عام

الانتخابات الأهم على الإطلاق

لماذا قد يعتمد مصير الجمهورية الأمريكية - والعالم - على ما سيحدث في الثالث من نوفمبر 2020

  • مايكل هيرش
  • ترجمة: زينب عبد المطلب

أيًّا ما كان ما تعرفه من الحوادث التاريخية؛ ففي جميع الأحوال، لطالما كانت وُجهَة الجمهورية الأمريكية وعين بقائها على المحك؛ فقد كانت انتخابات عام 1800 بين آرون بور – وهو شخصية لا تتورع عن إظهار ميوله التسلطية وكان على نحو ما “دونالد ترامب عصره”- وتوماس جيفرسون؛ وفي منافسة عام 1860 التي واجه فيها أبراهام لينكولن ستيفن دوجلاس، كانت الحرب الأهلية تلوح في الأفق. وأما انتخابات عام 1932 فقد زامنت أزمة الكساد الكبير، والتي كان نتائجها بالغة الأهمية، حتى أنهم حذروا فرانكلين روزفلت بأنه من الممكن أن يُوصم بأسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة إذا فشل برنامج التعافي، وأجاب فرانكلين قائلا: “إذا فشل، فسأكون الرئيس الأخير”.

يوجد إجماع غير عادي بين المؤرخين، والعلماء السياسيين، والدبلوماسيين، ومسؤولي الأمن القومي، وغيرهم من الخبراء على أن المخاطر المترتبة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين الرئيس دونالد ترامب ونائب الرئيس السابق جو بايدن في نوفمبر ترتقي إلى هذه المعايير التاريخية المثقلة بالاحتمالات. والواقع أن المخاطر قد تتجاوز ذلك كثيرًا، نظراً للمكانة المركزية التي تحتفظ بها الولايات المتحدة اليوم في النظام العالمي – على نحو لم تكن تملكه كأمة أصغر بكثير في عام 1800، أو 1860، أو حتى 1932.

يشير البعض إلى أن ترامب والقوى التي حشدها قد ألحقت بالفعل الكثير من الضرر بمؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة – وخاصة فشله في احتواء وباء كورونا، وتشجيعه الصريح للعنصرية والانقسام الوطني. إن إعادة انتخابه في نوفمبر قد تلحق الضرر بالتجربة الأمريكية التي دامت 244 عاماً كجمهورية ومعقل للديموقراطية. بعد رئاسة أولى تحدى فيها ترامب صراحة الكونجرس والمحاكم، وثنى السياسة الخارجية لخدمة مصالحه السياسية، ورفض الأعراف الانتخابية، ثم حوّل الحزب الجمهوري إلى ألعوبة في يده.

إن عودته إلى السلطة من شأنها في واقع الأمر أن تضفي شرعية على استنزاف مؤسسات القانون وما تبقى من ضوابط وتوازنات المؤسسات. إن إعادة انتخابه تسوغ وجهة نظره أنه بوصفه رئيساً يستطيع -كما صرح- “القيام بكل ما أريد”؛ أي أن الأمر لن يؤدي إلا إلى تدمير المكانة الأمريكية، ويجعل الولايات المتحدة تمثل نوعًا مختلفًا من الديمقراطية عما كانت عليه في الماضي، وهو ما من شأنه أن يجعل من البلاد مجرد دويلة أخرى تضاف إلى كومة الجمهوريات الفاشلة التي تعود إلى روما واليونان القديمتين.

يشترك في هذه المخاوف العديد من الجمهوريين، ومسؤولون كبار عملوا مع إدارات جمهورية سابقة ممتدة إلى رونالد ريغان، بما في ذلك العديد من الذين عملوا لصالح ترامب ذاته، وقد حذر البعض صراحة من أن فترة ثانية لترامب تمثّل تهديدًا وجوديًّا للديمقراطية الأمريكية.

يقول إدوارد واتس، مؤرخ من جامعة كاليفورنيا، سان دييجو ومؤلف كتاب Mortal Republic: How Rome Fell Into Tyranny. “إذا أعيد انتخاب ترامب، فأنا أعتقد أن قواعد الديمقراطية الأمريكية وقيودها ستختفي تمامًا”، على نحو أشبه بما حدث في الجمهوريات السابقة. وأضاف واتس أنه حتى إذا فاز بايدن فإن تعافي الولايات المتحدة سيستغرق فترة طويلة.

“ليس لدي من شك بأن هذه هي الانتخابات الأكثر أهمية في التاريخ الأمريكي. الأمر هو أن المخاطر المحتملة هائلة”؛ هكذا قال تشارلز كوفشان، عالم سياسي في جامعة جورجتاون، ودبلوماسي سابق، ومؤلف كتاب Isolationism: A History of America’s Efforts to Shield Itself From the World. “إن فترة واحدة كانت سيئة بالقدر الكافي، ولكن إذا أعيد انتخاب ترامب، فإن الأمريكيين والشعوب في مختلف أنحاء العالم لن يكون بوسعهم أن يقولوا إن الناخبين الأمريكيين ارتكبوا خطأً، بل إن الأمر سوف يكون تأكيداً على أن هذا هو الاتجاه الذي اختار الأمريكيون أن يسلكوه.”

قال كوفشان إن السبب وراء كون هذه المنافسة أخطر من تلك الانتخابات الحرجة في عامي 1800 و1860 هو أن “الولايات المتحدة لم تكن الدولة الأكثر قوة في العالم أثناء تلك الأوقات؛ فلم نكن -عملياً- نتدخل في شؤون الآخرين آنذاك. وهذه ليست الحال اليوم، حيث توجد دولة بهذا الحجم قاب قوسين أو أدنى من أن تضل طريقها. إننا ندخل في نفق مظلم، توازن القوى سيتغير، في عصر الأحادية ومرحلة ما بعد الحرب الباردة، كان النظام أكثر تساهلاً، حتى أثناء الحرب الباردة، عندما ارتكبت الولايات المتحدة خطأً هنا وهناك، مثلاً في فيتنام، فإنها لم تُفقد العالم توازنه. إن الأزمة التاريخية المزدوجة التي يواجهها الغرب الآن هو أنه في اللحظة التي يفقد فيها تفوقه المادي (لصالح الصين وآسيا) يبدأ في نفس الوقت تعثره السياسي”.

بالفعل، لأن الولايات المتحدة تشغل مثل هذه المكانة المركزية في استقرار النظام العالمي، فإن انتخابات عام 2020 من الممكن أن تقارن بعمليات إعادة توازن عالمية أخرى مهمة  غيرت مصائر قوى عظمى قديمة، وإمبراطوريات، وبنى دبلوماسية للاستقرار الدولي.

“على المستوى الدولي، فإن هذه لحظة تاريخية عالمية، والاقتراع الآن ليس فقط على من سيكون رئيسًا، بل على دور أمريكا في العالم، فضلاً عن إدارة النظام العالمي”، على حد تعبير جون إيكنبيري من جامعة برينستون، مؤلف كتاب  A World Safe for Democracy، وهو كتاب يؤرخ لقرنين من الليبرالية الدولية. “إذا فاز ترامب، فإن النظام الليبرالي في مرحلة ما بعد الحرب سيستمر في الانهيار بالكامل، وسوف يبدأ الديمقراطيون وغيرهم من حلفاء الولايات المتحدة، الذين يتحولون إلى التحوط والأمل في أن تعود الولايات المتحدة إلى لعب “دور المنظم”، في وضع خطط أخرى.”

يتفق جوزيف ناي من جامعة هارفارد، وهو أيضاً أحد أبرز علماء السياسة والدبلوماسيين في عصره. في مقابلة أجريت معه، نقل ناي عن دبلوماسي بارز من دولة أوروبية حليفة قوله له مؤخراً: “بوسعنا أن نحبس أنفاسنا لأربعة أعوام، أما ثماني أعوام فهذا كثير جداً.”

وفقاً للسفير الأمريكي السابق لدى حلف شمال الأطلسي إيفو دالدر، فإذا أعيد انتخاب ترامب أوتمكن من الاستيلاء على السلطة مرة أخرى، فهذا بالنسبة له يعد دليلا كافيا على اتهام الديمقراطيين بالتزوير، ورفض الالتزام بالتحول السلمي للسلطة، وهذا يعادل الطلاق الرسمي من أوروبا والغرب. مما يعني أن “الطريقة التي ينظر بها الأمريكيون إلى أنفسهم أصبحت غريبة تماماً عن الرؤية الأوروبية المعتادة لأمريكا.” فعلى مدى أربع سنوات، سَخِر ترامب من حلفاء أوروبيين قدماء، وأعلن مؤخراً، في نوبة غضب، سحب الآلاف من القوات الأمريكية من ألمانيا. وقال دالدر إن أداء الحكومة الأمريكية غير الكفء تجاه وباء كورونا قد عزز فقط هذا الشعور بالغربة والاشمئزاز الصريح.

(في شهر أغسطس، صدر تقرير خاص عن تحليلات السياسة الخارجية صنّف الولايات المتحدة في المرتبة 31 من بين 36 دولة بسبب استجابتها لجائحة فيروس كورونا، في مرتبة أدنى من البرازيل وإثيوبيا والهند وروسيا. ولقد وجد التقرير أن الولايات المتحدة جاءت في مرتبة على هذا القدر من السوء بسبب عجز الحكومة الفيدرالية عن تقديم استجابة علمية مناسبة؛ وعدم كفاية الإنفاق على الرعاية الصحية في حالات الطوارئ؛ وعدم كفاية الاختبارات وأسرة المستشفيات؛ ومحدودية تخفيف أعباء الديون.)

كان أداء البلاد في ظل حكم ترامب شديد السوء إلى الحد الذي دفع كاتب عمود في صحيفة التايمز الإيرلندية فينتان أوتول في إبريل ليكتب أن الولايات المتحدة تثير للمرة الأولى شفقة بقية العالم، بما يجعل توجب إرسال إغاثة من الكوارث إلى واشنطن وليس العكس.

“إن ما حدث أثناء جائحة كورونا يمثل ذروة هذا الاشمئزاز، كما أن الاستجابة لكورونا تُظهِر بوضوح شديد المشاكل العميقة التي يعاني منها النظام الأمريكي، فبوجود بنية تحتية متصدعة للرعاية الصحية، وعدم المساواة في الدخول، والمشاكل العرقية التي لا تزال قائمة، أصبحت أمريكا شيئاً يستحق أن ننظر إليه بازدراء.”

يقول العديد من الخبراء والعلماء إن أفضل أمل لنا هو أن يُهزم ترامب تماماً في نوفمبر وأن يتقبل هذه النتيجة، على الرغم من أنه أشار إلى أنه لن يفعل ذلك. في نهاية المطاف، استحال ترامب إلى أن ينظر إليه العالم -والتاريخ- على أنه انحراف غريب، وغرابة فريدة من نوعها، ومن غير المرجح أن تتكرر نرجسيتها، وانعدام كفاءتها مرة أخرى سواء في رئيس جمهوري أو ديمقراطي. صحيح أننا نأمل في أن تنضم الولايات المتحدة مرة أخرى إلى النظام العالمي، بمزيجها الديمقراطي المعتاد؛ لكن على مستوى أكثر اعتدالاً (أو لنكونَ دقيقين: أكثر رُشداً) مقارنة بما كان عليه الحال أثناء عصر ترامب.

لنفترض وصول بايدن، وقد تسلم للتو مقاليد الحكم. إنه أممي يتمتع بخبرة راسخة وملتزم بالتحالفات الأمريكية، ونائبه المتعددة الثقافات كامالا هاريس، ويسعى بسرعة لاستعادة مكانة الولايات المتحدة من خلال عكس أسوأ إخفاقات ترامب فيما يخص جائحة كورونا والاستقطاب السياسي والاقتصاد والاستقرار العالمي وتغير المناخ، كما وعد بايدن. مشيراً إلى أن ترامب قد فشل في استبدال العديد من الاتفاقيات الدولية التي مزقها، فإن بايدن سوف يعاود على الفور الانضمام إليها وسيعمل لدعم الاتفاق النووي الإيراني واتفاق باريس لتغير المناخ، وهو ما ساعد في دعمه كنائب للرئيس باراك أوباما (والذي من المقرر أن تكمل الولايات المتحدة انسحابها منه في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، بعد يوم واحد من الانتخابات). بتنفيذ وعوده الانتخابية، فسوف يحاول إحياء معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى التي تخلى عنها ترامب ويبدأ المحادثات لتمديد معاهدة ستارت الجديدة للحد من الأسلحة النووية المبرمة في عهد أوباما (والتي تنتهي بعد بضعة أسابيع فقط من ولايته، ورغم أن ترامب يسعى الآن إلى تدميرها).

من المرجح أن يسعى بايدن أيضاً إلى استعادة شيء مثل الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، وهي الصفقة التجارية الأكثر شمولاً في التاريخ (والتي ظلت قائمة في صورة مخفَّضة من قِبَل اليابان، أقرب حليف للولايات المتحدة في آسيا، منذ انسحاب ترامب من ذلك الاتفاق أيضاً). ولأن الشراكة العابرة للمحيط الهادئ كانت مصممة بحيث تستبعد وتضغط على بكين لحملها على قبول معايير تجارية عادلة ومفتوحة، فإن بايدن قادر -من ثَمّ- على القيام بما هو أكثر كثيراً مما فعله ترامب في مواجهة الصين الصاعدة والاستمرار في دمجها في النظام العالمي. بينما يبدأ الكونجرس المشلول والمستقطب -الذي أصابته صدمة شديدة من الانقسامات والتحقيقات الترامبية، والاتهام بالتقصير على مدى السنوات الأربع الماضية – في العمل بشكل أكثر فعالية مرة أخرى (وخاصة إذا فاز الديمقراطيون بمجلس الشيوخ ومجلس النواب أيضاً، مما ينهي الجمود التشريعي).

لكن حتى في ظل هذا السيناريو فمن الصعب أن نتخيل أن الأمور قد تعود إلى ما كانت عليه قبل ترامب، سيجد بايدن على سبيل المثال صعوبة في إعادة إحياء معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى واتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، ويرجع هذا جزئياً إلى ضرورة تكيفه مع الجناح التقدمي القوي في حزبه، الذي يرفض عقد اتفاقيات تجارة حرة غير مقيدة والالتزام المفرط بالوجود العسكري الأمريكي في الخارج.  قال بايدن بالفعل إنه لن يعود ببساطة إلى الانضمام إلى الشراكة العابرة للمحيط الهادئ كما كانت قائمة، على سبيل المثال، ولكن من شأنه أن يسعى إلى إعادة التفاوض عليها بحيث تشمل “قواعد صارمة” تتطلب المزيد من التصنيع في الولايات المتحدة، كما قال أيضاً أنه، قبل الدخول في أي اتفاق تجاري دولي جديد، سوف يركز على غرار ترامب على مبادرة ” Buy America” التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار لتعزيز الإنتاج المحلي. يتضاءل دعم منظمة التجارة العالمية، الذي تبناه الديمقراطيون في عهد الرئيس بِل كلينتون، بسرعة داخل الحزب أيضاً، وسط اتهامات ترامب بأن الصين أساءت استغلال قواعدها بشكل غير عادل لتسلب أبناء الطبقة المتوسطة وظائفهم. وكان بايدن، مثله في ذلك كمثل ترامب، يسعى إلى تقليص الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في الخارج لسنوات؛ حتى بوصفه نائب رئيس أوباما، نافح بقوة ضد الحشد الأمريكي في أفغانستان وتفاوض على انسحاب سريع من العراق.

لعل التهديد الأعظم الآن يتلخص في أن المخاطر المترتبة على هذه الانتخابات ليست كما تمنى المتفائلون؛ فإن ترامب -حتى لو خسر سلطته- يثبت أنه ليس انحرافاً فحسب، بل هو على الأرجح عَرَض من أعراض دولة لم تعد تعمل بشكل جيد، سواء كجمهورية أو كجهاز استقرار عالمي، ولا يمكن الوثوق بها بالكامل مرة أخرى.

قال ناي: “إذا كنت أوروبياً، فأنت تقول لنفسك: إذا كان هذا البلد، الذي عوّلنا عليه بشكل أساسي منذ عام 1945، من الممكن أن ينتج شيئاً لا يمكن التنبؤ به مثل ‘جزيرة ترامب‘، وما زال مستَقطباً إلى هذا الحد، فكيف لنا أن نعرف ما قد يحدث في عام 2024 و 28‘؟”

في نهاية الأمر، نزعة ترامب الانعزالية الجديدة لم تأت من الفراغ؛ بل كانت تحظى بالكثير من الدعم الشعبي ولا تزال تتمتع به. في كتابه الجديد، يقول كوبشان إن اعتناق أمريكا للنزعة الدولية أكثر ما يكون انحرافاً عن كونه عرفاً في تاريخ الولايات المتحدة- ويقول أنه حتى بالنسبة إلى الرئيس بايدن وزعماء الولايات المتحدة اللاحقين “لن تعود الولايات المتحدة إلى السياسة الخارجية القديمة. ولن نعود إلى النظام المؤسسي القائم على المعاهدات والذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. لن تكون الأصوات في مجلس الشيوخ موجودة.” فيما يخص هذا الأمر، فإن استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في سبتمبر/أيلول يظهر انهياراً غير مسبوق في الإجماع القديم على دعم دور واشنطن، وهو ما يدلل على “هيمنة صوت ترامب” على الحزب الجمهوري، على حد تعبير دالدر.

لعل أعظم مخاوف حلفاء الولايات المتحدة هو أن تنغمس الجمهورية الأمريكية ببساطة في حلقة مفرغة من التاريخ حيث تصبح القوى العظمى مطمئنة ومُنحلًة ثم تنهار أو تذوى في نهاية المطاف، وهو الأمر الذي أمل الأمريكيون سابقاً بأنهم تجاوزوه. كان مفكرون من أنصار الواقعية البارزين، مثل جون ميربشيمر، يزعمون منذ أمد بعيد أن الدولية الليبرالية على الطريقة الأمريكية احتوت على بذور تدميرها بالكامل: الطموح المفرط والمبالغة في الأهداف المراد تحقيقها. كتب ميربشيمر: “إن الليبرالية تتمتع بعقلية نشطة منسوجة في جوهرها.” “إن الاعتقاد بأن كل البشر يتمتعون بمجموعة من الحقوق غير القابلة للتصرف، وأن حماية هذه الحقوق لابد أن تحل محل المخاوف الأخرى (المحلية)، يخلق حافزاً قوياً يدفع الدول الليبرالية إلى التدخل في الخارج”.

في العقود الأخيرة، استسلم كل من الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين لهذا الدافع بدرجات متفاوتة – من فيتنام إلى البوسنة إلى العراق. في 2016، أدرك ترامب، كما لم تدرك منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، أن العديد من الأمريكيين سئموا من كونهم مقدمي الرعاية العالميين بينما كان  هناك الكثير  من الإخفاقات في الداخل، وخاصة فناء الطبقة المتوسطة تحت وطأة العولمة السريعة. من غير المرجح أن يرتكب بايدن نفس الخطأ.

وهكذا، بأسلوبه الفظ، كان ترامب يقوم بتوجيه أرسخ التقاليد الأمريكية ومخاوف مؤسسي أمريكا، الذين كانوا قلقين دائماً بشأن المغالاة في التدخل في الصراع الخارجي وحذّروا باستمرار من تأثيراته المدمرة للذات، بما في ذلك صعود زعماء الدهماء مثل ترامب. أشهرها قول جون كوينسي آدامز عام 1821 إن أمريكا لا ينبغي لها أن تذهب “بحثاً عن وحوش لتدميرها” في الخارج؛ أن تفعل ذلك، فإنها سوف تفسد شخصية الأمة ذاتها: “إن الثوابت الأساسية لسياستها سوف تتغير بشكل لا معقول من الحرية إلى القمع”. في ربيع عام 2016، أخبرني أحد كبار مستشاري حملة ترامب أن أول خطاب هام لترامب في السياسة الخارجية – حيث أعلن أن “العالم لابد أن يعرف أننا لا نذهب إلى الخارج بحثاً عن أعداء” – كان الهدف منه أن يكون صدى واعياً لأدامز، وتوبيخًا لأسلافه وتدخلاتهم المتهورة في العراق و ليبيا.

إن الولايات المتحدة ليست القوة الكبرى الأولى التي تنظر إلى نفسها باعتبارها استثناءً في تاريخ الأمم، وتبالغ في التوسع وتستنزف نفسها في نهاية الأمر بسبب الغطرسة التي تصاحب هذه الأوهام. كتب اللورد بايرون: “إنه ليس إلا تكرارًا للماضي: الحرية أولاً، ثم المجد، وحين يفشل ذلك: فالثروة، ثم الرذيلة، ثم الفساد، وأخيرا الهمجية”. هناك، كما اقترح المؤرخ واتس، سلالة مربكة تعود إلى سقوط الجمهورية الرومانية منذ أكثر من ألفي عام. في كتابه الصادر في عام 2007 بعنوان Are We Rome?—- الذي كتبه رداً على المحاولة المأساوية التي بذلها جورج دبليو بوش لإضفاء الطابع الديمقراطي على العالم العربي من خلال غزو العراق – لاحظ كولين مورفي: “على أكثر المستويات الاستراتيجية توسعاً على الإطلاق، وهو الهدف التاريخي، فقد اعتبرت كل من روما وأمريكا نهجهما بأنه يجب أن يكون نهجاً للعالم”، ومثلما رأت الأجيال المؤسسة من الأمريكيين أن يد العناية الإلهية تعمل في جمهوريتهم المثالية، وصف الفيلسوف الروماني بليني الأكبر روما بأنها “أرض اختارتها العناية الإلهية لتوحيد الإمبراطوريات الممختلفة والأعراق المتعددة؛ لتحقيق توافق مشترك صلب للغاية؛ لمنح الثقافة للبشرية؛ باختصار، لنصبح وطن العالم كله”.

يبدو ذلك مألوفًا؟

في حالة روما القديمة، أثبت هذا الغرور أنه مُدمّر في نهاية المطاف من خلال الغطرسة والتجاوز الجيوسياسي الذي أفرزه. “كان انحلال روما هو النتيجة الطبيعية والحتمية للعظمة المتطرفة، فقد كان الازدهار سبباً في إضفاء المزيد من الوضوح على مبدأ الاضمحلال”، كما كتب إدوارد جيبون في كتابه الكلاسيكيThe History of the Decline and Fall of the Roman Empire. لم تكن الولايات المتحدة هي أول قوة عظمى تنغلق على نفسها بسبب كراهية الغرباء -حتى في أوج قوتها ونفوذها- من مهاجرين وأجانب.

وعلى هذا، حتى إدارة بايدن قد تجد أن الشعب الأمريكي، مثله في ذلك كمثل نبلاء وعوام الإمبراطورية الرومانية القديمة الفاسدين، لم يعد يرقى إلى مستوى مهمة الزعامة العالمية، وأنه لم يعد يرغب في تمويل وصيانة بنات أفكار أسلافه: النظام الدولي الليبرالي. إن نظام التعليم في الولايات المتحدة مُدمّر إلى حد خطير، ولم يعد العديد من الناخبين يدركون ببساطة الفوائد المترتبة على نظام التجارة الحرة العالمي أو كيف تعمل شبكة من التحالفات العسكرية على الحفاظ على سلامة الولايات المتحدة (بل إنها في واقع الأمر تكلف أقل مما لو كان لها أن تنشر قواتها في الداخل) أو كيف تمكنت واشنطن من التصدي لمنافسين عالميين من خلال دعم المؤسسات الدولية التي أنشأتها. ثم يصبح من الصعب جداً بالنسبة للجمهوريين والديمقراطيين المنتمين إلى التيار السائد أن يستعيدوا الإجماع القديم على الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة في المستقبل.

في خطاب الوداع الرئاسي الذي ألقاه قبل ستين عاماً تقريباً، حذّر أيزنهاور من أن “مواطنة يقظة ومطّلعة” ستكون ضرورية لضمان مستقبل الولايات المتحدة. ولكن العديد من الأمريكيين قد لا يبالون بعد الآن بطرح أسئلة جوهرية -أو الإجابة عنها- حول دورهم في الحفاظ على السلام العالمي، كما قالت حفيدته سوزان أيزنهاور، مؤلفة كتاب How Ike Led في مقابلة أجريت معها. “هذه هي المأساة؛ إذا لم نعد نرغب بالقيام بذلك الدور، فمن سيقوم به من أجلنا؟ لا نحبّ الإجابة على هذا السؤال حتى. لكن لا يوجد عدد كاف من الناس يطرحون هذا السؤال.”

إن ترامب هنا مرة أخرى نتيجة أكثر من كونه سبباً لقوى تاريخية أكبر. فقد صعد إلى منصب الرئاسة من الفراغ على أساس شعبوية “أمريكا أولاً”، ويرجع هذا جزئياً إلى غضب العديد من الأمريكيين بسبب الخيارات السياسية الرديئة التي عرضها عليهم التيار السائد من الجمهوريين والديمقراطيين، سواء كان ذلك نهج الأحزاب المتعجرف في التعامل مع النهضة الاقتصادية السريعة في الصين، الذي كلف الطبقة المتوسطة الأمريكية الملايين من فرص العمل، أو الغزو الكارثي للعراق. (وفقاً لاستطلاع رأي حديث أجراه مركز بيو للأبحاث، فإن الأغلبية العظمى من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء تتفق مع وجهة نظر ترامب الصارمة في الصين).

لكن ترامب نجح أيضاً من خلال استغلال الفجوة بين التعقيد المتزايد على نحو مستمر في النظام العالمي وبين جمهور الناخبين الذي كافح من أجل البقاء على قدم وساق. (كما أعلن ترامب ذاته جذلاً في الحملة الانتخابية لعام 2016: “أحب محدودي الثقافة.”) فقد أثار موجة جديدة من كراهية الأجانب والانعزالية الجديدة ثم ركبها، ومن غير المرجح أن تزول هذه الاتجاهات قريباً. في الانتخابات الحالية، يحرض ترامب مرة أخرى غضب قاعدته الأهلانية ذات الأغلبية البيضاء من خلال خلق انقسامات جديدة في المجتمع الأمريكي – حملة انتخابية كرئيس للقانون والنظام في مواجهة الاضطرابات الأهلية بشأن قتل الشرطة للأمريكيين السود. وهو يأمر قوات فيدرالية بالدخول إلى مدن لا تتطلب دخولهم. لكن هذا النوع من القانون والنظام الذي يروج له ترامب يشبه الحكام المستبدين الذين يرجعون إلى القياصرة، الذين غطّوا أنفسهم بمظاهر جمهورية حتى عندما أصبحوا ديكتاتوريين في حين أن الرومان المطيعين تركوا جمهوريتهم تُخمد ببطء، على حد قول واتس.

الدرس الرئيس المستفاد هو أن ما حدث في روما القديمة لا يزال ذا صلة وثيقة بالحاضر؛ من الممكن أن تحتفظ دولة قوية بوهم الديمقراطية أو القيم الجمهورية لفترة طويلة بعد أن تصبح هذه القيم غير عاملة.

من الخطأ بطبيعة الحال أن نبالغ في رسم المقاربات التاريخية. حتى في أسوأ حالاتها الإمبريالية، فإن الولايات المتحدة تختلف أكثر بكثير مما تتشابه عما كانت عليه روما القديمة وغيرها من الجمهوريات الفاشلة. لا أحد يشك في أن الفارق بين فترة ثانية لترامب وانتخاب بايدن سوف يخلّف عواقب هائلة، وخاصة بالنسبة لدور واشنطن في العالم. قال كوفشان: “إن الخيارات السياسية المتاحة واضحة إلى حد صارخ. “من عام 1941 وحتى إدارة أوباما، لم تكن هناك اختلافات جوهرية بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن السياسة الخارجية. من المؤكد أن هذا كان صحيحاً أثناء الحرب الباردة وأقل صحةً إلى حد ما خلال التسعينيات: فقد التزم الطرفان على نحو أو آخر بقواعد اللعب الدولية الليبرالية. لكن ترامب يريد حقاً تمزيقها بالكامل.” أما بايدن فعلى النقيض من ذلك سيحافظ على البنية الحالية حتى ولو حاول الحد من الدور العالمي الذي تلعبه واشنطن استجابة للطلب المحلي الشعبي.

في هذا الصدد، فإن مخاطر الانتخابات الحالية، كما قال كوفشان، تشبه ما حدث في انتخابات عام 1900 و1920، عندما كان الدور العالمي الذي تلعبه الولايات المتحدة أيضاً يشكل قضية مركزية. كانت نتائج هذه الانتخابات معاكسة تماماً تقريباً. في عام 1900، كان الرئيس الجمهوري ويليام ماكينلي قد حول الولايات المتحدة للتو إلى إمبراطورية، عملياً، من خلال الفوز بالحرب الأسبانية الأمريكية والسيطرة على المستعمرات، وكان يناضل مع الديمقراطي وليام جينينجز براين، الذي عمل وفق أجندة مناهضة للإمبريالية بوضوح. لاحظ كوفشان أن “ماكينلي كان قد أعطى بريان ضربة ساحقة.” حدث المثال المعاكس في عام 1920، عندما سئمت الولايات المتحدة المنهكة من الحرب من وودرو ويلسون، الديمقراطي الذي قاد الأمة إلى الحرب العالمية الأولى وكان يقترح إسقاطًا عالميًا جديدًا لقوة الولايات المتحدة. لكن مجلس الشيوخ الأمريكي رفض مراراً المشاركة في عصبة الأمم.

“اعتقد ويلسون أن هذه الانتخابات هي استفتاء على من يملك عصبة الأمم، و ردَّ وارن هاردينج (لن يكون ذلك ما دام في عرق ينبض، لا نريد أي شيء له علاقة بعصبة الأمم. فنحن أمريكيون وقوميون وليس من أنصار العولمة) مثل ترامب حالياً”. ثم خسر خليفة ويلسون المختار جيمس كوكس أمام هاردينج في الانتخابات التي ما زالت تمثل الانتخابات الأكثر انحرافاً في تاريخ الولايات المتحدة، والتي سحقها هامش 26% من الأصوات الشعبية.

لكن هناك نظرة مثيرة للاهتمام في هذا التاريخ، كان نائب كوكس المرشح لمنصب نائب الرئيس في هذه الخسارة الديمقراطية المدمرة هو فرانكلين روزفلت الشاب. كما نعلم، عاد فرانكلين روزفلت إلى سابق عهده، فاستعاد القوة الأمريكية وهيبتها وأصبح المؤلف الرئيس لدورها القيادي العالمي اليوم. لكن لا ينبغي لأحد أن يعول على عودة أمريكية أخرى، حتى إذا أصبح ترامب من الماضي في الأشهر القليلة المقبلة.

اقرأ ايضاً: كيف تعمل الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟

أعجبني المقال

المصدر
foreignpolicy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى