العلم

المُعضلة في طريقة دراسة العلماء للمنطق

  • ساشا ألتاي Sacha Altay
  • ترجمة: نيرة ياسر
  • تحرير: محمد بن عبد العلي عبيدة

كنتُ العامَ الماضي في باريس، من أجل حضور المؤتمر الدولي لعلم النفس، أحدِ أكثرِ التجمعات المرموقة في العلوم المعرفية. استمعت لمحاضرات في مجالي: التفكير الإنساني، لكنني استمتعت أيضًا بالمحاضرات الخاصة بدراسة سلوك الحيوان -أو الإيثولوجيا-؛ ذلك لأني أجد الدراسات المتعلقة بالحيوانات غير البشرية -من السلاحف إلى الببغاوات- مدهشة. ورغم صغر أحجام عيناتهم بوجه الإجمال، وجدتُ التفكير العلمي في محاضرات دراسات الحيوان أَسْلم، وتفسيراتهم أعمق ممّا استمعت إليه في التفكير الإنساني.

السبب بسيط: يُقيِّم علماء الإيثولوجيا نموذجهم أو بناءهم التجريبي في ضوء صلاحيته الإيكولوجية، أو مدى تناغمه مع بيئته الطبيعية؛ فطالما كان الموطن الأصلي للحيوان وتاريخه التطوري[1] مركزًا النقاش. وعلى النقيض، فإن معظم النماذج التجريبية في التفكير االإنساني، مثل اختبار الانعكاس الإدراكي (CRT) أو القياس المنطقي، مبنية على المنطق أو الرياضيات. واحدةٌ من أشهر مسائل اختبار الانعكاس الإدراكي مسألة المضرب والكرة التي تقول: إذا كان ثمن مضرب وكرة معًا هو 1.10 دولار، ويزيد ثمن المضرب على الكرة بـ 1 دولار، فكم تُساوي الكرة؟ يفشل مُعظم الخاضعين لهذا الاختبار في حله، والإجابة الصحيحة ليست عشرة سنتات بل خمسة. ولعل الأداة الأساسية التي يستخدمها علماء النفس لدراسة التفكير هي القياس المنطقي: فعلى سبيل المثال: “المقدمة الكبرى: جميع البشر حيوانات؛ المقدمة الصغرى: بعض الحيوانات عدائية؛ الاستنتاج: بعض البشر عدائيون.” (هل هذا الاستنتاج منطقي؟)

أثناء استماعي لمحاضرات تستند إلى هذه الأساليب، تساءلت: هل يُفكر الناس بتلك الطريقة في الحياة اليومية؟ على الأرجح لا. هل فعل أجدادنا ذلك في العصور القديمة؟ احتمال مُستبعَد. إذن، كيف ينبغي لي تفسير هذه النتائج؟ هل تطبيق المنطق المجرد على البشر يشبه مطالبة السلحفاة بأن تتسلق سُلّمًا؟

لنيكولاس تنبيرجن -مؤسس علم البيئة السلوكي- تصريحٌ مشهورٌ بأن علم الإيثولوجيا هو فن الحوار مع الحيوانات بلغتهم الخاصة. هذا المبدأ على بساطته فإنه قوي، وليس هنالك سبب يمنع تطبيقه على البشر. يعتمد علماء النفس في دراستهم للتفكير على المنطق والفلسفة بدرجة كبيرة، ويتجاهلون الحليف الأقرب لعلم النفس: علم الأحياء. وهذا التجاهل نابعٌ جزئيًا مما يبدو من سهولةٍ في فهم البشر بعضهم لبعض. تكويننا النفسي يتميّز بأنظمة إدراكية مُتخصصة -مثل نظرية العقل- تُعيننا على إدارة الحياة الاجتماعية؛ فنفهم بشكلٍ تلقائي نوايا الآخرين وأسبابهم ومعتقداتهم. وتُساعدنا هذه الاستدلالات على التنبؤ بالسلوك، ولكنّها أيضًا تشوش فهمنا العلمي للمنطق، وتُعمينا عن ضرورة الاستعانة بعلم الأحياء عند دراسة أنفسنا. ليس ثمة مشكلة مع السلاحف، فلا نملك سوى تخمينات ضعيفة بخصوص تصرفاتها، ولا يسهل سؤالها عمّا تفكر به.

أما البشر -بعبارةِ أخرى- فهم على دراية أكبر ممّا ينبغي ببعضهم البعض. كما أن هناك اعتقادًا خاطئًا بأن الرابطة بين القوانين الجوهرية لعلم الأحياء (مثل التطور بالانتقاء الطبيعي) ونفس الإنسان (لا سيّمَا الوظائف الإدراكية رفيعة المستوى، كالتفكير) رابطة ضعيفة. ولكنّ دماغ الإنسان، كدماغ السلحفاة، شَكّلته ملايين السنين من التطور؛ فمن غير المحتمل أنْ يكون العقل قد هرب من تأثيره. ما المقصود إذًا بحوار البشر بلغتهم الخاصة؟[2]

ضمن إطار أكثر جنوحا نحو البيئية، حيث يُمكن أن نتحاور ونتناقش بشكلِ جماعي، ستنتشر الإجابة الصحيحة كالنار في الهشيم.

دعنا نضرب مثالًا عمليًا. إحدى أكثر المسائل تناولًا في علم نفس الاستدلال هي مسألة الاختيار لِـ واسون، نسبة إلى عالم النفس الإنجليزي (بيتر واسون): “كل بطاقة عليها رقم على أحد وجهيها، ويقابله لونٌ على الوجه الآخر. أي البطاقات يجب أن تُقلب لاختبار صحة الفكرة التي تفترض أنه في ظهر كل عدد زوجي، حتمًا يُوجد لون أحمر؟”

معظمنا سيقلب البطاقة 8 والبطاقة الحمراء (رغم أن هذا لا يُحقق فائدة)، ويتجاهل البطاقة البرتقالية التي قد تدحض القاعدة (إذا وجدنا في ظهرها عددا زوجيًا). البشر حسب هذا الاختبار سيئون للغاية؛ ولكن ماذا سيحدث إذا استخدمنا محفزات بيئية؟ ابتكر عالما النفس (ليدا كوسميدز) و(جون توبي) نسخة اجتماعية من مسألة اختيار واسون: “كل بطاقة عليها عُمْر على أحد الوجهين، ومشروب على الآخر. أي الكروت يجب أن تُقلب لاختبار صحة الفكرة التي تفترض أنك إذا كنت تشرب الخمر فلا بد أن سنك يفوق الثمانية عشر؟”

إذا كنتَ كمعظم الخاضعين للاختبار، فيبدو الآن واضحًا أن عليك قلب بطاقة الجعة والبطاقة 16. حللتَ الأمر دون عناء رغم أن هذا الاختبار –منطقيًا- هو نفسه الاختبار السابق. من المرجح أن أدمغتنا الكبيرة تطورت لحل المسائل التي لها علاقة بالتفاعلات الاجتماعية، لا المسائل المنطقية المجردة. فمسألة اختيار كوسميدز-توبي كانت صالحة من الناحية البيئية؛ أما الأولى فلا. يُعرّض استخدام النموذج التجريبي الخاطئ -سواءً أَكان الاختبار نفسه أم المحفزات- الباحثين لمشاكل عديدة، أهمها: صعوبة تفسير النتائج؛ فأنتَ لا تدري إذا كان ما وصلت إليه يكشف عن سمة مثيرة للاهتمام للعقل البشري، مثل أن الاستدلال الاستنباطي البشري مُتحيز في مسألة اختيار واسون الكلاسيكية، أم أنه مجرد أداة منهجية لِكون المحفز غير بيئي.

لهذا، فمن الضروري عند تحليل آلية بيولوجية أن يُؤخذ بعين الاعتبار التاريخ التطوري للحيوان: البيئة التي تطور فيها أسلافه، والمشاكل المتكررة التي يتَعَين عليهم حلها؛ ممّا يُمكِّن من الإجابة عن أربعة أسئلة رئيسية: “كيف تعمل؟”، و”كيف تتطور؟”، و”لماذا تعمل بهذا الشكل؟”، و”كيف تطورت في سياق نظرية التطور؟”.[3] يُقدم أول سؤالين تفسيرات تقريبية، بينما الآخران يقدمان تفسيرات مُطْلقة.

 

وللتوضيح: تخيل أنك مُطالب بتجربة نقاط القوة والضعف لهذا الشيء:

يمكنك استخدامه مطرقة مثلًا، ثم تجد أنه سيئ في طرق المسامير. ربما تكون لثقب الورق، وأثناء ضغطك على الورق، يسألك زميل حائرًا: “لماذا تحاول ثَقب الورق باستخدام منزعة نوى الكرز؟!” يا للعجب! فجأة أصبح كل شيء واضحًا. أنتَ تعرف تمامًا كيفية استخدامها، وبإمكانك الآن توقع ما يُمكن أن تكون جيدة (أو سيئة) فيه، كما تشعر بالسوء لإطلاق لفظ “مطرقة سيئة” على منزعة نوى الكرز… كان أمرًا غير لائق.

ومنطق الهندسة العكسية الموجود في لُب علم الأحياء التطوري ذاك نادرًا ما يُطبَق على التفكير. بدلًا من ذلك، يَعْزو الباحثون إلى التفكير دور تقويم حدس المرء وحل المشكلات. وعادة يذكر هذا الدور بشكلٍ ضمني، حيث قلَّمَا يُعد موضوعًا جديرًا بالنقاش العلمي[4]. وفي واقع الأمر، لطالما كان صندوقًا أسود تَحَلّت قلة قليلة بالشجاعة لفتحه، باستخدام الأدوات البيولوجية المناسبة.

لكن (هوجو ميرسييه)، من أعمل معه في المدرسة العليا للأساتذة “École Normale Supérieure”، و(دان سبيربر) جازفا مؤخرًا بفتحه في كتابهما لعام 2017، لغز العقل “The Enigma of Reason”. ووفقًا لهما، فالتفكير ليس القدرة على تقويم الحدس الخاطئ أو حل المشكلات؛ إذ الطبيعة مليئة بالصعاب التي يتعين على الكائنات الحية حلها (مثل إيجاد شريك، أو طعامٍ للعشاء)، كما أنها تجدد باستمرارٍ ما تعرفه مسبقًا أو ما تعتقده عن البيئة بطريقة عقلانية للغاية، فعلى سبيل المثال، تعيش بالصحراء الكبرى الكاتاجليفِس فورتِسCataglyphis fortis”، وهي فصيلة من النمل، وهي تستخدم “بوصلة سماوية” و”عداد مسافة” للعثور على الطريق الأقصر للعودة إلى المستعمرة بعد إيجاد الطعام. وتعتمد هذه الاستدلالات المُعقدة على نظام إدراكي مُتخصص – يقع خارج نطاق التفكير – يعمل على تحديث معلوماتها المُسبقة عن البيئة وتمكينها من حل مهمة صعبة، هي العثور على طريق العودة إلى الديار في الصحراء.

يرى (ميرسييه) و(سبيربر) أن العقل أداةٌ تطورت لحل مشاكل معينة لها علاقة بالتواصل،[5] مثل تقييم المعلومات المقدمة من الآخرين، وإقناع أفراد الأسرة أو العشيرة بالتحاور، وتبرير سلوك المرء لحماية وتحسين سمعته في عالم اجتماعي مُعقد. وتضع نظريتهم فرضيات مبتكرة وقابلة للاختبار، مثل كون العقل يُقدم أفضل ما لديه عندما يُحاور الناس بعضهم البعض بدلًا من التفكير فُرادى، وأننا نُقيّم الحُجج بموضوعية أكثر من خلقها.

وفي ضوء نظريتهما، فإن فشل مسائل التفكير ونجاحها يبدو أكثر منطقية. فعلى سبيل المثال، بمفردنا نحن غير جيدين كفاية في حل معضلة المضرب والكرة، ولكن ضمن إطار أكثر بيئية، عندما يُمكن أن نتحاور ونتناقش بشكلٍ جماعي، ستنتشر الإجابة الصحيحة كالنار في الهشيم، كما أوضح (ميرسييه) وزملاؤه في دراسة الجدل، وانتشار المعتقدات غير البديهية “Argumentation and the Diffusion of Counter-Intuitive Beliefs” بعام 2017.

وبدلًا من المحاولات الجاهدة لإيجاد تحيزات في الإدراك الإنساني، باستخدام مهام غريبة لا تتمتع إلّا بقدر ضئيل من الصلاحية الإيكولوجية، فإن علم نفس الاستدلال سيصبح أكثر إثمارًا إذا اتبع المزيد من الباحثين درس تنبيرجن البسيط: حاور الحيوانات بلغتهم الخاصة، وإلا سنضيع لبعض الوقت في محاولتنا لفهمها.


  • ساشا ألتاي Sacha Altay طالب دكتوراه بالعلوم المعرفية في المدرسة العليا للأساتذة بباريس. يدرس الجدل، والمعلومات المضللة، وكيفية تقييم المعلومات المنقولة.

[1] هذه وجهة نظر الكاتبة ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

[2] هذا مبني على العقيدة الداروينية، لطفًا انظر: https://atharah.com/the-mind-evolution-problem/

[3] انظر: https://atharah.com/التطور-نظرية-فنّدتها-الحقائق

[4] تُوجد استثناءات جديرة بالذكر مثل عمل (جيرد جيجيرينزر) وزملائه بشأن الدور التكيفي للتحيزات المعرفية.

[5] انظر: https://atharah.com/the-mind-evolution-problem/

+1
المصدر
nautil

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى