عام

الآثار العامة للبطالة

  • باتريك جليسون
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: عائشة حسين

تُؤثِّرُ البطالةُ علَى حياةِ العاطلِ نفسِه وعلَى حياةِ عائِلَتِه، لا فِيمَا يتعلَّقُ بالدَّخلِ المادِّيِّ فحَسب، وإنَّما فِيمَا يتعلَّقُ بالصِّحَّةِ والأخلاقِ أيضًا. أضِف إلَى ذلِك، أنَّ الآثارَ تلك قَد تستمِرُّ معَه إلى عقُودٍ. كما أنَّ لِلبطَالةِ آثارًا حادّةً علَى الاقتِصاد؛ ففِي كُلِّ مرَّةٍ تَرتفِعُ فِيها البطالةُ ١%، يتراجعُ النَّاتِجً المحليُّ الإجمَالِيُّ بنِسبةِ ٢%. أمَّا تبِعَاتُ البطالةِ على عالَمِ الجرِيمَةِ فهيَ مُضطَرِبةٌ؛ ففِي بَعضِ الحالاتِ تزيدُ الاعتداءَاتُ علَى المُلكيَّاتِ علَى نَحوٍ مَّلحوظٍ، وفِي حالاتٍ أُخرَى لا يظهرُ أيّ تأثيرٍ لَّها.

 

الآثارُ الفردِيةُ للبطالَة 

فِي مقالٍ نُشرَ في جريدةِ نيُويورك تايمِز بعُنوانِ “نتائجِ البطالةِ على المدَى الطَّويلِ”؛ يَشرحُ الاقتِصَاديُّ بينيَامِين آبليبُوم أنَّ نتائِجَ البطالةِ على الشَّخصِ العَاطلِ عنِ العَملِ خطِيرَةٌ وَّدائِمَةٌ فِي الوَقتِ نفسِه؛ فالمُوظَّفون الَّذِينَ صارُوا عاطلِين عنِ العَملِ في الرُّكودِ الاقتِصَادِيِّ  خِلالَ أوائلِ الثَّمانينَاتِ مِنَ القَرنِ الماضِي مثلًا، أصبَحُوا يحصُلون علَى رواتِبَ أقلّ بـ٢٠% مِنَ المُتوسّطِ بعدَ عِشرين سنةٍ لاحِقَة. والأمرُ مُضِرٌ أيضًا بالصِّحَّة؛ ففِي دراسةٍ أُجرِيَت عام ٢٠٠٩ بولايةِ بنسلفانيا الأمرِيكيَّة، وجدَت أنَّ العُمَّالَ العاطِلينَ عنِ العَملِ يمُوتونَ مُبكِرًا بأكثر مِن سَنةٍ من المُتوسِّط.

كما تَمتدُّ عواقِبُ البطالةِ طويلةُ المَدى علَى عائِلات العاطِلين أنفُسِهم. ففِي دراسةٍ كنَديَّةٍ قامَ بها أبليبوم سنةَ ٢٠٠٨ـ وجدَت أنَّ أبناءَ المُوظَّفِينَ العاطِلينَ عنِ العملِ -في الكفاءَات ذاتِها- يتراجعُ تحصيلُهم بنِسبةِ ٩% مُقارنةً بأبناءِ المُوظَّفِينَ العامِلين.

وكُلَّمَا استمرَّتِ البطالةُ ازدادَت آثارُها الحادَّةُ على الحَياةِ الصِّحيَّةِ  مَع زيادةٍ فِي الاكتئابِ ومشاكل صحيَّةٍ أُخرَى، ويزدادُ الأمرُ سُوءًا مَع مرورِ الوَقت. وبالإضافةِ خسارةِ المُوظَّفِين الَّذِين فقدُوا عملَهم لرواتِبِهمُ الشَّهرِيّة، فإنّهُم يخسرُون فوقَ ذلِك أصدقاءَهم وتقديرَهُم الذَّاتِيَّ لأنفُسِهم.

وكُلّما طالَ التَّوقفُ عنِ العَملِ، صارَ مِن الصَّعبِ علَى المُوظَّفِ إيجادُ وظيفَةٍ جديدَة؛ لأنَّ أربابَ العملِ لا يرتاحُون كثِيرًا للمُنقطعِين عنِ العَملِ لفترَاتٍ طَويلَة؛ ولأنّه مع مُرورِ الوَقت فإنَّ المُوظَّفِين العاطِلين عنِ العَملِ يفقِدُون مهاراتِهم الوظيفيَّةِ أيضًا. والمهاراتُ المفقودةُ لا تَتعلَّقُ بالوَظيفةِ فقَط: ففِي دِراسةٍ سويديَّةٍ سنةَ ٢٠٠٨، وجدَت أنَّ مهاراتِ القِراءَةِ والفهمِ لدَى المُوظَّفِين العاطلِينَ عنِ العَملِ، تراجعَت بنِسبةِ ٥% في سَنةٍ واحِدةٍ فقَط.

 

الآثار الاجتماعية للبطالة

واحدةٌ مِن نَتائجِ البطالةِ المُتكرِّرَةِ الَّتِي كثِيرًا ما تُناقَشُ؛ هيَ ارتفاعُ معدَّلاتِ الجرِيمَة. ومع ذلِك، فقد توصَّلَت دِراسةٌ واسعةُ النِّطَاقِ عن هذِه المُشكلةِ إلى استِنتاجَاتٍ مُّضطَرِبةٍ حولَ العلاقةِ بينهُمَا. ففِي دراسَةٍ قامَ بهَا كُلٌّ مِن كلاك وغاري وجاكسن ودايلن نُشرت في Journal of Quantitative بعُنوان “ما أنواعُ البطالةِ التي تُحفّز على الجرِيمة؟ دراسةٌ وطنيَّةٌ لِّمٌراقبَةِ حالاتِ الجرائمِ الخطيرةِ ضدَّ المُمتلكَات”، أكدت الدراسة سنة ٢٠٠٦ أنَّ الأشخاصَ العاطلِين عنِ العملِ “لأسبابٍ غيرِ مَقبُولةٍ اجتِماعيًا” والَّذِينَ لا يسعَون للبَحثِ عَن عمَل “هُم أكثرُ عُرضةً” لارتكابِ جرائمِ السَّطوِ والسَّرِقات. (جرائِمُ السَّرِقات تُرتكبُ ضدَّ الأشخاصِ باستعمالِ طُرقٍ عنِيفَةٍ غالِبًا، أمَّا جرائِمُ السَّطوِ فهيَ تُرتكبُ ضدَّ المُمتلكَات).

كما أنَّ الدِّراسةَ توصَّلت معَ ذلِك، إلى أنَّ من يسعَون للبَحثِ عَن عملٍ مِّنَ البطَّالِين ليسُوا أقلَّ ولا أكثرَ عُرضةً لارتكابِ جرائمِ السَّرقةِ أوالسَّطوِ مِنَ المُشتغلِين بدوامٍ كامِل. ووجدَت الدِّراسةُ بأنَّ الأشخاصَ ضعيفِي الدَّخلِ أقلُّ عُرضةً لارتكابِ جرائمِ السَّطو؛ لكِن مِّنَ المُرجَّحِ أن يتورَّطُوا في سرقاتٍ مثل أيِّ أحدٍ مِّن عُمومِ النّاس.

وتزيدُ العلاقةُ الطَّرديَّةُ بينَ البطالةِ وجرائمِ السَّطوِ على المُمتلكاتِ في أوساطِ الشَّباب، فذهبَت الدِّراسَةُ إلى أنَّ البطالةَ تزيدُ مِن احتماليَّةِ ارتكابِ جرائمِ السَّطوِ بينَ الأشخاصِ الَّذِينَ تتراوحُ أعمارُهم بينَ ١٨ إلى ٢٩ سنة أربعَ مراتٍ مِّنَ الأشخاصِ العاطلين عنِ العملِ، ممّن تزيدُ أعمارُهم عن ٣٠ سنة.

 

الآثارُ الاقتِصَاديَّةُ للبطالَة

بعضُ آثارِ البطالةِ فوريّةٌ وبَدِيهيّة، فمعَ ارتفاعِ البطالةِ، ترتفعُ مِنحتُها لدى الدُّولِ والحكوماتِ الفِدراليّة، وهُوَ أمرٌ لا يُستهانُ به؛ ففِي فبراير سنة 2017 بلغَت مِنَحُ البطالةِ -وكانَ مُعدّلُها يقارِبُ 5٪ وتشملُ المُساعداتِ الغِذائيّةَ والطبّيّة- ما يُقارِبُ 2.96 مليارَ دولارٍ في الشَّهرِ الواحِد.

هذِه الآثار المُتفاقمةُ المُلاحظةُ لهذه الإعاناتِ المُتزايدةِ في اقتصادِ الاستهلاكِ الأمريكيِّ، تضطرُّ الحكومةَ إلى الاقتراضِ حتَّى تتمكّنَ من تَغطيةِ تكاليفِ تِلك الإعاناتِ، وحينَ تقومُ بذلِك؛ فإنَّها ستقُوم باستراتيجيّةٍ تعويضيّة: فإمّا أن تُؤجِّلَ تلكَ التَّكاليفِ في المُستقبلِ، أو تُخفِّضَ تمويلاتِها لمجالاتٍ أُخرَى. ومنَ المُمكنِ مع ذلِكَ أن تتحوّلَ مِن حَالةٍ اقتِصاديّةٍ سيِّئةٍ إلى حَالةٍ اقتصاديةٍ أسوأ. ففِي ورقةٍ تاريخيّةٍ سنةَ 1967، قامَ بها الاقتصاديُّ آرثِر أوكون عنِ البَطالةِ والنَّاتجِ الاقتِصَاديّ، خلُصَ إلى أنّهُ حتَّى لو حصلَ ارتِفاعٌ بنِسبَةِ 1% مِن نِسبةِ البطالَة، فإنَّ هذا سيُسبِّبُ انخِفاضًا بنِسبةِ 2% مِن النَّاتجِ المحلّيِّ الإجمَاليِّ فِي الوِلاياتِ المُتّحدةِ الأمرِيكيَّةِ (GDP). وكانَ لتِلكَ الوَرقةِ معالِمَ تأثيرٍ يتجاوزُ ١٠٠%. وفي ورقةٍ بَحثيّةٍ سنةَ 2017 صادرةٍ عَن بنكِ سانت لويس للاحتياطيِّ الفِدرَاليّ حولَ قانونِ أوكُون، أشارَ فيها -كما صارمعروفًا- بأنَّ هذهِ النِّسبةَ “ستظلّ صحيحةً إلى 50 سنةٍ لاحِقة”.

أعجبني المقال

المصدر
smallbusiness.chron

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى