التربية والتعليم

أسطورة ‘أنماط التعلم’

عن النظرية التي ثبت زيفها، القائلة إن بعض البشر يتعلمون بشكل أفضل عن طريق المواد المرئية أو السمعية.

  • أولغا خازان
  • ترجمة: حمد الناصر

في أوائل تسعينيات القرن الماضي قرر النيوزلندي نيل فليمينج أثناء عمله كمراقب مدرسة، التحقق من أمر أثار حيرته أثناء قيامه بمراقبة الفصول الدراسية. فقد لاحظ أثناء جولته لمراقبة تسعة آلاف فصل دراسي، أن هناك عددًا قليلًا من المدرسين هم الذين تمكّن جميع طلابهم من فهم شرحهم. فما الشيء الذي كان يقوم به هؤلاء المدرسون بشكل مغاير عن المدرسين الآخرين؟

صبّ فليمنج جُل تركيزه على الكيفية التي يفضلها الناس للحصول على المعلومات. فمثلًا؛ عندما يسأل أحدهم عن الاتجاهات فهل مقصده الحصول على خريطة مرسومة، أم أنه يريد اقتراح لمكان يذهب إليه؟

ويمثل هذا الاسقتصاء اليوم بالستة عشر سؤالًا في استبيان ڤارك الذي قام بتطويره فليمنج لغرض تحديد “طريقة تعليم” شخص ما. يُصنف استبيان ڤارك المتعلمين إلى النمط: “المرئي والسمعي والقراءة والكتابة/الحركية”، أي الطلاب الذين يتعلمون بشكل أفضل عن طريقة المواد المرئية، ومن خلال المواد السمعية، ومن خلال مواد القراءة أو من خلال الخبرات “الحركية”.

لم يكن فليمنج أول من قال بأن الناس لديهم “أساليب تعلُّم” مختلفة –فالنظريات التي سبقته مثل مقياس “VAK” الأقل شهرة ذكرت أنماطًا مثل (المبدعين) و (المقلدين)– إلا أن ڤارك بقي أبرز نماذج تلك النظريات.

لا يعرف الخبراء سبب انتشار هذا المفهوم، وقد يكون السبب يتعلق بالحركة التي ظهرت في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات القائلة بوجود حُب الذات، والتي تقول بأن كل شخص مميز، بالتالي كل شخص لديه أسلوب تعلُّم فريد كذلك. وهو الأمر الذي دفع المدرسين ليذكروا هذا الأمر لطلابهم في المدارس الابتدائية. وتقول أبي نول الحاصلة على درجة الدكتوراة، وهي طالبة في جامعة ميشغن، درست أساليب التعلم: “يحب المدرسون فكرة أن بإمكانهم الوصول لعقول كل الطلاب، حتى الكسالى منهم، عن طريق تكييف طرق تدريسهم مع أساليب التعلُّم المُحبذة لكل طالب. (ومن جهة أخرى، يعزو الطلاب أسباب فشلهم الدراسي للطرق التدريسية التي ينتهجها المدرسون، والتي تتعارض مع أساليب تعلُّمهم).

وتقول بولي هوسمان الأستاذة في جامعة إنديانا: “أنه بمجرد قبول الطلاب للدخول في الكلية، يتم إخطارهم بأنهم “من النوع الذي يتعلم عن طريق المواد المرئية” أو السمعية أو ما يتوجب عليهم أن يكونوا عليه.

وفي حقيقة الأمر أنهم ليس كذلك. وهناك الكثير من الأدلة التي تقول إن البشر بإمكانهم التعلُّم من مختلف المصادر وليس من مصدر أو اثنين. وفي دراسة أطلقتها مجلة تعليم العلوم التشريحية الشهر الماضي، قامت هوسمان وزملاؤها بإجراء استبيان ڤارك على مئات الطلاب في سبيل معرفة أي نمط تعلُّمي ينتمون له. هذا الاستطلاع أعطاهم بعض الاستراتيجيات التدريسية والتي يبدو أنها مرتبطة بذلك النمط من التعلم. وتوصلت هوسمان إلى نتيجة أن أولئك الذين تلقوا تعليمهم بطرق تعارض أسلوبهم في التعلم حصلوا على نتائج في الاختبارات مشابهة لأولئك الذين وجدوا أن الطرق التعليمية تلائم أسلوبهم في التعلم.

وتعتقد هوسمان أن الطلاب ترسّخ لديهم عادات معينة، والتي كان من الصعب إزالتها عندما تشكلت لديهم. ويبدو أن لديهم عناية بأساليب التعلُّم الخاصة بهم، لكنها لا تصل إلى درجة تغيير سلوكياتهم في التعلم استنادًا عليها. وحتى لو حدث هذا، فلن يكون هذا أمرًا بالغ الأهمية.

تقول هوسمان: “أعتقد أنه تمرين انعكاسي بحت، فقط إذا كنت تفكر في عاداتك الدراسية، قد يكون لـ [فارك] فائدة؛ ولكن الطريقة التي كنا نصنف بها أنماط التعلُّم هذه لا يبدو أنها تصمد أمام التمحيص”.

دراسة أخرى نشرت العام الماضي في المجلة البريطانية لعلم النفس خلصت إلى أن الطلاب الذين فضلوا التعُّلم عن طريق المواد المرئية اعتقدوا أنهم سيتذكرون الصور بشكل أفضل، أما أولئك الذين فضلوا التعلم عن طريق المواد الشفهية اعتقدوا أنهم سيتذكرون الكلمات بشكل أفضل. إلا أن هذه التفضيلات لم يكن لها علاقة بما تذكروه بشكل أفضل لاحقًا -سواء كلمات كانت أم صورًا-. وفي هذه الحالة، صار المغزى وراء طرق التعلم هو أن الأشخاص هم الذين استقر في أنفسهم اعتقاد أنهم يفضلون الكلمات أو الصور، وليس أن الكلمات أو الصور كانت أفضل في استجلاب ذكرياتهم.

وبعبارة أخرى، قال لي دانييل ويلينغهام المتخصص في علم النفس في جامعة ڤيرجينيا: ” أن هناك أدلة تؤكد أن البشر يتعاملون مع المهام الموكلة إليهم بما يتماشى مع أنماط التعلم التي يعتقدون أنها محببة إليهم، إلا أن هذا الاعتقاد لا يساعدهم”. وفي عام 2015 قام بإعادة النظر في الأدبيات المعنية بأنماط التعلُّم، “وخلص إلى أن نظريات أنماط التعلُّم لم يتم تمحيصها بشكل كامل بعد”.

في نفس العام توصّلت ورقة علمية في مجلة علم النفس التربوي إلى أنه لا توجد علاقة بين مواضيع الدراسة وتفضيلات أنماط التعلُّم -سواء كانت بصرية أم سمعية- وبين أداء الطالب في اختبارات استيعاب القراءة أو الاستماع. وأن أولئك الذين يتعلمون عن طريق المواد المرئية حصدوا درجات أعلى في مختلف الاختبارات. الأمر الذي دفع المؤلفين إلى نتيجة مفادها أن على المدرسين أن يتوقفوا عن استدعاء الفكرة التي تقول “متعلمو المواد السمعية” في بعض دروسهم. ويقول الباحثون إن “المعلمين في الحقيقة قد يقدمون خدمة سيئة للمتعلمين عن طريق المواد السمعية من خلال موائمة أنماط التعلم السمعي باستمرار، بدلًا من محاولة تطويرهم في مهاراتهم المتعلقة بمهارات الكلمات المرئية”.

وفي النقاش الذي دار بيننا، قام ويلينغهام فيه بجلب دراسة أخرى نشرت عام 2009، مفادها أن الناس الذين يعتقدون بأنهم يفكرون بطريقة مرئية أو شفهية قاموا بالفعل بالتفكير بهذه الطريقة: حاول من يفضلون الصور توطين أنفسهم بإنشاء صورة في مخيلتهم، وحاول من يفضلون الكلمات توطين أنفسهم بصياغة كلمات. إلا أن هناك معضلة في هذه الفكرة بحسب قوله: فإذا كنت تفضل الصور وعرضت لك صورًا، فإنه لن يكون بمقدورك تذكر الصور أكثر من ذلك الشخص الذي يراها لفظية”.

وهذا بالتأكيد لا يعني أن كل البشر متساوون في كل المهارات. يقول ويلينغهام إن اختلاف البشر يكمن في قدراتهم وليس أساليب تعلمهم. فهناك من يمتاز بالقراءة، وهناك من سَمعُه ضعيف، إلا أن معظم المهام التي نواجهها تتلاءم مع نمط واحد من أنماط التعلم. حيث إنه على سبيل المثال، لا يمكنك تصور لهجة مثالية للغة الفرنسية.

واستطلاع ڤارك يمثل هذا بطريقة رائعة، حيث جاء في أحد الأسئلة المطروحة الآتي:

ستقوم برسم خطة إجازة لمجموعة من الأفراد وتريد أخذ تقييمهم لخطتك، فالذي ستقوم به أنك:

  • ستصف بعض التجارب الرئيسية التي سيخوضونها.
  • الاستعانة بخريطة تعطيهم دليل الطريق.
  • تسليمهم نسخة من مسار الرحلة.
  • التواصل معهم عبر الاتصال الهاتفي أو عبر الرسائل النصية أو عبر البريد الالكتروني.

ولكن إذا ما نظرنا للوضع الراهن، فكل من لديه أصدقاء في عام 2018 ويريد تنسيق رحلة سفر جماعية سيقوم بالتواصل معهم عن طريق رسالة بريد الالكتروني، سواء تضمنت رسالته الثلاث نقاط الأولى أم لا. (وهنا يلوح في الأفق سؤال يطرح نفسه: “في الوقت الذي تريد أن تساعد شخصا يريد الذهاب للمطار” ربما نضيف إلى جانب تزويده بعدد من الطرق التي توصل للمطار: “أن تذهب معه للمطار”. وهناك من يقترح أن هذا يعتمد على المراد من الضمير (معه).

تضاعفت فكرة “أنماط التعلم” في أواخر عام 2014، حيث اعتقد بها 90% من المدرسين في مختلف الدول. هذا المفهوم جذّاب بشكل حدسي، ويعد بالكشف عن عمليات دماغ سرية بطرح بضعة أسئلة فقط. وبشكل مغاير، معظم أبحاث المتعلقة بأنماط التعلُّم بدأت بتصوير إيجابي للنظرية-قبل أن يتضح فيما بعد أنها لا تصلح-.

ما وصل له ويلينغهام هو القول إنه على الناس أن يزيلوا من رؤوسهم أنهم لا يمكنهم التعلُّم إلا عن طريق نمط من واحد من أنماط التعلُّم، سواء كان المرئي أو الشفهي أو أي نمط تعلمي آخر. وقال “الأمر ليس بسبب أنه سيلحق بك أي سلبية إذا اتبعت هذا التفكير، لكن بسبب أنه لا يتوافق مع أي فائدة ستحصل لك إذا اتبعت هذا التفكير”. حيث إنه بإمكان أي شخص أن يفكر في نطاق الكلمات، وكذلك في نطاق الصور العقلية. فإنه من الأفضل أن يتحلى كل شخص بفكرة أنه بإمكانه التفكير بمختلف الأدوات، وأن يختار بنفسه ماهي الأداة الأفضل.

تقول هوسمان إن أهم شيء، لأي شخص يتطلع إلى تعلُّم شيء جديد، هو التركيز حقًا على المادة — وهذا ما فعله أكثر الطلاب نجاحًا في دراستهم؛ بدلاً من وضع بعض البطاقات التعليمية في حضنك على سبيل المثال “لكنك في الواقع تشاهد مباراة كرة القدم حقًا”.

لم يقم فليمنج بالرد على طلب للتعليق بحلول وقت النشر، لكن أوراقه يبدو أنها تحذر من الانجراف خلف ڤارك. وسبق أن كتب في وقت سابق عام 2006 “أشعر بعض الأحيان أن الطلاب والمدرسين يؤمنون بڤارك أكثر من اللازم”. “فعليك أن تجيد الشيء الذي تحبه أولا… إن ڤارك يعلمك الكيفية التي تتواصل بها، ولكنه لا يخبرك بمدى جودة تلك المحادثة”.

بمعنى أنه قد يساعدك بالتعرف على نفسك، لكنه قد لا يعينك على التعلم.

أعجبني المقال

المصدر
theatlantic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى