الفلسفة

استباحة الإدراك العربي

بين تحليل زيجمونت باومان وصيحة فرانز فانون

  • محمد السفياني

“الحياة السائلة لا تضفي صفة الدوام إلا على حالة الزوال” الحياة السائلة. ص97.

حين كتب زيجمونت باومان مقدمة للطبعة العربية من كتابه الحداثة السائلة كان حجاج أبو جبر -مترجم الكتاب- يتمنى أن تكون المقدمة “بسيطة تخاطب القارئ العربي وهمومه الوجودية” لكن باومان بعد كتابته صفحات لا تهم إلا الباحث اعتذر قائلا: “إن الكلمة أمانة” شارك جزءٌ مني المترجم في خيبة أمله، إذ وددت لو قرأت ما كان باومان ليكتبه عن البلدان العربية الدائرة في فلك الحداثة -وهو الذي يرى الحداثة حالة عالمية تستحوذ على الكوكب دون تفرقة بين بقعة وأخرى- لكن سرعان ما تلاشت تلك الرغبة إثر موقف حضاري يقبل فيه المرء أن يستعير من غيره تشخيص الدّاء لكن به أنفة أن يقدم غيره له الدواء .

يقول فرانز فانون: “إن أُلهيات البلاد المُصنّعة معروضة على شبيبة البلاد المتخلفة في أكثر الأحيان، والأمر الطبيعي في الواقع هو أن هناك تجانسا بين المستوى العقلي والمادي لأفراد مجتمع من المجتمعات وبين اللذات التي يستمتع بها هذا المجتمع، ولكن الشبيبة في البلاد المتخلفة تنعم بأُلهيات خُلقت لشبيبة البلاد الرأسمالية: الأدب الخليع، الأفلام الممنوعة، والمشروبات الكحولية، ففي الغرب نرى الجو العائلي، والمواظبة على المدارس، ومستوى معيشة الطبقات الكادحة، العالي نسبيًا، نرى كل ذلك يحول بعض الشيء دون انجراف الشبيبة في هذه الأُلهيات انجرافًا مؤذيًا، أما في بلد أفريقي، حيث النمو النفسي متفاوت وحيث يصطدم عالمان اصطدامًا عنيفًا فتتزعزع من ذلك التقاليد القديمة تزعزعا كبيرا ويتفكك عالم الإدراك، فإن عواطف الفتى الأفريقي وحساسيته يخضعان لهجمات الحضارة الغربية ويتأثران بها تأثرا كبيرا، وكثيرا ما تعجز أسرة الفتى عن محاربة هذه الاندفاعات العنيفة بالاستقرار والتجانس” جليٌ أن فرانز فانون ينطلق من خلفية ماركسية شاملة تستنهض شعوب أفريقيا ولا تكترث بالخصوصية العقدية في تقرير سنة التدافع، إلا أنه يكشف لنا بُعدا اجتماعيا مخيفا حالما نتنبّه أن منتجات الحداثة تتنافى مع نمط العيش الإسلامي الضارب أطنابه في التاريخ والحاضر بكيفية أشد وأعمق من تنافيها مع ثقافات الشعوب الأفريقية، فالأُلهيات الغربية -كما يسميها فانون- منتجات استهلاكية خُلِقت لنمط معيشة الإنسان الغربي الذي اختزلته الحداثة -كما يقول تشارلز تايلور- بخلاف سلفها من الفلسفات في مستويين: هواهُ (إرادته غير المحكومة) وماديّته (طبيعته الفيسيولوجية) وعليه أن يلهث بهذين المستويين بحثا عن معنى للحياة، على نقيض الإسلام الذي يرى الإخلاد إلى هذين المستويين كفيلاً بخسف الإنسان إلى ما دون منزلة البهيمية لاطّراحه الخصوصية الخَلقية التي رفعته عن بقية المخلوقات وخوّلته بموجبها حمل الأمانة.

في هذه المقالة أستعير تحذير فرانز فانون بعد إذابته في مصفاة الإسلام لأعيد قولبته في السياق العربي حاشدا له أدوات باومان في رصد الظواهر الاجتماعية وربط جذورها بالحداثة السائلة مع حرصٍ وتنبّهّ على مراعاة الفوارق بين الحالين -الحداثي الغربي / والسائر على نسق الحداثة- سواء على مستوى الكم أو الكيف.

تقدم سائل لا تقدّمٌ مولع بالغالب

في نص مكثف يرى باومان أن حداثة التنوير اعتنقت الأبدية عبر إيمانها بسرديات كالتقدّم وبناء الأمة/الدولة وتثقيف الإنسان والسيطرة على الطبيعة، في حين الحداثة السائلة: “لا تضع أهدافا لنفسها ولا ترسم خطا نهائيا تبتغي الوصول إليه، بل إنها لا تُضفي صفة الدوام إلا على حالة الزوال، فالزمن يتدفق، ولم يعد يتقدم بنا؛ فهناك تغير، تغير دائم، وتغير جديد على الدوام، ولكن ما من وجهة نقصدها، ولا نقطة بداية نبتغيها، ولا توقع لمهمة ننجزها، فكل لحظة نعيشها تحمل بداية جديدة ونهايتها؛ فبعدما كانت البداية والنهاية خصمين عنيدين صارا الان توأما ملتصقا” قد يبدو الاقتباس السابق محشوا بألفاظ مكرورة تنتهي لمصبًّ واحد: اللايقين، ولكن باومان لا يراها كذلك، بل يُقيم من كل جملة معمارا نقديًا يبنيه طوبة طوبة عبر تحليله الفلسفي للظواهر الاجتماعية وأنماط العيش الغربية.. تقوم السيولة على التحوّل، ويصبح التحول سمة الحياة بدءًا من أتفه التفاعلات البشرية اليومية إلى أعمق التصورات الوجودية التي تُكوِّن رؤية الفرد وتصوغُ خارطته الإدراكية، ومن نافلة القول أن نذكر أن الإسلام -إذا استثنينا الأحكام الفقهية المنوطة بالعُرف- يعتمدُ على الثبات، بل لا يترقى الفرد في معارج الإيمان إلا بالمداومة والاعتياد وترويض النفس على مقامين: السلوك المتمثل في العبادة، والتسليم المتمثل في تلقي أخبار الغيب، من هنا نقبض على ما يسميه فانون بالصدام العنيف المفكّك لعالم الإدراك، فاستجلاب السيولة ورغبتها الملحة في التغيير تتيحان لنا فهم ظواهر سلوكية -ستأتي نماذجها- وفكرية متعلقة بالقراءات الجديدة للنصوص، كعقلنة الغيب عبر التفسير العلمي، وإنكار الحديث النبوي تحت لافتة التدبّر القرآني، ودخول الإسلام سوق الاستهلاك عبر الأناشيد الإسلامية والأزياء الإسلامية وتحقيق الذات الإسلامي كما بيّنه كتاب إسلام السوق وأسماه كاتبٌ: “بالحلم الأمريكي للبرجوازية الإسلامية”

فعلى خلاف قدماء التنويريين العرب المصابين بداء تقليد أوروبا -المؤمنين حقا بأن العائق بيننا وبين التقدم يتمثل في إزاحة العقلية الدينية وابتلاع الاخر- يدرك التنويري المنشغل بالعلم التجريبي اليوم جيدا أن تفسير آية الفجر بالانفجار العظيم لن يتقدم به ليحوز جائزة نوبل ويشرّف أُمته، ويدرك القرآني -أو المفكر المتمترس خلف ستار المعتزلة- أن إنكاره للحدود الشرعية أو تمسُّحه بالنزعة العقلية التراثية لن يجعل معتقده نيو ليبراليا منفتحا على الآخر، وتعلم المستهلكة لعباءات Flash أن زيَّها لن يجعلها عارضة أزياء في المنطقة الساحلية بريفيرا. كلهم يعلمون ذلك جيدًا، ولكنه الهوس بالتحديث، سمة الحداثة السائلة أو ما يسميه باومان: “حالة الاستمرارية والهوس اللانهائية والذاتية الحركة” علينا أن نركب قطار التغيير، لا نعلم أين وجهته لكننا نعرف أمرا واحدا: علينا أن نحجز فيه مقعدَا

تبعا لما سبق، لابد من استخراج عقيدة التقدَم -المنطوي عليها هوس التحديث والتغيير- من أعماق اللاوعي الجمعي، كي تطفو على سطح المناقشة وتُساءل في أي حوار معرفي يتشابك مع الدين، لابد من دحضها معرفيًا، وأي محاورٍ يدع تلك العقيدة مستكنة في الأعماق فبنيانُه الجدليّ قابل للهدم بكلمة واحدة: أنتم رجعيّون، ذلك لأن تهمة الرجعية أو الحنين للماضي (nostalgia) من الألفاظ التي تحمل سحرا أعظم من السحر في فن المشعوذ، فهي تذكرنا بما أسماه جاك لندن بعبودية الألفاظ في روايته الذائعة (العقب الحديدية) فقد ذكر ما يهدم به الرأسماليون أفكار الاشتراكيين بقولهم:

مثالية/طوباوية! ثم عقّب مشمئزًا: “إن خساسة عقولهم ممتنعة على فهمنا، فعقولهم مشوشة إلى حدّ أن النطق بكلمة كان قادرا على أن ينقض الوقائع التي انتهى إليها عمر كامل من البحث والتفكير الجديّين” فالرجعية هاهنا لفظ من قَريِّ المثالية، كفيل -في عين الجموع- بهدم أي نسق فلسفي وُلِد قبل خمسين عاما، بَلهَ ديني نزل قبل عشرات القرون. لذلك نجد كاتبا مثل وائل حلاق يتريّث قليلاً -قبل الإبحار في أطروحته الأخلاقية المتعلقة بالإسلام- ليحطّم سهام الماضوية المصوّبة على شراع السفينة فيقول في عبارة عنيفة: “كلما وُجِد اتهام بالماضوية وأينما وُجِد، فثمة وجود خبيث لمفهوم التقدّم الحديث، فالعلاقة بينهما استتباع كما أن مصطلح الأم يستتبع وجود الطفل” فلابد -في أي حوار جدليّ- من أخذ هذا المعنى في الاعتبار، إذ كل حجاج بغير كشف عواره ومساءلته هباء.

روميو يجرب حظّه مع جولييت

يُفرد باومان جزءا متعلقا بسيولة الحبّ، يرصده باعتباره حلقةً من نقده الفلسفي للحداثة القائمة على التغير في كل شيء عدا عقيدة التغير التي يفرضها السوق على زبائنه، فينطلق من المفهوم الفيكتوري الرومانسي للعلاقة العاطفية القائم على الإخلاص والتضحية المتمثلان في عبارة: “لن يفرقنا إلا الموت” هذا المفهوم تعرض لضربات الرأسمالية العنيفة بعد تغلغل السوق في كافة مجالات الحياة، إذ أصبحت العلاقات العاطفية منتجا يُستهلك، والاستهلاك يقوم على ضخ المنتجات اللانهائي بغية الحفاظ على رغبة المُستهلك نَهِمَةَ جامحةً تبتغي المزيد، وبهذا تم إخضاع الحبّ -كبقية الحقول التي لم يحلم السوق بإخضاعها في شبيبته- لمنطق التسويق. ينطلق باومان للبرهنة على ما سبق برصده لأطروحات خبراء العلاقات والمعالجين النفسانيين وكهنة تحقيق الذّات التي تقوم على قصّ حبل أبدية العلاقة وفتل حبل بديل عنه -يخدم مصلحة السوق- يقوم على العدد اللامتناهي للفرص العاطفية وتجدّد المُتَع اللحظية لتغدو عبارة لن يفرقنا إلا الموت مصوغة في حالة السيولة على نسق التجربة: “فلنجرب ولنرى ما سيحدث” ولذا يؤكد الخبراء: “أن الحبّ استثمار يستثمر فيه المرء ماله وجهده، وتقول الخبيرة د.لامونت: “حذار من الالتزام، لأنه قد يُغلق الباب أمام فرص رومناتيكية أكثر إشباعًا” فما دامت العلاقة -على حدّ تعبير الخبيرة- تتطلب الإشباع الفوري فالالتزام لابد أنه يحمل تكاليف باهظة من الجهد والتعب؛ فالحل إذن يكمن في العلاقات خارج الزواج. بدت الفكرة مطلية بالذهب بالنسبة للفردِ الغربي -بعد أن غرسها السوق الرأسمالي في الوعي الجمعي عبرَ أذرعه المتمثلة في الإعلام والمشاهير وخبراء العلاقات- لكنّه أي الفرد انتبه للوحل الذي تخوض فيه أقدامه حين اكتشفَ بعد استمراء المعاشرة وانطفاء لذائذها اللحظية أن الاستقرار الذي يهربُ من تكاليفه هو لبُّ الأمان النفسي وجوهره، فامتعض وأراد العودة إلى الزواج، ولكن بعد فوات الأوان، إذ أصبح الزواج ذاته مشوبًا بحالة التغيّر وفقدان الاستقرار، فبات الطريق المجرد عن المسؤولية المتمثل في العلاقات المؤقتة والذي سلكه فرارا من تكاليف الالتزام: التزامًا! وهنا تكمن المفارقة المخيفة التي يرصدها باومان حين يوجَه كلامه لمن ارتبط في زواج قائلا: “ليس ثمة سبب للافتراض بأن شريكك في العلاقة لا يرغب إذا اقتضت الضرورة في حرية التصرف، وبأنه لن يكون حرا في فعل ما يشاء، بل إن وعيك بذلك يزيد من القلق وحالة اللايقين التي تعانيها، وتلك الزيادة هي أصعب ما يمكن تحمله، فهي تختلف عن الموقف الذي يمكنك فيه أن تأخذ شيئا أو تتركه، فليس باستطاعتك منع شريكك من اختياره الخروج من الصفقة، فأنت، في نظر شريكك، الأسهم التي لابد من أن يبيعها أو الصفقة الخاسرة التي لابد من الانسحاب منها، ولا أحد يستشير الأسهم قبل طرحها مرة أخرى في الأسواق، ولا الصفقات الخاسرة قبل الانسحاب منها”

“أبلغ دانييل يانكيلوفيتش عن تغير مهم في النسيج المعياري للزواج والعلاقات بين الجنسين، وقد استخلص نتائجه بعد استقراء بحثي، حيث قارن الإجابات الواردة في الخمسينيات بتلك المقدمة في أواخر السبعينيات، ففي الخمسينيات سُئلت الشابات العازبات والنساء المتزوجات على السواء لماذا يقدّرن الزواج والأسرة؟ عكست ردودهن إيمانا عميقا بأن الزواج ضروري ولا مفر منه كونه يوفر عضوية في المجتمع ويزيد الشعور بالحياة الطبيعية. بعد مرور عشرين سنة، في أواخر السبعينيات، كانت المواقف قد تغيّرت: الزواج الآن أصبح واحد من بين العديد من الخيارات للشابات من النساء. لم تعد ما يسمى بالسلوكيات «المنحرفة» مثل العزوبية، الشذوذ الجنسي، أو الحمل خارج إطار الزواج، موصومة بالعار، فازدادت المعاشرة خارج أطر الزواج، وأدت إلى الزواج في 50 ٪ فقط أو أقل من الحالات. منذ نهاية السبعينيات، أصبح الزواج والعلاقات المستقرة اختيارية وغالبا لا تتحقق إلا بعد بحث مضنٍ، ومشورة، وإسراف”

هكذا تستهلّ إيفا إيلوز فصلا من كتابها أسمته: رهاب الالتزام. حين ننظر إلى مفهوم الزواج في العالم الإسلامي منذ استقراره في العهد النبوي إلى عصورنا المتأخرة نجده يقوم -للتقريب- على هيئة طائر: رأسه السّكن وجناحاه المودّة والرحمة. فالسكن التزامٌ لا يزعزعه إلا عَرَض الانفصال الطارئ، وقرار الانفصال -في الأصل- بيد الرّجل الذي أُتيح له التعدد، مما يقوّض أعذاره فيما لو أراد قطع الالتزام والتخلي عن السّكن وإهدار الزوجة والأبناء. ذلك المفهوم تمّ مسْخُه -لأسباب عديدةِ-من قِبل المزاج الجمعي عبر إدانة التعدّد -سلوكا- من خلال ازدراء من تظل في كنف زوجها بعد زواجه بأخرى، فآثر النسوة الطلاق حفظًا لماء الوجه، ولم يسلمنَ وتعُد لهن كرامتهنّ، بل تضاعف الازدراء بعد طلاقهن، فبقينَ بين إحنة البقاء ومحنة الانفصال، وفي الحالين صوَّب المجتمع عليهنّ سهامه.

لا ريبَ أن كراهة المرأة للتعدد من جنس كراهة الرجل للقتال، وإبداء النصوص التراثية المتعلقة بالنسوة اللائي رضينَ بالتعدد أو زوجّن أزواجهنّ لا تنفي تلك الطبيعة بقدر ما تنتقي من التراث ما كان خلاف الأصل، ولكن ما استجدّ من كراهة المرأة للتعدد في زمننا -وما لم يُدرس جيّدًا- هي تلك النزعة الرومانتيكة المتسربة إلى وجدان النساء من حكايات روميو وجولييت، والمسلسلات الأجنبية والسينما العولمية التي رسّخت مفهوم العلاقة الأحادية بين المرأة والرجل، فأصبح التعدد مدانًا في قفص الاتهام، باعتباره نقيض الحبّ والإخلاص، فبات زواج الرجل من أخرى يدلّ على ازدرائه الأولى ضرورةً. هذا حديث الماضي، أما الحاضر فقد هبّت على أغصانه رياحُ التحديث فصبغته بهوس التغيّير سواء وُجِد التعدّد أم اكتفى الرجل بامرأة، فأصبح مفهوم الزواج بعد استحواذ السوق على الرجل والمرأة كليهما -حقيقة لا مجازا- مصبوغًا بالمزاج الغربي، مزاج التجربة: “فلنجرب ولنرى ما سيحدث” فازدياد الخيارات المتاحة يقوّض مفهوم القناعة التي يتزامن مع تلاشيها تلاشي الاستقرار، ولهذا يذكر فيل هوغان في دراسة مخيفةٍ أن العلاقات الزوجية كانت تُصاب بالملل بعد سبع سنوات من الارتباط، في حين تٌشير إحصاءات اليوم أن الملل يغزو العلاقة بعد ثمانية أشهر فقط. لقد فرَّخ شيطان الاستهلاك أمانيه في عشّ روميو وجولييت.

في بيان لوزارة العدل في المملكة أوضح المسؤولون أن إجمالي صكوك الطلاق الصادرة عام 1441هـ، بلغت 51856 صكّ، فيما كانت حالات الطلاق في عام 1440هـ نحو 67232 حالة. وأشارت الوزارة إلى أن قضايا الأحوال الشخصية الواردة إلى منصة تراضي الإلكترونية بلغت نحو 27600 طلب، 13400 قضية منها انتهت بالصلح أو العدول عن الفرقة، و8500 قضية قيد الصلح، و5700 منها تم إحالتها للدوائر القضائية بعد تعذر الصلح، وأشارت الوزارة أن عدد جلسات الخلع وفسخ النكاح بلغ 42888 حالة في أقل من عامين، وأن 83% من النساء يطلبن الخلع لتسريع الإجراءات القضائية

تتأمل معالجات تلك الظاهرة من جهة التربويين فتجد قصورا شديدا وتعاميا عن مكمن الخلل، فإحداهنّ تتغاضى عن العزوف المُعايَن عن الزواج وتعزو ظاهرة الطلاق -تأمّل- لزواج الشباب المبكّرِ! وآخر يشير لعدم الشعور بالمسؤولية عند أبناء الجيل، وثالث يعيده لنمط زواج الصالونات الذي عفا عليه الزّمن، وإذا ترقّى باحثٌ في تحليله أشار إلى التغيرات التي أحدثها دخول المرأة سوق العمل، كل هذا في تعامٍ صارخ عن تلاشي مفهوم الزواج الإسلامي واختفائه عن المشهد -إلا في شرائح مجتمعية ضيّقة- لصالح مفهوم العلاقة الاستهلاكية، إنها رياحُ اللايقين المنبعثة من أوروبا، الرغبة، تجدّد الفرص، الاختيارات اللامتناهية التي يفرضها السوق على الحياة، لا التزام، رغبة جامحة في منتجات عاطفية لحظية، تنتهي في النفايات وتُستبدل بأخرى للإشباع.

يوضح باومان أن الحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، أما الرغبة بطبيعتها فترفض قيود الحب، فإذا كانت الرغبة تبتغي الاستهلاك، فإن الحب يبتغي التملّك، فهما -الحب والرغبة- متنافران في حالة السيولة قلما يجتمعان، وفي حين تبتهل الطبيعة البشرية للأول، يأتي السوق بأدواته الوحشية فارضًا الأخير. لا يفوتُ باومان أن يخبرنا في لمحة موجزة أن الحب القائم على مقولة: “لن يفرقنا إلا الموت” قد انتهت صلاحيته بسبب التفكيك المدمّر لأبنية القرابة -أواصر الأسرة الممتدة- التي كانت تدعمه وترسّخ جذوره، والمرعب أنه إذا كان السوق قد رسّخ الفردانيّة في المزاج الغربي وفكّك أواصر الأُسرة وأزال كل رابطة تحول بين الفرد وتطلعاته الحرّة؛ فإن ذلك لم يحدث في مجتمعاتنا بصورته الموغلة الفجّة، بل مازال الزواج في بلداننا مُحاطًا بأواصر القرابة، كل حالة منه تنتهي بالطلاق تُحدث شرخًا في جسد الأسرة الممتدة، مما يجعل الضخ الإعلامي -والطرح النسوي الساعي للاستقلال التامّ- على تعدد الفرص وتحريضه على علاقات الجيب العُلوي المؤدية لقطع التزام الزواج قاتلةً لا للفرد وحدَه، بل لدائرته الاجتماعية أيضا، وها هي النبتة الغربية الصالحة لحقول أوروبا تُزرع مرة أخرى -بأيدِ العولمة- في أرض صحراوية لا تقبل إلا تجذّر النخيل، ومن ثمَ نسترجع كلمة فرانز فانون حول الصدام العنيف وتفكيك عالم الإدراك.

بعد كل ما سبق، يتبيّن لنا بجلاء أن التعامل مع حالات الخُلع في القضاء باعتبارها امتدادا لخشية حبيبة بنت سهل الأنصاري -رضي الله عنها- من كفران زوجها وعدم الوفاء بحقَه أو باعتبارها علاقة زوجية باءت بالفشل جراء ظروف طبيعية اعتيادية لا يعدو أن يكون غفلةً اجتماعية -قبل كونه قصورا شرعيّا في استيعاب مستجدات الواقع- وتعاميا صارخا عن لفح الحداثة السائلة لمجتمعاتنا.

حمائم تعددية على فوهة البركان

في كتيّب لا يتجاوز مئة صفحة يحدثنا باومان عن الثقافة في زمن السيولة، فينقُد التعددية الثقافية باعتبارها أيدولوجيا من دون أيدولوجيا، ويحدثنا في الحداثة السائلة عن المجال العام وكيف استعمرهُ المجال الخاصّ، وبمزج هاتين الفكرتين وقولبتهما في واقعنا العربي مع أخذ الخصوصية الثقافية في الحسبان ينتج لنا صدامٌ عنيف قد يكون أعمق صدامٍ نشهدهُ في عالم الإدراك العربي.

تعود التعددية الثقافية إلى مبدأ التسامح الليبرالي المقوِّض لكل ما من شأنه أن يحول بين الفرد وصناعة هويّته الذاتية، فتتحوّل الهويّات كل الهويات -ومنها اللاأخلاقية- المقموعة في عالم الحداثة الصلبة بلمسة سحرية إلى الجاذبية الجمالية للتنوع الثقافي في المناخ الليبرالي، تمثل هذه الأيدولوجيا بؤرةً تنبعث منها كل الروائح الكريهة التي تُزكم أنف العالم، وفي تحليل خطاب دُعاتها؛ ينبّهُنا باومان أن التعددية هي الإجابة التي تقدمها الطبقات المثقفة حالما تُسأل عن أي القيم يجب غرسها وأي اتجاه يجب أن نتبع في حالة اللايقين؟ “افعل ما تشاء، كل الطرق متاحة، اصنع هويتك واتبع شغفك أيا كان، هكذا تُصاغ الإجابات، وفي لمحة بديعة كاشفة يُطلِعنا باومان على أن التعدديين كأنهم يقولون للفرد بلسان الحال: “نحن آسفون، ولكن لا يمكننا أن نخلصك من الورطة التي أوقعتَ نفسك فيها”

لمثل هذا وضع راسل يعقوبي كتابه نهاية اليوتوبيا (The End Of Utopia) ليحلّل تفاهة الإعلان عن الإيمان بالتعددية الثقافية، وهو عنوان دالٌ، فالطبقات المتعلمة ليس لديها ما تقوله عن الشكل المرغوب للوضع الإنساني -بعد سقوط سرديات التنوير الكبرى كما يسميها ليوتار- ولذا تبحث عن ملاذٍ في التعدية باعتبارها أيدولوجيا نهاية الأيدولوجيا . يقوم طيور العقعق التعدديون -كما أسماهم بريان باري- على فرضِ مزاج سائل وصلب في آن، فهو سائل من جهة تقبّله لكل الآراء مهما بدت شاذةً، وصلب من جهة رفضه التشكيك في صلاحيته هو ذاته. ذلك المزاج ألقى بظلاله على المثقفين، فنشأ ما يسميه باومان بالهويات السائلة، المتحولة كالحرباء، ذلك لأن السوق الاستهلاكية أخضعت الثقافة لمنطق الموضة المتغيّرة، فبات لزاما على المثقف -إذا ما أراد أن يبدو على طبيعته- أن يثبت قدرته على أن يصبح شخصا آخر، فالثقافة الراهنة -كما يقول باومان- تطالبك بأن تكتسب القدرة والمرونة على تغيير هويّتك بسرعة وبكفاءة تضارع سرعتك وكفاءتك في تغيير القميص أو الجورب الذي تلبسه، ولا تقلق، السوق سيتكفل بمساعدتك.

بتأمل يسير نجد أن فلسفة التعددية مستبطنة في وعي جموع من شداة المعرفة في العالم العربي أيا كانت توجهاتهم، سواء المتعلمين منهم أو الواقفين على شفا التعلّم، وهي لا تبدو فجةً كهيئتها الغربية فيتم إهراق سيولتها أمام جماهير ما زالت تتحصن بالصلابة، ولكنها تستكن في العبارات المقذوفة قُبيل وبُعيد طرح الآراء، فلا تكاد تجد حوارا معرفيا إلا ويُلطّف حدّته عبارة لطفي السيد المبتذلة: الاختلاف لا يفسد للودّ قضية. يتمثل التناقض الحادّ في كون العالم الغربي أُرغِم بناء على اطّراد أصوله الليبرالية على تبني التعددية. فالواقع أن العالم الغربي مرّ بتقلبات فكرية عنيفة انتهت بتبنيه النموذج العلماني، فبات تحييد الدّين وما تبعه من ترسيخ ركائز العلمانية ومستنداتها الفكرية الأوليّة أصولا يتفق عليها اليمينيون واليساريون -في الجملة- باعتبارها مسلّمات أوّليةٍ لا تُساءل، ولا ينبغي أن تُساءل بل هي التي تُسائِل، شبيهة بالمسلّمات التي ينطلق منها العلم التجريبي (Axioms) حول وجود العالم الموضوعي الخارجي قبل أن يبدأ العالِمُ أو يفكر حتى في محاولة اكتشافه، من هنا وجدت بذرة التعددية في العلمانية تربة حاضنة أخذت تنمو فيها وتستوي على سوقها لإيجاد حلول للنطاقات الثانوية الهامشية -القابلة للاختلاف- دون المساس بالنطاق المركزي العلماني أو النموذج الإرشادي المهيمن كما يسميه توماس كون، بل التعددية لا تُثمِر أصلا إلا في تربة ذلك النموذج. هذا في حين أن العالم العربي ما زال يخوض جدلاً عنيفا وصراعا حادًا من لدُن محمد عبده وفرح أنطون قبل قرن ونيّفٍ إلى يومنا هذا تجاه كل مناحي الحياة؛ ومنها شرعيّة العلمانية ذاتها، أي أن النموذج الإرشادي ذاته لم يُهيمِن بعدُ، بل ليس ثمة نموذج إرشادي أصلا. هذا التناقض الداخلي يجعل النَّفَسَ التعدّدي في الحوار الثقافي العربي مسخًا كريهًا سواء تبنّاه ذو المرجعية الإسلامية أو غيره، فحتى اللاإسلامي -الأقرب لنزعة المساواة والحرية الغربيتان- تجده يخوض الحوار بنفسيّة المنطلق من مفاهيم جامدة مستمدة من صُلبِ التنوير، جامحًا لإثباتها بكل ما يستطيع، مُجتثًّا فكرة خصمه من جذورها. وما دام هذا الحال فما مثلُ التعددية -الخارجة من ضئضئ النسبية- في سياقات جدلية مطلقةٍ صلبةٍ كهذه إلا كمَثَل كحَمام سلامٍ يرومُ بنيان عشّه على فوهة بركان؟ ثمة عبارة أذكرها لجيلبرت تشسترتون تقول: “إن التعايش فضيلة الرجال الذين ما عادوا يؤمنون بأي شيء” يرى جيلبرت التعايش حالة خواء، أو كما يسميه باومان حالة لايقين، حالة تُقوّض الإيمان الصّلب، فإذا كان التعايش ركيزة أصلية في معمارِ التعددية -إذ لابد من التعايش مع الأفكار بعد إبدائها وإلا فقدت التعددية معناها- وكان يدلّ على السيولة واللايقين، فكيف نفسّر إيمان التيارات الفكرية في بلداننا حدّ اليقين بمشروعاتها سواء الإسلامية أو العلمانية الرأسمالية/الاشتراكية مع تمنطُقِها -في الوقت ذاته- بعبارات التعددية وتمندُلِها بألفاظ التعايش وتقبل الآخر؟ لا يشكل هذا الصدام زعزعةً لعالم الإدراك كما يقول فانون بقدر ما يُشعرك بعبثية كل مثقف -أيا كان توجّهُه- يتبنى تلك التعددية المخفّفة في خطابه ثم ينبري بوقاحةٍ للمحاماة عن أطروحة، أي أطروحة.

المجال الخاص يتحلّل من إزاره

أما الفضاء الخاص واستعماره الفضاء العام فهو نتيجة حتمية لنزعتين أنشأت أولاهما الأخرى: الغلوّ في الفردانية، وسيولة الهويّة المذكورة سلفا، فالفرد تحوّلت هويّته من هبةٍ تولد معه -العرق والدين واللغة الأسرة إلخ…- إلى مهمة يسعى لتكوينها بعد أن فتح له السوقُ المجال العملي ووفرت له التعددية المناخ الفكري، ولذا ينبّه باومان أن احتياج الفرد أن يصبح ما يكون عليه هو سمة الحياة الحديثة وسمتها وحدها، وكذلك يرى الآن تورين إنك تصنع كينونتك الخاصّة وهويّتك الخاصة وعالمك الخاصّ وينبغي ألا يتطفل عليك أحدٌ. لو ظلّ الأمر على حاله لهان، ولكنّ الفردية بطبعها نَهِمَةً، ولذلك تمددت بسيولتها في ميادين المجال العامّ المتعلق بهموم المجتمع/الدولة/الأمة حتى استعمرته، فاهتمامات الأفراد ومشاكلهم أصبحت تهيمن على الفضاء العام مدعيةً أنها الساكن الشرعي الوحيد بهذا الفضاء، فيرصد باومان كون: “المصلحة العامة تُختزل في النشر العام للأشياء الخاصّة والاعترافات في العام بالأشياء الخاصة، وكلما كانت الاعترافات حميمية كلما كان أفضل، أما القضايا العامّة التي تقاوم هذا الاختزال فتغدو عصيةً على الفهم!” يرصد باومان تجليات ذلك الاستعمار في المجلات التي تُفرد صفحات لاعترافات العلاقات العاطفية، وفي برامج الواقع، وقصص الناجحين، والكتب الأكثر مبيعًا، وسعي الميديا -وجماهيرها- المحموم لتتبع تفاصيل حياة المشاهير والانغماس في رصد تقليعاتهم، لقد كتب باومان كتابه مطلع الألفية، ويمكننا اليوم أن نحشد نماذج الهوسِ بالمجال الخاص وخلعه على المجال العام حتى لتربو عن المئات، وبصورة أشد إيغالا وأشد كلاحة، إلا أن ثمة نموذجا معبرا يتمثل في تفشي تطبيقات الاعترافات والرسائل المجهولة مثل: Tellonym, Ask, CuriousCat فهيكلة هذه التطبيقات تُعَدُّ نموذجا تامًا لما أرهق باومان نفسه من أجل تتبعه في الصحف والمجلات وقنوات التلفاز، إنها البديل الأمثل عن البرامج الحوارية التي قال: “إنها تُضفي الشرعية على الخطاب العام حول الأمور الخاصة، وتجعل الأمور التي لا يمكن الحديث عنها قابلة للحديث، والأمور المُخزية مشرفة” لديك ما يشعرك بالخزي؟ آفةٌ تدسّها عن الآخرين في أعماق رغباتك وتجاويف شهواتك؟ لا عليك، السوق يوفّر لك منصات يرتادها أُناس يذيعون مادّة الخزي ذاتها بتجارب مختلفة وطرائق متنوعة، مجرّد تصفحٍ لدقائق هناك وسُتصاب برقدة الضمير وتتخلص من وخزَاته المؤلمة.

يقوم الإسلام في بنائه المجتمع على تطهير المناخ العامّ من كل الأوبئة التي تصرف الفرد عن وجهته نحو ربّه، ومعلوم أن منزع الفساد الأخلاقي إنما ينشأُ من وسوسة الشيطان للفرد، وهي وسوسةٌ تقبع في عالم الشعور، والشرعُ يكشف عنها باعتبارها قدرًا ربانيا تقتضيه حكمةُ الابتلاء، فمهما أخذت تلابيبُها بالفرد واستحكمت به قيودُها فهو غير مؤاخذ شرعا، ما لم تنتقل ليحيّز السلوك، فإذا تمثّلت سلوكا انتقل الفرد إلى مجاهدةٍ أخرى تحثّه على الاستتارِ، ذلك لأن المجاهرة السافرة تعني استمراءَ الفرد للزّلة وتلبُّسِه بالخطيئة، وبقدر مجاهرته يتقلَّص احتمال كون خطيئته هفوةً عارضة تعقبها الأوبة، بل الأغلب دخوله زمرة الفجار باعتباره ماردا على المعصية حتى يسودَّ قلبُه من الرَّين، ثم يُطبَع عليه، فإذا تمادى في غيّه أّقفِل على قلبه وحُشِر في قوله تعالى: {أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُهَا} فتجده لا يعقل ما أنزل الله من المواعظ والعبر كما يقول الطبري.

تمتزج ظاهرة المجاهرة -في حالة السيولة- بظاهرة الفضاء الخاصّ واستعماره الفضاء العامّ حتى لتغدو خليطّا متجانسًا يتعذّر تفكيك عناصره. كانت المجاهرة في الماضي متعلقة بما أسميه -للتقريب-: الخطايا المعقولة؛ كظلم الفقير وأكل مال اليتيم والسرقة والغشّ ونهب الأموال والقتل والاعتداء، حتى الخطايا التي تُمارس بانزواءٍ على نطاق أضيق كالزنا والشذوذ ومعاقرة الخمر؛ كل أولئك كان معقولاً، يتعقّل الإنسان وجوده باعتباره طبعا لازبا لجنس البشرية، لقد كانت كالمعاني عند الجاحظ -وليعذرني البلاغيون- ملقاة على الطريق. أما اليوم فالمجال الخاص يُصّدر للمجال العامّ نفاياتٍ غير معهودة، بل لا يعلم أحدٌ بوجودها إلا حالما يشتمّ الرائحة. فمن التصريح باعترافات الغرام بين الفتيات، إلى أحاديث المحارم منزوعة الحياء، حتى تزجية الوقت بإلباس الأولاد أزياء البنات والعكس، مرورا بوضع أسرار الممارسات الزوجية على المذياع، وصولا لنشر الأفكار العدميّة، والأزياء العدمية، وتسريحات الشعر العدميّة والتاتوهات العدميّة وانتهاء بابتكار الترندات التي تجعل من الرذيلة كل رذيلةٍ مادةً مثيرة للتندِّر والفكاهة. إنها الخطايا الممسوخة على خلاف الخطايا المعقولة. لقد بدأ الفرد يُلقي نفايات مجاله الخاصّ في مكبّ المجال العامّ؛ لا تخلُصًا من رائحتها الكريهة، بل لتتعرّض لشيء من أكسجين التداول في وسائل التواصل فتعود على روحه أطيبَ من المِسك، نعم نحن أيضا نستنشقُ هذه الرائحة الكريهة، اطمئنّ، هي حالة مألوفة، بل أعرف رجلا أدمن استنشاقها وحاول التخلٌّص منه فنصحه الخبير النفساني بضرورة تقبُّلِها والتعايش معها، وإلا فثمة خطرٌ على استقراره النفسي، وإذا أردت فربما ننشئ تجمعا -صناعة الهويّة- لمستنشقي هذه النفاية، أعرف تسعة أعضاء، وبك نُتمّ العشرة، وما يدريك؟ لعلنا يوما من الأيام نتوسع ونطالب بحقّنا في استنشاقها علنًا.

كتب مغرّدٌ تغريدةً يذكر فيها مشهد فتاة تدخّن سيجارة إلكترونية أمامه، بيّن أنه لا يملك حقّ نصحها، ولكنه يملك حق التعبير عن خطأ فعلها، فقال ما ملخّصه: التدخين منسجم مع الرجال ولا يليق بالفتيات. انتشرت التغريدة كالنار في الهشيم وانهالت عليه ردود الفتيات، إلى هنا لا مشكلة، المشكلة أن الفتيات اتخذنَ من التغريدة منصةً للاستعراض بسيجاراتهنّ الإلكترونية، فاستحال حسابه عجاجا من الدخان، مصحوبا بمقاطع لمراهقات ذوات أشكال وأزياء وتسريحات عدميّةٍ ينتصرنَ لبعضهنّ ويصنعنَ هوية خاصة بهنّ، هويّة تصنعها الخطايا الممسوخة كما صنعَ السوق الرأسمالي هوية المرأة المدخّنة في ستينات القرن الماضي، والفرق في كيفية صناعة كل من الهويتين فرق جوهريّ بين الحداثة الصلبة وحالة السيولة.

لم تعد روائح الخطايا الممسوخة محصورة على شرائح مجتمعية ضيّقة منكفئة على ذاتها، وليست تكتفي بالهواء الطلق في الفضاء العامّ واتساعه الرّحب، بل هي بعد تعديها السافر على مناخه وتلويث أكسجينه تتسرّب إلى فضاءات الآخرين الخاصة فتُهدد وجودهم الخاص وهويّاتهم الخاصة وحياتهم الخاصّة، لقد جاء أعرابيٌ إلى بابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فألقم عينَه خصاصةَ البابِ، فبصُرَ به النبي صلى الله عليه وسلَّم فتوخَّاه بحديدةٍ أو عودٍ ليفْقأَ عينَه، فلما أن بصُرَ انقمعَ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم: أما إنك لو ثبتَّ لفقأْتُ عينَك لقد استدار الزمان وانعكس الأمر، فبعد أن كان المجال الخاص ينهض عن فراشه محمرَّ الأنفِ ليفقأ عينَ هاتكه فإنه اليوم -مع ثقافة الاستهلاك- قد تحلَّل من إزاره وألقى الستار عن حُرمتِه وبدأ يصرخ بأعلى صوته ليجذب حوله ما يسمِّيه باومان بالفُرجَة، وحين لم يكترث بشأنه أحد امتطى عصا الساحرة العجوز -الميديا- وبات يجوب القرى والبلدان عارضًا بضاعته الخاصّة لعلها تتلقّف من يبتاعها، فظلّ الأسوياء يوصدون الأبواب ويغلقون النوافذ خشيةَ تطفله على موائدهم الخاصة، لكنه باغتهم من حيث استأمنوه، فأتى بنيانهم من القواعد؛ من إعلانات تطبيقات الأطفال.. لابد من فقئ عين المجال الخاصّ، وفقأُ عينه يستلزم بترَ أوصال السوق، وبتر أوصال السوق لا يتم إلا…

خاتمة

إن تلك الصدامات العنيفة التي ذكرها فانون وأتينا على بعض مظاهرها متشحين برصد باومان تستلزم نتيجتين منطقيتين جليّتين؛ الأولى أن نمط العيش الإسلامي هو أشد أنماط الحياة تناقضا مع منطقِ السوق ابتداء من جزئياته الهامشية إلى تصوراته وأصوله الكبرى، وعليه فالفصام بينهما لا ينشأ من ترصّد أحدهما للآخر، خاصة ترصّد الأخير للأول -المشهور في نظرية المؤامرة- بل ينشأ من اختلاف طبيعتين متنافرتين بينهما برزخ لا يبغيان. والنتيجة الثانية المترتبة على الأولى أن وجودهما يعيد إلى أذهاننا مشاهد حلبات النزال التي كان يقيمها البيضُ بين اثنين من السود، فإمّا ناجٍ وإما هالكٌ.

تناقضٌ ما لنا إلا السكوت لهٌ * وأن نعوذَ بمولانا من النّارِ


المراجع:

1. الحداثة السائلة. ص8. تأليف زيجمونت باومان. ترجمة حجاج أبو جبر. الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
2.معذبو الأرض. ص159. تأليف فرانز فانون. ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي. مدارات للأبحاث والنشر.
3. (1989). Sources of the self: The making of the Modern Identity. In C. Taylor.
4. الحياة السائلة. ص97. تأليف زيجمونت باومان. ترجمة حجاج أبو جبر. الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
5. إسلام السوق. ص78. تأليف باتريك هايني. ترجمة عومرية سلطاني. مركز نماء للبحوث والدراسات.
6. العقب الحديدية. ص68. تأليف جاك لندن. ترجمة منير البعلبكي. دار العلم للملايين.
7.الدولة المستحيلة. ص50. تأليف وائل حلاق. ترجمة عمرو عثمان. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
8.الحب السائل. ص45. تأليف زيجمونت باومان. ترجمة حجاج أبو جبر. الشبكة العربية للأبحاث والنشر
9. الحب السائل. ص50
10. لماذا يجرح الحب. ص117. تأليف إيفا إيلوز. ترجمة خالد حافظي. دار صفحة 7. بتصرف اقتضته رداءة الترجمة وركاكة تعبيرها
11. الحياة السائل. ص121.
12. صحيفة عكاظ. تم الاسترداد من https://www.okaz.com.sa/ampArticle/2039469
13. الثقافة السائلة. ص49. زيجمونت باومان. ترجمة حجاج أبو جبر. الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
14. الثقافة السائلة.ص50.
15. الثقافة والمساواة، نقد مساواتي للتعددية الثقافية. تأليف بريان باري ترجمة كمال المصري. عالم المعرفة. *وطيور العقعق: طيور تنجذب للأشياء البراقة وتتغذى على الحشرات وهي من جنس الطيور التي تتغذى على الجيف كطائر الرّخم
16. الثقافة السائلة. ص30.
17. نقد الحداثة. ص19. تأليف آلان تورين. ترجمة أنور مغيث. المشروع القومي للترجمة.
18. الحداثة السائلة. ص84.
19. الحداثة السائلة. ص122.
20. صحيح النسائي الحديث رقم 4873 صححه الألباني.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى