الدين

النقاط العمياء: أصول المنهجية الغربية في نقد الحديث

  • جاي. أي. سي براون
  • ترجمة: عمر الصغيّر
  • تحرير: محمود سيّد

حمل المقال PDF

مقدمة المؤلف:

قبل بضع سنوات كنتُ في مناظرة إذاعية مع مؤرخ بريطاني بارز كان قد كتب مؤخرًا كتابًا يروِّج للإثارة عن أصول الإسلام. ادّعى فيه بنبرة فجّة مميزة وليست بالنادرة في وسط الأكاديميين، أن الصلاة خمس مرات باليوم لم تكن من رسالة النبي الأصلية، بل انتقلت في بداية الإسلام من معتنقيه الزرادشتيين تقليدًا لصلواتهم الخمس الزرادشتية [1]. وحاججَ موافقًا لكثير من العلماء الغربيين أنه لا يمكن الاعتماد على مجاميع الحديث والسيرة على أنها مصادر تاريخية موثوقة لحياة النبي ﷺ أو لبدايات الإسلام لكونها قد صُنِّفت على الأقرب لبضعة عقود بعد الأحداث التي تصفها. إضافة إلى ذلك فقد صَنَّفها مسلمون كانت لهم كل مصلحة لتدعيم مزاعم دينهم.

بَيْدَ أن الدليل الذي اعتمد عليه هذا العالِم في دعواه عن الأصول “الحقيقة” لصلاة المسلمين جاء من كتاب ألَّفه حاخام بفرنسا في القرن الثاني عشر، ولم يأتِ فيه حتى ذكر الصلاة، بل ذكر فيه كيف أن الزرادشتيين ممن اعتنق الإسلام كثيرًا ما استمرّوا في شرب الخمر بعد ما صاروا مسلمين. وفي المقابل؛ نجد حديثًا يصف فرض إقامة الصلاة خمس مرات باليوم في أقدم كتب الحديث التي بلغتنا، موطأ عالم المدينة مالك بن أنس (تـ 796) [2].

لِمَ أهدر هذا العالِم البريطاني اعتماد المسلمين على دليل وُجِدَ بعد بضعة عقود من حياة النبي ﷺ، ومنقول من عالِم من مدينة النبي نفسها، مُحاجًّا مقابل ذلك أن تقوّلًا بالظن حول عبارة لحاخام يهودي بأوروبا متأخرة بقرون أوثق في الشهادة عن أصول الإسلام؟ [3]. ولِمَ أيضًا حاججَ هذا العالِم وغيره من العلماء الغربيين أنه يمكن أن يكون القرآن قد جاء من حقبة متأخرة كثيرًا عما يدّعيه المسلمون، أو متقدمة كثيرًا عليها، ولكن ليس في القرن السابع عصر النبي ﷺ الحقيقي؟

جواب ذلك أن طريقة العلماء الغربيين عمومًا في رؤيتهم للروايات عن الماضي، والروايات عن تاريخ الأديان والكتب المقدسة خاصة، ليست محايدة. فهي نتيجة تقاليد سياسية وثقافية معينة. ومع كون هذه المنهجية تفخر بإلقائها النور على الخبايا المُظلمة للتاريخ البشري، فإنها لا تخلو من نقاطها العمياء.

هذا الآتي هو قطعة مستلّة من كتابي “الحديث: إرث محمد في عالم العصور الوسطى والعالم الحديث”، الطبعة الثانية (ون ورلد، 2017). وتحديدًا، هي مقدمة فصل الدراسة الغربية للتراث الحديثي. قرّرنا أن ننشر هذا الجزء هنا في “يقين” لإفادته مصدرًا مهمًّا لأولئك الذين يقرؤون الكتابات التاريخية الغربية عن الإسلام المبكر، وبصورة أوسع عن نشوء وتطوّر التقاليد الدينية عامةً. وبإيجاز؛ فإن هذه الصفحات تعطي ملخصًا عن (كيف ولِمَ) انتهى البشر “العصريون” إلى موقف شكوكي ومسيء للظن بامتياز تجاه النصوص المقدسة والأرثوذكسية [المذهب الذي يزعم تمثيل الدين الصحيح*] في مختلف التقاليد الدينية.

جاي. أي. سي براون.

 

 

مقدمة

حتى هنا قمنا بمناقشة الأحاديث وعملها في الحضارة الإسلامية باعتبارها تقليدًا أحدثه قوم اعتقدوا نبوة محمد ﷺ، وأنه خاتم سلسلة أُرسلت إلى البشرية من رب هو خالق الكون ونبع حقيقته الوحيد. وإلى هنا فقد انتشر تراث الحديث بين المسلمين. ومع أنهم قد اختلفوا في الاستشهاد بالحديث أو في تفسيره، فقد انفرد المسلمون بحدود النقاش فيه. غير أن هذا الكتاب لا يفترض أن القارئ يؤمن أن الله يتدخّل في وقائع التاريخ، أو أن محمدًا ﷺ كان نبيًّا. بل ستلاحظ (إن قمتُ بعملي كما ينبغي) أن هذا الكتاب يبحث الأحاديث بنبرة “محايدة” أو “موضوعية” بحسب بمناهج المؤرخين المُحْدَثين لدراسة التقاليد الدينية.

كما هو حال نُقّاد الحديث المسلمين، فمناهجنا في النقد التاريخي بالغرب لها تقاليدها وافتراضاتها الخاصة. وما علينا الاعتراف به قبل الخوض في أي نقاش مُقبل، هو أن كتابًا لا يفترض تدخّل الله مباشرة في وقائع البشر، ولا أن محمدًا ﷺ كان نبيًّا، ولا أن الأحاديث في الجملة ثابتة، فلا يلزم من ذلك أنه يفترض أن الله حقًّا لا يتدخّل، وأن محمدًا كان رجلًا عاديًّا، وأن ثمّة شكوكًا حقيقيةً حول مصداقية التراث الحديثي في جملته. فقِلّة من القراء الغربيين مثلًا ستقبل التبرير الذي يقول: إن التراث الحديثي توثيق دقيق لأقوال محمد؛ لأن الله لن يدع أبدًا دينه للضياع (وهو تبرير شائع بين المسلمين). وكما لك أن تتصوَّر، فإن بحث الأحاديث في الغرب يختلف تمامًا عن قرينه الأصلي عند المسلمين.

يتفحَّص هذا الفصل البحث الأكاديمي الغربي للتاريخ الإسلامي المبكِّر ونقده الجذري للتراث الحديثي السني. “سؤال الموثوقية” كما سنسميه، له أثران ينبغي لنا أن نأخذهما بعين الاعتبار. أولًا: بحث العلماء الغربيين النقدي في الحديث ومناهج المسلمين في توثيقه يمكن أن يرى باعتباره تقدمًا لفهمنا عن أصول الإسلام يستحقّ الثناء وجزءًا من محاولة إنسانية أشمل لتوسعة كل مجالات المعرفة. ثانيًا: مع ذلك؛ يمكن أن ترى المنهجية الغربية باعتبارها فعلًا إخضاعيًّا تقوم فيه نظرة للعالم بفرض سلطتها على نظرة أخرى بتحديد ما يمكن اعتباره “معرفة” و”حقيقة”. وبالنظر إلى هذا؛ يمكن للمرء أن يتساءل: لِمَ يكون الضوء الذي يُلقيه العلماء الغربيون على الأحاديث ذا قيمة أكبر “للرقيّ بالفهم الإنساني” مما قدّمه تراث علماء الحديث المسلمين في ذلك؟ فكما بيّنَ أمثال إدوارد سعيد، المعرفة قوة، ودراسة موضوع مّا نوع إحكام سلطة عليه.

ولهذا؛ فليس من قبيل الصدفة أن أربعة من خمس مجالات تطوَّرت منها دراسة العالم الإسلامي الغربية كانت قد نشأت من المصالح الأوروبية الاستعمارية أو الدبلوماسية (مثلًا: الدراسات الفرنسية في القانون والثقافة الإسلامية في الشمال الإفريقي المستعمر، ومثيلاتها من دراسات هولندية في جنوب شرق آسيا، والدراسات البريطانية في الإسلام الفارسي بالهند، والمصالح الدبلوماسية الأوروبية في الإمبراطورية العثمانية). المجال الخامس والذي ثبت كونه الأهمّ في موضوعنا هو الدراسات السامية، وقد تفرَّع عن الدراسات الكتابية (كما سنبحث ذلك فيما سيأتي) [4].

خطّطَ الدبلوماسيون الأوروبيون في آخر القرن التاسع عشر في كيفية تشجيع إسلام “تقدّمي” داخل المجتمعات المستعمَرة، بقدر ما فعل خلفهم الأمريكيون في القرن الحادي والعشرين. النقاشات الغربية حول موثوقية الحديث بسبب هذا ليست مُحايدة، وتأثيرها يمتدّ طويلًا لما وراء الأوساط الأكاديمية الفارهة. فعندما ظهرت أخبار في 2008 أن الحكومة التركية تقوم بإعداد “مراجعة جذرية” لتراث الحديث السني، قام الإعلام الغربي بمباركة هذه الخطوة في سبيل الإصلاح (تبيّنَ لاحقًا بُطلان الشائعة) [5].  يمثّل سؤال الموثوقية جزءًا من الجدال الأعمّ حول تفاعل القوى بين “الدين” و”الحداثة”، وبين “الإسلام” و”الغرب”. وبدلًا من أن نأخذ مسألة الموثوقية من جانب غائي نتخذ فيه أن رؤية المسلمين الأصلية للتراث الحديثي خاطئة، وأن علماء الغرب قد أقاموها من سُباتها الألفي الطويل ويقودونها قُدُمًا شيئًا فشيئًا، سنفترض ما أراه مقاربةً أكثر دقةً من ذلك: التراث الحديثي ضخم جدًّا وأيّ محاولة لفحص موثوقيته قاصرة بالضرورة على عينات يسيرة لدرجة أن أيّ مقاربة لموثوقيته قائمة لزومًا على النظرة النقدية المنهجية التي نختارها أكثر منها على الحقائق التجريبية. ولأننا لا نستطيع -بحسب المنهج التجريبي المحض- معرفة ما إذا كان محمد ﷺ نبيًّا أو شخصيةً صنعها التاريخ، أو ما إذا كان لله أي أثر في حفظ كلامه للأجيال القادمة، فلن ننظر إلى سؤال الموثوقية باعتباره سؤالًا له جواب صحيح وآخر خاطئ. سنحدّد بدلًا من ذلك الافتراضات الأساسية التي اتخذتها المدارس الفكرية المختلفة تجاه هذا السؤال وكيف بنوا عليها، وسنبحث كيف تعاطت بعض المدارس مع الأخرى وكيف شكّكت فرضياتهم في فرضيات الآخرين.

 

أصول وافتراضات المنهجية الغربية لدراسة الحديث في مقابل التراث الإسلامي

يمثل التراث الإسلامي والمنهج الأكاديمي الغربي لدراسة أصول الإسلام منهجَين متعارضَين بشدة في دراسة مصداقية الروايات عن الماضي. كلا المنهجين نقدي من جهة أنهما يبحثان في مسألة موثوقية المصادر التاريخية، بَيْدَ أنهما يصدران عن مقدمات متضادة. القسم الآتي استطراد خارج عن موضوع الأحاديث، لكنه أساسي لفهم لِمَ ينظر العلماء المسلمون وعلماء الغرب نظرتَين مختلفتَين جدًّا لدراسة الأحاديث.

كما رأينا؛ فالتراث السني في نقد الحديث قد بني على التزام بتصفية الموثوق من غيره بناءً على منهجية فحص مصادر الخبر ومحتواه. إلا أنه في غياب اضطراب الأدلة أو مُعارض قوي، فإن علماء المسلمين وفقهاءهم تعاملوا مع الخبر المنسوب إلى النبي ﷺ لأول وهلة على أنه قد قاله. ولهذا قرَّر ابن حنبل أن العمل بالحديث الضعيف خير من القول في الدين بمجرد الرأي. كان النظر النقدي في الحديث مطلوبًا فقط إذا كان عند العالِم حجة مُقنعة للشك في صحته. وحتى مع هذا فقد كانت سلطة النبي ﷺ الكاريزمية كفيلة بأن تغلب أيّ مأخذ نقدي. فقد وردَ أن ابن الحاج (تـ737/1336) العالِم المصري المشهور ترك العمل بحديث فأصابه البرص، فرأى النبي ﷺ فأخبره أنه لم يصحّ الحديث عنده، فلِمَ يُعاقَب؟ فأجابه ﷺ “يكفيك أن تسمع”. فتابَ ابن الحاج وعالجه النبي ﷺ في منامه [6]. علاوةً على ذلك؛ فاعتقاد المسلمين أن النبي ﷺ قد أُعطي من علم الغيب وأنه أراد لإرثه أن يكون الأساس في حضارة الإسلام اقتضى تبجيل الأخبار المنسوبة إليه قبل إلقاء الشك عليها. الشك ابتداءً لم يكن هو الأساس عند نُقّاد الحديث المسلمين.

مقاربة علماء الغرب كانت على النقيض من ذلك. فطبقًا للّورد المشهور آكتون (تـ1902)، لا يمكن للمؤرخ الحديث أن يفترض البراءة ويجب أن تكون الريبة أول ردة فعل تجاه أيّ خبر تاريخي [7]. الدراسة الغربية الحديثة للتاريخ المعروفة بالمنهج النقدي التاريخي “م.ن.ت” (مع ما فيها من تنوع داخلي) تمثّل مقاربةً للماضي ظهرت من إنسانوية عصر النهضة ومن المقاربة النقدية لمصادر التاريخ والدين التي برزت لاحقًا في ألمانيا في القرنين الثامن والتاسع عشر. الحفاظ على منظور “تاريخي نقدي” تجاه الماضي يعني ألّا نقبل ما تقدِّمه المصادر دون سؤال. بل نستنطقها ونحاول التحقق من موثوقيتها بناءً على مجموعة افتراضات حول كيفية عمل المجتمع البشري. وكما يقول المؤرخ الألماني الكبير ليوبولد فون رانكه (تـ1886)، فإن التاريخ هو النظر خلف المصادر لمعرفة “ماذا حدث حقًّا” [8].

أُلِّفت كتب كثيرة حول أصول النظرة الكونية الحديثة ذات النزعة التاريخية النقدية. وفي إيجاز؛ فإن أصولها تتلخّص في التالي:

  1. إعادة اكتشاف عصر النهضة لتراث اليونان وروما الكلاسيكي.
  2. عصر الاكتشافات، وتحديدًا اكتشاف العالم الجديد.
  3. والإصلاح البروتستانتي.

أعطت إعادة اكتشاف التراث الكلاسيكي العلماء الغربيين شعورًا بالبُعد التاريخي من الماضي، وأبانتْ عن التغييرات التاريخية التي لحقت بنصوص عُدَّت طويلًا آثارًا مبجّلة كالكتاب المقدس مثلًا. وفي ذات الوقت فقد أكّدت طبيعةً بشريةً ثابتةً لا تتغيّر — وهي أداة أساسية في كيفية تثبّت العلماء الغربيين من قصص الماضي. أبان المؤرخون اليونانيون والرومان عن شكوكية شاملة لم تستطع العقول الغربية مقاومة جاذبيتها، وقدَّموا مثال المؤرخ باعتباره محلِّلًا مستقِلًّا مقابل الأخباري المسيحي. ومن الطريف أن التعاطي من جديد مع الفلسفة الكلاسيكية لم يحفز التفكر في الميتافيزيقا واللاهوت بقدر ما أدّى إلى التركيز على دراسة القوانين التي تحكم العالم المادي. وفي أثناء ذلك؛ تسبَّبَ اكتشاف الأمريكتين في اتساع الخريطة المعروفة للعالم، والتي قد أخذت من أنساب وجغرافيات الكتاب المقدس. وقامت حركة الإصلاح البروتستانتية بإنهاء احتكار الكنيسة لتفسير الكتاب المقدس، وانتهى ذلك باعتباره منتجًا تاريخيًّا محدودًا في سياقه الخاص بدلًا من كونه نبعًا أزليًّا للحقيقة الحرفية.

ظهرت جذور الـ”م.ن.ت” من القرن الرابع عشر إلى السادس عشر عندما تعرَّض العلماء الفرنسيون والإيطاليون إلى مختلف التراث اليوناني-الروماني من خلال المخطوطات التي جُلِبت من العالم الإسلامي والبيزنطي. قاد هذا الأمر علماء الغرب إلى منظور جديد تجاه تراثهم الثقافي. فلطالما اعتبرت أوروبا الغربية نفسها امتدادً للتراث الروماني، ناظرة إلى قانون روما وآدابها نظرة اقتداء. غير أن هذه العلاقة كانت تفتقر إلى أيّ تصور للبُعد التاريخي؛ فقد رسم فنانو ما قبل النهضة القروسطيون أبطال الكتاب المقدس في دروع الفرسان الإنجليز، وصوّروا ملوك فرنسا في الأزياء الرومانية [9].  كان التاريخ يُنسَج في الأذهان بحسب المخطط الذي صرَّح به القديس أوغسطين (تـ430)، ومقتبسًا من مواضيع وعلامات الكتاب المقدس. فمنذ عصر آدم كان التاريخ قد عُلِّم بحدث كوني عظيم واحد ألا وهو حياة المسيح، ومنذ صَلبه أخذت البشرية تتهاوى بلا هوادة في انتظار عودته الثانية.

كان أحد آثار الاهتمام “المولود من جديد” لعصر النهضة في الأعلام الرومان من أمثال شيشرون (تـ45 ق.م) أن تَولَّدَ حس بالعمق التاريخي عند العلماء الإيطاليين كالشاعر بتراركا (تـ1374). وبعيدًا عن جمع أوغسطينوس القروسطي بين الكلاسيكيات والمسيحية، فإن ما وجده بتراركا وهو يقع في حب نثر شيشرون اللاتيني كان المنظور الوثني للدين. فقد كشفت كتاباته عن ثقافة تشتمل شكوكية متكبرة إلى جانب تقوى شعبية. اعترف هذا السيناتور الروماني بلا عناء بسخافة الممارسات اليونانية الوثنية وطالب مع ذلك باحترامها في العلن [10].

لم يكن البُعد التاريخي واضحًا كما كان الحال بالنسبة للغة اللاتينية نفسها. فقد كانت إنسانوية النهضة في المقام الأول إدراكًا لمقدار اختلاف (أو انحطاط، كما يعبّر الإنسانويون) لاتينية الكنيسة القروسطية عن لغة شيشرون. قاد الانبهار باستعادة اللاتينية الأصيلة للرومان القدماء العالِم اللغوي الإيطالي (أو الفيلولوجي) لورينزو فالا (تـ1457) لإدراك كم الكلمات اللاتينية التي صارت تحمل معنًى مختلفًا عن معناها الأصلي. وبفحصه لوثيقة تسمى (تبرع قسطنطين)، وهي وثيقة يُزعَم أن قسطنطين كتبها في أول القرن الرابع لإعطاء البابا السلطةَ على الأراضي في الغرب، فقد أشار فالا إلى أن وجود المفارقات اللغوية في الوثيقة (الأشياء التي تبدو في غير محلها الزمني الصحيح، مثل رسالة منسوبة إلى يسوع تذكر فيها الجوالات) يعني أنها حتمًا تزوير متأخر. يأتي في الوثيقة ذكر (الإقطاعيات) أو منح الأراضي، لكن فالا أوضحَ أن هذه الكلمة لم تظهر إلا بعد عصر الوثيقة بكثير [11]. قادت ملاحظة فالا لتغيّر اللغة عبر الزمن إلى كشف القناع عن تزوير تاريخي كان عمود دعوى البابوية إلى حق ممارسة السلطة الأرضية. وبهذا صارت ملاحظة المفارقات أساسًا لـ”م.ن.ت”.

انبهار النهضة باللغة باعتبارها أداةً لإعادة اكتشاف الأصول، كان له آثار أشدّ وطأةً في حقل دراسة الكتاب المقدس. قام أحد خلفاء فالا في الفيلولوجيا وهو العَلَم دسيدريوس إراسموس من روتردام (تـ1536) بتقليد حماس فالا اللاتيني في حقل اللغة اليونانية. كرَّسَ إراسموس حياته العلمية إلى إخراج الإصدارات الأكثر موثوقيةً وصحةً للنصوص اليونانية القديمة عن طريق مقارنة أقدم مخطوطات الكتب الممكنة، ثم تمحصيها من الأخطاء الواقعة بسبب النسخ ومن سوء الفهم للكلام أو حتى من الإضافات التي قام بها العلماء المتأخرون. وفي أثناء عمله على إصدار جديد للنص اليوناني الأصلي للعهد الجديد؛ فقد اكتشف إراسموس أن المقطع الذي لطالما كان جزءًا من الكتاب المقدس اللاتيني واستشهد به باعتباره حجةً قاطعةً على الثالوث، إنما هو إضافة متأخرة ولا وجود لها قط في الأصل اليوناني [12].

امتدّت حياة إراسمس بين الاكتشاف المذهل والاضطراب الديني. وفي حياته وهو بالغ أُضيفت إلى خارطة العالم قارتان جديدتان. لم يتوقف الأمر على أن عقول الماضي العظيمة لم تتوقع أبدًا وجودهم، بل لم يكن لهم مكان في شجرة الأنساب الكتابية المبنية على أبناء آدم. وبتحطم التصور الذي كان في أذهان آباء الكنيسة عن العالم، افتتح طريق جديد نحو البحث العلمي. قدَّم البروتستانتي الفرنسي إسحاق دي لا بيرير (تـ1676) المحاجّة المثيرة للجدل، أنه لا بد أن الكتاب المقدس كان محليًّا أكثر من كونه عالميًّا. فآدم لم يكن الإنسان الأول، ولكن مجرد أب مؤسس لأحد القبائل الكثيرة (لأن قابيل تمكَّن من الفرار والزواج في مكان آخر، انظر تكوين 4:16). وكذلك؛ فطوفان نوح لم يكن عالميًّا بل كان عقابًا محليًّا لبلاد كنعان [13].

إلى عصر بيرير كان الإصلاح البروتستانتي قد فتح مساحةً جديدةً للتفكّر اللاهوتي في الديار البروتستانتية كإنجلترا وهولندا. وأدَّى إحياء الفلسفة، أو الفكرة القائلة بأن الحقائق الميتافيزيقية يمكن الوصول إليها بالعقل وحده، إلى بروز المذهب الربوبي في إنجلترا بالقرن السابع عشر، وهو ما يُعرف أيضًا بالاعتقاد بإله معقول يُستدَلّ عليه بالعقل ومحكوم به. وعلى نسق ازدراء البابوية واكتشاف أثر اليد البشرية في صناعة النصوص المقدسة، حاججَ الربوبيون كجون تولاند (تـ1722) أن المسيحية كانت في أصلها دينيًّا منطقيًّا نقيًّا، لكن الكنيسة المبكرة أفسدته بالخرافات الرومانية [14].

نادى مصلحو البروتستانت الكبار بأن تُبنى المسيحية على النصوص المقدسة فحسبُ، ومع هداية الروح القدس لا تقاليد الكنيسة، يُقاد المؤمن إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس. وعلى النقيض من آباء الكنيسة الذين قرؤوا نصوص الكتاب المقدس في سياق اعتقاد الكنيسة أو بحسب أصول محددة للفلسفة الأرسطية؛ فقد أصرَّ البروتستانت المؤسسون كجون كالفن (تـ1564) على قراءة الكتاب المقدس بطريقة هي أكثر التزامًا بمعناه الحرفي [15]. ومن الطريف أن هذه المقاربة أدَّت إلى انشقاق مذهب بروتستانتي مؤثر كانت رُؤاه عن الكتاب المقدس قد تسبَّبت في عواقب وخيمة. هؤلاء المعروفون بالكويكريين انتهوا إلى أن يروا في إلهام الروح القدس دليلًا أكثر أهميةً من النصوص المقدسة، وبهذا بدأت انتقادات سلامة الكتاب المقدس التاريخية تفقد أثرها [16].

مع حلول آخر القرن السابع عشر، أدَّت هذه التطورات إلى ظهور أسئلة أساسية على هوامش الفكر البروتستانتي. فإذا أمكن معرفة الحقيقة خارج النصوص المقدسة سواء بالعقل أو الإلهام، وإذا بَدَت النصوص المقدسة ذاتها شيئًا فشيئًا وكأنها مُنتج تاريخي لتراث كنسي خاطئ، فهل يمكن مع هذا أن يُعَدّ الكتاب المقدس حاملًا أزليًّا للحقيقة الكلية؟ قدَّم بنديكت سبينوزا (تـ1677) من أمستردام الجواب الأكثر تأثيرًا. حاجج سبينوزا في عمله المهم “رسالة في اللاهوت والسياسة” أن الكتاب المقدس ينبغي أن يُعامَل باعتباره نتاجًا لمكان وزمان معينَين، وأنه قد صِيغَ في لغة وتعبيرات مخاطبيه الأصليين. لم يكن وصف الكتاب المقدس للرب وهو يمشي بجانب الإنسان (تكوين 5:24) أو ذكر معجزات يسوع في العهد الجديد، دعاوى عقائدية كلية أو حقائق تاريخية. بل كانت تعبيرًا عن الدين كما فهمه المخاطبون أصالةً في الكتاب المقدس. ولا يعني هذا أن الكتاب المقدس بلا فائدة، إلا أنه لم يعد يعتلي المكان الأعلى في هرمية الحقيقة. بحسب سبينوزا فقد كان “الأساس الكلي” لكل الأديان هو أن تحب الله وتحب جارك، أن تدافع عن العدالة وأن تعين الفقراء، وألّا تقتل، وألّا تشتهي ما عند غيرك إلخ [17]. وعنده؛ فإن الكتاب المقدس المحدود تاريخيًّا يُشارك فحسبُ في هذه الحقيقة، ولا يستقلّ بها. قارِنْ بين موقف سيبنوزا هذا مع موقف المسلمين الذي يَعتبر القرآن، كما يعدُّه علماؤهم، “أصدق الحديث الصالح لكل زمان ومكان” [18].

تجذَّرت مناهج إراسموس النقدية، والنظرة الفلسفية لسبينوزا والربوبيين وأزهرت في المدن الجامعية بألمانيا، حيث ظهر “م.ن.ت” باعتباره منهجيةً علميةً واضحةً في أواخر القرن الثامن عشر. قادت الدراسة الفيلولوجية للنصوص القديمة إلى تشكيلة متنوعة من الكشوفات النقدية حول التاريخ اليوناني-الروماني والكتاب المقدس. استنتج إف. أي. ولف في 1795 عبر دراسة أسلوب اليونانية في “الإلياذة” و”الأوديسة” المنسوبتَين لهومر إلى أنه لا يمكن أن يكون قد وضعهما نفس المؤلف [19]. وقادت دراسة العهد الجديد العلماء الألمان إلى استنتاج أن كُتّاب الأناجيل لوقا ومتى قد استقوا مادتهم من إنجيل مرقص، بعيدا عن كونهما شاهدي عيان على حياة المسيح. وكما يخبر فولتير (تـ1778) فإن العلماء الآن يعلمون أن كثيرا من الأناجيل غير القانونية في الحقيقة تسبق تلك الأربعة التي في العهد الجديد [20]. ادّعى هيرمان رايجاروس (تـ1786) أحد العلماء الألمان دعوى مثيرةً للجدل انتهت إلى أن تكون مؤثرة، وهي أن أجيال المسيحين الأولى قد اخترعوا كثيرًا من حياة يسوع. واتخذ علماء اللاهوت الألمان الموقف القائل أن حقيقة الدين تعرف في المقام الأول بالعقل، وأن كلًّا من النصوص المقدسة وتقاليد الكنيسة من صنيع البشر. لم تعد سردية الكتاب المقدس أمرًا مفترضًا بل عليها أن توافق العقل وحقائق الواقع.

لم يزل بالطبع بعض العلماء الألمان ملتزمين بعصمة الكتاب المقدس وحرفيته. وحاول آخرون عقلنة معجزاته (مثلًا لم يمش يسوع على الماء، بل كان هذا ما أبصره التلاميذ). إلا أن الطريقة التي استقرّ الأمر عليها متمثّلة بأستاذ اللاهوت يوهان سملر (تـ1791) كانت باعتبار الوظيفة الحقيقية للكتاب المقدس في إيصال الحقيقة الروحية، لا الحقيقة التاريخية أو الطبيعية. اعتبر قانون الكتاب المقدس عملًا ناتجًا عن تطوّر تاريخي، وعُدّت معانيه مربوطة برُؤى مخاطبيه الأصليين. لم يعد الكتاب المقدس مستودع الحقيقة للبشر، بل مجرد مرحلة في رحلة الإنسان عبر التاريخ تجاه حقيقة فلسفية أكبر [21]. بلغ تطور “م.ن.ت” في وسط العلماء الألمان ذروته في كتاب ديفيد شترواس (تـ1874) المثير للجدل “حياة يسوع” والمنشور عام 1835. نادى هذا الكتاب بالرفض التام لصحة الأناجيل من جهة إخبارها عن التاريخ (كانت معجزات يسوع مجرد أساطير مصنوعةً ثقافيًّا) ونادى أيضًا إلى الاعتراف بأن النصرانية لا بد أن تُبنى على يسوع الإيمان لا التاريخ [22].

بحلول منتصف القرن التاسع عشر أصبح ما يُعَدّ جدليًّا قبل سبعين سنة هو المستقر عليه في الوسط العلمي. وانتقل التركيز الأساسي في الوسط العلمي الجامعي بألمانيا من اللاهوت المسيحي إلى التاريخ (ولو أن الجدل لم يزل مشتعلًا في الكليات المحافظة في إسكتلندا وأمريكا). لم يَعُد المؤرخون يخدمون الكتاب المقدس واللاهوت، فقد تحوَّلت هذه المباحث إلى مجرد مواضيع خاضعة للبحث التاريخي [23]. كان أحد الأعمدة الأساسية لـ”م.ن.ت” أن المؤسِّسين الأصليين لجميع الأديان لم يكونوا في الحقيقة مسؤولين عن التعاليم التي استقرّت لاحقًا. كانت هذه الفكرة حاضرةً قبل هذا في ملاحظة فولتير أن آباء الكنيسة الأوائل اعتمدوا على أناجيل غير قانونية [24]. لكنها ظهرت في صورتها الأخيرة في كلام عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (تـ1920) الذي حاججَ أن الاعتقاد الأرثوذكسي إنما وُضِعَ من قِبَل الأجيال اللاحقة لغرض تقعيد السلطة الكاريزمية لمؤسِّس الدين. قارِنْ هذا مع اعتقاد أهل السنة أن علماء الحديث يقومون بحفظ تعاليم نبيهم الأصلية من خلال “نفي الأكاذيب عن سنة رسول الله”.

افترضت هذه المدرسة الألمانية الجديدة في التاريخ أن الخطوة الأولى في دراسة أيّ نص هي بمساءلة موثوقيته وتحديد صحته. وبعبارة أخرى؛ فإن الوضع الافتراضي للعلماء هو الشك في موثوقية المادة المنقولة عن الماضي. وبالتأكيد فهذا المبدأ الشكوكي لم يعنِ أن المؤرخين الأوروبيين شكُّوا في كل شيء عن الماضي. لكن كما أظهرت انتقاداتهم الموجهة للسلامة النصية لملاحم هومر أو لصحة الكتاب المقدس التاريخية، فإنهم كانوا على استعداد لأن يخوضوا في شكوك أساسية حول أعمدة التاريخ والدين الأوروبي بناءً على ما اعتبروه مفارقات أو تناقضات أسلوبية في داخل النص. قارن هذا مع ما يقوله نُقّاد الحديث السنيين من أمثال ملا علي القاري (تـ1014/1606) الذي يقرِّر أنه “لا يخفى أنه إذا ثبت شيء في النقل، فلا عبرة بمخالفة الحسّ من العقل”[25].

وعلى النقيض من غرض الأخباريين المسلمين -من حفظ رسالة الله والإخبار عن تاريخ مجتمعه المختار- فإن المؤرخين الأوروبيين منذ القرن الثامن عشر اعتبروا أنفسهم مراقبين منفصلين. كانوا قد استلهموا من المؤرخين الكلاسيكيين الذين أخرج أعمالَهم بتراركا وآخرون في عصر النهضة. اتبع إدوارد جيبون (تـ1794) في مَعلمته “انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية” المؤرخين الرومان تاسيتس (تـ117  تقريبًا) (والذي دعاه بأول مؤرخ طبَّق علم الفلسفة على دراسة الحقائق [26]) وبوليبيوس (تـ118 ق.م.) الذي أكَّد أن واجب المؤرخ أن ينتقد الصديق والعدو بلا تفرقة [27]. وبعيدًا عن الدفاع عن بعض الحقيقة الدينية، فقد رأى المؤرخون من أمثال جيبون أنفسهم كما فعل شيشرون، واقفين من علو ومن خارج تقاليد الدين الإيمانية المظلمة وهم يعلقون على ثوابت التاريخ البشري الخفية والكائنة بعمق.

استند “م.ن.ت” إلى أسس منهجية ثورية أخرى إلى جانب الشك المسبق حول موثوقية النصوص والصناعة البشرية للأرثوذكسية الدينية. أعادت النهضة للأوروبيين الألفة مع الشكوكية الكلاسيكية لسيكستوس إمبيريكوس (تـ 210 تقريبًا) الذي أهدر الحقيقة الذاتية والأخلاق الكلية واعتبرها من قبيل المجهول وحثَّ الناس أن يصبُّوا اهتمامهم في محيطهم الأخلاقي والفيزيائي المباشر. برزت مدينة بادوا الإيطالية في القرن السادس عشر باعتبارها مركزًا “للفلسفة الطبيعية” (وهو العلم الطبيعي) حيث كانت ملاحظات أرسطو التجريبية، لا مباحثه الميتافيزيقية، موضع الاهتمام. وبناءً على هذا التأسيس الكلاسيكي أنشأ علماء بادوا عملية الفرضية والإثبات التي أصبحت الأساس للبحث التجريبي [28].

أصبحت كتابات الفيلسوف الروماني لوكريتوس (تـ55 ق.م. تقريبًا) شائعةً على نطاق واسع في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو مادي يؤمن بوجود العالم المادي فقط وأن الأسباب الطبيعية هي التي تحكم شؤوننا، لا الآلهة.  صارت أبياته القائلة “سعيد ذلك الذي يُدرك أسباب الأشياء” شعارًا كثيرًا مّا يقتبسه علماء عصر التنوير. كانت هذه الأبيات قد اعتنقت فهمًا ماديًّا للعالم تكون أحداثه مسبَّبة بحسب قوانين طبيعية لا بحسب التدخل الإلهي. لم يزل أكثر العلماء الطبيعيين تأثيرًا في القرنين السابع والثامن عشر كبليز باسكال (تـ1662) مسيحيين ملتزمين. إلا أن الإيمان عندهم كان لا بد أن يجعل في مجال وراء العقل والبحث العلمي لكي يَسلم الاعتقاد المسيحي من النُّقّاد. أما العالم المادي فكان عندهم مخلوقًا لله ومحكومًا بقوانين منضبطة يمكن قياسها والاعتماد عليها. وفي أواخر القرن السابع عشر ظهرت مادية صلفة معينة لم تكتفِ بتنحية الغيب جانبًا باحترام، بل استهزأت بأيّ اعتقاد بما فوق الطبيعية (مذكِّرةً بلوكريتوس). وكما هو واضح في كتابات الموسوعي الفرنسي ديدرو (تـ1784)، فإن هذه المادية الصلفة ستكون الموضوع الثقافي السائد في أوروبا بحلول آخر القرن الثامن عشر. قارِنْ هذا مع موقف العلماء المسلمين (والمسيحين القروسطيين بالتأكيد) القائل أن النصوص المقدسة والملاحظة التجريبية لا بد أن تُفهم في وفاق بينهما، لأن الوحي والطبيعة كلاهما من آيات الله.

أكَّدت ثورة العلم الطبيعي الافتراض القائل أنه لا يمكن تفسير التاريخ أو النصوص المقدسة بالمعجزات أو بتدخل الله المباشر. واتبع المؤرخون الأوروبيون مقولة الشاعر الروماني هوراس “لا تترك إلهًا يتدخّل”.  فعندهم أن تاريخ البشر قد تشكَّل من قوانين الطبيعية والمجتمع البشري الثابتة. وكانوا متبعين قدواتهم اليونانية-الرومانية الذين التزموا القول القديم القائل أن الطبيعة البشرية قانون ثابت لا يتغير [29]. استنتج “أبو التاريخ” هيرودوت (تـ420 ق.م. تقريبًا) أنه لا يمكن أن تكون هيلين قد وُجِدت في طروادة؛ لأن الناس لم يكونوا ليختاروا أن يحاربوا عشر سنين بدلًا من تسليم امرأة كان أخذهم لها خطأً أصلًا [30]. وكما اكتشف نيوتن قوانين الحركة، وصف فولتير المجتمع البشري أنه كذلك محكوم بقوانينه الثابتة [31].

ولهذا كان مبدأ المماثلة (المسمى أحيانا بطريقة خرقاء “الوتيرة الواحدة”) أحد مبادئ “م.ن.ت” الأساسية. ويقتضي أنه مع كون الثقافات تختلف من مكان لمكان ومن وقت إلى آخر، فإن المجتمعات البشرية دائمًا تعمل في الأساس على نفس النحو. وبسبب هذا يمكننا أن نعيد بناء كيف ولماذا وقعت الأحداث في اليونان منذ آلاف السنين بناءً على ما نفهمه من كيفية عمل الأفراد والجماعات في مجتمعنا الحاضر. إذا كان الناس عمومًا يميلون إلى تحصيل مصالحهم وتنفيذ أجنداتهم الخاصة، فكذلك كانوا في عصور اليونان أو في عصر المسيح، ولا يمكن واقعيًّا استثناء أحد من هذه الدوافع [32]. قارِنْ هذا مع النظرة السنية للتاريخ التي تعتمد كما يُروى عن النبي ﷺ أن “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” (أو قارِنْه بالطبع مع النظرة المسيحية لتاريخ ما قبل النهضة). بالنسبة لنُقّاد الحديث السنة فقد كان عهد النبي “خاليًا من الشر” [33]. لم يكن الصحابة عندهم قادرين على أن يكذبوا عليه، ولا ريب أن لا مثيل لهم في ذلك.

ومع مبدأ المماثلة و اكتشاف المفارقات لمعرفة الروايات غير الموثوقة، فقد اعتمد “م.ن.ت” أيضا على أداة كثيرا ما يشار إليها باسم مبدأ الاختلاف. وكما عبّر عنه عالم الكلاسيكيات جيكوب بيريزونيوس (تـ1715) ، فيقرر هذا المبدأ أن الرواية التي يبدو أنها تناقض أو تعارض الأرثوذكسية = رواية صحيحة على الأرجح ، ذلك أنه لا أحد ممن يحاول صنع تلك الأرثوذكسية أو الدفاع عنها كان ليختلق هذه الرواية [34].

وفي حقل الدراسات الكتابية انتهت مسارات التفكير هذه إلى ظهور ما سمي بـ”نقد الشكل” بألمانيا في العقود الأولى للقرن العشرين. جمعت منهجية النقد هذه الشك المسبق في سلامة النصوص إلى جانب ثقة الناقد الحديث في كون صناعتها قد تأثرت بأغراض دنيوية بعيدة جدًّا عن الدين. حدّد نقاد الشكل أجزاء صغيرة من الأسفار الكتابية كانت سردياتها الأوسع قد نُسِجت منها. وحمل كل من هذه الأجزاء الصغيرة المسماة الأشكال وظيفة معينة في أوضاع محددة في حياة الكنيسة المبكرة. لم يكن الهدف الأساسي من إنشاء ونشر هذه الأشكال الحفاظ على تاريخ المسيح، بل المحافظة على حياة الكنيسة [35].

اجتمعت فروع الفكر الأوروبي المختلفة في العلم الطبيعي والتاريخ والدين منذ نصف القرن التاسع عشر حتى العشرين لتشكِّل رؤيةً كونيةً تشبه بشكل مباشر الرؤية المعروفة لنا اليوم. اعتمدت هذه الرؤية التي يشيع تسميتها بالوضعية المنطقية؛ أنه من خلال هذه المناهج الموضوعة حديثًا في العلم والبحث الجاد، يمكن للبشر أن ينحُّوا الجهل والخرافة جانبًا وأن يكشفوا حقيقة محيطهم وماضيهم. واعتمدت أيضًا على السواء من ذلك أن الحقيقة المكتشفة من هذه الطريق وحدها تستحق الاتباع. ومع أن لمحات من الوضعية المنطقية قد ظهرت في النهضة وفي العصر القريب من الثورة الفرنسية، فإن فكرة التقدم كانت عمودًا أساسيًّا في فكر الوضعية، وهي أن الحضارة البشرية كانت في تحسُّن. كان هذا الاعتقاد غير مسبوق ومميزًا للوضعية بخلاف كل ما ذكرناه هنا سابقًا. لقد كان اعتقادًا مجهولًا لليونان والرومان وللقديس أوغسطين على حد السواء. ومع حدوث حربين عالميتين فلا تزال الوضعية المنطقية حيةً إلى اليوم. وتتمثّل بشكل مباشر في الشخصية المحبوبة شارلوك هولمز الذي تسمح له منهجيته العلمية المفصّلة بإعادة بناء الماضي وتحديد شخصية أي أحد بدقة.

وكما رتب فولتير بإيجاز: فإن المؤرخين الذين اعتمدوا الـ”م.ن.ت” صدَّقوا الأخبار الواردة من الماضي عن الناس “إذا كان ما يقولونه ضد مصلحتهم، وكانت قصصهم فيها شبه من الحقيقة، وليس فيها ما يعارض نظام الطبيعية المعهود”[36]. الافتراضات والمنهجيات المهمة الأساسية التي شكَّلت المنهج النقدي التاريخي لعلماء أوروبا وأمريكا لاحقًا هي التالية:

  1. افتراض الشك في صحة أو موثوقية النص التاريخي أو الخبر
  2. حالة عامة من الريبة تجاه السرديات الأرثوذكسية المعطاة في هذه النصوص أو الأخبار
  3. الاعتقاد أنه بتحليل المصادر التاريخية بالمناهج المذكورة آنفًا فإنه يمكن للعالم أن يمحص الموثوق من غيره من خلال تمييز أي أجزاء النص التي يمكن أنها خدمت أي الأجندات التاريخية

كان لنشوء المنهج النقدي التاريخي عواقب مباشرة لأسئلة الصحة في التراث الإسلامي. وشهد القرن التاسع عشر بالذات شروع العلماء البريطانيين والفرنسيين في بحث حياة محمد عليه السلام وأصول الإسلام، وكان ذلك من ضمن جهودهم للتغلب على الشعوب المسلمة المستعمَرة. وبالنسبة لعلماء الشرق الأدنى الألمان فقد كانت دراسة الإسلام نتيجة فرعية للدراسات الكتابية. فقد رأى العالِم الكتابي الألماني يوليوس فلهاوزن (تـ1918) أن دراسة الإسلام هي الطريقة المثلى لتقريب سياق الكتاب المقدس السامي وكان ذلك أثناء محاولته فهم تطوّر الكتاب المقدس بشكل أفضل. إلا أن هؤلاء العلماء في محاولتهم “كشف” أصول الإسلام ونصوصه المقدسة كانوا يقومون وهم يعُون ذلك بممارسة تغلُّبية، وإن كانت حسنة النية. وكما أعلن بفخر في 1920 بمؤتمر استشراقي ألماني: “لقد نوّرت ظلمات العصور القديمة” و”لقد حُمِل مشعل النور إلى غابات الهند وأفريقيا والشرق الأوسط المُعتِمة من قبل الأوروبيين الذين كشفوا أصول أديان أولئك الأقوام وتطوّرها”. وكما عبر أحد العلماء فقد مَثَّل كتاب ثيودور نولدكه (تـ1930) المنشور عام 1860 والمؤثر حول أصول القرآن: “ثقة أوروبا الجديدة في معارفها المتفوقة عن النصوص والتقاليد المشرقية” [37]. والأهمّ من ذلك لأغراض بحثنا، فإن هؤلاء المستشرقين كانوا يقومون بافتراض عريض، وهو أن ما ثبتت صحته بالنسبة إلى المسيحية والكتاب المقدس فلا بد أن يكون كذلك لكل الأديان والنصوص المقدسة الأخرى. وقريبًا فسيؤتى بمناهج العلماء الكتابيين لتطبَّق على التراث العربي الإسلامي.

لاريب أن العلماء الغربيين كانوا مُحقين في الإشارة إلى المُفارقات المُريبة في الحديث الذي يُروى أن النبي عليه السلام قال فيه: “إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه” أو في الحديث المزعوم الأشنع منه: “يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس”. بَيْدَ أن نقاد الحديث الكبار كابن عدي (تـ975) والجوزقاني (تـ1148-9) والذهبي (تـ1348) أيضا اعتبروا هذا الحديث عن معاوية مما لا يصحّ أو لاشك في وضعه، واستعمل العلماء المسلمون حديث ذمّ الشافعي في كتب الحديث المدرسية باعتباره مثالا على الاختلاق [38].

ومع أن كثيرًا من علماء المسلمين اعتبر أحاديث ذم القدرية (فرقة إسلامية مبكرة اعتقدت حرية الاختيار الكاملة) ضعيفة، فإن هذه الأحاديث موجودة في المجاميع كالسنن الأربعة المعتبرة. وبالطبع فإنه يبدو أن اسم القدرية لم يظهر إلا بعد قرن من وفاة النبي ﷺ [39]. إلا أنه من العجلة أن يقفز إلى إهدار هذه الأحاديث بزعم اختلاقها لوجود المفارقة في كون النبي عليه السلام “يتنبّأ” بظهور هذه الفرقة. قد لا يقبل العلماء الغربيون أن النبي ﷺ يمكن أن يعرف المستقبل، لكن القرآن يبحث بوضوح أسئلة القدر وحرية الاختيار. يمكن لبعض المسلمين في وقت محمد أن يكونوا قد أغضبوه بتأييد فكرة عدم تحكم الله في أفعال الناس، ولهذا فليس من غير المعقول أن يكون قد حذَّر من هذا. وينبغي أن يعلم أنه لكل حديث يذم فيه ﷺ القدرية رواية أخرى خالية من المفارقات يوصفون فيها بأهل القدر أو “الذين يقولون لا قدر”. وفي الحقيقة فإن هذه الروايات الخالصة من المفارقات هي الأصحّ بحسب العلماء المسلمين. ما بدا أنه حالة مفارقة جلية للعلماء الغربيين يمكن جدا أن يكون حالة قام فيها النبي بتخطئة بدعة وجدت حينها، ثم قام نقلة هذه الروايات بإهمال بإبدال “أهل القدر” و “يقولون لا قدر” باسم القدرية المعهود حينها مع ظهور ذلك الاسم عبر الزمن [40]. أخذ النقاد الغربيون من لدن إجناس جولدتسيهر (تـ1921) على علماء الحديث المسلمين عدم اعتمادهم متن الحديث في بحث صحته. إلا أنهم -وكما رأينا- قد اهتموا بالمتن، وقد استشهد النقاد المسلمون كالبخاري (تـ870) بمتن الحديث للدلالة على ضعفه، إلا أن درجة الشكوكية عندهم لم تبلغ قط تلك التي في “م.ن.ت”.

لا شك أن نقاد الحديث المسلمين يختلفون عن النقد الغربي الحديث في إيمانهم بإمكانية معرفة النبي ﷺ للمستقبل، لكن لعلّ العلماء الغريبين أن يفيدوا من منهجهم الحذر. اعتمد التعليل الغربي للحكم على حديث “شدّ الرحال للمساجد الثلاث” بالوضع إلى كونه يبدو مروجا لأجندة أموية ولكون الزهري (تـ742) الذي كانت له علاقة بالبلاط الأموي موجودًا في إسناده [41]. لكن ثمة أسانيد متقدمة لهذا الحديث وليس فيها الزهري [42]. هل علينا أن نعيد النظر في استنتاجنا أو نحكم بلا دليل أن هذه الأسانيد مختلقة أيضًا؟ جاء ذكر المسجد الأقصى في القرآن، فهل من البعيد أن يأمر النبي ﷺ أتباعه بالاهتمام به على وجه خاص إلى جانب المسجد الحرام في مكة ومسجده في المدينة؟

ثمّة جانب من منطق “الدجاجة والبيضة” في المقاربة الغربية لموثوقية الحديث. كثيرًا مّا انتقد جولدتسيهر وغيره الحديث الصحيح عند المسلمين “إذا رأيتم الرايات السود خرجت من خراسان، فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي” إذ اعتبروه من نتائج الدعاية الثورية العباسية (كان للعباسيين رايات سود وخرجوا من خراسان) [43]. لكن علينا أن نقبل حقيقة أن محمدًا ﷺ، سواءً كان نبيًّا حقًّا أم لا، ربما تصرف فعلًا على أنه نبي وكان يتنبّأ أحيانا. هل وضع العباسيون هذا الحديث عن الرايات السود أو أنهم استغلوا وجودها وصمّموا راياتهم عليهم ليوافقوا الصورة المهدوية التي وصفها ﷺ؟

وبالنظر خارج التراث الإسلامي نجد في سفر زكريا بالعهد القديم: “ابتهجي جدًّا يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هو ذا ملكك يأتي اليك، هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتان [ترجمة فان دايك*]” (زكريا 9:9). هل تعني حقيقة وصف الأناجيل يسوع وهو يدخل القدس على جحش أو حمار (مرقص 11:1-11، متى 21:1-4) أن المسيحين اختلقوا هذا الجزء من سفر زكريا لدعم ادعاء مسيحانية يسوع (نعرف أن هذا ليس بصحيح لأن سفر زكريا سابق للنصرانية)؟ أو أن يسوع حقًّا دخل القدس (وهو غير بعيد) راكبًا على وسيلة التنقل المعروفة في عصره –حمار (وليس بمستغرب)– وهو حدث وصفه كُتّاب الأناجيل لاحقا بلغة نص العهد القديم المقدس لإظهار حياة يسوع وكيف أنها تحقق نبوءة العهد القديم؟ ولنبيِّن أكثر، فدخول الكويكر جيمس نايلر (تـ1660) القرية الإنجليزية بريستول في 1656 وهو على حمار والنسوة حوله ينثرن ورق الشجر ويغنين “هولي، هولي، هولي”، لا يعني قطعًا أن الكويكريين قد لفقوا تلك القصة الإنجيلية. كل ما في الأمر أن نايلر كان يُظهر نفسه في صورة المسيح كما جاءت في النصوص المقدسة [44]. وكما هو الحال هنا، فيمكن أن تكون المفارقات في الأحاديث مجرد محاولة من المسلمين لتقديس أفعالهم وتاريخهم بتركيبها على مقولات النبي ﷺ.

يتفق علماء الحديث المسلمون وغير المسلمين أن ثمة كثيرًا من الأحاديث المختلقة. وفي رأيي أن تفسير كيفية انتهاء الأمر إلى هذا تتضمن فهم اختيارات التراث العلمي السني أكثر من إلقاء الشكوك على الفعالية المتسقة لمنهجهم في نقد الحديث. في النظرية وكذا في التطبيق، فإن نظام نقد نقل الحديث السني، بما تطلبه من وجود مصدر ثم فحص موثوقيته وتطلب المتابعات له، طريقة فعّالة لصحة خبر مّا. والمراسلون العصريون يطبقون في النهاية منهجية قريبة. استشهد العالِمان الغربيان جي.اتش.اي جوينبول (تـ2010) ومايكل كوك على ممارسة التدليس (وهي عندما يستشهد الراوي بمصدر بصيغة تُوحي سماعه منه مباشرة وإن لم يقع ذلك) باعتبارها الثغرة التي نُسِبت منها الأحاديث إلى كبار الرواة أو رُكِّبت عليها الأسانيد. ويقرر جوينبول أن التدليس “نادرًا ما اكتُشِف”[45]. غير أن علماء الحديث المسلمين منذ منتصف القرن الثامن كانوا مهمومين جدًا بتتبّع أيّ الرواة وقع في التدليس ومتى كان ذلك. قال شعبة (تـ770) أن “التدليس أخو الكذب” ودَرَسَ مرويات شيخة قتادة بن دعامة بدقة لمعرفة ما إذا كان قد سمع مباشرةً من شيخه الذي يروي عنه أو إذا كان غير واضح إن كان ثمّة وسيط مّا غير مصرح به. وحرص يحيى بن سعيد القطان (تـ813) على معرفة التدليس وإن صدر من عَلَم مبجّل من أمثال سفيان الثوري (تـ778). وقام كبار النقاد كعلي بن المديني (تـ849) والحسين الكرابيسي (تـ859) وغيرهم بتصنيف كتب من عدة مجلدات تتبَّعوا فيها أسماء أولئك الواقعين في التدليس ودرجة تساهلهم [46].

يقرِّر جوينبول أن منهجية علماء الحديث المسلمين النقدية لم تضع بالاعتبار إمكانية أن الأسانيد قد لُفِّقَت بالكلية. إلا أن الاهتمام الشديد بإيجاد المتابعات لتقييم الراوي كان هدفه عزل أولئك الأفراد الذين رووا أسانيد لم يتابعهم عليها أحد من تلاميذ نفس الشيخ الذي يروون عنه. فإذا كان الراوي يختلق الإسناد جملة واحدة، فسيعرف بأنه لا يتابع عليه أو أنه يروي المناكير. ويبدو أن عدد الأحاديث المروية عن ابن عباس متزايد بشكل لا يُصدَّق عبر القرون، يصحّ هذا إذا نسينا أن نفرّق بين الأحاديث القليلة التي سمعها ابن عباس من النبي ﷺ مباشرة وبين التي قال فيها: قال النبي، تاركًا فيها ذكر اسم الصحابي الأسنّ الذي أخبره بالحديث.

 

وبالطبع؛ فلا يمكن قبول أحكام نقاد الحديث المسلمين عن موثوقية أفراد الأحاديث دونما فحص دقيق. ولكن كما أظهر العالِم الألماني هارالد موتزكي وغيره؛ فإن الطريقة الإسلامية الكلاسيكية في تصفية الأحاديث المختلقة، كانت أكثر جدوى بكثير مما اعتقده فيها العلماء السابقون كجولدتسيهر وجوينبول. ومع هذا فقد اختار علماء الحديث المسلمون أن يطبِّقوا منهجيتهم النقدية في بعض الأحيان فقط. أساتذة النقد الحديثي السني المتقدمون كسفيان الثوري وابن المبارك (تـ797) وابن حنبل (تـ855) وابن معين (تـ848) وابن أبي حاتم الرازي (تـ938) كلهم أكَّدوا أنهم تعاملوا بصرامة مع أسانيد أحاديث الفقه والعقيدة، لكنهم كانوا متساهلين مع المواد المتعلقة بالتاريخ (المغازي) وفضائل الأعمال، والوعظ والملاحم والآداب والتفسير. وكما قررت نابيا أبوت (تـ1981)، فقد تسلَّلت هذه المادة بسهولة عبر مناخل علماء الحديث النقدية. كانت هذه هي الأبواب التي تركها العلماء السنة مفتوحةً لدخول المواد الموضوعة.

يعطي جامع الترمذي (تـ892) مثالًا مفيدًا إذ إنه الوحيد الذي صرَّح بتقييمه لكل حديث في كتابه. في الكتب [الكتاب يمثل فصلًا*] المتعلقة بمباحث الفقه الأساسية نجد عددًا قليلًا نسبيًّا من الأحاديث يُعاني من عدم المتابع (الحديث الغريب). أما في كتب الزكاة والصوم فيمثل الغريب 17%. وفي كتاب الفرائض يمثل 7% فقط. ولكن في كتب المواضيع الأخرى من غير الفقه، نجد نسبة أكبر بكثير مما يَعُدّه المؤلف نفسه أحاديث مُشكلة. ففي كتاب الفتن 35%، وفي المناقب 52%، وفي الدعوات 50%، وفي الأدب 27%. وإذا كانت المتابعات حجر الأساس لمنهج الحديث النقدي الإسلامي فلا ريب أن الترمذي قد خفَّف حسّه النقدي في الكتب غير الفقهية مقارنة بكتب الفقه. ومن المؤسف أن كثيرًا من المباحث التي يَعُدّها العلماء الغربيون أهم مواضيع الدراسة -التاريخ السياسي والرؤى الملاحمية والتفسير- ببساطة لم تكن من أولويات علماء الحديث السنة. ومن الممكن القول إن تقديم الفقه على غيره من العلوم كان سبب اشتمال مجاميع الحديث السنية على عدد كبير من الأحاديث غير الموثوقة، ولم يكن ذلك بسبب قصور مناهج النقد الحديثي السنية.


[*] ما بعده * هو من إضافة المترجم

Bibliography:

  • Acton, John Lord. A Lecture on the Study of History. London, MacMillan & Co., 1905
  • Al-‘Ajlūnī, Ismā‘īl b. Ahmad. Kashf al-khafā’, ed. Ahmad al-Qalāsh. Cairo, Dār al-Turāth, [n.d.]
  • Bentley, Jerry. Humanists and Holy Writ. Princeton, Princeton University Press, 1983
  • Brooke, Rosalind and Christopher. Popular Religion in the Middle Ages: Western Europe 1000–1300. New York, Barnes and Noble, 1984
  • Brumfitt, J.H. Voltaire, Historian. Oxford, Oxford U. Press, 1958
  • Cicero, Marcus. The Nature of the Gods (De Natura Deorum), trans. Horace McGregor. New York, Penguin, 1967
  • Al-Dhahabī, Shams al-Dīn. Mīzān al-i‘tidāl fī naqd al-rijāl, ed. ‘Alī Muhammad al-Bijāwī. [Beirut], Dār Ihyā’ al-Kutub al-‘Arabiyya, n.d.
  • Ehrman, Bart D. The New Testament, 2nd ed. New York, Oxford University Press, 2000
  • Frampton, Travis. Spinoza and the Rise of Historical Criticism of the Bible. New York, T&T Clark, 2006
  • Frei, Hans. The Eclipse of Biblical Narrative. New Haven, Yale University Press, 1974
  • Gay, Peter, ed. Deism: An Anthology. Princeton, D. van Nostrand Co., 1968
  • Gibbon, Edward. The Decline and Fall of the Roman Empire. New York, The Modern Library, n.d.
  • Gilmore, Myron P. Humanists and Jurists. Cambridge, MA, Belknap Press, 1963
  • The Histories, trans. Aubrey De Sélincourt. London, Penguin Books, 1996
  • Howard, Thomas A. Religion and the Rise of Historicism. Cambridge, Cambridge University Press, 2000
  • Al-Humaydī, Abdallāh b. al-Zubayr. Al-Musnad, ed. Habīb al-Rahmān al-A‘zamī. Karachi, al-Majlis al-‘Ilmī, 1963
  • Ibn ‘Adī, ‘Abdallāh. Al-Kāmil fī du‘afā’ al-rijāl. Beirut, Dār al-Fikr, 1985
  • Ibn Hajar al-‘Asqalānī. Fath al-bārī sharh Sahīh al-Bukhārī, ed. ‘Abd al-‘Azīz b. Bāz and Ayman Fu’ād ‘Abd al-Bāqī. Beirut, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1997
  • Al-Isbahānī, Abū Nu‘aym. Hilyat al-awliyā’ wa tabaqāt al-asfiyā’. Beirut, Dār al-Fikr, 2006
  • Al-Jawzaqānī, al-Husayn b. Ibrāhīm. Al-Abātīl wa al-manākīr wa al-sihāh wa al-mashāhīr, ed. Muhammad Hasan Muhammad. Beirut, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 2001
  • Juynboll, G.H.A. Muslim Tradition: Studies in Chronology, Provenance and Authorship of Early Hadīth. London, Cambridge University Press, 1983
  • Al-Khatīb al-Baghdādī. Al-Jāmi‘ akhlāq al-rāwī wa ādāb al-sāmi‘, ed. Muhammad Sa‘īd. Mansoura, Egypt, Dār al-Wafā’, 2002
  • Al-Kifaya fī ma‘rifat usūl ‘ilm al-riwāya, ed. Abū Ishāq Ibrāhīm al-Dimyātī. Cairo, Dār al-Hudā, 2003
  • Tārīkh Baghdād, ed. Mustafā ‘Abd al-Qādir ‘Atā. Beirut, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1997
  • Lecker, Michael. ‘Biographical Notes on Ibn Shihāb al-Zuhrī,’ Journal of Semitic Studies, 41, 1996, pp. 21–63
  • Von Leyden, W. ‘Antiquity and Authority: A Paradox in the Renaissance Theory of History,’ Journal of the History of Ideas 19, no. 4, 1958, pp. 473–92
  • Livy, Titus. The Early History of Rome. London, Penguin Books, 1960
  • Al-Makkī, Abū Tālib. Qūt al-qulūb.  Cairo, Matba‘a al-Anwār al-Muhammadiyya, [1985]
  • Marchand, Suzanne L. German Orientalism in the Age of Empire. Cambridge, Cambridge University Press, 2009
  • Massad, Joseph A. Islam in Liberalism. Chicago, University of Chicago Press, 2015
  • Momigliano, Arnaldo. Studies in Historiography. London, Weidenfeld & Nicolson, 1966
  • Morgan, Robert and John Barton. Biblical Interpretation. Oxford, Oxford University Press, 1988
  • Perrin, Norman. What Is Redaction Criticism? Philadelphia, Fortress Press, 1969
  • Petrarch, Francesco. The Secret, trans. William H. Draper. London: Chatto & Windus, 1911
  • The Histories, trans. Mortimer Chambers. New York, Washington Square Press, 1966
  • Qārī, Mullā ‘Alī. Al-Asrār al-marfū‘a fī al-akhbār al-mawdū‘a, ed. Muhammad Lutfī Sabbāgh. Beirut, al-Maktab al-Islāmī, 1986
  • Randall, John Herman Jr. The School of Padua and the Emergence of Modern Science. Padua, Editrice Antenore, 1961
  • Von Ranke, Leopold. Sämtliche Werke (1868–90), vol. 33
  • Rice, Eugene F. Jr. and Anthony Grafton. The Foundations of Early Modern Europe, 1460–1559. 2nd ed. New York, W.W. Norton, 1994
  • Scholder, Klaus. The Birth of Modern Critical Theology, trans. John Bowden.
  • Philadelphia, Trinity Press, 1996
  • Spinoza, Benedict. Theological-Political Treatise, trans. Michael Silverthorne and Jonathan Israel. Cambridge: Cambridge University Press, 2007
  • Troeltsch, Ernst. ‘Historical and Dogmatic Method in Theology.’ In Religion in History, ed. and trans. James A. Luther and Walter Bense. Minneapolis, Fortress Press, 1991
  • Essai sur les moeurs. Paris: Éditions Garniers et Frères, 1963
  • La Philosophie de l’Histoire. Utrecht, n.p., 1765
  • Wolf, Friedrich August. Prolegomena to Homer, ed. and trans. Anthony Grafton, Glenn W. Most and James E.G. Zetzel. Princeton, Princeton University Press, 1985

 

[1] Tom Holland, In the Shadow of the Sword, 405.

[2] Muwatta’: kitab salat al-layl, bab al-amr bi’l-witr.

[3] For more on this, see here.

[4] Expanding on Marshall Hodgson, The Venture of Islam, vol. 1, p. 40.

[5] Joseph Massad, Islam in Liberalism, pp. 65–73. See http://news.bbc.co.uk/2/hi/europe/7264903.stm.; http://blogs.reuters.com/faithworld/2008/03/07/turkeyexplains-revision-of-hadith-project/ (last cited July 2016).

[6] Al-‘Ajlūnī, Kashf al-khafā, vol. 1, p. 12 al-Makkī, Qūt al-qulūb, vol. 1, p. 177.

[7] Lord Acton, A Lecture on the Study of History, pp. 40–42.

[8] Leopold von Ranke, Sämtliche Werke (1868–90), vol. 33, pp. v–viii.

[9] For example, twelfth-century paintings of Gospel scenes in the Swiss church of Zillis show characters dressed in medieval clothes; Rosalind and Christopher Brooke, Popular Religion in the Middle Ages, p. 137; Myron P. Gilmore, Humanists and Jurists, pp. 1–10.

[10] Cicero, The Nature of the Gods, pp. I:60–62, 71–73; Petrarch, The Secret, pp. 68–69.

[11] Eugene F. Rice, Jr. and Anthony Grafton, The Foundations of Early Modern Europe, p. 82.

[12] This verse reads: ‘And there are three that bear record in heaven, the Father, the Word and the Holy Ghost: and these three are one…’ King James Bible 1 John 5:7–8. Only four Greek manuscripts mentioned this famous ‘Johannan comma,’ and all were historically late; Jerry Bentley, Humanists and Holy Writ, pp. 45, 152–153.

[13] Klaus Scholder, The Birth of Modern Critical Theology, p. 67; Travis Frampton, Spinoza and the Rise of Historical Criticism of the Bible, pp. 208–216.

[14] Peter Gay, ed., Deism, pp. 72–77.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative, pp. 25–26.

[16] Scholder, Birth of Modern Critical Theology, pp. 37–40.

[17] Benedict Spinoza, Theological-Political Treatise, pp. 170–171.

[18] See for a version of this, al-Khatīb al-Baghdādī, Tārīkh Baghdād, vol. 6, p. 115.

[19] F. A. Wolf, Prolegomena to Homer, p. 233.

[20] Voltaire, Essai sur les Moeurs, p. 1:288.

[21] Frei, Eclipse of Biblical Narrative, pp. 56–57, 162; Robert Morgan and John Barton, Biblical Interpretation, p. 48. See also Pico’s (d. 1494) Oration on the Dignity of Man.

[22] Robert Morgan and John Barton, Biblical Interpretation, p. 47; Thomas Howard, Religion and the Rise of Historicism, p. 34.

[23] Howard, Religion and the Rise of Historicism, pp. 2, 12–13.

[24] Voltaire, Essai sur les moeurs, p. 1:288.

[25] Mullā ‘Alī al-Qārī, al-Asrār al-marfū‘a, p. 407.

[26] Edward Gibbon, The Decline and Fall of the Roman Empire, vol. 1, p. 186.

[27] Polybius, The Histories, p. I:14.

[28] John Herman Randall, The School of Padua and the Emergence of Modern Science, pp. 18, 46–47.

[29] Livy, The Early History of Rome, p. 3:1.

[30] Herodotus, The Histories, p. II:120.

[31] J. H. Brumfitt, Voltaire, Historian, p. 103.

[32] Ernst Troeltsch, ‘Historical and Dogmatic Method in Theology,’ pp. 13–14; W. Von Leyden, ‘Antiquity and Authority: A Paradox in the Renaissance Theory of History,’ p. 488.

[33] The scholar al-Kirmānī (d. 786/1384) said that it is an essential belief in Islam that there was no ‘evil (sharr)’ in the time of the Prophet ﷺ; Ibn Hajar, Fath, vol. 13, p. 26.

[34] Bart D. Ehrman, The New Testament, pp. 204–205; Arnaldo Momigliano, Studies in Historiography, p. 21.

[35] Norman Perrin, What Is Redaction Criticism?, p. 16.

[36] Voltaire, La Philosophie de l’Histoire, p. 121.

[37] Suzanne Marchand, German Orientalism in the Age of Empire, pp. 157, 174, 183–184, 187; Nöldeke’s Geschichte des Qorans has been translated as The History of the Qur’ān, trans. Wolfgang Behn (Leiden, Brill, 2013).

[38] Al-Jawzaqānī, Al-Abātīl, pp. 114–115; al-Dhahabī, Mīzān, p. 3:277; Ibn ‘Adī, Al-Kāmil, vol. 5, pp. 1744, 1751, 1756.

[39] See the Caliph ‘Umar b. ‘Abd al-Azīz’s (d. 720) letter on the subject, where he refers to them as those who hold ‘al-qawl bi’l-qadar’; Abū Nu‘aym, Hilyat al-awliyā’, vol. 5, p. 351. Compare with Mālik b. Anas referring to them as the qadariyya in his Muwatta’: kitāb al-qadar, bāb al-nahy ‘an al-qawl bi’l-qadar.

[40] For the corresponding versions of these hadiths, see Sunan Ibn Mājah: introduction, bāb fī al-qadar; Musnad Ibn Hanbal, vol. 2, p. 125, etc.

[41] Michael Lecker, ‘Biographical Notes on al-Zuhri,’ p. 38.

[42] Al-Humaydī, Al-Musnad, vol. 2, p. 330.

[43] Al-Suyūtī, Al-Jāmi‘ al-saghīr, # 648.

[44] A True Narrative of the Examination, Tryall, and Sufferings of James Nayler [London], n.p. 1657, pp. 4–5.

[45] G. H. A. Juynboll, Muslim Tradition, pp. 52, 73, 75.

[46]Khatīb, Al-Kifāya, p. 2:371–378; idem, Al-Jāmi‘, vol. 2, p. 312.

أعجبني المقال

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى