الفلسفة

معضلة التواصل

ديريك غروفر يحلل التواصل الفكري

  • ترجمة: مصطفى علي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: عز الدين سراج

ظهرت تساؤلاتي حول التواصل بعدما قرأت بعض الأوراق البحثية في: الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتي بدت مكررة تَكرارًا مبالغًا فيه، فقرة تلو الأخرى… فهو نفس الكلام تقريبا مع إضافة بسيطة فقط، ولاحظت إمكان اختزاله فيما يقارب عشرةً بالمئة فقط من طوله دون فقد قيمته، وبعد أن اقتنعت بفكرة “البرهان الأقصر هو الأفضل” تساءلت: هل اللغة أنسب وسيلة للتواصل في بعض العلوم الإنسانية؟

وكيف تكون الفلسفة مع هذا الطرح؟ انطباعي عن بعض الأوراق الفلسفية أنها نتاجُ عقلٍ مشتت تحركه نزواته شمالًا ويمينًا، فهل يمكن لعقل كهذا أن ينضبط انضباطًا مفيدًا فيخرج -قبل أن يغير الموضوع- بنقاط واضحة ودقيقة، مقسمة إلى أقسام فرعية إن لزم الأمر؟

قد تكون إحدى المشكلات أن الفلاسفة يريدون كتابة جمل عن العالم تشمل كل شيء، في حين أنه من الصعب جدًّا كتابة جملة تنطبق على كل الحالات، وربما من أجل هذا تحتاج الجمل الفلسفية متطلبات كثيرة= وبالتالي تصبح أصعب على القارئ، ومن السهل أن يكتب المؤلفون جملة تحتوي على فقرات مختلفة، وبنود فرعية ضمن الفقرات؛ لأنهم يعرفون الفكرة الأساسية للجملة؛ فيمكنهم التعامل مع المشكلات العارضة مع الحفاظ على الفكرة الأساسية في رأسهم، لكن الأمر مختلف مع القارئ؛ فهو لا يعرف الفكرة الأساسية حتى نهاية الجملة، ويكون قد تشتت بسبب كثرة المتطلبات قبل أن يصل إلى نهايتها، وبالتالي عندما يصل إلى نهاية الجملة يكون قد نسي أولها.

وموثق أن تطور الرياضيات قد تلازم مع اختراع ترميز مناسب، وعليه ربما أخرت الأرقام الرومانية تطور الرياضيات في روما القديمة -على الرغم من درايتي بأن هذه الأرقام متوافقة مع العادِّين وبالتالي هي مناسبة لعد كتائب الجنود- فقد استفادت الرياضيات من الترميز المناسب، والهندسة أيضا كانت ستصعب لو لم يكن أمامها سوى الكلمات.

ومثال يوضح حدود اللغة: تجربة قام بها أحد الزملاء حيث أحضر قضاة للنظر في قضية حادث سيارة، فقال إن المحامين ظلوا الصباح كله يشرحون القضية، لكن القضاة لم يتمكنوا من فهم ما حدث، وبعدها في استراحة الغداء ذهب أحد القضاة إلى موقع الحادث ورسم خريطة، وعند رؤية الخريطة فهم القضاة القضية بالكامل، فمن الجلي أن الكلمات لم تكن كافية لوصف الحادث، وفي مناسبة أخرى كتبت الشروط المالية لرخصة في سطرين برياضيات بسيطة، في حين قال محامينا إنه احتاج ثلاث صفحات ليصفها في نص قانوني، فمن الواضح أنه يجب تعريف الشروط في المعادلات، لكن مهما يكن لم يستطع كتابة معادلتي في صفحة واحدة.

وملء طلب براءة الاختراع هو مجال آخر يعاني من صعوبة الكلمات، فقد يجد المخترعون صعوبة بالغة في التعرف على اختراعاتهم بقراءة الكلمات التي تصفها، لكن من المعتاد إضافة رسومات بيانية حول الاختراع لجعله مفهوما، وبالطبع؛ فإن موظفي براءات الاختراع عادة ينظرون إلى الرسومات البيانية قبل قراءة النص، وسيكون من المستحيل فهم دارة كهربائية لو كانت توصف بالكلمات فقط، كما أن الرسم البياني أنجع وأنجح في نقل الأخبار الرائجة في عمود صحفي مصحوبة بالعديد من الأرقام.

لكن هل يمكن تطبيق هذه الدروس على الإنسانيات؟ أرى أن نصف الفلسفة -وربما أكثر- عبارة عن تعريف للكلمات التي نستعملها، والتعريف مرحلة لازمة قبل النقاش، لكن بعد ذلك أيهما أفضل: فقرة نصية، أم مخطط تدفق؟ أو هل يمكن أن يكون التواصل في علم الاجتماع وعلم النفس أفضل باستعمال الدراما، حيث يضيف سلوك الممثل مزيدا من المعلومات؟ إن حصة تجريبية في الدراما النفسية قد تمكن المشاركين من فهم القضية أفضل من نص.

إن التوضيح بالأمثلة طريقةٌ جيدةٌ لشرح المفاهيم الصعبة في عالم الفلسفة، ودروس الأستاذ ميشال سندال لطلاب جامعة هارفارد مثال للعرض الجيد، خاصة تفاعله مع الطلاب لاكتشاف جانبي السؤال.

في السبعينيّات، انتقدت الأوراق البحثية بيانات رسوميات الحاسوب بسبب أن الكتاب كانوا يتعمدون إبهام أوراقهم؛ كي يعيقوا الآخرين عن التطوير والبناء على عملهم، وليحافظوا على أسبقيتهم في المجال، وأحيانا أرى إمكانية تحقيق الإعاقة في مجالات أخرى عن طريق جعل النص مملًّا جدًّا.

والآن سأدعك مع الأسئلة التالية: هل نتواصل بأكثر الطرق فعالية؟ وإن لم يكن، ماذا يمكن أن نفعل حيال ذلك؟ على سبيل المثال هل سيكون من المفيد للنصوص الفلسفية أن تكتب بحيث يكون الموضوع في بداية الجملة ومن ثم الإضافات على ذلك الموضوع تضاف لاحقا بتسلسل منطقي؟ ستكون صعبة على الكاتب الذي سيحتاج إلى انضباط زائد ليوضح تفكيره لكن ستسهل الفهم على القارئ.

أعجبني المقال

المصدر
philosophynow

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى