الرئيسية - عام - سجن الشخصية: خطورة هذا المصطلح المبالغ في تعميمه

سجن الشخصية: خطورة هذا المصطلح المبالغ في تعميمه

  • شيلا سيمز
  • ترجمة: أمجاد الغرير
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

 

كنت أتأمل مؤخرًا في ماهية الشخصية، هل نحن مدركون فعلًا لمعنى مصطلح نستخدمه بحرية في وصف جوهر شخص ما؟

لم تكن موسوعة الويكبيديا ذات نفع يذكر، في حقيقة الأمر ووفقًا لموسوعة الويكيبيديا لا يوجد تعريف للشخصية متفق عليه.

وجدت مجموعة من التعريفات المتباينة بيد أن الطابع المشترك بينها أن الشخصية تعتبر قيمة ثابتة خلافًا للمشاعر التي تتذبذب مع انسلاخ الدقائق. غالب المراجع تُعرّف الشخصية على أنها مزيج من عناصر متعددة مثل الهوايات، الطباع، التصرفات، الآراء والسمات الشخصية ونحوها. خلاصة الأمر، عادةً ما نعرّف شخصية إنسان ما بناء على تقييمنا الشخصي لأنماط سلوكه.

هذه طريقة خطرة لتعريف الناس. فبينما تعد الكثير من المركبات التي تكوّن شخصية إنسان ما عنصرًا في طبيعتهم الحقيقية، لا تعتبر الكثير منها كذلك. سلوكنا ليس انعكاسًا لجوهرنا فقط بل نتيجة للاعتقادات التي اتخذناها عن ذواتنا، ولوضعنا العقلي والعاطفي، ولكيفية تأثرنا ببيئتنا وهلمّ جرا.

 

يثير كل هذا العديد من التساؤلات .. كم مما نعتبره ” شخصيتنا” يعبر عن جوهرنا الحقيقي؟ وكم منه يعد قناعًا مغلوطًا اخترعناه في سبيل التكيف مع الحياة؟ هل يمكن للسلوك أن يعرف الناس؟ إذا لم يكن هذا ما يحدد شخصية إنسان ما، ماذا يحدده إذًا؟ أي الجوانب في شخصيتنا متغيرة؟ ما الذي يجب علينا تقبله وما الذي يجب علينا العمل على تطويره؟

 

أعتقد أن معظم مشكلاتنا تتفرع من عدم معرفتنا أجوبة تلك الأسئلة. قد نحكم على أنفسنا وفقًا لصفات حقيقية مبخوسة القدر في العالم الخارجي. ولكن محاولة معاكسة طبيعتنا الحقيقية لإرضاء العالم معركة خاسرة ومضرة بالتفرد الذاتي. من زاوية أخرى، كيف يتبنى الناس طرقًا غير صحيّة للوجود ثم يدعون أنها جوهرهم ليس إلا؟ المعتقدات المتجذرة، عادات تدمير الذات، المشاعر المعلقة وطرق التواصل الغير مجدية، جميعها إن اعتُبرت جزءًا من الشخصية فبإمكانها أن تبقينا عالقين في أنماط ضارة تحجبنا عن طبيعتنا الحقة. على سبيل المثال، أعد نفسي انطوائية وقد جرى إيهامي طوال حياتي بأن ثمة خطب ما فيّ. لكن قبولي لهذا على أنه جزء من طبيعتي والعمل وفقه وليس ضده، ساعدني على التفاعل مع العالم بالطريقة الفضلى بالنسبة لي.

مع ذلك، رغبتي في الاختباء من العالم ينبع من مخاوفي غير المعقولة، المشاعر العالقة، المعتقدات المغلوطة الواجب مواجهتها ومعالجتها واستشكالها. بينما يعد إيجاد الوقت لنفسي عنصرًا مهمًا من حقيقتي الطبيعية، إلا أن تجنب العالم بالنظر للمخاوف والاعتقادات المحدودة سيكبح قدرتي على معاصرة حياة ممتلئة.

نحن في حاجة إلى أن نفرق بين طبيعتنا الحقة وما تبنيناه من طرق غير صحية للتكيف مع العالم. مزج كل هذه الأمور تحت مظلة مصطلح الشخصية قد يدفعنا إلى التعلق بهوية مغلوطة وبعادات إدمانية قد لا تخدمنا.

بناءً على ما سبق وفي ضوئه، سأعرض بعض المقولات المتلقاة بالقبول والتي تحتاج إلى تعديلٍ بسيطٍ حتى لا نُحتجز في سجن الشخصية؛ فما يلي تفسيري لآثار هذه المقولات الدارجة، وما أراه ملائمًا لأن يقال عوضاً عنها.

 

” كن أنت ”

بينما تعد هذه المقولة رسالة مهمة إلا أنها لن تكون ذات نفع مالم نعرف ماهية قولهم ” كن نفسك “. بحسب تفسيرك لها، قد يمكّنك هذا من التحرر من الأقنعة المزيفة للتوافق مع العالم، أو قد يكون عذرًا لأن تبقى عالقاً في أنماط تحطيم الذات المتكررة ومعاملة الناس بسوء. أعتقد أن هذه المقولة بحاجة إلى قيد: ” كن أنت مالم تؤذ نفسك وما لم تلحق الضرر بالآخرين “

 

” الناس لا يتغيرون “

لطالما قيل أن الناس لا يتغيرون، ولكن هل هذه حقيقة؟ أعتقد أن هذا معتمد على تعريفك للناس، وما تظن أنه بحاجة للتغير وطريقة محاولاتك لتغييرهم.

الناس يتغيرون بدون أدنى شك في رأيي، ولكن اعتقادنا أن هذا تحت سيطرتنا هو مايجعلنا نصطدم بالمشكلات.

عندما يكون لدى إنسان صفات غير مرغوبة، فتحاول إخبارهم أن مايفعلونه غير صحيح وما يجب عليهم القيام به عوضًا عن ذلك فإنه لن يفلح غالبًا.

عوضًا عن هذا، تفهم المنطقة التي يقف فيها الشخص حاليًا، امنحه المساحة الكافية لاتخاذ قراراته الخاصة، وتحقيق أعلى مستوى من الرؤية له، وغالبًا سيؤدي إلى تغير مستمر. علينا أن نقول: “في إمكان الناس أن يتغيروا، سيحدث هذا غالبًا عندما تتوقف عن الإصرار على تغييرهم!”.

 

” إن البشر فاسدون بالفطرة

حتى لو لم تتفق مع هذه المقولة في وعيك، أستطيع أن أجزم تقريبًا أن جزءًا ما في داخلنا يدرك صدق هذه المقولة. لذلك نحن نبذل معظم وقتنا جاهدين لنكون أفضل ونحاول أن نثبت للعالم أننا لسنا بالسوء الذي نضمره عن ذواتنا. لكن هذا الشعور بالدونية يقع في أصل ما يعرف بالتنبؤ ذاتي التحقق.

يبدأ الأطفال في صغرهم بإدراك ما نعتبره سلوكيات سيئة، نوبات الغضب، الضرب، الاستيلاء ونحوها. هذا إثبات أن البشر شريرون بطبيعتهم وأنه يجب علينا تعليم الأطفال كيف يصبحون خيرين وإلا سيتعثرون في هذه الاتجاهات الطبيعية السلبية. لكن هذه التصرفات المبكرة هي الأشكال الوحيدة من التواصل عند الطفل الصغير ببساطة. ستكبر هذه التصرفات فيهم فطريًا مالم ننجح في إقناعهم بأنها تصرفات “سيئة”. أعتقد أننا سنصبح كلنا أفضل حالًا إذا غيرنا هذه المقولة إلى: “البشر خيرون بطبيعتهم، لكن اعتقادنا بأننا فاسدون يخلط الأمور”

 

بعثرة أحجية الشخصية. إذا تمكنا من إدراك الأسباب المحددة الكامنة وراء سلوكنا وسلوك غيرنا ومن ثم بعثرة أحجية الشخصية فإننا نستطيع أن نحدد:

– أي قطع الأحجية ملائم وأيها غير ملائم.

– كيف يمكننا استغلال هذه الميزات لصالحنا.

-أي تعديلات نحتاجها لنطور تجربتنا وعلاقاتنا.

وبما أنه لا يوجد تعريف متفق عليه للشخصية، سأنتهز هذه الفرصة لأقترح أن معظم ما نعتقد أنه من الشخصية لا علاقة له بجوهرنا. المشكلة هي أننا أصبحنا نعتبر هذا المصطلح شاملًا لمكونات عديدة تساهم في تكوين أنماط سلوكياتنا. مزج هذه المكونات معًا يجعل تحديد العوامل التي تؤثر على سلوكنا أصعب بكثير. لهذا السبب أعتقد أن الأدوات التي يمكننا الوصول إليها قيمة جدا ويمكن أن تساعدنا في فهم أعمق لأنفسنا وللآخرين، إن هي استعملت بحكمة.

فهم ما يحركنا يجعلنا أكثر نباهة لذواتنا وأعمق وعيًا بطرق الناس المختلفة في التفاعل مع العالم.

إن الأدوات التي تعرّف أساليب التواصل والتعلم المتنوعة، الاعتقادات والعقليات، عمليات صناعة القرار، ولغات الحب ونحوها، هي أدوات تساعدنا في فهم القوى الدافعة للسلوك الإنساني. حتى الاختبارات التي تدعي أنها تصف أنماط الشخصية مثل مؤشر مايرز بريغز* واختبار DISC* قد تكون نافعة فعلًا. أختلف فقط مع تسميتها، وأنه يجب علينا تسميتها باسم آخر غير اسم ’اختبار الشخصية‘.

إن الحل كامن في التفريق بين ما يساعدنا وما يضادنا، ما هو جزء من طبيعتنا فعلًا وما قد يبدو أنه جزء من هوية مغلوطة، وما هو قابل للتغيير من عدمه.

لماذا يجب أن يكون الآباء والمعلمون حذرون في تحديد شخصية الطفل؟

لدى الأطفال استعداد لتقبل الألقاب التي نَسمُهم بها بلا مساءلة ويعيشون وفق تطلعات القريبين منهم. عندما نجهل العوامل العديدة التي تؤثر في سلوك الطفل والتي لا علاقة بينها وبين جوهره، نغامر في تحديد شخصيته وفق معيار مغلوط. وبينما يتم تشكيل شخصية الطفل وفقا للمحيطين به، فإن التخلص من الصفات السلبية يصبح صعبًا لأن الطفل يعتقد أن هذه الصفات جزء منه. لا عجب أن معظمنا يفقد الإحساس بنفسه أثناء تقدمه في العمر، إذ أصبحنا أسرى للشخصيات التي صُممت لنا.

كيف تتجنب حجز نفسك والآخرين في سجن الشخصية هذا؟

عندما تناقش سلوك إنسان ما، خاطب السلوك ذاته ولا تشخصنه (استخدم “لا أحب هذا السلوك عوضاً عن أنت كذا وكذا”) على سبيل المثال، وكن حذراً أيضاً في حديثك عن نفسك، مثلًا، (استخدم “يا ترى ما الذي يجعلني غير متحفز؟” عوضاً عن ” أنا كسول”).

تطلب فهمًا أعمق لنفسك والآخرين وقاوم رغبة إطلاق الأحكام والتخمينات عن الآخر. راقب واستمع جيدًا، حتى تفهم ما قد يدور تحت السطح. استخدم كل الأدوات المتاحة لتكتسب البصيرة عن المعاملات المختلفة المحركة لسلوكك وسلوك الآخرين.

حاول ألا تُكرِه الآخرين على قبول فلسلفتك الوجودية. لكل منا طريقته الخاصة في التفاعل مع بيئته وكلما تفهمنا هذه الاختلافات أعطينا الآخرين الحرية ليكونوا على طبيعتهم.

أعتقد أن السبب في عدم وجود تعريف متفق عليه للشخصية يعود إلى أن الجوهر غير مقصود لأن يعرّف أصلًا. إذا استطعنا أن نرخي قبضتنا على ما نعتقده حول ذواتنا والآخرين، سننجح في كسر قيد الشخصية ونسمح لجوهرنا الحقيقي غير القابل للتعريف بأن يُشرق !

 

……………

* شيلا سيمز معلمة حكومية تعمل على تغيير نموذج تعليم وتنشئة الأطفال .

DISC* نموذج سلوك معرفي D أول حرف من كلمة Dominant  أي: مسيطر. I  أول حرف في كلمة Inspiring  أي: ملهم. S  أول حرف من كلمة Supportive أي: داعم. و C  الحرف الأول من كلمة Cautious   أي متحفظ .

Meyers-Briggs personality tests  اختبارات مايرز بريغز للشخصية: مجموعة اختبارات نفسية تساعد في تحديد شخصية الإنسان من خلال تفضيلاته.

شارك المعرفة عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *