العلم

منشأ الحياة وعلم التخليق الكيميائي

  • أسامة محمد
  • تحرير: ريم الطيار

في عام 1952م قام العالمان هارولد يوري وستانلي ميلر بتجربة ميلر–يوري الشهيرة التي تمكنا من خلالها من تخليق أحماض أمينية (حجر البناء الرئيسي للبروتينات) باستخدام جزيئات كيميائية صغيرة من الماء، الأمونيا، الهيدروچين، الميثان، تحت ظروف ظنَّا أنها تحاكي ظروف الأرض البدائية، وبعد هذه التجربة أعتقد الكثير أنه يمكن تفسير منشأ الحياة على الأرض بسهولة، فقط نحتاج لمزيد من البحث والتجارب[1]، بالرغم من أن أبحاث أصول الحياة أصبحت أكثر تعقيدًا بشكل تدريجي، لكن هدفها – لتفسير أصول الحياة- لا يزال بعيدًا اليوم كما كان في عام 1952م؛ ذلك لأن البروتوكولات المستخدمة في التجارب الحديثة لم تتغير عن بروتوكول تجربة ميلر–يوري فالخطوات المتبعة في كل تجربة هي:

– شراء بعض المواد الكيميائية عالية النقاء.

– مزجها معاً بتركيزات عالية وترتيب معين في ظروف مختبرية مصممة بعناية.

– اشتقاق خليط من المركبات الناتجة؛ ونشر ورقة تتحدث عن ادعاءات جريئة حول أصل الحياة، فهذه البروتوكولات غير واقعية وغير محسنة.

– تخليق المركبات الكيميائية العضوية المعقدة في المختبرات.

هذه وظيفة علماء التخليق الكيميائي، أحياناً ربما نجد في الطبيعة مركبات كيميائية لها فوائد طبية لكنها موجودة على سبيل المثال بنسب صغيرة جداً في نباتات تعيش في قاع المحيط الهادئ، نحن نريد كميات كبيرة من هذا المركب لكن الطبيعة لا يوجد فيها سوى كميات صغيرة، فما نفعله هو أننا نقوم بفصل هذا المركب الذي نريده من مصدره، ونقوم نحن بتصنيع مثله في مختبرات الكيمياء بوسائل معقدة، طريقة تخليق مركب كيميائي معقد وليكن اسمه A مثلاً هي كالتالي:

أولاً: نقوم بالتعرف على الصيغة الكيميائية للمركب A.

ثانياً : نقوم بعمل ما يسمى تحليل التخليق التراجعي Retrosynthetic Analysis بدلاً من استخدام مواد أولية، والمرور في العديد من الخطوات وصولاً إلى المركب A الذي نريد تصنيعه – نعكس الموضوع – نبدأ من المركب A الذي عرفنا صيغته الكيميائية، ونرجع للوراء خطوة بخطوة وصولاً للمواد الأولية التي يمكن استخدامها لتخليق هذا المركب، هذه الطريقة المعكوسة أفضل لأنها تمكننا من معرفة الطرق المختلفة التي يمكن أن يتم تخليق المركب A بها، وبالتالي اختيار أفضل طريقة لتحضيره (يعني مثلاً الطريقة Z ستخلق المركب A، الطريقة Y أيضاً ستخلق المركب A، لكن التفاعلات الكيميائية المستخدمة في الطريقة Z سينتج عنها غازات مضرة للبيئة، ونسبة النواتج ستكون صغيرة، والتفاعلات المستخدمة فيها ستكون غير مستقرة تحت تأثير العوامل البيئية، أما الطريقة Y لا تنتج غازات مضرة للبيئة مستقرة، ونسبة النواتج فيها عالية، إذا نختار الطريقة Y بدلاً من Z)

ثالثاً: ما إن نعرف المواد الأولية اللازمة لعملية التخليق، وطرق الوصول الأفضل من هذه المواد إلى المركب A يقوم عالم التخليق الكيميائي بضبط الظروف عند كل خطوة من الخطوات ما بين المواد الأولية – التي يجب أن تكون مواد نقية تماماً – إلى المركب المراد تصنيعه؛ مثلاً:

  • ضبط درجة الحرارة.
  • وضع عامل حفاَّز يزيد من سرعة تفاعل ما.
  • وضع عامل مؤكسد أو عامل مختزل.
  • ضبط الكيمياء الفراغية Stereochemistry للمركبات المتكونة أثناء التفاعلات.
  • نحصل بعد ذلك على المركب A فنقوم بتنقيته من شوائب التفاعل.
  • إجراء اختبارات تحليل كيميائي عليه للتأكد من أن تركيبه الكيميائي هو نفسه التركيب الكيميائي للمركب الذي تم الحصول عليه من الطبيعة[2].

الآن كما هو واضح من الخطوات المذكورة أعلاه، أي تجربة يقوم بها عالم تخليق كيميائي في أي مختبر لتخليق مركب معقد واحد فقط تطلبت عمليات تدخل متكررة من كينونة واعية (الإنسان) للحصول على النتائج المرجوة، لا يمكن خلط أي مواد كيميائية بعضها مع بعض، والانتظار لفترة حتى تخلق لك سحرياً بشكل تلقائي مركب معقد.

وأبحاث أصل الحياة (Prebiotic Chemistry/Abiogenesis) تقابل هذه المعضلة؛ فهي تفترض أنه قبل 3.8 مليار سنة تجتمع المواد الكيميائية مع بعض بطريقة سحرية، وتخلق المواد الحيوية المعقدة اللازمة للحياة وهي؛ الكربوهيدرات، البروتينات، الليبيدات (الدهون)، الأحماض النووية (الحمض النووي الريبوزي RNA، الحمض النووي الريبوزي منقوص الأوكسيچين DNA) بدون تدخل من كينونة واعية، كما يقول عالم الكيمياء Clemens Richert في دورية Nature Communications التدخل الواعي الضروري في عملية تخليق المركبات العضوية المعقدة، ومعظمنا غير مرتاح لفكرة التدخل الإلهي في هذا السياق لتفسير منشأ الحياة، إضافة أن المواد الكيميائية في الأرض عادة ما تكون مخلوطة مع مواد أخرى، ولا يوجد مواد عالية النقاء طبيعياً [3] فالطبيعة ليست واعية، ولا تقوم برسم أهداف، ووضع تحليلات تخليق تراجعية للوصول للهدف، كيف إذاً خلقت تلقائياً مواد بهذا التعقيد؟ أبسط أنواع الحياة المعروفة ما زالت تحتاج مركبات معقدة[4].

– منشأ الخلية الأولى.

حتى لو سحرياً الطبيعة اللاواعية خلقت المواد المعقدة اللازمة للحياة، مستحيل أن تتجمع هذه المواد سَوِيًّا لتصنع خلية حية، الآن معنا كل المواد الخام الموجودة في الخلايا، معنا عقولنا التي لها القدرة على التفكير، و التحليل، والاختراع، ولدينا التقدم العلمي و التكنولوچي، ومع ذلك لم يتمكن أي أحد من صنع خلية حية، ولا أحد يعرف كيف يمكن لخلية أن تنبثق من مكوناتها الجزيئية، فتعقيد الخلية لا يأتي من تعقيد مكوناتها فقط؛ بل يأتي أيضاً من الطرق المعقدة التي تتفاعل بها هذه المكونات مع بعض، وأحدث ما وصل إليه البشر هو تصنيع كبسولات صغيرة باستخدام تقنيات الموائع الدقيقة بداخل هذه الكبسولات الصغيرة يوجد طين، ولأن الطين له قابلية عالية للارتباط بالأحماض النووية، مثل DNA تمت إضافة جزيئات DNA للطين فكونا مع بعضهما نواة صناعية بذلك، تمكنت هذه النواة الموجودة في بعض الكبسولات من تخليق بروتينات، وإرسالها لكبسولات أخرى مجاورة لها [5]، إنزيم بلمرة الحمض النووي الريبوزي RNA Polymerase الذي استخدم الحمض النووي DNA الموجود في الكبسولة كقالب لصناعة الحمض النووي الريبوزي الرسول mRNA، الريبوسومات المكونة من البروتينات، والحمض النووي الريبوزي الريبوسومي rRNA، والحمض النووي الريبوزي الناقل tRNA، والعوامل الإنزيمية المساعدة Enzymatic Cofactors، مصادر الطاقة اللازمة لهذه العملية Energy Sources – هذه هي أصلاً الأشياء التي قامت بتخليق البروتينات – كلها تم استخلاصها من كائنات حية أخرى، والفريق الذي كتب الورقة لم يصنع شيئًا سوى الكبسولات تقريباً، ومع كل هذا التقدم هذا آخر ما توصلنا له!

وهم حتى لم يضعوا أي مواد كيميائية معقدة مع بعضها، وانتظروا حتى تنبثق الخلية المراد صناعتها من هذه المواد، بل استخدموا أجهزة وتقنيات متقدمة، وفوق ذلك العقل البشري القادر على التفكير والتخطيط، ربما بعد 2000 سنة يتمكن العلماء من تصنيع خلية نقية خالية من أي مركبات مستخلصة من أجسام كائنات حية أخرى، ومكافئة تماماً للخلية الطبيعية، لكنهم بذلك يؤكدون على استحالة تجمع المواد الكيميائية المعقدة مع بعض بطريقة سحرية ثم تعطيك خلية حية، يلزم دوماً تقدم تكنولوچي وتدخل واعٍ.

– لذلك كما يقول أحد أهم علماء التخليق الكيميائي في عصرنا أستاذ الكيمياء في جامعة رايس James Tour من التجارب التي تم إجراؤها في المختبرات ومن علمي الكيمياء والفيزياء، الحياة لا يمكن أن تظهر طبيعياً في أي مكان في الكون ولا حتى على سطح كوكب الأرض، والانتظار لفترات طويلة (ملايين السنين) لا يمكن أن ينتج تلقائياً لا مواد كيميائية معقدة ولا خلايا حية من هذه المواد[6].


[1]https://science.sciencemag.org/content/130/3370/245

[2]Elias Corey and Xue-Min Cheng, The Logic of Chemical Synthesis

[3]https://www.nature.com/articles/s41467-018-07219-5

[4]https://science.sciencemag.org/content/309/5738/1242

[5]https://www.nature.com/articles/s41467-018-07473-7

[6]https://inference-review.com/article/an-open-letter-to-my-colleagues

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق