عام

خرافة الدماغ المراهق

إننا نتذمر من عقول المراهقين غير الناضجة ونلقي عليها تبعة الاضطراب والفوضى؛ ولكنْ هل أدمغتهم هي من يتسبب بالفوضى؟ أم أن الفوضى التي يعيشونها هي من شكلت أدمغتَهم؟

  • روبرت إبستين
  • ترجمة: فيصل الناصر والجوهرة الناصر
  • تحرير: أنس الجوّادي

لا تكاد تخلو العناوين الصحفية وأغلفة المجلات مثل مجلة (TIME وUS News وScientific American) من تغطيات وتقاريرَ تزعم بأن نقص النمو في أدمغة المراهقين هو من يتسبب في مشاكلهم العاطفية وتصرُّفاتهم غير المسؤولة. ويأتي التأكيد لهذه النظرة مدعومًا بدراسات متعددة عن نشاطات الدماغ وتركيبه لدى المراهقين، حيث تظهر دراسات التصوير الدماغي أحيانا أن المراهقين والبالغين يستعملون أدمغتهم بشكل مختلف عند قيامهم بأعمال مختلفة.

كباحث قديم في مجال علم النفس ومُعلِّمٍ لاستخدامات الإحصاء في المجالات البحثية، ينتابُني قلق حول كيفية تفسير هذه الدراسات. ومع أن علوم تصوير الدماغ أظهرت نتائج مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بنشاطات الدماغ، إلا إنه من الخطير الاعتقاد بأن صور المناطق المُختلِفة في الدماغ تعطينا بالضرورة معلومات مُهمة عن مُسبِّبات التفكير والمشاعر والتصرفات. فمن المُشكِل الاعتقاد بأن الدماغ هو من يُسبب التصرفات، لأننا نعلم أن التَّشكيل الجيني للأشخاص بالإضافة إلى التاريخ البيئي والتصرفات الشخصية هي من تُشكِّل الأدمغة عبر الزمان. لا توجد أدلَّة واضحة على أن الملامح المُختلِفة التي قد توجد في أدمغة المراهقين – إلى المدى المحدود لوجود مثل هذه الملامح أو المِيزات – سببُها التأثير الاجتماعي فضلاً من أن تكون هي سبب الاضطرابات لدى المراهقين.

سوف نشاهد عند النظر والتدقيق في البيانات ذات الأهمية، أن الدماغ المراهق الذي نسمع ونقرأ عنه في عناوين الصحف – ذلك الدماغ غير الناضج الذي هو سبب مشاكل المراهقين- ما هو إلا خرافة!

 

الاعتبارات الثقافية

يندَرج العقل المراهق تحت خرافة أكبر، ألَا وهي أن المراهقين يفتقدون للمسؤولية والجدارة. وقد أُطلِقت هذه الخُرافة على يد عالم النفس ستانلي هول في عام 1904 عندما نشر كتابه المُراهَقة (Adolescence) والذي يُصنَّف كأبرز أعماله.

تم تضليل ستانلي هول من جانبين، أولاهما: الفوضى السائدة في زمانه، وثانيهما: نظرية بَيُولوجيَّةٌ شهيرة تم تفنيدها فيما بعد.

  • شهد هول انفجار الثورة الصناعية بالتَّزَامن مع هجرةٍ ضخمة، واللذان وضعا مئات الألوف من الشباب في شوارع مدن أمريكا المزدهرة.
  • لم ينظر هول عند تشكيل نظرياته عن المراهقين إلى ما هو أبعد من شوارع أمريكا. فهذه المحدُوديَّة تعود جُزئيًا لإيمانه بنظرية الاستعادة البيولوجية (Recapitulation theory)، والتي تنص على أن الإنسان يحاكي في أطوار نُموه الفردي أطوارَ التطور النوعي. إن مرحلة المراهقة – بالنسبة لهول – هي التمثيل الحَتْمِي لمرحلة الإنسان الهَمَجي من مسلسل تطور نوع الإنسان، إلّا أن نظرية الاستعادة هذه تم تفنيدها في مجال علوم الأحياء بحلول الثلاثينيات من القرن الماضي. لكن بعض علماء النفس وعامة الشعب لم تصلهم هذه الرسالة، ولا يزال البعض يؤمن اليوم – تناسقًا مع نظريات هول – بأن مرحلة المراهقة الفوضوية هي جزء حتمي من نمو الانسان.

 إن المراهقين اليوم يُبْدون بالفعل علاماتِ قلق في أمريكا وبعض الدول الغربية، حيث إن السن الأكثر اعتقالًا في العديد من الجرائم في أمريكا هو 18، ويكون العمر أصغر في بعض الجرائم كالحرق المُتعمَّد. بل تحصل خلافات ونزاعات بين الآباء الأمريكان وأبنائهم المراهقين بمتوسط 20 مرة في الشهر، وهو رقم مرتفع يُبيِّن الانزعاج وعدم الارتياح لكلا طرفي المعادلة.

 أظهرت دراسة مُكثَّفة أُجريت عام 2004 أنَّ سن الثامنة عشر هو السن الأعلى في حالات الاكتئاب لدى البالغين من سن 18 فما فوق في أمريكا، كما أن استهلاك المخدرات يُشكِّل مشكلة لدى المراهقين، بالإضافة إلى أن الانتحار هو ثالث مُسبِّبِ وفياتٍ لمراهقي أمريكا. تبدو اليوم المدارس الثانوية في أمريكا وكأنها سجونٌ في ظل تواجد حراسِ أمن وأجهزة فحص المعادن، وذلك بفضل موجةٍ من حالات إطلاق النار أصابت المدارس في العقد الماضي، كما أن نسبة الانسحاب من مدارس الثانوية بلغت ٥٠٪ لدى أبناء الأقليَّات في المدن الأمريكية الكبرى.

هنا يكمن السؤال، هل كل هذه المشاكل والاضطرابات فعلا حتمية؟ لو كانت الفوضى المُتولِّدة من الدماغ المراهق أمرًا عالميًا منتشرًا لكنّا وجدنا مثل هذه الاضطرابات حول العالم. لكنْ هل هي موجودة فعلا؟

في عام 1991 قام أليس شليجيل – وهو عالِم آثار في جامعة أريزونا – بمُساعدة هيربيرت باري الثالث – وهو مُتخصِّص في عِلم النفس في جامعة بتسبرغ – بتحليل الأبحاث المُجرَاة على المراهقين في 186 مُجتمَعا من المجتمعات قبل الثورة الصناعية، وكان من بين أهم الاستنتاجات التي توصلوا إليها حول هذه المُجتمعات:

  • ما يقرُب إلى ستين بالمئة من هذه المجتمعات لم يكُن لديهِم تعريف واضح لمُصطلح “المُراهقَة”، حيث يقضي المراهقون مُعظم وقتهم مع البالغين.
  • لم يُظهِر المراهقون أيَّ علاماتٍ تدل على الاعتلال النفسي مع غيابٍ تامٍّ للسلوكيات غير الاجتماعية لدى فئة الشباب في نصف المجتمعات وتواجدها بشكل طفيف في النصف الآخر.

وبشكل أكثر أهمية، بدأ عُلماء الأنثرُوبُولُوجْيَا باتريس وايتينج وجون وايتينج سلسلةً من الدراسات طويلةِ المدى في جامِعة هارفارد، وقد أشاروا خِلالها إلى أن ظهور مشاكل المراهقين في الثقافات المُختلِفة مُرتبط بتعرُّفهِم على بعض تأثيرات الثقافة الغربية. ويُعد النَّمط الغربي في التعليم، والبرامِج التلفزيونية، والأفلام من أهم هذه التأثيرات الثقافية صاحبةِ التأثير عليهم. فعلى سبيل المِثال، لم يكُن الإجرام مُشكِلة بين شعب الإنويت – وهم سكان كندا الأصليين – في جزيرة فيكتوريا بكندا إلى أن ظهر التلفاز في عام 1980. وبحلول عام 1988 أسَّس شعب الإنويت أول مركز شُرطة بالجزيرة للتأقلُم مع هذه المُشكلة الجديدة عليهِم.

سجَّل العديد من المُؤرِّخين – بالتوافق مع هذه المُلاحظات الحديثة – أن سنوات المراهقة دائمًا ما كانت تُوصف كفترة هادئة وآمنة للانتقال لمرحلة البلوغ على مدار التاريخ الإنساني المُسجَّل. لم يُحاول المراهقون الانفصال عن البالغين، بل كانوا بدلاً من ذلك يتعلمون منهم النُّضج. بل إنّ بعض المؤرخين مثل هيو كانينغهام من جامِعة كِنت في إنجلترا، ومارك كليجويت من جامعة ويسكنسون – المُؤلِّف لكتاب الشباب عبر التاريخ: غموض الشباب وغياب المُراهقة في العصر اليوناني-الروماني (جي. سي. جيبين، 1991) – يقترحان أن الفترة المُسمَّاة بالمراهقة هي ظاهرة حديثة لا يتعدى وجودها قرنًا من الزمان.

تُشير جهودي البحثية الأخيرة – والتي عُرِضت بِجانب العديد مِن الدراسات الأُخرى في نفس الشأن من الأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، وتخصصات أُخرى – إلى أن الاضطراب الذي نلاحظه بين المراهقين في أمريكا ما هو إلّا نِتاج لِما أُسمِيه “الامتداد المُفتعَل للطفولة” إلى ما بعد سِن البلوغ. فعلى مدى القرن الماضي، قُمنا بتربية أطفالنا بشكل يُعيقهم عن النضج، مع مُعامَلتهم كأطفالٍ مهما كبروا في السِّن، ومع عزلهم أيضا عن البالغين، وتمرير القوانين التي تُقيِّد سلوكهم. حيث تُظهر الدراسات الاستقصائية أن المراهقين في أمريكا يخضعون إلى قيود تتخطَّى عشرة أضعافِ تِلك القيود التي يتعرَّض لها البالغون المدنيون، وضعف تِلك القيود التي تُفرَض على مُشاة البحرية الأمريكية في الخِدمة العسكرية، حتى إنَّهم يتعرَّضون لقيود تُعادل ضِعف القيود المفروضة على المُجرمين في السجون!

أظهر أيضاً البحث الذي أجريته مع ديان دُماس – كجُزءٍ من طرحِها البحثي في كلية عِلم النفس المِهني بِجامعة كاليفورنيا – أنَّ هناك علاقة طردية بين مدى تعرُّض المراهقين لطفولة مُمتَدة ومدى ما يُظهرونه من علامات الاعتلال النفسي.

لا يوجد مجال للشك في أن اضطرابات المراهقين ليست مصيرًا حتميًا على الرغم من إظهارِ العناوين الرئيسية لذلك. لكنَّها حتمًا صَنيعة الثقافة الحديثة بكل بساطة، بنفس تلك البساطة التي يظهر بها الاضطراب على عقل المراهق المُضطَّرب.

 

تفكيك الدراسات الدماغية

تؤكد مجموعةٌ من الدراسات الحديثة والتي يعتمد معظمها على تِقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وجودَ “الدماغ المراهق”. تُظهِر مثلا دراسات بيتريز لونا من معهد الدِّراسات السلوكية العصبية في جامعة بيتسبرج أنَّ المراهقين يستعملون القشرة الأمامية من أدمغتهم بشكل مختلف عن البالغين. ووجدت سوزان تابرت من جامعة سان دييجو أن المراهقين يستعملون مساحاتٍ أصغرَ من أدمغتهم لتخزين الذكريات مقارنة بالبالغين. كما تُظهِر دراساتُ تخطيطِ أمواج الدماغ لإروين فينبرج وزملائه في جامعة كاليفورنيا دافيس انخفاضَ مُعدَّل موجات ديلتا أثناء النوم للمراهقين. ويقترح جاي جييد أنَّ هذا الانخفاض يحدُث بسبب انخفاض كمية الترابط بين أعصاب الدماغ.

 يبدو للوهلة الأولى وكأنَّ هذه الأعمال تؤيِّد نظريات الدماغ المراهق التي تَظهر لنا في أغلفة الصحف والمجلات، ذلك حتى نلاحظ أمرين أساسيين:

  • أولاً: أن معظم التغيرات المُلاحظَة التي تَحصل في أدمغة المراهقين ماهي إلا مجموعة من ضمن سلسلة تَغييرات تحدث بشكل مستمر للإنسان طيلة فترة حياته. فلنأخذ مثالَ دراسةِ جسوس بويول وزملائه في جامعة برشلونة حول تَغيُّرات الجسم الثَّفَنِيِّ خلال مدة سنتين – وهو جسم يقوم بوصلِ جُزْئيِ الدماغ – لمجموعةٍ من الأفراد ما بين سِنَّي 11 و61. حيث وجد الباحثون أنه بالرغم من أن نسبة النمو انخفضت مع ازدياد العمر، إلا أن النمو كان مُستمِرًا بنسبة 4% سنويًا للأفراد في الأربعينيات (مقارنة بـ 29% للأفراد الصغار). دراسات أخرى مثل تلك التي أجرتها الباحثة إليزابيث سويل من جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس تُظْهِر أن المادة الرُّمَادِية تستمر بالاختفاء من أدمغة البشر من الطفولة وحتى سنين مُتأخرة.
  • ثانيًا: لم أستطع إيجاد حتى بحثٍ واحدٍ يؤكِّد وجودَ علاقة سببية بين ملامح وخواص الدماغ التي تُجرَى عليها التجارب وبين المشاكل التي نُشاهِدها في المراهقين. إن دراسات التصوير الدماغي هي دراسات ذات طابع ترابطي تُظهِر ببساطةٍ النشاطَ الدماغي المُصاحِب لأحوالٍ ومشاعرَ مُعيَّنة، وعندما نتفحَّص الدراسات الإحصائية فإن مثل هذه العلاقات التَّرابُطية لا يمكن أن تُؤخَذ على أنَّها علاقات سببية. لذلك فإنه لا يمكن لأبحاث التصوير أنْ تجعل من الدماغ عنصرًا سببيا بغض النظر عن أي منطقة من الدماغ يتم تصويرها.

هل من المنطقيِّ أصلاً أن نقول إن تصرفات الإنسان نابعة من تكوينه أو نشاطه الدماغي؟ يٌجيب بروفيسور علم النفس إليوت فالنستين بأنَّنَا نقوم بخطأٍ منطقيٍ فادحٍ عندما نلوم الدماغ في كل التصرفات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتصوير الدماغي. وبلا شك سيكون لجميع التصرفات والمشاعر التي يمر بها الإنسان تأثيرٌ بشكلٍ ما على تكوينه ونشاطه الدماغي. فإذا شعر الشخص بالغصب أو الاكتئاب مثلا فإن تكوينه العقلي سيُعبِّر عن تلك الحالة. إلا أن ذلك التكوين أو النشاط ليس بشكل رئيسي هو المسبب لتلك الحالات. تُظهِر مجموعة جيدة من الأبحاث أن مشاعر الأفراد واختياراتهم تُغيِّر من تكوينهم الدماغي بشكل مستمر، حيث يسبب الضغط النفسي حساسية مُفرِطة في الأعصاب المُنتِجة للدوبامين، والتي تستمر حتى بعد إزالتهم من الدماغ، كما أنَّ العيش في بيئة غنية – وهو مصطلح يشير إلى العيش في بيئة تُحفِّز استعمال الدماغ بشكل مستمر- تفرز تشابكات عصبية أكثر.

يتغير الدماغ بنشاطات متعددة مثل ممارسة التأمل والحمية والتمارين. وقد أظهرت دراسة حديثة أن التدخين يظهر تغيُّرات دماغية شبيهة بالتي تحدث في الحيوانات التي يتم إعطاؤها مخدِّرات مثل الهيروين والكوكايين.

إذا كان المراهقون إذن يعيشون في حالةٍ من الفوضى والاضطراب، فإننا سنجد بالضرورة الآثار الكيميائية والكهربائية في تراكيب أدمغتهم. ولكنْ هل الدماغ هو المُتسبِّبُ في هذه الاضطرابات؟ أم أن الاضطرابات هي من أثر في الدماغ؟ أم أن أسبابًا خارجية مثل طريقة معاملة المجتمع للمراهقين سبَّب كلًا من الاضطراب النفسي والآثار الدماغية المصاحبة له؟ وللأسف تجرف الحماسةُ التقاريرَ الصحفية والباحثين في تفسيرهم للدراسات الدماغية.

فلنأخذ كمثال الدراسة التي أجريت في عام 2004 على يد جيمس بجورك وزملائه من جامعة ستانفورد والجامعة الامريكية الكاثوليكية، والتي نَشرت عنها التقارير الصحفية أنها اكتشفت الدَّوافع البيولوجية لكسل المراهقين. عندما ننظر الى الدراسة، سنرى أنَّ الباحثين قاموا بتقسيم الأشخاص إلى مجموعتين، المجموعة الأولى مكونة من 12 شابًّا من عمر 12 حتى 17، والثانية مكونة من 12 بالغًا من سن 22 حتى 28، وقام الباحثون بعمل تصوير الرنين المغناطيسي على المجموعتين أثناء قيامهم بمهمة تعود عليهم بالمال. في هذه المهمة وضعوا الأشخاص في غرفة أمام مرآة وزِرٍّ قابلٍ للضَّغط. يمكن تلخيص خطوات التجربة كما يلي:

  • تَظهر رسالة في المرآة تُبلِّغ الشخص عما إذا كان ضغط الزر سوف يُربِحه المال أم لا.
  • يجب على المُشارِك الانتظار لمدة ثانيتين بعد ظهور الرسالة.
  • لدى المشارك فترة ربع ثانية فقط (بعد انتهاء الثانيتين) لضغط الزر كي يربح المال.
  • تَظهر نتائج التجربة للمشارك.

تم تصوير المناطق الدماغية التي يُعتقَد أنها مسؤولة عن التحفيز أثناء التجربة، وأظهرت أن هناك اختلافًا في نتائج التصوير بين البالغين والمراهقين، في حين أن أداء المجموعتين كان بنفس الكفاءة. برز الاختلاف في الصور في فترة الانتظار (فترة الثانيتين) عند ظهور رسالة 5 دولارات (وهو أكبر مبلغ يمكن اكتسابه أثناء التجربة) أو مبالغ أخرى كبيرة على المرآة. ففي تلك الحالات كان معدل النشاط العصبي في النواة الصحيحة المُتَّكِئة أعلى لدى البالغين من المراهقين، وليس ذلك في جميع المناطق التي تم تصويرها. ولأن الاختلاف لم يكن واضحًا في مناطق أخرى من الدماغ ولا في المبالغ الأخرى التي تمت تجربتها، قدم الباحثون استنتاجاتهم بتواضع:” البيانات تُبيِّن تشابهًا بين المناطق الدماغية أثناء تجارب التحفيز لدى المراهقين والبالغين”.

ولكن طبقا لمقالٍ نُشِر في مجلة لونج آيلاند فإن هذه الدراسة وجدت “العوامل البيولوجية لكسل المراهقين”. ويؤكِّد كاتب المقالة بشكل مزعج عن هذه الدراسة أنها “تخبرُنا أن المراهقين يحبون الأشياء، لكنهم غير مستعدين للقيام عن أريكتهم كما يفعل البالغون” وفي الواقع لا تؤيِّد الدراسة أيًّا من هذين التصريحين! إن كنت جادًّا في محاولة البحث عن أسبابِ كسل المراهقين، عليك بالبحث على الأقل عن دراساتٍ تحوي مراهقين كسولين! الأمر الذي لم يكن موجودًا في دراسة جيمس بجورك. وبشكل عام فإن الدراسة حول هذا الموضوع يجب أنْ تَشمل عيِّنة من المراهقين الكسولين والمراهقين العاملين، والبالغين الكسولين والبالغين العاملين، ومِن ثَم البحث عن الفروقات بين هذه المجموعات الأربع. وحتى لو تم عمل مثل هذه الدراسة فإنها لن تسمح بالاستنتاج أن المراهقين كسالى لأن أدمغتهم معطوبة. وللوصول الى استنتاجات حول مسببات الكسل في المراهقين والبالغين فإنك يجب أن تأخُذ بعين الاعتبار كلاًّ من العوامل الجينية والبيئية، ولا يمكن لدراسة تصوير دماغ أن تجيب على مثل هذه الأسئلة.

يلوم إليوت فالنستين صناعةَ الأدوية على تهيئة البيئة للاستنتاجات المُبالِغة من الدراسات الدماغية مثل ما حدث مع دراسة جيمس بجورك. حيث إن هذه الشركات لديها دافع قوي لإقناع المسؤولين وعامة الشعب أن الأدمغة المعطوبة هي السبب الرئيس لكل مشاكلنا، ومِن ثَم فإن أدويتهم ستقوم بحل كل هذه المشاكل. كما أن الباحثين الأكاديميين في هذه المجالات لديهم دافع قوي لإقناع العامة وَجِهات تمويل الأبحاث بأهمية دراساتهم وأنها تساعد في “تفسير” ظواهرَ اجتماعية مهمة.

 

حقيقة المراهقين

إنْ كانت فوضى المراهقة أمرٌ حتميٌّ، ولا يمكننا أن نلقيَ باللوم على دماغٍ مَعِيب. فما هي حقيقة المراهقة والمراهقين؟ الحقيقة أنهم يمتلكون كفاءةً عالية جدًا ولو لم تظهر لنا كفاءتهم. تُظهِر أبحاثي أنا ودُماس أنَّ المراهقين يملكون نفس مستوى كفاءة البالغين في مجموعة واسعة من القُدرات التي يختص بها البالغون. كما بيَّنت مجموعة كبيرة من الأبحاث حول الذكاء وقدرات الذاكرة والقدرات الإدراكية أن المراهقين يتفوقون بامتياز بالغ على البالغين.

تَبلغ حدة الإبصار أوْجَها قريبًا من سن البلوغ، وتبلغ الذاكرة العرضية – المسؤولة عن التذكر بشكل تلقائي دون جهد في التذكر- قمة أدائها عند سن الثانية عشر ثم يستمر أداؤهم بالنزول مع العمر. بحلول الستينيات من أعمارنا فإننا نعاني عند تعلُّم مهاراتٍ تقنيّةٍ جديدة، ويعود ذلك بشكل رئيسي لضعف ذاكرتنا العرضية. في الأربعينيات من القرن الماضي، قام روَّاد البحث في مجال الذكاء جي ريفن وديفد ولشر بالاعتماد على اختباراتِ ذكاءٍ مختلفة بشكل جذري للتوصل إلى أن درجات الذكاء في هذه الاختبارات وصلت ذروتها عند المشاركين في سن 13 الى 15، ومِن ثَمَّ تستمر الدرجات في النزول مع العمر.

بالرغم من أن القدرات اللَّفظية وبعض أشكال الحكم والقرار تستمر بقوتها مع مرور الحياة، إلا أن المراهقين يمتلكون قدرات إدراكية هائلة، وسرعة فائقة في تعلم الأشياء الجديدة، بِغَض النظر عمَّا إذا كان حجم الدماغ مؤشر جيد لقدرات المعالجة. ومن الجدير بالذكر أن بيانات التصوير الدماغي التي جمعها إريك كورشيسن وزملائه من جامعة كاليفورنيا سان دييجو تُظهِر أن حجم الدماغ يصل لذروته في سن الرابعة عشر ويعود حجمه في سن السبعين إلى ما كان عليه في سن الثالثة! هذه النتائج تبدو منطقية إذا نظرنا للمراهقين من وجهة نظر تطورية، حيث ترعى الثدييات صغارها لفترة وجيزة فقط بعد وصولها سن البلوغ، وكان الأمر كذلك لدى البشر إلى زمن قريب. وبغض النظر عن كيف يبدو لنا المراهقون وتصرفاتهم، فإنهم من الضروري ان يكونوا ذَوُو كفاءة عالية وإلا لم يكن باستطاعة جنس البشر أن يستمر.

يعيش مراهقو هذا الزمن في مجتمعِ أقرانهمِ التافِه، حيث يتعلمون من بعضهم البعض كلَّ أمور حياتهم بدلًا من أن يتعلموها من أشخاص سبقوهم في تجارب الحياة. ولا يوجد استغراب إذًا عندما يتصرف المراهقون بطيش وعدم مسؤولية، فهم يعيشون بمعزل عن البالغين ويُعامَلون كالأطفال! إنَّ جميع التصرفات الطائشة التي نراها من المراهقين هي تعبير داخلي منهم عن بلوغهم سن الرشد، كما أن الحَمْل وارتكاب الجرائم الخطيرة تعبير عن بلوغهم الفُجَائِي لسن الرشد القانوني في أمريكا.

لحسن الحظ، نعلم من الأبحاث المُكثَّفة في أمريكا وأماكن أخرى أنه عندما نتعامل مع المراهقين مثل البالغين، فإنهم على الفور تقريبًا يرتقون إلى مستوى التحدي. يجب علينا أن نستبدل أسطورة الدماغ المراهق غير الناضج بإلقاء نظرة مُنصِفة وصريحة للمراهقين المسؤولين والأكِفَّاء عبر التاريخ، وفي مجتمعات وثقافات أخرى، وعبر النظر إلى الإمكانيات المَهُولة التي يمتلكها شبابنا اليوم.


  • روبرت إبستين: حاصل على الدكتوراة في علم النفس، مُحرر في (Scientific America Mind)، ومؤلف كتاب: دعوى المراهقة: إعادة اكتشاف النضج في المراهقين (2007).

أعجبني المقال

المصدر
scientificamerican

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى