عام

خرافة الإنسان غير المنحاز

  • محمد بن حامد

بسم الله الرحمن الرحيم

“ولذا فإن الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم” ابن تيمية.

ما دام الإنسان إنسانا فإنه منحاز ولابد، لعقيدة يقدسها، ينطلق منها، ويدافع عنها، ويسعى إلى انتشارها وكثرة أتباعها، يأمر بـ”المعروف” فيها وينهى عن “المنكر”، و”يجاهد” في سبيلها!

لا يوجد إنسان طبيعي إلا وهو ينطلق من مسلّمات يعظمها، ويرفعها عن مستوى المحاكمة، ويتحاكم إليها..

ما دام الإنسان إنسانا فإنه سيتخذ موقفا أخلاقيا من الوجود، من الأحداث الكبرى، من الآخرين المخالفين لما هو عليه.. حتى موقف الحياد انحياز بالضرورة!

فآراء الإنسان وتصرفاته وقِيَمه وحدوده الفردية والاجتماعية = ليست تطير هكذا دون منظومة حاكمة، وليست كلمات في الهواء، إنما هي أسس وأصول ومرجعية يحاكِم إليها كل ما يشهده في هذه الحياة، ومن هنا: كانت “الدعوة” طبيعة إنسانية وليس شعيرة خاصة بدين الإسلام!

فكل ما تراه في واقع الناس، يتضمن ما يمكن اعتباره دعوةً وأمرا بالمعروف، وجهادا، وإقامةً للحدود، وتقديسا، ومعيارا أخلاقيا… إلى آخره من اللوازم التي تفرضها طبيعة الإنسان الوجودية، واطّراده الطبيعي مع مسلّماته التي يتحاكم إليها.

على مستوى النظم الفكرية، والسياسية، والقومية، والاجتماعية، بل حتى على مستوى النزعات الموغلة في الفردانية المادية الغارقة في وحل اللذة المفرطة!

سيعيش واهمًا من يظن أن بوسعه أن يكون بلا موقف.

إن من يحتقر أولئك المتحمسين لمواقفهم الأخلاقية والعقدية، ويظن أنه مجردٌ عنها، بلا مواقف أو مقدسات، ويظن أن تعاليه عن الانحياز إلى مواقف أو مبادئ معينة دليلٌ على نجاته من مطلق الانحياز، في حين أنه منحاز إلى أخمص قدميه.. إلى إلهه الذي ظل عليه عاكفًا! نفسه، وقدسية المنطلقات الإنسانية المحكومة بالهوى المحض. هو عبدٌ لها، ومجاهدٌ في سبيلها، يحقد على من يخالفها، ويشمئز ممن يبدو أنه ربما ينكرها، ويفرح إذا شاع شيء من مقولاتها، ويناصر كل معتنقيها.

إن كان يراها عقيدة خليقة بهذا المقام المقدس فهو وذاك، لكن عليه ألا يغفل عن كونه منقادا إلى عقيدة، ومنحازا إلى رؤية وموقف أخلاقي، وأنه لا وجود لحالة إنسانية صماء، وموقف قادر على الحياد المطلق، فالحياد ليس سوى حلم عابر.

لا يوجد إنسان بلا موقف مبدئي، بلا انحياز أخلاقي وعقدي، بلا مسلّمات أولية تحدد له الأولياء والأعداء، بلا حب وبغض، وتأييد ومخالفة، ومعيار يفرز التصرفات والأقوال ويحكم بينها ! “إننا نجد على أسس حياة كل إنسان = إيمانياته، وتشكل هذه الإيمانيات قيَمه التي تقود أعماله”.[1]

حرية الشذوذ.. عقيدة

يزعم مؤيدُ الشذوذ أنه يتبنى هذا الموقف انطلاقا من الإنسانية الجامعة والتقديس المطلق لحرية الإنسان، ويرى أنه بذلك متعالٍ على الأديان والأيدولوجيات “المنتهكة للحريات الفردية”، ويحتقر الرؤى التي تمارس “الوصاية” في نظره.

فهل يستطيع مؤيد الشذوذ أن يصير على حال خالية من الأمر والنهي والوصاية…؟

إن من يرى الشذوذ حقا طبيعيا للإنسان يغضب على من ينكر عليه هذه الرؤية، ويغضب ممن يطالب بمنع هذه الممارسات والظواهر الاجتماعية، وتقضي المنظمات والمؤسسات أموالا وطاقات وموارد.. لتأمر بـ”المعروف” وتنهى عن “المنكر” في شريعة الشذوذ!

وليس الأمر كذلك فقط، بل إنها تجاهد في سبيل الشذوذ ضد من يبدو أنه لا يؤيده، ومن يتغيب عن يوم تُلبس فيه أزياؤه، ومن ينصح أولاده بأن هذا التوجه توجه منحرف.. إنها بلغت مبلغا من الحماس العاطفي حتى تكاد تبحث عن كتاب مقدس تدعو الناس إليه. هي لا تدعو فقط إلى عدم أذية الشاذ، إنها تمنع الناس من عدم تأييده! تستنكر عليهم الاشمئزاز مما يفعل، تنهى الوالدين عن التعبير عن رفضهما لهذا السلوك عند أولادهما… دين كامل، تشريع وأمر ونهي وجهاد! وحب وبغض وانقياد.. كتيبة من المتدينين المتحمسين!

النسبوية المعرفية.. عقيدة

وكذلك السادر في وهم إمكان تبديد ثنائية الحق والباطل، يظن أنه بهذه النسبية قد تعالى على المواقف المبدئية و”الأدلجة” الحاكمة على التصورات والممارسات، في حين أن النسبوية تزعم خطأ القول بالوجود الموضوعي للحق والباطل والصواب والخطأ، ومن ثم فهو ينكر على غيره الإيمان بموضوعية الحقيقة!

إن النسبوي يغضب إذا رأى معيارا حاكما، يشمئز إذا اشتم رائحة فرح الناس باتباع الحق والدفاع عنه، يحتقر المؤمنين بطبيعة هذا الوجود المنطوي على هذه الثنائيات (الحق والباطل).. رغم أنه قائل به بالضرورة! فــ”ليس بإمكان القائل بالنسبية أن يعلِن النسبية الثقافية دون الارتفاع فوقها، ولا أن يرتفع فوقها دون أن يتنازل عنها”.[2]

اللا اكتراث بالأخلاق، عقيدة!

وهناك موقف آخر متكرر، وهو موقف مهمشي المعيار الأخلاقي في الحكم، فهل هذا الموقف بريء من الأمر والنهي والانحياز والموالاة والمعاداة…؟

تهميش المعيار الأخلاقي = إبطال للقول بمحورية الأخلاق في النفس الإنسانية وفي المجتمع، إن كل المنظومات القيمية الحاكمة، وعلى رأسها الإسلام، هي في نظر مهمشي الأخلاق -على حساب اللذة أو المادية المحضة، أو الانتماء القومي- = مناهج ظالمة، ومنتهكة لحرية الأفراد، ومن ثَم فصاحب هذا المبدأ: آمر وناهٍ، ومحب ومبغض، ومجاهد في سبيل اللذة والانتماء الأرضي! وهذا ما يهمنا التأكيد عليه في هذه الخاطرة.. حتى الغارق في وحل اللذة البهيمية يأمر وينهى!

وهكذا كل من يظن نفسه خاليا من انحيازٍ أخلاقيٍ ذي تبعات ولوازم عملية، سيكتشف أنه يعيش في حلم وأنه يغالط نفسه.. حتى موقف الانسحاب هو اختيار أخلاقي، وحكمٌ منطلق من قانون متجاوز، وشعور ينطوي على امتياز، وينطلق من مسلّمات.. وهو في حالته المثالية ممكن الحصول لثوان معدودة، قبل أن يداهمه التدافع الحضاري، والصراع الطبيعي بين الحق والباطل والخير والشر.

الإنسانية متعالية على الأديان! هي انحياز أخلاقي كذلك

فحين يزعم أحد أنه لا يسمح للأديان أن تؤدلجه، وإنما هو منحاز إلى الإنسان وصادر عن الإنسانية، فهو كذلك انحياز أخلاقي يقوم على مسلّمات قبلية، وبُعد تجاوزي عقدي، يُحِبّ الإنسانُ لأجله ويكره، ويوالي ويعادي، ويأمر وينهى، ويجاهد في سبيله.

يقول إبراهيم الرماح: “وعندما يعرّف الشخص نفسه بأنه إنسانوي فإن ذلك يستبطن مخالفته ورفضه لمن لا يوافقه في تصوره عن الإنسان، وإن ادّعى أنه يستوعب الجميع، يقول كوفمان: جزء كبير من عملية التعريف يتغذى على رفض الآخر”.[3]

ولك أن تعتبر سلوك الحكومات الغربية في التعامل مع الخصوصية الإسلامية مثالا صارخا على هذه الانهماك “الإيماني” الذي يعج به دين الإنسانية! وهذا الأمر والنهي والتشريع والتحاكم الذي يصل إلى درجة رفع السلاح، وحجز الأولاد فيما يشبه حالة السبي في كل الحروب البشرية! والتي تزعم الإنسانوية أنها من مخلفات القرون الوسطى!

والخلاصة: أن كل إنسان منحاز إلى موقف أخلاقي ولابد، ومنطلق من عقائدية متجاوزة وحاكمة ولابد، وكل إنسان يوالي ويعادي ويأمر وينهى بناء على مسلّمات يرى هو أنها خليقة بهذا المحل الرفيع في وجدانه وعقله.

فلا يوجد منظومة خالية من الأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، والجهاد في سبيلها!

يقول ابن تيمية رحمه الله في نص بديع والتقاطة فذة لهذه الطبيعة البشرية: “وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يَأمر ويَنهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ” [يوسف: 53].

فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض … ولذا فإن الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يَأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، ويَنه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويُؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، ويُنه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله.. وإلا فلا بد أن يَأمر ويَنهى، ويُؤمر ويُنهى، إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله. وإذا اتخذ ذلك دينا، كان دينا مبتدعا. وهذا كما أن كل بشر فإنه متحرك بإرادته همام حارث، فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله، وهو الباطل، كما قال تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل:4]”.[4]

وقال مايكل كوك بعد سرده لعدة شواهد تاريخية لحضور فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “يبدو لي أن هذا المبدأ أو شيئا شبيها به يوجد في صميم كل الثقافات الإنسانية”.[5]

هل هذا كل ما أريد قوله؟

لا، بطبيعة الحال، فلا يكفي أن نسلّم بهذه الطبيعة ، وهذه الحتمية البشرية ونلاحظها، وإنما علينا أن نتساءل بعد ذلك: هل يعقل أن يكون هذا كل شيء؟ كل إنسان ينحاز إلى ما يقدسه، ثم يبذل مهجته وربيع أيامه في سبيله؟ ثم ينقضي كل شيء؟ وهل هذه الرواية كافية لتعيش البشرية حياة فاضلة؟ بل حياة ممكنة؟!

إن علينا أن نبحث عن النموذج، وعن الرؤية الكونية التي تجعل لانحيازنا الأخلاقي مشروعيةً نافذة، هل نستطيع الانطلاق من “رؤية كونية” فعلا؟ ولا تكون انحيازا “أهوائيا” وتحكما ذاتيا؟ وإنما تكون رؤية نابعة من الحق في نفس الأمر، وساعية إلى الهدى التام، ومتسقة مع طبيعة الوجود، ومشرقة بنور الفطرة؟

إن الانحياز الفاضل هو الانحياز للحق والخير من حيث هو!

والحق في هذا الوجود فكرة غير مفهومة دون الإيمان بالله جل وعلا، “قُلْ إِنّ الهُدَى هُدَى اللهِ” [آل عمران:73].

إننا أمام نموذج منطلق من خالق الكون، الرب العظيم، الهادي، القدوس، خالق هذه النفس البشرية المفطورة على الخير، النفس التي وُهبت حرية الاختيار ابتلاءً واختبارا، النموذج القائم على أخلاق متعالية متصلة بالمبدأ والمعاد، ومبادئ متسقة متكاملة، النموذج الذي ينفخ المعنى في روح هذا الوجود!

إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو مبدأ الحقيقة، ومفتاح الصلاح والعدل، إنه المنطلَق الآمن، والصراط المستقيم، والنور النافذ من الأزل إلى الأبد، في شريعة متعالية تستحق مكانها، ونور سماوي ينهمر إلى النفس الإنسانية فيغيثها.. إن هذا المبدأ = مخرج وحيد، لضمان معيار أخلاقي ينحاز إليه الإنسان دون بغي، ودون تهلكة، ودون اختزال أو تضخيمٍ ظالم، إنما هو نور وروح وبصيرة وهدى وبيان وتبيان، يهدي للتي هي أقوم!

انطلاقا من هذه العقيدة الفطرية، وهذه الرؤية الكونية المتسقة مع الوجود، يستطيع الإنسان أن يبذل مهجته، ويقف موقفه الأخلاقي الذي يستحق.. حيث يكون الحب والبغض في الله، والمعاداة والمولاة في الله، والحياة والموت في سبيل الله، “قُلْ إِنّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَماتِي للهِ رَبّ العَالَمِينَ لا شَريكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنا أَوّلُ المُسْلِمينَ” [الأنعام:162].

وحيث يكون الأمر والنهي عادلا ورحيما، ومؤسَّسا على منهاج فاضل، وصراط مستقيم، وعقيدة تجيب عن كل أسئلة الإنسان، وشريعة يأمر فيها الله “بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَن الفَحْشِاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُم لَعَلّكُم تَذَكّرُونَ” [النحل:90].

إن المؤمن بالله -إيمانا صحيحا قائما على نور النبوة- يعلم أنه ينحاز إلى الهدى والنور والصراط المستقيم، وأن تبعات هذا الإيمان -من حب وبغض وأمر ونهي وجهاد- هي من لوازم الحق، ولازم الحق حقٌ مهما كان.

ومن طبيعة هذا الإيمان أنه جزء من سنة التدافع التي جعلها الله سبحانه من طبيعة الحياة الإنسانية، فالمؤمن بالله حق الإيمان سيتخذ مواقف عاطفية وأخلاقية هي من لوازم هذا الإيمان مع ما يستتبعها من آثار وردود أفعال.. “لَتُبْلَوُنّ في أَموالِكُم وأَنفُسِكُم وَلَتَسْمَعُنّ مِن الّذين أُوتوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم ومِن الّذِين أَشْرَكُوا أذىً كَثيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ” [آل عمران:186].

فلن تؤمن دون أن تسمع أذى من غير المؤمن، ولن تتخذ موقفا أخلاقيا دون أن تعادي من يتخذ نقيضه، ولن تنفكّ عن أمر ونهي لنفسك ولغيرك على أي معيار كان هذا الأمر والنهي.. فليكن أمرا ونهيا على نور من الله!

“قُلْ إِنّمَا أتّبِع مَا يُوحَى إِليّ مِنْ رَبّي. هَذا بَصائِرُ مِن رَبّكمْ وَهُدى وَرَحمةٌ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ” [الأعراف:203].

اقرأ ايضًا: شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


[1] جلن شولتز، بواسطة براهين وجود الله لسامي عامري (48).

[2] و.ف.كوين ، بواسطة براهين وجود الله لسامي عامري (50).

[3] الإنسانوية المستحيلة لإبراهيم الرماح (64).

[4] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن تيمية (52) طبعة وزارة الشؤون الإسلامية.

[5] اُقترح في إنجلترا عام 1801 إنشاء جمعية لإزالة الرذيلة وتشجيع الدين والفضيلة، وجاء في وثيقة قانونية ألمانية عام 1616 عبارة “الأمر بالحق ومن الظلم” وعرّف بلاكستون القانون البلدي في إنجلترا بأنه “قاعدة للسلوك المدني تسنها السلطة العليا في الدولة، تأمر بما هو قويم وتحظر ما هو سقيم”. ويقول الفيلسوف الرواقي خريسبوس (ت207 ق م): إن مما يشترط في القانون أن يأمر بما يجب [يحسن] فعله ويمنع ما يجب تركه. انظر: كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي تأليف: مايكل كوك ص779). ولسنا بحاجة إلى التأكيد أن كل قومية أو دولة حديثة تأمر بما تراه معروفا وتنهى عما تراه منكرا، وتستعمل القوة في ذلك وتستعمل لأجله التعليم والإعلام… إلخ، وإن كان هذا بحدود وفروق متفاوتة جدا، لكن أصل هذه الممارسات لا تخلو منه منظومة فكرية أو سياسية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى