عام

المنهج الأمثل في تحقيق النصوص اللغوية

الحسن الصغاني المتوفى 650 هـ مثالا

  • يوسف السناري

-1-

المنهج الأمثل في التأكد من سلامة الكلمة وضبطها في النصوص اللغوية

النصوص اللغوية المحققة كأي نص محقق له ثلاثة أنماط:

الأول: النصوص التي تحقق على المخطوطات الأصول، وهذه تضبط الكلمات والحركات فيها كما جاءت في نسخة المؤلف، ولدينا في ذلك ثلاثة أجزاء أصول بخط المؤلف من معجم العباب الزاخر واللباب الفاخر للصغاني في الخزانة الملكية بالرباط، والمجلد الأول محفوظ بدار الكتب المصرية.

مثل هذه المعاجم ينبغي أن يتحرى فيها المحقق ضبط المؤلف لكل كلمة ونقل الحركات والضبط في النسخة الأصل إلى النص المحقق من دون إهماله، ولا يعتمد المحقق في ذلك على القاعدة التي تقول يضبط ما يحتاج إلى ضبط، أو يضبط المشكل، لا. فنسخة المؤلف مستثناة من ذلك؛ إذ المحقق مؤتمن على نقل الحركات والضبط إلى النص المحقق، وله أن يعلق على أي ضبط يراه خطأ في حاشية النص. ومثله يقال في رسم الكلمات.

الثاني: النصوص اللغوية التي تحقق على أصول كثيرة.

الثالث: النصوص اللغوية التي تحقق على أصل فريد.

الثاني والثالث لا ينبغي أن يعتمد المحقق فيهما على الضبط أو الرسم المثبت بهما، إنما المنهج الأمثل في ذلك -من وجهة نظري- عرض الرسم أو الضبط على المصادر ذات الصلة ككتب المصنّف الأخرى وقد تحقق لي ذلك مع رسائل الصغاني الثلاثة التي ستصدر قريبا عن دار ملامح بدولة الإمارات (أسامي الأسد وكناه، وأسامي الذئب وكناه، ومن أسماء الخمر والرياح والحية) فلم أثبت رسمًا أو ضبطا جاء بهم ما لم أعارضه على كتب الصغاني الكبار مثل (العباب الزاخر) و(التكملة) والمصادر ذات الصلة.

وعلى ذلك فالمنهج الأمثل في ضبط الكلمات الواردة في المعجم:

هو مراعاة البنية الصرفية وعرضها على معاجم مثيلة تعتني بسرد الكلمات على الأبنية الصرفية ومن أشهرها ديوان الأدب للفارابي (ت350هـ)، وشمس العلوم لنشوان الحميري (ت573هـ).

فورود الكلمة في بابِ صيغةٍ صرفية ضمن هذه الكتب دليل على صحة الضبط، وبه تطمئن النفس عليه، وإن خالف النسخ الخطية السقيمة.

ومن ضبط الكلمةَ بالكلماتِ في المصادر مقدّم على غيره في حالة إرادة التأكد من شكل الكلمة في الأصول المعتمدة.

ومن ضبط بالأبنية المماثلة أو بالكلمات المشهورة مقدم أيضًا كأن يقول الرَّزامة (من أسماء الأسد) كسَحَابة. يريد أن يقول لك: إن الرزامة في الحركات مثل سَحَابة وهو مثال شهير يضربه العلماء عند إرادة ضبط الأصوات في الكلمات.

وعلى المحقق مراعاة ضبط الكلمة من حيث سياقها في مثلث الكلام المختلف المعنى، وهي الكلمات التي يجوز فيها تثليثُ الحركات ولكن يكون لكل حركة في الحرف معنى مختلف عن غيره.

-2-

المنهج الأمثل في تخريج النصوص اللغوية

ويكون ذلك بعزو كل مادة تأتي في النص اللغوي إلى مصادر ذات صلة.

وقد تحقق لي ذلك في رسائل الصغاني الثلاثة:

  • أسامي الأسد وكناه.
  • أسامي الذئب وكناه.
  • من أسماء الخمر والرياح والحية.

فكانت المرتبة العليا في التخريج عزوَ الأسماء الواردة في الرسائل إلى كتب أُلفت في أسماء الأسد والذئب والخمر والرياح والحية، وهي على صنفين:

الصنف الأول: مصادر متقدمة عن المؤلف.

الصنف الثاني: مصادر متأخرة عن المؤلف.

ففي تخريج أسماء الخمر اعتمدتُ في التخريج على هذه المصادر:

  1. أسماء الخمر لابن المعتز (ت296هـ)، تحقيق إبراهيم الحُقيل، مجلة البيان، الكويت، عدد (591)، أكتوبر 2019م.
  2. تنبيه البصائرِ، في أسماء أم الكبائرِ لابن دحية الكلبي (ت633هـ)، مخطوط ليدن (581or). وهو كتاب محقق نشره لطفي منصور، ط. دار الفكر. ولكن كان حصولي على المخطوطة أسهل من المطبوعة فعزوتُ إليها.
  3. الجليس الأنيسْ، في تحريم الخندريسْ للمجد الفيروز آبادي (ت817هـ)، مخطوط جامعة ييل (بدون رقم) ونسخة المكتبة الأزهرية برقم ( 768 لغة ) 6895 أباظة. وهو كتاب محقق لطفي محمود منشور، ط1. دار الفكر.

وكان حصولي على المخطوطة أسهل أيضًا من المطبوعة فعزوتُ إليها.

وفي تخريج أسماء الريح كان اعتمادي على كتاب:

أسماء الريح لابن خالويه (ت370هـ)، تحقيق حاتم الضامن، ط1. ضمن كتاب (نصوص محققة في اللغة والنحو)، ص (285-312)، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي – جامعة بغداد، 1991م.

وفي تخريج أسماء الأسد:

  • أسماء الأسد لابن خالويه (ت370هـ)، ذكر فيه (500) اسم[1]، وهو كتاب مستقلّ كما جاء في كشف الظنون[2]، ولم أقف على نسخة خطية منه، وقد نشره محمود جاسم الدرويش مستلًّا من الجزء الخامس من كتاب (ليس)  لابن خالويه، مؤسسة الرسالة، ط2. 1989م.
  • نظام اللَّسَدِ، في أسماء الأسَدِ لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ) 650 اسم[3]، (مخطوط).
  • من أسماء الأسد مما في القاموس لعبدالله بن محمد بن عبدالله الحسيني (ت1027هـ) تحقيق علي حكمت فاضل، قال المحقق: تجاوز 500 اسم. معهد المخطوطات العربية، تراثنا 2019.

وفي أسماء الذئب:

  • التهذيبْ، في أسماء الذِّيْبْ، للسيوطي، المكتبة الأزهرية، (1122مجاميع) و(53729)، رقم الرسالة (6)، ورقة (126).

بالإضافة إلى تخريج كل ذلك إلى معاجم الصغاني الكبار:

  • العباب الزاخر، واللباب الفاخر، للصَّغاني[4]
  • الجزء الأول (حرف الهمزة)، تحقيق: فير محمد حسن، ط1، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1978م.
  • حرف السين، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، ط1. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987م.
  • حرف الطاء، تحقيق محمد حسن آل ياسين، ط1. دار الرشيد للنشر، العراق، 1979م.
  • حرف الغين، تحقيق محمد حسن آل ياسين، ط1. دار الرشيد للنشر، العراق، 1980م.
  • حرف الفاء، تحقيق محمد حسن آل ياسين، ط1. دار الرشيد للنشر، العراق، 1981م.
  • التكملة والذيل والصلة، للصَّغاني
  • حقق الجزء الأول: عبدالعليم الطحاوي، وراجعه عبدالحميد حسن، ط1، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1970م.
  • وحقق الجزء الثاني: إبراهيم إسماعيل الأبياري، راجعه محمد خلف الله أحمد، ط1، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1971م.
  • وحقق الجزء الثالث: محمد أبو الفضل إبراهيم، راجعه د. محمد مهدي علام، ط1. مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1973م.
  • وحقق الجزء الرابع: عبدالعليم الطحاوي، راجعه عبدالحميد حسن، ط1. مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1974م.
  • وحقق الجزء الخامس، إبراهيم إسماعيل الأبياري، وراجعه محمد خلف الله أحمد، ط1. مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1977م.
  • وحقق الجزء السادس: محمد أبو الفضل إبراهيم، راجعه محمد مهدي علام، ط1. دار الكتب المصرية، القاهرة، 1979م.

والمعاجم السابقة له مثل:

العين، جمهرة اللغة، تهذيب اللغة، الصحاح.

والمتأخرة له، مثل:

القاموس المحيط، وشرحه تاج العروس.

ناهيك بالعودة إلى معاجم المعاني ومن صنع فصلا أو بابا عن أسماء الأسد والذئب والخمر.

أما عن المنهج الأمثل في تخريج معاني الكلمات فيكون بالعودة إلى معاجم المعاني الكثيرة ومن أهمها وأوسعها وأشملها كتاب المخصص لابن سيده (ت458هـ).

أو الكتب التي تعتني بمسمى الأشياء، ومن صنف تأليفا مستقلا فيها أولى من غيره، فمن أراد توثيق أسماء الخيل وصفاتها فيكون بالنظر في من ألف في الباب مثل الأصمعي (ت216هـ) ومن أراد أسماء الإبل وصفاتها فعليه بكتاب الإبل له أيضا. فإن لم يكن في الباب تأليف مستقل نظر في كتب أسماء الأشياء العامة وهي كثيرة مثل التلخيص في معرفة أسماء الأشياء لأبي هلال العسكري المتوفى نحو (395هـ).

كما أن تخريج مثلث الكلام يفضل أن يكون من كتب المثلثات، وتخريج الأضداد يكون من كتب الأضداد، وهكذا دواليكَ.

التخريج من الفرع في الحاشية الأصل أو العزو من الحديث في حاشية القديم:

كما يعد من فضول الكلام تخريجُ الفرع في حاشية الأصل أعني التخريج من المصادر المتأخرة في حاشية المصدر المتقدم كأن يأتي محقق يحقق كتاب العين للخليل بن أحمد (170هـ) فيعزو مادته إلى المصادر الناقلة عنه ويجعل ذلك من أساس العمل اللازمِ القيامُ به، فتراه يعزو إلى الصحاح والقاموس والتاج من دون مسوغٍ يقتضي ذلك.

-3-

المنهج الأمثل في ذكر فروقات النسخ الخطية الخاطئة

كما أرى أن من لغْو القول النص على فروقات النسخ الخاطئة في حواشي النصوص؛ فإن هذا ليس من صنعة التحقيق في شيء. والإهمال هنا أولى من الإعمال كما أن الترك في هذه الصورة أحرى من الفعل.

وقد طبقت بعضَ ذلك في تحقيقي لرسائل الصغاني فكان منهجي في تحقيق أسامي الذئب وكناه للصغاني الآتي:

  1. عدم الالتفات كثيرًا في تحقيق هذا النص إلى الرسم والضبط المذكور في النسخ الخطية الأربعة؛ وذلك لكثرة التحريف والتصحيف فيهما، ما لم أتيقَّن من صحة ذلك الرسم والضبط.
  2. الاعتماد في تصحيح أخطاء النُّسَخ الخطية على المصادر الأصيلة الناقلة، ومن أعلاها كتاب (التكملة والذيل والصلة) للصَّغاني، فقد أحلتُ إليه في كثير من الأسماء والكُنى المذكورة في النص المحقَّق، وذلك يعدُّ من أعلى درجات التوثيق في صورة كتابنا، وقد خلَتْ من كتاب (التكملة) حروفٌ من الأسماء والكنى، وثَّقتُها من المصادر ذات الصلة، ومن أهمها كتب المعاجم.
  3. إهمال ذكر الفروقات الخاطئة في النسخ الثلاثة في حاشية النص، والاكتفاء بتصويبها في النص المحقَّق.
  4. عزو أغلب موادِّ النص المحقَّق إلى المراجع السابقة للصَّغاني.
  5. تفسير أغلب الأسماء الواردة في النص المحقَّق.

وكان منهجي في تحقيق أسامي الأسد وكناه للصغاني:

  1. اختيار منهج النص المختار في التحقيق، وذلك لتكافؤ الأصول الخطية الأربعة المعتمدة في التحقيق؛ فجميعها يغلب عليها التحريف والتصحيف والخطأ، لذلك لم أثبت في النص المحقق إلا ما تيقنتُ أنه من كلام المؤلف.
  2. إهمال النص على فروقات النسخ الخاطئة، وتوظيف حاشية النص في مهام التوثيق والعزو.
  3. عزْوُ جميع حروف الكتاب إلى كتب الصغاني المطبوعة ككتاب (التكملة) و(العباب)[5]؛ وذلك للتأكد من صحتها، وأنها مراد المؤلف، إلا أحرُفًا يسيرةً لم أقف عليها في كتبه.
  4. عرْضُ جميع حروف الكتاب على المعاجم السابقة للصغاني ككتاب (العين) و(تهذيب اللغة) و(جمهرة اللغة) و(الصحاح)، وبعد التأكد من صحتها، تم عرضها على المعاجم الناقلة عن الصغاني والتي كان من أهمها كتاب (تاج العروس) للزبيدي، إلا أحرُفًا يسيرةً لم أقف عليها في تلك المعاجم، وقد نبَّهتُ على بعضها في الحاشية.
  5. عرْضُ (أسماء الأسد) الواردة في الكتاب على المعاجم الصرفية التي تعتني بضبط بنية الكلمة، ككتاب (شمس العلوم) للحميري، وكتاب (ديوان الأدب) للفارابي؛ وذلك للتأكد من صحة الحركات والضبط الواردة في النص المحقَّق.
  6. ضبط جميع حروف الكتاب بالشكل والحركات بعد التأكد من سلامتها وعرضها على المعاجم المتخصصة.
  7. النص على كثير من الأوزان الصرفية المُماثلةِ والمعلومِ ضبطُها لدى الخاصة والعامة في حاشية النص المحقق، مثال ذلك في النص: الزُّفَر. وفي الحاشية: كالصُّرَد، لا سيما إذا نُصّ على ذلك في المعاجم العربية.
  8. تفسير معاني الأسماء التي وقفت عليها في المعاجم اللغوية، وعدم الإكثار من ذلك؛ خشيةَ الإطالة، وأحيل القارئ إلى كتاب (معجم أسماء الأسد) لهزاع بن عيد الشمري لمعرفة ما لم أذكره في حواشي النص المحقق.
  9. ترْك إلحاق النص بملْحقين بالأسماء التي ذكرها الصغاني في (التكملة) و(العباب) ولم يذكرها في كتابه (أسامي الأسد)، وملحق بالأسماء التي جاءت في المعاجم ولم يصرح بها الصغاني في كتبه؛ وذلك حتى لا يُتوسّع بنا الحديث، ونتّهم بالتزايد على نص الكتاب، والتعالم على صاحبه!

وكان منهجي في تحقيق (من أسماء الخمر):

اعتمدتُ في توثيق حروف هذه الأسماء الثلاثة على الآتي:

  1. كتاب التكملة للصغاني.
  2. المطبوع من كتاب العباب للصغاني.
  3. كتاب أسماء الخمر لابن المعتز.
  4. كتاب تنبيه البصائر في أسماء أم الكبائر (الخمر) لابن دحية الكلبي.
  5. الجليس الأنيس في تحريم الخندريس (الخمر) للمجد الفيروز آبادي.
  6. أسماء الريح لابن خالويه.
  7. أصول المعاجم العربية.

-4-

المنهج الأمثل في التعليق على النصوص اللغوية

طرائق المحققين في التعليق على كتب المعاجم القديمة:

من الممكن أن تكون هذه الطرائق صالحة للنصوص التراثية عمومًا، ولكن لمناسبة الموضوع آثرتُ تخصيصها بالمعاجم العربية، وهذه الطرائق هي:

الطريقة الأولى: هجر التعليق على النص تماما، وهذا يمثل بعض الطبعات الأولى للمعاجم العربية. مثل نشرات بعض المستشرقين، مثال ذلك كتاب الأفعال لابن القوطية نشرة المستشرق جويدي (Guidi) بمطبعة ليدن 1894. ومثله في نشرة علي فودَه. الخانجي 1952م. أساس البلاغة للزمخشري، نشرة دار الكتب المصرية 1923م.

الطريقة الثانية: التوسط في التخريج، وعليها عامة محققي المعاجم العربية القديمة. وهي طريقة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومحمد الدالي في شمس العلوم لنشوان الحميري، والعامة كما تقدم.

الطريقة الثالثة: التوسع في التعليق، مثال ذلك نشرة كتاب (التقفية في اللغة) للبَنْدَنيجي (ت282هـ)، نشرة خليل إبراهيم العطية 1976م مطبعة العاني بغداد.

أسباب ترك المحققين التعليق على أشياء كثيرة في النص:

  • مراعاة حجم الكتاب.
  • عدم طول المدة الزمنية للكتاب.
  • مراعاة أن قارئ المعجم متخصص.
  • أصالة المصدر (القِدَم – مادة غير منقولة – شرح – اختصار).

-5-

المنهج الأمثل في نشر النصوص اللغوية

هو الاحتفاظ بمنهج المؤلف في ترتيبه والابتعاد عن إعادة الترتيب وفْق منهج أسهل من طريقة المؤلف، فعلى ذلك يعد بعض الباحثين ومنهم الأستاذ عصام الشنطي أنه من الخطأ الشنيع ما فعلته دار المعارف في نشرها للسان العرب عندما أعادت ترتيبه على حروف المعجم أو الترتيب الأبتثي، والمؤلف نظمه على ترتيب مدرسة القافية.

-6-

المنهج الأمثل في تكشيف النصوص اللغوية

النصوص اللغوية هي كغيرها من النصوص الغالب الأعم أنها تحتاج إلى تكشيف لها، وهنا ينبغي للمحقق أن يختار كشافات مخالفة لطريقة تنظيم المؤلف للكتاب، فعلى سبيل المثال كتاب جمهرة اللغة لابن دريد الذي رتبه المؤلف على طريقة يصعب الوقوف على المراد منها فيحتاج الباحث إلى كشاف بالمواد على الترتيب الأبتثي، مثل الذي صنعته دار حيدر آباد الدين بالهند في نشرتها للكتاب عندما صنعت مجلدا كبيرا بعزو المواد على الترتيب المعروف. ومثل الفهارس التي أخرجها د. عبدالفتاح سليم وحسين بركات في نشرة معهد المخطوطات العربية لكتاب المحكم لابن سيده.

وينبغي هجر الكشافات تمامًا حينما تكون فضولًا من القول وحشوًا زائدًا وتضخيمًا لا مسوّغَ لوجوده، مثل ما فعلتُ في نشرتي للرسائل اللغوية الثلاث للصغاني؛ إذ قام المصنف بترتيب الأسماء فيها على نظام القافية بحيث يسهل الوقوف على المراد فيها بكل سهولة ويسر، وخلتْ من ذكر الأعلام والأحاديث والآيات وكل ما يمكن سرده في حقول الكشافات.

وهذه من الصور التي يخرج فيها المحقق الفطِنُ خروجًا صحيحا على قواعد علم التحقيق المستقرة في العصر الحديث.

-7-

المنهج الأمثل في تنضيد أو تنسيق النصوص اللغوية

وفي ما يتعلق بكتب المعاجم فقد جرت عادة بعض المحققين على تقسيم الصفحة إلى نصفين عموديين طولا؛ وعلى هذه الطريقة أُخرجت بعض نصوص الصغاني مثل العباب والتكملة وعلى نفس الطريقة أُخرج تهذيب اللغة، وجمهرة اللغة والصحاح وتاج العروس. وهي طريقة مريحة للعين وموفرة للورق والمال.

وعلى الطريقة السائدة في أغلب النصوص أعني عدم تقسيم الصفحة الواحدة إلى صفحتين نُشر معجمُ العين للخليل (ت175هـ) بتحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي في ثمانية مجلدات.

*

وأختم بمجموعة من التوصيات:

  1. التقليل من الحواشي قدر المستطاع، والتعليق على الضروري جدا في النص. هذا للمحقق. أما القارئ والمتخصص فلا ينبغي له أن يعدّ المسكوت عنه فوتًا أو نقصا في التحقيق.
  2. الأصل الكلي الذي يكاد أن يكون اشترك فيه كبار المحققين في تحقيق المعاجم اللغوية هو:
  3. النص على مبهمات النص، كأن يأتي في النص: قال الشاعر، أو قال، وأنشدوا، وهو قول أحد العلماء، إلى آخره.
  4. التأكد من سلامة النص وضبطه من دون عزو الألفاظ وتوثيقها إلى مصادر أخرى.
  5. المحافظة على بقاء القراءات المختلفة للنص في حاشيته؛ إذ من الممكن أن تكون هي الصواب.
  6. هجر تعريف الأعلام في النص، والاكتفاء بالتوثيق والعزو إلى أقوالهم، وهو ما يعرف بتخريج الشواهد الشعرية في مظانها، فإذا جاء في النص، قال امرؤ القيس. لم نعرف به، إنما نقول: انظر: ديوانه ص ( ). وهكذا. سواء كان مشهورا أو غير مشهور.
  7. توثيق البلدان. من دون ذكر الأميال والمسافات أو مواضعها في العصر الحديث.
  8. النص على المواد أو الألفاظ أو المعاني التي تفرّد بها المعجم عن بقية المعاجم. مثال ذلك ما فعله المحقق (د. محمد أحمد العمري) في تحقيقه لمعجم (المنتخب من غريب كلام العرب) لكُراع النمل (ت310هـ).
  9. تبيين المعروف قديمًا ولا يعرف في العصر الحديث، كثيرا ما نجد في المعاجم كلمة كذا (معروف) وهذه الكلمة قد تكون كما هي في العصر الحديث مثال ذلك (الذهب- المِلْح) انظر: الصحاح، وقد يدخلها التطور، أو لا تعرف، والمؤلف يحدد ما في عصره، ولا يمكنه أن يقدّر أن هذه الكلمة ستتغير في ما بعد، فالنص على هذا الذي كان معروفا قديما ولا يعرف في العصر الحديث أمر مهم، وهذا قد يدخل في تاريخ المصطلحات وتطور دلالاتها. مثال ذلك في الصحاح (1\335): الفِلْج، بالكسر: مِكيال معروف. وقال (3\1035): الخَبيص: معروف. وقال (3\1117): البَلُّوط: معروف.
  10. النص على مثلث الكلام والأضداد إذا لم ينص المؤلف عليهما. مثال المثلث: يقول محقق الصحاح (1\185) عن قول الجوهري عِقْبة القمر. هو مثلث العين. وقال عن ينبَع وينبُع (4/1326): يَنْبِع أيضا مثلث الباء. ومثال الأضداد: يقول محقق الصحاح (2\497) عن كلمة (الإفراع) في النص: الإفراع: الانحدار. وهو من الأضداد، أفرع الرجل، إذا أصعد فيه، وأفرع إذا انحدر منه.

* أصل هذه الورقة مشاركة للباحث في ندوة علمية افتراضية نظمتها الجامعة الإسلامية فرع بابل بالتعاون مع معهد المخطوطات العربية بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، يوم السبت 18/ 12/2021.

[1] إرشاد الأريب للحموي (3/1036).

[2] كشف الظنون (1/86).

[3] كشف الظنون (1/87) وفيه (فطام اللسد)، وانظر أيضًا (2/1960).

[4] صدر حديثا نشرة جديدة للكتاب عن مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض بتحقيق فير محمد حسن المخدومي ود. تركي بن سهو العتيبي في (15 مجلدًا) 2021.

[5] أعني الأجزاء المنشورة منه، والمؤلف توقف عند مادة (ب ك م) من الكتاب ولم يكمله، ثم توفي، رحمه الله.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى