العلم

أزمة نظام مراجعة الأقران: خروج عن النص

أسبوع العلوم الزائفة: المتوقع من المراجعين -الأقران- أن يقوموا بفرز المقالات الأكاديمية للتأكد من توافقها مع تيارات سياسية لها تأثير واسع على شريحة كبيرة من المجتمع.

  • بيتر شون تايلور
  • ترجمة: زهرة وقيتان الدوسري
  • تحرير: بلال الخصاونة

كما هو متعارف عليه في المجتمع العلمي والأوساط العلمية: يُنظر لعملية أو نظام مراجعة الأقران الأكاديمية على أنها المعيار الذهبي الأوثق والأكثر مصداقية والمعتمد عليه لدى القراء لأخذ المعلومات من مصادر موثوقة.

وعلى هذا المنوال، في الشهر المنصرم أعلنت مجلة (The Lancet) وهي مجلة طبية عامة أسبوعية، وتعد من أقدم وأشهر المجلات الدورية الطبية في العالم، بأن العلاج المنتظر والواعد لـ فيروس كورونا أثبت عدم فاعِليته، ليس ذلك فقط بل إنه خطر جدًا على من يتناوله، ومن الممكن أن يسبب مضاعافات عكسية على المدى البعيد.

من الجدير بالذكر أنه في وقت سابق روّج الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لدواء “هيدروكسي كلوركين” الذي يستخدم كمضاد (للملاريا) كعلاج محتمل لكورونا، قائلا إن لديه “فرصة حقيقية لإحداث تغيير كبير في تاريخ الطب” فى الصراع ضد فايروس كورونا. وكانت النتائج الأولية مبشِّرة مبدئيًا، مما أثار موجة وافرة من الدراسات المتعمقة والتحقيقات حول مدى فعالية الدواء في علاج فايروس كورونا حول العالم.

انتهى كل هذا بشكل مأساوي بعد البيان الذي أصدرته مجلة ذا لانست الطبية بخطورة هذا الدواء وعدم فاعليته. وعلى إثر ذلك أوقفت منظمة الصحة العالمية وعدد من المنظمات الأخرى جميع مشروعات البحث المتعلقة بدواء (هيدروكسي كلوروكين)؛”لقد قال العلم كلمته الأخيرة”.

لكن بعد نحو أسبوعين، سُحِبَ البحث بشكل مخزٍ لعدم كفاية الأدلة، ولخلل في البيانات، ولكونها من الممكن أن تكون غير صحيحة. وبالنظر للمخاطر المرتبطة بهذه الجائحة العالمية، فان هذه إحدى أكبر السقطات البحثية في الذاكرة الحاضرة.

ولكن بصرف النظر عن جدّية الموضوع، فهذا التحول في الأحداث لم يقدم شيئًا جديدًا؛ تتكرّرُ أخطاء بشعة بانتظام يُنذِر بالخطر في جميع أنحاء الصحافة الأكاديمية القائمة على مراجعة الأقران؛ وأيا كانت الثقة والصرامة التي يضعها الباحثون في هذا النظام، هي ثقة في غير محلها تمامًا؛ ويبدو أن المستقبل يحمل في طياته نذير شؤم أكبر لمعيار العلم الذهبي المسمى بـ “مراجعة الأقران”.

على الرغم من التصور الشائع عن مراجعة الأقران من أنها تستلزم فحصا دقيقا من قبل خبراء في نفس المجال، يدققون بعناية في مخرجات الدارسات البحثية للتأكد من صحتها وسلامتها؛ فإن الإجراءات الفعلية ليست كذلك؛ فالمراجعون هم علماء من نفس الاختصاص في المجال الأكاديمي يتطوعون للقيام بذلك بدون مقابل مادي، وما لديهم من وقت لا يكفي إلا لإلقاء نظرة خاطفة على كل ورقة للتأكد من أنها تقدم إضافة جديدة ومفيدة للعلوم. صحيحٌ أن العديد من الابحاث ترفض بين الحين والآخر من قِبل نظام مراجعة الأقران، إلا ان النظام لا يهدف إلى اكتشاف أخطاء البيانات الفادحة أو التحايل.

 

نظرة سريعة على مجموعة البيانات الهائلة التي تم تجميعها من قبل Retraction Watch (وهي قاعدة بيانات عامة تقوم بفهرسة الأوراق البحثية)، تظهر ان هناك العديد من الطرق التي تعاني بها عملية مراجعة الأقران من عيوب خطيرة. فمن بين ما يقرب 100 سبب محتمل تم سردها، هناك: خلل في البيانات أو التحليل، والسرقات الفكرية، وأخطاء الاستنتاج، وانتهاكات حقوق النشر، والتلاعب بالنتائج، والنتائج غير القابلة (لإعادة الإنتاج)، والتعديات الأخلاقية، والنصب والاحتيال. ويعد التدفق اليومي للبحوث المزيفة التي تضاف إلى قائمة Retraction Watch بمثابة إثبات آخر على عدم قدرة عملية مراجعة الأقران على اكتشاف المشكلات الأساسية كبيرة كانت أم صغيرة.

وعلى الرغم من سمعته الواسعة، فإن نظام مراجعة الأقران لا يضمن معرفة مفيدة أو حقيقية، ولا يمكن التعامل مع هذا العيب إلا من خلال الصراع بين النظريات المتنافسة والاختبار الدؤوب لنتائج الباحثين الآخرين للتخلص بشق الأنفس من الاستنتاجات الخاطئة أو التحيزات -وهو ما أطلق عليه الفيلسوف كارل بوبر عملية الحدوس الافتراضية والتفنيدات- لسوء الحظ، حتى هذه الطبيعة الأساسية للتقدم العلمي تتعرض الآن للهجوم بفضل عيب جديد تمامًا في عملية مراجعة الأقران: مسايرة التيار السائد.

 

نُشِر في أوائل هذا الشهر، مقالٌ روجع من مختصين في نفس المجال لعالم الكيمياء توماش هودليكي في المجلة الألمانية Angewandte Chemie (الكيمياء التطبيقية) وهي مجلة شهيرة في المجتمع العلمي. لقد كان المقال مراجعة لورقة علمية مرجعية رائدة في مجال الكيمياء العضوية لما يقرب من ٣٠ عامًا، والتساؤل حول التغير الحادث الذي طرأ على المعلومات التي تناقشها الورقة في الثلاثة عقودٍ الماضية. وقد احتوى المقال المنشور على آراء البروفيسور هودليكي المعارضة لسلوك الإدارة الحديثة، بما في ذلك سياسات الجامعات فيما يتعلق بالمساواة بين الباحثين والتنوع والشمولية. وذكر في هامش المقال “أن هنالك مشكلات أثرت على ممارسات التوظيف إلى أن أصبحت المناصب تُسنَد لأناس غير مؤهلين من جماعات معينة”.

 

افتراض هودليكي فيما يخص المعاملة التفضيلية للمرشحين للوظائف من جماعات (معينة) قد تعيق الجهود المبذولة لتوظيف المرشح الأكثر جدارة، وقد يكون هذا مثيرًا للجدل بالنسبة للكثيرين. ألا يترتب على التمييز لصالح مجموعات معينة تمييزاً ضد مجموعات أخرى؟ إن وجود العديد من المناصب الأكاديمية المُعلن عنها على أنها مفتوحة حصريًا لمجموعات أقلية معينة يشير إلى ذلك. لكن ما اكتشفه هودليكي هو أن منصبه لم يعد محل جدل، بل هو ممنوع منعًا باتًا عن جماعات بعينها.

 

وأثار هذا المقال المنشور غضب الأساتذة حول العالم فأدانوا آراء البرفيسور المذكورة في المقال حول التحيز الجنسي والعرقي في التوظيف مطالبين بسحب هذا المقال من المجلة على وجه السرعة. وقد كان رأي الجمهور سريع التأثير. في خطاب مفتوح موجه إلى “مجتمعنا” بعد أيام من نشره، أعلن ناشر مجلة (Angewandte Chemie) أنه قد أوقف المراجعين المسؤولين عن المقال، وحذف أسماءهم نهائيًا من قائمة الخبراء المُدرَجِين في نظام مراجعة الأقران. وحذف المقال أيضًا من موقع الدورية الرسمي على الإنترنت. ثم تعهد الناشر بتجميع “مجموعة متنوعة من المستشارين من طرف آخر” لاستئصال شامل “لكل ما يدعو للتمييز والعنصرية وتعزيز التنوع على جميع المستويات”.

 تبرأ عميد جامعة بروك أيضًا من تحيزهودليكي في بيان صحفي، واصفًا آرائه بأنها “تتعارض تمامًا مع قيم الجامعة” ثم كثفت الجامعة جهودها لإزالة مفهوم التحيز من صفوفها لتعزيز أهداف “المساواة ونبذ العنصرية”  كان ذلك كله خارج نطاق المجال العلمي. تصريح الجامعة (المتهور) لهودليكي قيد المراجعة الآن، بعد شكوى رسمية من بروفيسور آخر بأن تصريح العميد ينتهك سياسات الجامعة فيما يخص حرية التعبير.

سخرية هودليكي وتعليقاته الحادة تجاه الـ Retraction Watch، كانت في وقت ما كانت “سلامة الإنسان في حفظ لسانه”؛ ولكن ما هي تداعيات الوضع على نظام مراجعة الأقران؟ مع هذا التحول والتغير في التوجه… بات كل شي واضحاً بالنسبة لوضع المراجعة ومصداقيتها في المجلات العلمية، ومن المتوقع في المرحلة القادمة أن يقوم المراجعون بفحص المقالات ليس فقط من ناحية الوضوح والارتباط بالمجال العلمي، ولكن أيضًا من حيث مدى توافق الطرح الذي تقدمه مع وجهات النظر السياسية المسيطرة على المجتمع ككل؛ فلك أن تتخيل أنك لو أرسلت مقالا لغرض المراجعة وكان هذا المقال يحمل تهييجًا للرأي العام بأي شكل من الأشكال -حتى لو كان ذلك في حاشية سُفليّة- ونُشِر على ما هو عليه، فقد تفقد وظيفتك.

 

إذا كان من المحظور الآن التساؤل عما إذا كانت ممارسات التوظيف التفضيلية يمكن أن يكون لها تأثير على الجدارة، فما الذي هو أبعد من ذلك وتأثيره على المراجعين؟ ضع في اعتبارك جميع التحولات التي تحدث في المجتمع على جميع الأصعدة. تقريبا كل موضوع قد يكون له تشعبات وتداعيات اجتماعية اوسياسية.

 

ومع ازدياد الخطوط الحمراء في عمليات المراجعة لجميع المنشورات الأكاديمية، سيصبح من الآن فصاعدًا من المستحيل تطبيق عملية الحدوس والتفنيدات، وستبقى النظريات الخاطئة مبادئ غير قابلة للنقاش لأنه لا يُسمح لأحد بتحديها. كم عدد المفاهيم أو الأفكار الجديدة التي من المحتمل أن تكون ناجحة والتي لن ترى النور أبدًا لمجرد أن القائمين على نظام مراجعة الأقران قرروا رفض النشر خوفًا على سمعتهم و”مصدر رزقهم” ؟  إلى جانب التطبيق المؤسف لقواعد الإخضاع في الأوساط الأكاديمية من خلال ممارسات التوظيف والضغط الاجتماعي، قد تتحول عملية مراجعة الأقران إلى رقابة نشطة على الأفكار التي لا تحظى بشعبية.

 

على الرغم من كل عيوب نظام مراجعة الأقران الواضحة، إلا أنه صمد لأنه يوفر البيئة المناسبة للتنافس والتميز وطرح الأفكار الجديدة في البحث العلمي. “ولو أتيحت الفرصة لجاليلي تقديم نظريته التي لا تحظى بشعبية كبيرة عن حركة الكواكب إلى بعض المجلات القديمة في علم الفلك -والتي كان سيقوم أقرانه على مراجعتها بدلاً من محاكم التفتيش التابعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية- فهل كان ليتراجع عن آرائه قسرًا؟ ربما ليس في عام 1633، ومع ذلك، فمن المحتمل أن يتعرض للحرق من قبل الكهنة الجدد القائمين على حراسة ديانة “العلم”.

اقرأ ايضًا: النزعة العلموية وسلامة العلوم الإنسانية

أعجبني المقال

المصدر
financialpost

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى