الفلسفة

جذور الأفلاطونية الجديدة في الفلسفة الصوفية

  • كاموران جوديليك
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: محمود سيّد

مقدمة الإشراف

تناقش هذه المقالة جذور إحدى الفلسفات الإشراقية الصوفية واستمدادها من مذهب فلسفي راجَ في القرن الثالث الميلادي على يد أفلوطين (ت 270 م). ويمكننا أن نُوجز الأفلاطونية الحديثة أو الأفلوطينية بأنها تحوير جديد وجمع بين فلسفتَي أفلاطون وأرسطو مع ميل أكبر نحو أفلاطون متأثرًا في ذلك بأستاذه الفيثاغوري “ساكاس”. كان هدف أفلوطين -كما يحكي تلميذه فرفريوس- هو الجمع بين أفكار أشهر عَلَمَيْن فلسفيَّيْن في هذا الوقت، فخرج كتابه (التاسوعات) الذي رتبه فرفريوس؛ وهو من النصوص الفلسفية المعقدة للغاية. ونرى تلك المحاولة أيضًا عند الفارابي في كتابه “الجمع بين رأيَي الحكيمَيْن”.[1]

ومن الجدير بالذكر أن أفلوطين لم يكن له شهرة كبيرة في العالم الإسلامي رغم التأثير الشديد -بل الهيمنة- لفلسفته على الفلسفة الإسلامية والإشراقيين بوجه عام، ولا أدلّ على ذلك من أن الشهرستاني لم يذكره باسمه بل قال عنه: “الشيخ اليوناني”.

وتتلخَّص فلسفة أفلوطين الاتحادية في فكرة “الفيض”؛ فالله كائن بسيط لا تركيب فيه، والعالم “فاضَ” عنه بواسطة النفس والعقل (محلّ الماهيات والكثرة)، وهذا الترتيب في الفيوضات ترتيب لا زماني، فالإله -حسب هذا المذهب- لا إرادة له في خلق العالم، لأن الفيض حتمي، كما أن الشمس تُشِعّ نورها شاءت أم أبت؛ وهي الفكرة التي اشتغل عليها أوغسطين فيما بعد.

ومن الناحية المعرفية؛ تقول الأفلاطونية الجديدة بالحدس -بمدلوله الصوفي- أي الفيض الأنطولوجي الذي جاء منه العالم يوازيه فيض إبستمولوجي، يحتاج من المرء أن يسمو بنفسه وروحه ليصل إليه، والسبيل إلى ذلك؛ هو إرهاق الجسد وإضعافه بالرياضة والتقشف والزهد والممارسات الروحية حتى تسمو الروح وتتخلَّص من سجن الجسد، فتشهد وتتحد بالوجود المطلق. والمعارف التي تتلقّاها الروح بالفيض، لا تخضع لمقياس العقل بحال؛ لأن العقل مقيد بهذا العالم المادي الفاني.

أما عن وجود الله؛ فترى الأفلاطونية الجديدة أن “الواحد” مُحايث لكل شيء، بما أن كل شيء صدر عن الواحد -سواء بطريق مباشر كالعقل، أو بطريق غير مباشر كالعالم والنفس- فليس هناك من فصل بين الواحد والعالم.

بطبيعة الحال؛ كان التلقّي الإسلامي لهذه الأفكار مختلفًا، فقد تبنّى الفلاسفة المسلمون وبعض المذاهب الصوفية الغالية أغلب الأفكار السالفة، ووضعوا عليها صبغةً إسلاميةً (كالقول أن العقول هي الملائكة مثلًا)، والتزموا لوازمها من قِدَم العالم ووحدة الوجود. وكما يقول الدكتور علي سامي النشار “قَبِلَ تلك الأفكارَ الفلاسفةُ الذين ابتعدوا عن روح الإسلام، وأنكرها المتكلمون… بل كفّر المسلمون الفلاسفةَ القائلين بهذه الأفكار”.[2] ومن هنا لم يُوَفَّق الكاتب في نسبة القول بوحدة الوجود للإسلام بإطلاق وكذلك قِدَم العالم؛ بل غاية الأمر أنه قول لبعض الفرق، أخذوه عن الأفلوطينية ودمجوه ضمن عملية أسلمة تلك الفلسفات.

والسجال بين المتكلمين والفلاسفة معروف مشهور، وبالتأكيد كان لأهل السنة موقف حاسم من تلك الأفكار، وليس الغرض هُنا بسط الكلام على تلك العقائد؛ بقدر ما هو عرض تاريخي وبيان لجذورها واستمداداتها.

-الإشراف.

 

الملخص

لقد أثرت الأفلاطونية الحديثة (Neoplatonism) بشدة في تطور الصوفية. إن الأفلاطونية الحديثة -كما طورها أفلوطين-ترى أن (الله) هو أصل كل شيء وغايته. وإن الإسلام كصرح فكري يستعصي أن يتواءم مع أي فكر نقدي وفلسفي، لكن التصوف يتمتع بنهج نقدي متحرر أكثر. من المحتمل أن ترجمات أفلوطين هيّأت أرضيةً فلسفيةً أساسيةً للتصوف. وعند استقراء التصوف والأفلاطونية الحديثة؛ فإنه يتضح وجود أوجه تشابه بخصوص: طبيعة الله، والروح، والجسد، ومفاهيم مثل: الخير والشر والجمال، الحياة والموت، والخلق.


تأثر الفكر الإسلامي بالفلسفة اليونانية، وخاصةً أفكار أرسطو وأفلاطون. والصوفية: هي طائفة من الإسلام، لها طريقة تفكير مختلفة. إن التصوف -كما يطبقه المتصوفة المسلمون- هو وسيلة للوصول إلى الاتحاد بالله، ولهم ممارسات تقشفية تتضمن لبس رداء مصنوع من الصوف الخشن، ولذلك أطلق عليهم “الصوفية” أي الشخص الذي يرتدي هذا الرداء. ولكن مع الوقت أصبحت الصوفية كنايةً عن كل مسلم يؤمن بالاتحاد الصوفي.

وقد تأثرت جذور الفلسفة الصوفية بفلسفات غير الأفلاطونية الحديثة، فالممارسات التنسّكية في الفلسفة الصوفية مرتبطة بالبوذية؛ فمفهوم التزكية (تطهير الروح من جميع الشرور، ومحاولة الوصول إلى النيرفانا والخلود بها) يلعب دورًا مهمًا في البوذية، وهي نفس الفكرة التي تظهر نفسها في الإيمان بـ”الوصال vuslāt[3] (الاتصال بالله) في الفلسفة الصوفية.

تأثر التصوف أيضًا بأورفيوس (Orpheus) ومعتقداته، وبالتالي بفيثاغورس (Pythagoras) وتعاليمه؛ لأن فيثاغورس كان مهتمًا جدا بمعتقدات أورفيوس. كان أورفيوس شاعرًا، وقد عاش في الأناضول في القرنَيْن السابع والسادس قبل الميلاد، وكان يعتقد بأن لديه خصائص إلهية تمكّنه من التأثير على الحيوانات البرية بموسيقاه، وأن الروح البشرية لن تصل إلى أعلى مستوى إلا بتنقية نفسها من الأهواء ومُتَع الدنيا. وأن الروح تنتقل من جسد إلى جسد لتطهير نفسها من الخطايا والذنوب والآثام، وبعد أن تجتاز هذه المستويات فإنها ستصل إلى أعلى مستوى وهو نقطة التسامي، وقد تبنّى فيثاغورس معتقدات أورفيوس عن الروح ودمجها مع أفكاره الخاصة حول المُثُل. وبعد ذلك اعتبر الفيثاغوريون الجدد فيثاغورس مصدرًا للمعرفة الإلهية، وقد قبلوا ما يوافقهم من كتابات أفلاطون وأرسطو والرواقيين.

وقد بلغ السعي إلى إنشاء فلسفة دينية مستندة على الفكر اليوناني -خصوصا نظريات فيثاغور- ذروته في الأفلاطونية الحديثة. فقد أخذ أفلوطين -مؤسس الأفلاطونية الحديثة- نظرية أفلاطون في المثل وأعاد تفسيرها من وجهة نظر بروتاغوراس (Protagoras). ووفقًا للأفلاطونية الحديثة فإن الله يعتبر أصل كل شيء وغايته، وكل شيء يأتي منه، وكل شيء عائد إليه. هو الأول والآخر، والظاهر والباطن. وبالتالي، فإن الاتحاد مع الله أو الفناء به عن غيره= يعتبر الغاية الحقيقية لجهودنا، كما أن الدين هو نبض هذا الكون. ونصّت العقيدة الرئيسية لأفلوطين على أن هناك: إله واحد فقط، وهو المهيمن، والعلة الغائية، والمحرك الأول، وأنه أسمى كيان روحاني.

وبالنسبة لأفلوطين؛ فالعالم قد (فاضَ) عن الله، ولم يُخلَق؛ فالكون هو فيض من الله، وهذا الفيض (حتمي) سواء بالقوة أو بالفعل اللامحدودَيْن. ويستخدم أفلوطين العديد من التعابير المجازية ليفيد معنى هذا الفيض. فيقول: الله ينبوع متدفق لا ينفد مصدره، والله هو الشمس التي يُشِعّ ضياؤها دون أن تنطفئ.[4] إن الوجود المطلق لا بشرط (الله) هو المثل الأعلى  للجمال والحق والصلاح والوعي والإرادة، لأن كل هذه الأمور معتمدة عليه. وكلما ابتعدنا عن الشمس وضوئها، اقتربنا من الظلام (المادة)، كما أن الجمال هو بنية الوجود الإلهي. وأن أنواع الوجود الأخرى -المادة والجسد- ليست جميلةً في ذاتها، إنما تستمدّ جمالها من الله. وأنه من بين الكائنات جميعًا، فإن الأنسان أقربها إلى الجوهر الإلهي؛ لأن لديه روحًا تسعى إلى توجيهه للاعتقاد الصافي. فصدق الأنسان أو جماله أو خيريّته يعتمد على أفعال روحه داخل الجسد، فاقتراب روح الأنسان من مصدر النور يزيد من اكتسابه لهذه الصفات. فالبشر يعكسون مظهر الإله في أنفسهم أكثر من أشكال الحياة الأخرى، لذلك هم أسمى الكائنات.

تاثرت الفلسفة الصوفية بالأفلاطونية الحديثة من كل الجوانب، وفقًا للصوفية؛ فإن الوجود المطلق هو الجمال المطلق، وبما أن الجمال يجنح إلى الظهور والتجسّد، فإن الوجود المطلق أوجدَ عالم الظواهر. والبشر في هذا العالم هم الوحيدون الذين يشتركون في الجوهر مع الله؛ لأنهم يمتلكون أرواحًا. وبعد أن يموت الإنسان؛ فإن روحه تعود إلى مصدرها، وهو الوجود المطلق، بينما يتحلًّل جسده ويتلاشى. ولأن الروح تضيف على الجسد صفة الإنسانية؛ فيجب على المرء أن يمارس الفضائل والتقشف مثل الفقر والزهد والورع والثبات والاستقامة؛ وأن يكرِّس نفسه للممارسات التي تسمو بباطنه مثل الخلوة، والصمت، والعزلة، والمحاسبة؛ مما يُراعي الوعي الدائم بحضور الله ومراقبته. وهكذا سوف يتحقق الاتصال الحقيقي مع الله الذي هو الوجود المطلق فيما وراء عالم الظاهر. وإذا اتبع المرء هذه الطرق وجاهدَ نفسه بها، سيترقّى خلال المقامات الصوفية النمطية؛ مثل الصفاء، وشهود وحدة الوجود، والتجلي، ثم إلى مكاشفات مفاجئة وغير متوقعة، وانجذاب مبهج، وإحساس بالاتحاد مع الإله، وإحساس بالفناء عن الذات (one’s own nothingness)[5]، وفناء الفناء (nothingness beyond nothingness)[6].

وتُعتبر الأفلاطونية الحديثة أقرب مذهب للفلسفة الصوفية نظرًا لمنظومتهما الاعتقادية. ودعونا نقارن بين المذهبين بتمعّن، ونَصِفُ أوجه التشابه التفصيلية بينهما.

في الصوفية؛ الكون ليس إلا مظهرًا من مظاهر تجلّي الله، وليس له وجود مستقل. وإن الاعتقاد بأن الله والكون منفصلَيْن يعني إنكار “الوحدة” والإيمان بـ”ثنائية” بين الله والكون. لكن في الواقع؛ الله والكون “واحد”، وبنفس الوقت الكون انعكاس لله. وكما يوضح الإسلام؛ فإنه لا يمكن الاعتقاد بأن الله والكون كيانان منفصلان، لأن الله ليس خارج الكون. وكما رأينا سابقًا في اعتقاد الأفلاطونية الحديثة؛ فهم يرون أن الكون في وجوده قد صدر وفاضَ عن الله.

تفترض الصوفية أن هناك اتحادًا بين الله والكون والبشر، وأن البشر ما هم إلا أحد مظاهر وجود الله؛ لكن لا يعني ذلك أن البشر هم الله، بل هم مجرد مظهر له. والواقع أن ليس هناك ثنائية بين الله والبشر، بل تشابه واتحاد بينهم. فالفرد هو إله يتكلم ويفكر ويتصرف؛ وهذه الفكرة أبدعَ في تمثيلها يونس إمره بقوله:

لم أكن أعلم أنك العين التي بداخلي

كلا ولا أنك الجوهر الساكن في الروح والجسدِ

ما كانت طلبتي أكثر من علامة عليك دالة

فإذا بي أراك الكونَ كله أمام ناظري

تعبّر هذه القصيدة عن فكرة وحدة الله ـ الكون ـ البشر. من الممكن أن يكون الإيمان بوحدانية البشر والله في التصوف مستمد من الأفلاطونية الحديثة. وفي ثلاثية الله ـ الكون ـ البشر؛ يُعَدّ الله أرفع المنازل، ويتبعه الكون، ثم البشر. ولئن كان البشر آخر الثلاثية؛ إلا أنهم الأقرب إلى الله، بل يكادون يتطابقون معه؛ لأن لديهم أرواحًا.

كما تشترك الصوفية والأفلاطونية الحديثة في نفس المعتقدات عن الروح. فالأفلاطونية الحديثة؛ تعتقد بأن الروح هي جوهر إلهي، وهي مادة ومصدر كل الوجود. وأن الروح انعكاس وصورة أو نسخة لمثال خالص هو الله. فهي خالدة، ومطلقة، ومنفصلة عن الجسد، والجسد هو القفص الذي يحبس الروح، وعندما يموت الجسد يمكنها التحرر. والروح بطبيعتها تتوجّه نحو الكمال والجمال والخير؛ فالصوفية تعامل الروح على أنها جوهر إلهي موجود بالإنسان.

والجسد في الصوفية والأفلاطونية الحديثة يُعامَل بالمثل. ففي الأفلاطونية الحديثة؛ لا يُعَدّ الجسد إلهيًّا وإنما فانٍ وزائل، ولا يميل الجسد نحو الجمال والخير، إنما نحو القبح والشر. وإن الروح عكس الجسد فهي تُعَدّ جميلةً وخيّرةً وإلهيةً وذات قيمة. فالجسد يميل إلى اللذات العابرة والشهوات، ومهمة الروح هي تنقيته من عيوبه ونزعاته الشريرة، وأن الجسد قفص للروح. لدى الصوفية نفس الأعتقاد؛ فهي تعتقد أن الجسد خُلِقَ من الأرض، وسيعود إليها ويتحلّل بها. لهذا لا يُعَدّ مهمًّا، وعلى الشخص أن لا يتبع رغبات جسده، وإنما أن يسخّر نفسه للتفكر بدلًا من حياة الشهوات المُرهقة، وبذلك سيصل إلى الله.

بالنسبة للأفلاطونية الحديثة؛ فإن الجمال ذا معنى أكبر من مجرد الاتساق والانتظام؛ لأنه ينطوي على علاقة عميقة مع الواقع المثالي؛ وهو تجلّي الإله على أجسام الكون. وكل ما يضيء عليه النور الإلهي يصبح جميلًا. لدى التصوف نفس الاعتقاد حول الجمال، فالتعبير بكلمة جمال يعني وجه الإنسان، أي جمال وجهه. وأن ما يعبر عنه بأنه “جميل” فهو مظهر للنور الإلهي في وجه الإنسان. والأفلاطونية الحديثة قد حدّدت الجمال بأنه يرتبط بالجوهر الإلهي، والصوفية تبنّوا نفس الفكرة. وقد تمّ التعبير عن هذا بشكل جميل في كلام خسرو:

“إذا أردت أن تفهم معنى الجوهر الحقيقي لله= انظر إلى وجه امرأة جميلة، وهناك سترى وجه الله”.

قد يكون أحد تأثيرات الأفلاطونية الحديثة على الفلسفة الصوفية، هو إدراك أن جمال الإنسان له خصائص إلهية.

كل من الصوفية والأفلاطونية الحديثة يؤمنون بأن الخير فضيلة إلهية مثل الجمال. وأن الخير أهم خصيصة ترفع الإنسان إلى أعلى مراتب الوجود. في كل من الإسلام والصوفية يرتبط الخير -كفضيلة إلهية- بإرادة الله. إن الإيمان بأن الله سيكافئ الذين يعملون الخير ليس جديدًا أو مستحدثًا في الفلسفة الإسلامية. وقد تمّت صياغة الخير كمشكلة فلسفية لأول مرة عند أفلاطون. فالخير والصدق والشجاعة والحكمة والفضيلة، هي الموضوعات الرئيسية الأخلاقية في فلسفة أفلاطون. لاحقًا؛ وَفَّق أفلوطين بين فلسفة أفلاطون والدين ونسقها كتعاليم للأفلاطونية الحديثة. إذًا؛ فإن فكرة أن الخير يُعتبر فضيلةً إلهيةً عند الصوفية، ربما تسرّبت إليها من الأفلاطونية الحديثة. وفي كلتا هذين المذهبين؛ فإن الروح كلما طهّرت نفسها من الأهواء العابرة، والرغبات واللذائذ، ستكون أكثر انسجامًا مع الخير.

تؤمن كل من الأفلاطونية الحديثة والصوفية بأن الموت انفصال بين الجسد والروح. فعندما يموت المرء؛ فإن الروح باعتبارها جوهرًا إلهيًّا لاتموت، إنما تذهب إلى جسد آخر، بينما يتحلّل الجسد ويتلاشى ثم يعود إلى الأرض مجددًا. فالموت هو انفصال كيانَيْن: الروح والجسد.

يرى الصوفية بأن الخليقة انبثقت من الله، كمظهر له. وتُعتبر فكرة الخلق هذه مختلفةً قليلًا عن المعتقد الإسلامي التقليدي الذي يرى بأن الخليقة وُجِدَت من العدم. وفقًا لهذا الاعتقاد؛ فإن خلق الله للعالم والبشر، وجميع الكائنات الحية من العدم، لم يكن إلا بدافع الحب؛ وهذا الاعتقاد تتبنّاه جميع الديانات التوحيدية، مثل: المسيحية، اليهودية، والإسلام، التي ترى وجود إله واحد فقط، ومحتمل أن هذا قد ذُكِرَ لأول مرة في العهد القديم. أما الصوفية؛ فهي كالأفلاطونية الحديثة، تفسر الخلق على طريقة وحدة الوجود.

ويزعم كلا المذهبَيْن بأن الروح يمكن أن تصل إلى السمو من خلال المرور بمراحل معينة. أولًا: يعتمد تطهير الروح على تطهير نفسها من الأهواء والشهوات والرغبات. ثانيًا: خلود الروح بسبب طبيعتها الإلهية، وأن ميلها لما هو زائل وفانٍ سبب في انحطاطها وتدهورها، ومن أجل منع ذلك؛ يجب على الروح أن تنتبه إلى نفسها، وأن تحاول إدراك معناها. ثالثًا: يمكن للروح أن تصل إلى السمو بمعرفة نفسها. وطريق معرفة النفس هو الحب. فالمحبة هي تجلٍ لله، وبالحب يمكن للمرء أن يحقق معرفةً خاصةً عن نفسه. ويمكن معرفة الذات عن طريق التأمل. أخيرًا: فإن الإنسان عندما يكون عارفًا بنفسه ويفهم جوهر الروح؛ فإنه سيدرك أنه متطابق مع الكون ومع بقية المخلوقات، وأن الله يُظهر نفسه في جميع خلقه. وعندما يحرّر الإنسان نفسه من تلك الثنائية (الروح والجسد)؛ فإنه يصل إلى مرحلة اتحاد الله والبشر والكون. في هذه المرحلة: تفقد كلمات مثل: “أنت، وأنا” تمييزها ومعانيها؛ لأنه لا يوجد سوى “واحد” وهذا “الواحد” هو اتحاد بجوهر الله. وهذه تُعَدّ أعلى مرحلة من سمو الإنسان، وبمجرد وصول المرء إلى هذه المرحلة، سيرى اللهَ في ذاته، ويفهم أن الله هو الوجود الوحيد في الكون، وأن الذات ليست إلا الله.

كما رأينا أعلاه؛ هناك أوجه تشابه وثيقة بين الصوفية والأفلاطونية الحديثة؛ أما السؤال عن كيفية التفاعل بينهما فهو سؤال عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي ازدهرَ فيها التصوف كما هو معروف؛ فإن جذور الفلسفة الإسلامية تعود في الغالب إلى جميع أعمال أرسطو التي قد تُرجِمَت للعربية. وقد فسَّر الفلاسفة المسلمون أرسطو من وجهة نظر إسلامية، وأسَّسوا نظرياتهم على أساس فلسفته. ومن خلال ترجمات أعمال أفلاطون وأفلوطين، تمّ إدخالها أيضًا في بيئة الأناضول، واختلطت بمعتقدات الأناضول القديمة المختلفة، مثل أورفيوس. والعناصر الصوفية داخل الأفلاطونية الحديثة، قد اختلطت مع معتقدات الأناضول القديمة (مثل: قدسية الظواهر الطبيعية كالشمس، تمّ دمجها في المعتقد الصوفي بتشبيه الله بالشمس)؛ مما مهَّد الطريق للتفاهم الليبرالي للمبادئ الإسلامية في الفلسفة الصوفية. يبدو أن الأفلاطونية الحديثة، هي النظام الفلسفي الأساسي المحتمل لفكر الفلسفة الصوفية.


[1] ننوّه أن كتاب الفارابي اعتمدَ على نصّ منحول لأرسطو هو “الأتولوجيا”، حيث كان هذا الكتاب موضوعًا وسط مجموعة أرسطو، وهو في حقيقته من تآليف المدرسة الأفلاطونية، واستبعده عامة من جمعوا المتن الأرسطي؛ لكنه نُسِب خطأً لأرسطو، ولما وقف الفارابي على هذا النص، رآه منسوبًا لأرسطو وما بداخله أفلاطوني المنزع، فبنى كتابه على هذا النحو؛ لكنه أثناء الكتاب انتبه واستغرب وشكّ في نسبته إلى أرسطو.

[2] نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/179 وما بعدها، بتصرّف يسير.

[3] Vuslāt: مصطلح مُشْكِل، والأقرب أن معناه الاتصال وهو نوعان: اتصال كوني عام: وهو من جانب الربّ، ويندرج تحته الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، والثاني اتصال انساني خاص: يكون من طرف العبد. (المصدر: نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام، ص 18 – الطبعة الأولى). “المترجم”

[4] نفس هذا التشبيه -فاضَ الكون عن الله، كما تفيض الأشعة عن الشمس- نجده عند الفلاسفة الإلهيين مثل ابن سينا، وهذه الفكرة (الفيض) هي عمدتهم في قدم العالم، وقد أطالَ شيخ الإسلام النفَس في مناقشتهم في الجزء الأول من “الصفدية”. “المراجع”

[5] المصطلح (nothingness) يقابل العدم، والأصح أن الفناء يقابله (Annihilation)

[6] فناء الفناء: هو الفناء عن شهود هذا الفناء. وقد يراد بفناء الفناء: البقاء الثاني؛ لأنه هو المقام الذي بعد الفناء #

أعجبني المقال

المصدر
muslimphilosophy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى