات وأكملها وأصلحها لكل زمان ومكان من لدن البعثة حتى قيام الساعة؛ ناسب ذلك أن يجعل الله معجزة النبي والرسالة خالدةً ما بقي هذا الدين. ولمّا أراد الله عزّ وجل أن يجعل هذه المعجزة قائمةً في الآفاق؛ اقتضى ذلك أن يقيّض لها السبل والوسائل المحققة الجليّة التي لا يشوبها شكٌ ولا ريب فسخّر لها الصحابة والتابعين والأمة جيلّا بعد جيل يحفظونه لخلفهم فيقيم السلفُ الحجّة على الخلف ويستدل الخلفُ بالقرآن على السلف. وقد كان المنهج الذي جُمع فيه القرآن بُغية حفظه منهجًا صارمًا دقيقًا بلغ في التحقيق شأوًا ليس بعده مطلب في ذلك العصر. ونحن هنا سنتحدّث بإذن الله بشيء من التفصيل عن مراحل جمع القرآن وتدوينه. وقبل الشروع في الحديث عن هذه المراحل نريد أن نتطرق بشيء من الإجمال عن أنواع جمع القرآن الكريم.

فنقول بأن جمع القرآن في العصور المبكرة للإسلام كان يتم بأمرين كما سخّر الله له ذلك، وهما المعنيان اللذان يراد به مصطلح الجمع. فالجمع يكون إما حفظًا في الصدور وإمّا كتابةً في السطور. وقد سمّى الله هذا الوحي المنزّل بتسميتين كان لها النصيب الأكبر من بين التسميات وهما: القرآن والكتاب.

والقرآن هو مصدر للفعل “قرأ” فنقول قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا. وقد أوحت هذه التسمية بما ينبغي لذلك الجيل أن يفعله حيال هذا النص المقدّس فهي إشارة من الله لحفظه في الصدور بمداومة القراءة والنظر. وأمّا تسمية القرآن بالكتاب فهو إشارة من الله سبحانه وتعالى لحفظه في السطور، فتسميته بالكتاب فيه إيحاء للمسلمين بالشكل النهائي الذي ينبغي أن يكون عليه هذا النصّ الكريم.

وقد جُمع القرآن الكريم على ثلاث مراحل وهو جمعٌ يقصد به الجمع في السطور وهي مرحلةٌ تأتي بعد الجمع في الصدور وسنفصّل القول في هذه المراحل الثلاث، وهي:

  • جمع القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
  • جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق
  • جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفّان

أولًا: جَمْعُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي عَهْدِ النَّبِيّ صَلّى اللهُ عَليْهِ وَسَلّمَ

بدايةً يجب أن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى قد تعهّد لنبيه بحفظ القرآن في صدره إذ قال: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)[القيامة:17،16] وقد فسّر ابن عبّاس هذا الجمع بأنه جمع في الصدر[1].

وهنا يجب أن نلاحظ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن ابتداءً. يقول السعدي في تفسيره: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) وقال هنا: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) فالحرص الذي في خاطرك، إنما الداعي له حذر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك”. ومن أولى مظاهر تعهّد الله جلّ وعلا لنبيّه أن جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن مرةً في كل رمضان، حتّى إذا كانت السنة التي فيها وفاته صلّى الله عليه وسلم فيعرضه مرتين.  والجمع في الصدور هو الحاكم على المسطور وأول خطوات التدوين. وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الأمّة حفظ القرآن كاملًا في الصدور بما يبلغ مرتبة التواتر وإلا فهي آثمةٌ كلّها، كما أنّ كل مسلمٍ على انفرادٍ يتعيّن عليه حفظ القرآن بالمقدار الذي يقيم به صلاته، ومن تسخير الشارع الحكيم لحفظ القرآن أن قد رتّب الأجور العظيمة على حفظه وتلاوته. كما أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلم كان قد حثّ أصحابه على حفظه ومداومة النظر فيه، فجعل القرآن مصبّ الاهتمام ومركزه، وجعله معيار التفضيل بين الصحابة، فكان صلّى الله عليه وسلم يجعل الإمامة في أقرئهم لكتاب الله ويعقد الراية لأحفظهم أيضًا، بل ويقدم في اللحد أكثرهم أخذًا لكتاب الله، والأحاديث في تفضيل الحافظ كثيرة بعد. وقد حفظه النبي صلى الله عليه وسلّم وعلّمه وبيّنه كما حفظه الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، فممن حفظ القرآن كله: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبدالله بن عباس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وفضالة بن عبيدة، ومسلمة بن مخلد، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد بن السكن، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. وكذلك حفظه التابعون من بعد وتلقوه من الصحابة الكرام حيث انتشروا في الأمصار وعلموا الناس القرآن، وكذلك حفظته الأمة من بعدهم جيلًا بعد جيل.

وأمّا الجمع بمعنى الحفظ في السطور، فقد عني به النبي صلّى الله عليه وسلم واتّخذ كتابًا للوحي منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وعبدالله بن رواحة وغيرهم رضوان الله عليهم[2]. وهناك نصٌ يصوّر لنا تلك الحالة التي تعقب إنزال الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى عثمان بن عفّان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من كان يكتبه، فيقول: “ضَعُوا هذا في السورةِ التي يُذْكَر فيها كذا وكذا، وتنَزَلُ عليهِ الآيةُ فيقولُ: ضَعُوا هذه الآيةَ في السورةِ التي يذكرُ فيها كذا وكذا. الحديث”[3]. أمّا الأدوات التي كان يُكتب فيها، فكانت من الرقاع[4] والعسب[5] والكرانيف[6] والأكتاف[7] واللخاف[8] والأقتاب[9]. فمع صعوبة الأدوات إلا أن النّبي صلّى الله عليه وسلم كان حريصًا على التدوين.

 وبقي أن نقول إنّ جمع القرآن في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم كان بمعنى الكتابة والتدوين وأن الجمع في عهد أبي بكر فهو بالمعنى الحقيقي من الكلمة وهو الجمع في مصحفٍ واحد، وأما الجمع في عهد عثمان فكان بمعنى نسخ المصاحف.

ثانيًا: جَمْعُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ

وكان هذا الجمع في سنة اثني عشر للهجرة (أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعام واحد فقط) وسببه أن القتل كان قد استحرّ في القرّاء يوم اليمامة. وهناك وثيقة مهمّة في صحيح البخاري تتحدث عن خبر هذا الجمع وسنوردها لأهميتها.

عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أنه قال: “أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه-: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟! قَالَ: عُمَرُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟! قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ -رضي الله عنهما- فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ”[10].

وقد ينقدح في الذهن سؤالٌ عن سبب اختيار زيد بن ثابت رضي الله عنه، وفي الوثيقة السابقة إجمال ذلك. فمما يتميز به زيد:

– حداثة السن، وفي الشباب من القوّة والنشاط والعزيمة ما يتناسب مع هذه المهمّة الجليلة.

– العقل، وهو ما عُرف به رضي الله عنه.

– العدالة والمروءة واستقامة الدين وشدّة الضبط.

– كتابة الوحي، وقد كان رضي الله عنه، من أخصّ كتّاب النبي صلى الله عليه وسلم.

– التقوى والورع، وهذا ما نستنتجه من قوله رضي الله عنه: “فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ”

وكان اختيار زيد بن ثابت هو أول ضوابط المنهج الذي اتّبعه أبو بكر رضي الله عنه. ولم يكن زيدٌ ضالعًا وحده بهذه المهمّة فقد شركه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما أخرج ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر وزيد: “اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه”[11] ومن ضوابط هذا المنهج أيضًا:

– ألا يُقبل من المكتوب إلا ما كان قد كُتب بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم إنّها لا يُقبل حتّى يشهد عليه شاهدان من العدول الثقات.

– ألا يُعتمد على المحفوظ إلّا أن يكون قد تُلقي عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان”[12]. والتلقي قدرٌ زائدٌ على مجرّد الحفظ.

وقد كان زيدٌ حافظًا لكتاب الله على أكمل ما يكون الحفظ وكذلك عمر وجمع من الصحابة رضوان الله عليهم ومع ذلك فلم يعتمد زيدٌ على حفظه؛ زيادةً في التحري والتثبت والاستقصاء، فكان المنهج كما نرى صارمًا شديدًا كأشد ما تكون عليه المناهج من الصرامة والتثبت، وقد ظفر هذا العمل ونتائجه بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا من مميزات جمع أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان جمعه شاملًا للأحرف السبعة مقتصرًا على ما لم تُنسخ تلاوته، معتمدًا على العرضة الأخيرة، وكان مرتب الآيات على ترتيب النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثالثًا: جَمْعُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ

كانت قد بلغت الخلافة الإسلاميّة في عهد عمر بن الخطاب من التوسّع مبلغًا كبيرًا واستمر هذا التوسع في عهد عثمان، ومع استمرار الفتوحات اختلطت الأجناس العربيّة بغيرها من الفرس والروم والأذر، وكان الصحابة قد توزعوا في الأمصار يعلمون الناس القرآن وأمور دينهم، والقرآن كما هو معلوم نزل بسبعة أحرف، كلها قرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان كل صحابي يعلم من حوله بالحرف الذي تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أهل الكوفة يقرأون بقراءة عبدالله بن مسعود وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري وأهل الشام بقراءة أبيّ بن كعب. فاختلف الناس اختلافًا شديدًا، وقد تنبأ بهذا الأمر عثمان بن عفّان ولحظه في المدينة، فقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي قلابة أنه قال: “لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوه للناس إمامًا”.

وكان الجيش الإسلامي المتجه لفتح أرمينية وأذربيجان قد جمع بين جيوش الأمصار المختلفة، فاحتدم النزاع والشقاق بينهم حتّى كادت أن تكون فتنةً لها ما وراءها من التكفير والقتال، وقد أفزع ذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. فركب إلى المدينة يريد عثمان. حتى إذا بلغه قال له: “يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى”[13] فوافق ذلك ما ارتآه عثمان من قبل ” فأرْسَلَ عثمان إلى حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ. فأرسلتْ بها حفصة إلى عثمان، فأمَرَ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف”[14] ويتضح لنا من هذا النصّ بعض ملامح منهج الجمع وضوابطه، فقد انتدب عثمان لهذه المهمّة أربعة من شباب الصحابة وهم واحد من الأنصار وهو زيد بن ثابت المكلّف بالجمع الأول وأمّا الثلاثة الباقون فكانوا من قريش. ومن ضوابط هذا المنهج المستقاة من النص أنهم كانوا قد اعتمدوا في الجمع على مصحف أبي بكر الذي انتقل إلى عمر خلافته ثم انتهى إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، وقد رسم عثمان الخطوة التالية في منهج الجمع الذي هو بمعنى النسخ -كما سبق وأن ذكرنا- حيث قال للثلاثة القرشيين: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم”[15]. ومن منهجهم رضوان الله عليهم أنهم كانوا لا يكتبون شيئًا إلا بعد أن يتأكدوا من أنه قرآنٌ متلو غير منسوخ، وكان مرجعهم في ذلك قرّاء الصحابة، واقتصروا في ذلك على ما ثبت بالتواتر دون الآحاد، ومما امتاز به جمع عثمان هو اتفاق الصحابة على ترتيب الصور كما هو في مصحفنا الآن.

ثم بعد أن انتهت هذه اللجنة المدقّقة من عملها، أمر عثمان رضي الله عنه بالمصاحف المخالفة فحرّقت، وجعل من مصحفه نسخًا أرسل بها في الأمصار وأرسل مع كل مصحف مقرئًا يقرأه بما يتوافق مع قراءة ذلك المصر. وفي خبر هذه النسخ، جاء في صحيح البخاري: “حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحفِ ردَّ عثمانُ الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق”. وأجمع الصحابة على ذلك وحرّقوا مصاحفهم، حتّى من خالف في بادئ الأمر -كالذي كان من ابن مسعود رضي الله- رجع إلى الجماعة لمّا تبيّن له صلاح هذا الأمر. وأخرج ابن أبي داود من طريق سويد بن غفلة الجعفي قول علي رضي الله عنه: “يا أيها الناس: لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا، فو الله ما فعل الذي فعل المصاحف إلا من ملأ منا جميعًا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت. قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل”.

وبذلك توحّد المسلمون وانتفى الشقاق والنزاع وأخمد عثمان رضي الله عنه نار الفتنة قبل أن تستعر جذوتها، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

اقرأ ايضاً: القراءات القرآنية: مقدمة أساسية


المراجع

  • القرآن الكريم
  • أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، مجمع الفقه الإسلامي، جدة
  • الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، المطبعة الأزهرية، مصر، 1370ه
  • البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1400ه
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، دار المعارف، مصر تحقيق أحمد ومحمود شاكر
  • الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله القرطبي أعادت طبعه دار إحياء التراث العربي، بيروت 1965م.
  • الجامع الصحيح: أبو عيسى الترمذي تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • جمال القراء وكمال الإقراء: السخاوي تحقيق د / علي البواب مكتبة التراث مكة، الطبعة الأولى 1408هـ‍.
  • الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم: لبيب السعيد دار الكتاب العربي القاهرة، 1387هـ‍.
  • جوامع السيرة: ابن حزم تحقيق إحسان عباس وناصر الدين الأسد، دار المعارف بمصر.
  • خطط الشام: محمد كرد علي مكتبة النوري – دمشق الطبعة الثالثة 1403هـ‍.
  • دراسات في علوم القرآن الكريم: أ. د / فهد بن عبد الرحمن الرومي، الطبعة التاسعة 1421هـ‍ مكتبة التوبة، الرياض.
  • رحلة ابن بطوطة المكتبة التجارية الكبرى بمصر 1386هـ‍.
  • رحلة ابن جبير دار ومكتبة الهلال، بيروت 1981م.
  • روح المعاني: شهاب الدين الألوسي إدارة الطباعة المنيرية دار إحياء التراث العربي بيروت.
  • زاد المعاد: ابن قيم الجوزية المطبعة المصرية ومكتبتها.
  • سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي أشرف على التحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية 1402هـ‍ مؤسسة الرسالة بيروت.
  • شرح السنة: البغوي تحقيق شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض الطبعة الأولى 1400هـ‍.
  • شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: الحسن العسكري تحقيق عبد العزيز أحمد، نشر مصطفى الحلبي مصر، الطبعة الأولى 1383هـ‍.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الناشر: دار المعرفة، بيروت، 1379هـ
  • علوم القرآن عند المفسرين: مركز الثقافة والمعارف القرآنية ط1 1416هـ‍ إيران – قم.
  • غاية النهاية في طبقات القراء: ابن الجزري عني بنشره ج. برجستراسر. دار الباز، مكة المكرمة، الطبعة الثانية 1400هـ‍.
  • غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظام الدين النيسابوري تحقيق إبراهيم عطوة عوض مكتبة مصطفى البابي الحلبي مصر الطبعة الأولى 1381هـ‍.
  • مباحث في علوم القرآن: د. صبحي الصالح دار العلم للملايين ط8 1974م.
  • المحرر الوجيز: ابن عطية تحقيق الرحالي الفاروق وآخرين طبع على نفقة أمير دولة قطر، الطبعة الأولى 1398هـ‍ الدوحة قطر.
  • مخلفات الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد الحسيني: د. سعاد ماهر دار النشر لجامعة القاهرة 1989م.
  • مدخل إلى القرآن الكريم: د. محمد عبد الله دراز دار القلم، الكويت ط2، 1399هـ‍
  • المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: أبو شامة المقدسي تحقيق طيار قولاج دار صادر بيروت 1395هـ‍.
  • المستدرك: الحاكم النيسابوري دار الكتب العلمية.
  • المصاحف: ابن أبي داود السجستاني دار الباز مكة المكرمة ط1، 1405هـ‍
  • مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزرقاني دار إحياء الكتب العربية القاهرة.

[1] البخاري 1/4

[2] زاد المعاد 1/29

[3] رواه الحاكم في المستدرك 2/221

[4] الرقاع: الجلود.

[5] العسب: جريد النخل.

[6] جمع كرنافة وهي أصول تبقى في جذع النخلة بعد قطع العسب.

[7] وتؤخذ من الإبل والأغنام.

[8] وهي الحجارة الرقيقة.

[9] وهي خشبة تتخذ رحلًا للركوب.

[10] البخاري 6/98-99

[11] كتاب المصاحف 1/169

[12] كتاب المصاحف 1/181-182

[13] البخاري 4987

[14] البخاري 4604

[15] البخاري 4722

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى