الفلسفة

فينومينولوجيا العزلة

كيف يرى هوسرل وهايدجر حالتنا الاجتماعية

  • ديرموت موران*
  • ترجمة: سارة بنت مسلط البقمي
  • تحرير: محمد بن عبد العلي عبيدة

كان هناك -على مر تاريخ الفلسفة- شد وجذب بين القيم التي توفرها لنا العزلة، والحاجة الفطرية إلى فهم أنفسنا من خلال علاقتنا بالآخرين. في المنهج الفينومينولوجي لإدموند هوسرل ومارتن هايدجر، نجد صورة حية للإنسان باعتباره كائنًا تأمليًا وحيدًا، لكنه اجتماعي بالأساس.

غالبًا ما يُعتقد أن الفلاسفة يفضلون العيش بمفردهم، في عزلة مكرسين أنفسهم للتأمل الهادئ؛ فهناك الصورة التقليدية للمعلم الروحاني أو الراهب الهندوسي الذي يعيش في كهف. وهذا يحدث بالفعل، فقد تحولت امرأة بريطانية شابة، تدعى تينزين بالمو (ديانا بيري سابقًا) إلى الديانة البوذية في سنوات مراهقتها، وسافرت إلى الهند للدراسة في سن العشرين، ثم عاشت لمدة 12 عامًا بمفردها في كهف صغير في أعالي جبال الهيمالايا في شمال الهند، وعاشت وحدها في معاناة شديدة، لكنها –مع ذلك- ادعت أنها لم تكن وحيدة أبدًا و “لو لدقيقة واحدة” (MacKenzie 1999، 87). على أن العيش بمفردها في مثل هذه العزلة هو أمر شبه مستحيل، وفي الواقع، كانت تعتمد على الآخرين في إمدادها بالطعام والضروريات الأخرى لها.

ويقدم نظام الرهبنة المسيحي المزيد من الأمثلة على هذه العزلة الشديدة؛ فتضم هضبة Skellig Michael الواقعةُ قبالةَ الساحل الغربي لأيرلندا (التي اشتهرت مؤخرًا باسم: The Last Jedi في سلسلة حرب النجوم) أكواخا حجرية لمستوطنة رهبانية مبكرة، حيث عاش الرهبان في حرمان ومشقة كبيرة في القرنين الثامن والتاسع الميلادي، ضمن قواعد صارمة للغاية.

“التفلسف هو أن تكون في حوار مع الآخرين، حتى لو كنت تبحث عن نفسك”، كما يقول سقراط.

يحتوي التقليد الفلسفي اليوناني الكلاسيكي أيضًا على أمثلة على هذه العزلة؛ فعلى سبيل المثال، عاش ديوجاين الكلبي (حوالي 404-323 قبل الميلاد) حياة قاسية، ورفض كل وسائل الراحة، وأحيانًا كان ينام في جرة تخزين كبيرة أو في قِدْر واسعة، ولم يترك أي كتابات، لكن أُحيَت ذكراه ضمن ديكسوغرافيا ديوجين اللايرسي: “حياة الفلاسفة البارزين”، وقيل إنه كان ينتقد أفلاطون، وكثيرا ما كان يقطع ندواته.

في الواقع، كانت التقاليد الفلسفية اليونانية الرئيسية أكثر ميلا نحو الحضرية والعالمية، حيث كانت تتركز حول أثينا. كان سقراط من سكان المدينة، وكان يتردد على السوق (أغورا)، وهو بالتأكيد أكثر الأماكن ازدحامًا في أثينا. أراد سقراط أن يعيش ويتحدث مع الآخرين، ولكن لكي يتعرف على نفسه أكثر. نجد في محاوارت أفلاطون هذا الخبر: يذهب فايدروس وسقراط في نزهة خارج أسوار المدينة، فيقول سقراط لفايدروس: “أنا عاشق للمعرفة، والرجال الذين يسكنون المدينة هم معلميّ، وليس الأشجار ولا الأحجار. ومع ذلك فإنني أعتقد بالفعل أنك وجدت دورا ما ستجذبني بها خارج المدينة إلى بلد آخر، شأني في ذلك شأن حيوان جائع يلوح له بغصن أخضر طري أو بسلة من الفاكهة، وأنت يمكنك أن تحملني على ان أتبعك حول أتيكا كلها، وفي جميع أنحاء العالم” (فيدروس-المحاورات الكاملة، 4/31). بشكل عام، أكد سقراط وأفلاطون وأرسطو أن البشر حيوانات سياسية، تزدهر في المدينة-الدولة، وفي مجتمع سياسي جيد التنظيم.

أما الفيلسوف التأويلي الأشهر في القرن العشرين، هانز جورج غادامير (1900-2002)، الذي أحب المشي والتحدث، فكثيرًا ما أوضح أن فكرة الذهاب في نزهة فردية هي إلى حد كبير فكرة رومانسية أوروبية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكان من غير المعقول تقريبًا لأولئك الذين يعيشون في العصور القديمة أو في العصور الوسطى أن يذهبوا في نزهة فردية، فقط لفهم أو الوصول إلى أفكارهم، كما تشير ملاحظات سقراط.

ولتوضيح عدم اهتمام القرون الوسطى وعصر النهضة بالانفراد بالطبيعة، من المثير للاهتمام أن نأخذ في الاعتبار أن بترارك (في رسالته إلى ديونيجي دا بورجو سان سيبولكرو، المترجمة في:  Cassirer 1948) يروي تسلقه لمونت فينتو، في جنوب فرنسا، برفقة أخيه، ولكن بعد رؤية الطبيعة من القمة، جلس ليقرأ اعترافات القديس أوغسطين ووجد مقطعًا لأوغسطين (في الاعترافات، الكتاب العاشر الفصل 8 الفقرة 15) يقول فيه: البشر معجبون بالجبال والبحار والنجوم وكل ما هو على الأرض، لكنهم لا يرون قيمة العالم الداخلي للعقل الأكثر ثراءً. وهذا الصعود إلى القمة -بالنسبة إلى بترارك في حقيقة الأمر- قصة رمزية مسيحية-أفلاطونية، من أجل الصعود إلى العقل الداخلي بعيدًا عن المظاهر الخارجية.

كذلك، طور الرومانسيون الأوروبيون (بما في ذلك اللورد بايرون وويليام وردزورث) فكرة جديدة عن كون انفراد المرء بالطبيعة ليتواصل مع نفسه أمرا طبيعيا للإنسان. لقد أصبح اللجوء إلى العزلة الريفية بعيدًا عن البشر شعارًا سيستمر حتى القرن العشرين، مع دعوات “العودة إلى الطبيعة” التي كانت في الستينيات. إن المرء يذهب إلى العزلة من أجل أن يكون “بعيدًا عن صراع الجماهير الهائجة” كما يقول توماس جراي، في” “مرثاة مكتوبة في مقبرة”، 1751).

لقد كان جان جاك روسو من أوائل من روجوا للوحدة باعتبارها الحالة الطبيعية للإنسان؛ ففي كتابه Reveries of the Solitary Walker (Rousseau 1782) ، الذي ألفه قبل وفاته بفترة وجيزة عام 1778 ولم يكمله، سجل روسو أفكاره في 10 جولات حول باريس. وبالمثل، شعر هنري ديفيد ثورو بالحاجة إلى تجنب المجتمع للعيش في بلده “كابين” لمدة عامين (1845-1847) في والدن، وكتب في “رحلة ليوم واحد من بوسطن”: “لدي شمسي وقمري ونجومي، وعالم صغير كله لي”. ثورو –بالمناسبة- يقتبس رثاء توماس جراي؛ وبالنسبة إلى ثورو -وفي الواقع بالنسبة إلى جميع العلماء- فإن الوحدة هي جزء ضروري من حياة المرء؛ يكتب ثورو:

“لم أجد مطلقًا الرفيق الذي يكون ونيساً مثل العزلة. نحن نشعر بالوحدة في الغالب عندما نسافر إلى الخارج بين الناس، أكثر مما نشعر به عندما نبقى في الغرف. أما الشخص الذي يفكر أو يعمل دائمًا بمفرده، فليكن حيث يشاء. لا تُقاس العزلة بأميال الفضاء التي تتداخل بين المرء وزملائه؛ فالطالب المجتهد حقًا في إحدى الفصول المزدحمة في كلية كامبريدج هو –في واقع الأمر- منعزل مثل الدراويش في الصحراء”. (Thoreau 2004، 135).

أما مارتن هايدجر، فقد بنى -اتباعًا للرغبة في العزلة بعيدًا عن الحضارة الصاخبة- كوخه الخاص على منحدرات تلال الغابة السوداء في تودتناوبيرغ، خارج فرايبورغ. لكنه في هذا الكوخ البعيد، قرأ ميتافيزيقا أرسطو وأعمال فيلهلم ديلتاي (وفقًا لتلميذه غادامير، الذي زاره هناك في عام 1923)، وكتب كتابه الكلاسيكي “الكينونة والزمان” (1927/1962). وبالنسبة إلى التقاليد الظاهراتية لهوسرل وهايدجر، فإن السمة الوجودية الرئيسية للوجود البشري (الدازاين بالألمانية) هي أن البشر أيضًا يتعايشون معا (ميتسين)؛ فأن “نكون” -حسب تعبير هايدجر- يعني أن نوجد مع الآخرين، ونشاركهم العالم اليومي والثقافي، حتى تصير حياتنا الفردية مشبعة بصلتنا مع الآخرين، ومرتبطة بهم من خلال الممارسات الاجتماعية المشتركة.

بالنسبة إلى هايدجر، لا توجد الأنا المنعزلة، فالوجود البشري موجّه مسبقًا نحو الآخرين.

يناقش هايدجر في كتابه “الكينونة والزمان” مصطلح “ميتسين/الوجود معًا”. يعطي هايدجر المصطلح بعدا فلسفيًا معينًا: يرتبط الوجود البشري دائمًا من الناحية الهيكلية بالآخرين (حتى عندما يكون المرء بمفرده والآخرون غائبون بالفعل). بالنسبة إلى هايدجر، لا توجد الأنا المنعزلة (“الذات المجردة من دون عالم أبدًا لا تتصور”، هايدجر 1962، 152)، فالوجود البشري موجه مسبقًا نحو الآخرين؛ يقول هايدجر: “إن الوجود مع الآخرين (متسين) هو أصل مشترك لكينونة الذات أو الذات الفردية (سيلبستين). ومن هنا، يصير الوجود مع الآخرين أحد المكونات الوجودية للكينونة في العالم؛ فالمرء ليس ذاتًا منعزلة أبدًا، فحتى في العزلة يسمع المرء صوت الآخر، والصديق الغائب، والأم الميتة، وما إلى ذلك؛ ويزور المرء نفسه والآخر في ذكريات الماضي.

الوجود البشري إذن له طابع “الوجود مع الآخر”، حتى لو لم يكن هناك آخرون في الجوار المباشر؛ فأنا مثلا أمشي بجوار حقل يظهر أنه قد حرثه شخص ما؛ وحتى القارب يظهر أنه مملوك لأحد معارفي. إننا نواجه الآخر حتى في عالم المعدات “التي تكون جاهزة في متناول اليد”؛ مقبض الباب -على سبيل المثال- موجود للجميع. إن البشر في الأساس متواصلون واجتماعيون، وهم بمنزلة المشاركين في مشروع  ضخم مع بعضهم البعض، حنى أننا لنرى الآخر في كل مكان: شخص ما أوقف سيارة هناك؛ إنهم يحفرون الشارع، ومصمم ذلك الفستان محترف جدا، “البيئة… ليست ملكي فحسب، بل هي عالم الآخرين أيضًا”. (History of the Concept of Time، p. 237؛ GA 20 326-27).

يؤكد الفينومينولوجيون الآخرون أيضًا على الجماعية البشرية حتى في حالة العزلة؛ فقد كتب ماكس شيلر، في كتابه الكلاسيكي “الصورية في الأخلاق” (1916/1973)، أنه حتى روبنسون كروزو لم يكن وحيدًا تمامًا؛ فقد أحضر معه إلى العزلة كلا من اللغة والأفكار والمهارات والملابس من عالمه في القرن السابع عشر؛ كتب شيلر قائلا:

حتى روبنسون كروزو الخيالي، الذي يتمتع بقدرات معرفية، قد يصلح لأن يشارك في تجربة كونه عضوًا في وحدة اجتماعية بتجربته في عدم الالتزام بأنواع الأفعال التي تشكل شخصًا بشكل عام. (شيلر 1973، 521).

ويوضح شيلر أيضا في كتابه طبيعة التعاطف (1923/1954):

لم يكن بإمكان روبنسون كروزو أن يقول: “لا يوجد مجتمع وأنا لا أنتمي إلى أحد، أنا وحدي في العالم”. لم يكن ليقيم فاصلا بين كينونته والمجتمع، بل سيقول: “أعلم أن هناك مجتمعًا، وأنني أنتمي إلى واحد (أو أكثر)؛ لكني لست على دراية بأفرادهم، وبالمجموعات العملية لهؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع كما هو موجود بالفعل. (شيلر، 1954، 234).

وبما أن البشر اجتماعيون بفطرتهم -حتى لو لم يكن هناك “آخرون” في المجتمع-؛ فإن العزلة لا يمكن أن تكون إلا حالة مصطنعة. ويحتاج المرء إلى انضباط غير عادي للحفاظ على الصمت، وفقدان الاتصال الجسدي مع البشر الآخرين. وما لم يتم اختياره بشكل صريح كطريقة منهجية للوصول إلى الذات، فإن الحبس الانفرادي هو عقوبة تعذيب للبشر. إن جزء من مفتاح التعامل مع العيش في عزلة هو الروتين المنظم، والانضباط العقلي الصارم.

في الواقع، اعتقد إدموند هوسرل أن اتباع طريقته في تعليق الحكم على الوجود -الإبوخي الظاهراتي- كانت على وجه التحديد وسيلة للانفصال عن هذا الوجود مع الآخرين، المتؤصل في الموقف الطبيعي؛ فاعتقد أن ممارسة الفلسفة تتطلب نوعًا فريدًا من العزلة الفلسفية التي تتعارض مع الوضع الطبيعي. لذلك، كتب في أزمة العلوم الأوروبية (1936) عن الوضع الخاص جدًا للأنا التأملية التي تعمل في ظل العصر:

إنني في هذه العزلة لست فردا ينعزل، على أساس عناد في الرأي -وإن كان مبررا نظريا (أو على أساس الصدفة مثل راكب سفينة غرقت)- عن جماعة البشرية، لكنه يستمر في اعتبار نفسه مع ذلك منتميا إليها. أنا لست أنا واحدة لا زال يتوفر أمامه “أنت” المنتمي له، و”نحن” المنتمين له، ومجتمع الجماعة الكلية للذوات المتعايشة معه على صلاحية طبيعية بالنسبة له. كل البشرية، وكل تمييز بين الضمائر الشخصية وكل نظام لها أصبح في الإيبوخي الذي أمارسه أنا ظاهرة، وكذلك أسبقيتي كأنا إنسان إزاء الناس الآخرين. إن الأنا الذي أبلغه في الإيبوخي، وهو ذاته ال-(ego) في التصور الديكارتي -بعد إعادة تأويله وتحسينه- لا يسمى في الحقيقة «أنا» إلا على أساس الجناس، ولو أنه جناس ماهوي، لأنني عندما أسميه وأنا في حالة التأمل الانعكاسي لا يمكنني أن أقول شيئا آخر سوى: إنه أنا، أنا الممارس للإيبوخي، أنا الذي أسائل العالم الذي له الآن صلاحية بالنسبة لي في وجوده وكيفية وجوده مع كل البشر الذين يضمهم، العالم الذي أنا متيقن منه تماما الذي أسائله كظاهرة؛… (أزمة العلوم الأوروبية، ص284).

إن التأمل يجعل معرفتنا اليومية بأنفسنا غير مألوفة لدرجة أنني يجب أن أعلق كل معرفتي بماهية الأنا. هذا هو النوع الأسمى من العزلة، لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التفكير المنهجي الخاص.

في كثير من الأحيان، حفزت كتابات كارل ماركس وماكس فيبر الفينومينولوجيين (بما في ذلك ماكس شيلر، وأدولف رايناخ، وإديث شتاين، وجيردا والثر، وهربرت ماركوز، وألفريد شوتز، وآرون جورويتش، وكارل لويث، من بين آخرين كثيرين)، ودفعتهم إلى الانتباه إلى الهياكل المسبقة للوجود الاجتماعي ودستور العالم الاجتماعي. على سبيل المثال، كانت أطروحة الدكتوراه لكارل لويت، التي كتبها هايدجر في عام 1928، بعنوان Das Individuum “عن الفردانية” في دير Rolle des Mitmenschen، Löwith 1969؛ وبالمثل، قدم عالم الفينومينولوجيا الاجتماعية النمساوي ألفريد شوتز (الذي قرأ هوسرل بشكل مستقل) عرضًا مفصلاً لعالم الحياة اليومية في كتابه “فينومينولوجيا العالم الاجتماعي” (1932)، حيث يميز شوتز بين أربعة أبعاد لعالم الحياة، وهي: عالم المعاصرين، و عالم الأسلاف، والمجايلين، والخلف المستقلبيين. وبالنسبة إليه، يمكن أن يكون  “عالم معاصرينا” بشكل أساسي غير شخصي ومجهول الهوية؛ ويميزه شوتز عن العالم الذي نعيش فيه من خلال “المواجهات وجهاً لوجه”. نحن ننتمي إلى الآخرين، قبل أن نتمكن من فصل أنفسنا كأفراد.

وبالنسبة إلى هايدجر في الكينونة والزمان، فيمكننا أن نكون مع أنفسنا في المجتمع بطرق مختلفة، حيث هناك طريق “أصيلة” (eigentlich) و”غير أصيلة” (uneigentlich)؛ وفي المجال العام (die Öffentlichkeit Heidegger 1962، 165) نكون على دراية بالآخرين بشتى أنواع الطرق، بعضها أقرب والآخر أبعد. لكن، هناك تسوية ضمنية، وبُعد (Entfernung) متضمن في هذا “المجال” (على سبيل المثال، تم تصميم المقاعد على الطائرات لاستيعاب متوسط ​​حجم البشر). غالبًا ما يتم تقديم هذا العالم الاجتماعي للآخرين بشكل مجهول ويتم اختباره من خلال “أنا” أو “هم” (Heidegger’s das Man). في هذه التجربة، أنا أقل من نفسي لأنني مجرد “شخص ما” يشكل جزءا من الـ”هم” المجهول والجماعي (كما في “سمعت أنهم سيمنعون التدخين في السيارات الخاصة”). علاوة على ذلك، فإن هذا المعنى، بالنسبة إلى هايدجر، يمثل الطريقة التي “أكون بها مع الآخرين”؛ إنها طريقة لأكون نفسي من بين آخرين.

إننا جميعًا ننتمي إلى نفس العالم المشترك الذي نتشاركه ونبنيه؛ يشير هايدجر بشكل صريح إلى أن الأفعال الشخصية المحضة “المتبوعة بضمائر الملكية” هي بالضبط ما هي عليه بالضبط، مقابل خلفية من الأفعال المجهولة، حيث يقوم المرء بما يفعله (“الشخص”، “أي شخص”) مع الآخرين.

العزلة هي فن يجب تعلمه؛ صحيح أن لها مكانتها، لكن مكانها يقع ضمن البيئة الأكبر :”للعالم مع الآخرين”، وهذا بالتأكيد هو الدرس الفينومينولوجي.

يؤدي التأمل في العزلة البشرية والتعايش مع الآخرين إلى النظر في الطبيعة الخاصة لـ “القرب” (Nähe) و”البعد” (Distanz) تجاه الآخرين؛ حيث تتغير هذه المفاهيم بشكل عميق في عوالمنا التكنولوجية الحديثة. يشير هايدجر وآخرون (مثل مارشال ماكلوهان) إلى أن التكنولوجيا (الطرق والسكك الحديدية والسفن والطائرات والراديو) -بمعنى ما- تقرب الأشياء؛ ونحن نعيش بالفعل في “قرية عالمية” (McLuhan 1962). يشير هايدجر إلى أنه لمجرد أن الوجود البشري “في” العالم، فهذا لا يعني أن لديه طريقة محايدة لشغل المكان والزمان. إن الصوت الموجود في الراديو موجود في الغرفة معنا، ولكن يمكن أن يكون تقريرًا عن كارثة على بعد آلاف الأميال. لقد اقترب البعيد، بمعنى ما، لكنه ليس بالضرورة أقرب.  بالنسبة إلى هايدجر، هذا هو جوهر الوجود الإنساني، أي التغلب على البعيد أو تقريبه بهذه الطريقة (Heidegger، 1962، 139). ويؤكد هايدجر، كما نعلم الآن من وسائل الإعلام الجديدة، أن هذا النوع من “القرب” (Nähe) يجلب معه نوعا غريبا من البعد. إن “أصدقاءنا” على Facebook ليسوا بالضرورة أصدقاء حقيقيين. وبالنسبة إلى هايدجر، لقد قربنا الراديو نوعا ما، ولكن ربما أكد أيضًا على البعد بيننا. يناقش هايدجر في “الكينونة والزمان” هذه الخاصية المتمثلة في كل من “الاقتراب” و “التباعد” (Entfernung) كشيء أكثر تعقيدًا، ومرتبطا بزمانية الدازاين ومكانيته. والبشر -على حد سواء- بعيدون “غريبون” قريبون: “في الدازاين هناك عنصر أساسي هو الميل نحو التقارب “(Heidegger، 1962،140). إن اهتمامنا الحذر يقرر ما هو الأقرب، ولا تبدو نظارات المرء أقرب إلينا إذا كنا نراه من وراء الشاشة.

في ظل الوباء الحالي، عانى الجميع من قيود اجتماعية و “تباعد اجتماعي”. ربما افترض الفلاسفة في الماضي أن الحياة اليومية العادية مملة إلى حد ما وليست مهمة من الناحية الأخلاقية؛ لكننا الآن نرى الحياة اليومية تؤوي وتغذي أهم القيم التي لدينا: قيم الرفقة والأسرة والمشاركة الاجتماعية وغيرها… صرنا نتوق إلى وقت يمكننا فيه أن نلتقي وجهًا لوجه، ونتمكن من احتضان بعضنا البعض؛ ونتوق إلى رؤية أطفالنا يلعبون معًا في الملعب.  يجب أن تكون استجابتنا المستقبلية هي حماية بيئتنا البشرية اليومية، وقدرتنا على التفاعل الجسدي مع بعضنا البعض، وأن نكون قادرين على الشعور بالاستجابات العاطفية لبعضنا البعض بشكل مباشر، وليس فقط من خلال التكنولوجيا.

بسبب هذه الأزمة، أعتقد أنه سيكون هناك اهتمام متجدد بفلسفة التضامن، والتعاطف، والذاتية المشتركة، وعالم الحياة، وجميع موضوعات الحركات الظاهراتية والوجودية. إن العزلة فن يجب تعلمه. صحيح أن لها مكانتها، لكن مكانها يقع ضمن البيئة الأكبر “للعالم مع الآخرين”، وهذا بالتأكيد هو الدرس الفينومينولوجي.


  • ديرموت موران، وهو المشرف على كرسي يوسف للدراسات في الفلسفة الكاثوليكية في كلية بوسطن، وأستاذ الفلسفة (الميتافيزيقا والمنطق) سابقًا في جامعة كوليدج دبلن.

المراجع:

  1. Cassirer, Ernst et al. Ed. 1948. Renaissance Philosophy of Man. Chicago: U. of Chicago Press.
  2. Diogenes Laertius. 1965/1966. Lives of Eminent Philosophers. 2 Vols. Trans. R. D. Hicks. London/Cambridge, MA: William Heinemann Ltd./Harvard University Press, 1965-66.
  3. Heidegger, Martin. 1962. Being and Time. [1927]. Trans. John Macquarrie and Edward Robinson. New York: Harper & Row.
  4. Husserl, Edmund. 1970. The Crisis of European Sciences and Transcendental Philosophy. [1936]. Trans. David Carr. Evanston: Northwestern University Press.
  5. Löwith, Karl. 1969. Das Individuum in der Rolle des Mitmenschen. [1928]. Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft.
  6. Mackenzie, Vicki. 1999. Cave in the Snow, a Western Woman’s Quest for Enlightenment. London: Bloomsbury.
  7. McLuhan, Marshall. 1962. The Gutenberg Galaxy. The Making of Typographic Man. Toronto: University of Toronto Press.
  8. Rousseau, Jean-Jacques 1782. Reveries of the Solitary Walker. London: Penguin Books, 1979.
  9. Scheler, Max, 1973. Formalism in Ethics and Non-Formal Ethics of Values. [1916]. Trans. Manfred S. Frings and Roger L. Funk. Evanston, IL: Northwestern University Press.
  10. Scheler, Max, 1954. The Nature of Sympathy. [1923]. Trans. Peter Heath, Hamden. London: Routledge & Kegan Press.
  11. Schutz, Alfred. 1967. The Phenomenology of the Social World. Trans. G. Walsh and F. Lehnert. Evanston: Northwestern University Press.
  12. Thoreau, Henry David. 2004. Walden, 150th Anniversary Edition. With an Introduction by John Updike. Princeton: Princeton University Press.

أعجبني المقال

المصدر
iai

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى