العلم

أشهر الاعتراضات على حجة الضبط الدقيق والرد عليها #2

تحدثنا في المقال السابق عن أشهر الاعتراضات على حجة الضبط الدقيق، ونكمل في هذه المقالة بقية الاعتراضات.

الاعتراض السابع: أي شخص يدعي أن الكون مضبوط بدقة لوجود الحياة لم يفكر بشكل كافٍ في 99.9999% من الكون حيث يكون وجود الحياة أمر مستحيل.

الرد:

هذا الاعتراض قائم على سوء فهم لما يقصده العلماء عندما يدعون أن ”الكون مضبوط بدقة لظهور الحياة“. عندما يتحدث العلماء عن أكوان مضبوطة بدقة، فهم يشيرون إلى أكوان تسمح بظهور الحياة. هم بهذا الادعاء لا يضمنون حتى وجود أو ظهور الحياة، فقد لا تظهر الحياة حتى مع الضبط الدقيق. كما ذكرت في المقال السابق الضبط الدقيق يمكنه أن يظل موجوداً حتى بدون ظهور أي حياة علي الإطلاق في الكون. الموضوع ليس حتميًا. ليس لأن الكون مضبوط بدقة لظهور الحياة إذن فمن المحتم أن تظهر الحياة فيه. العلماء يصنعون ادعاء أكثر تواضعاً. ادعاء ينص على ”أن الضبط الدقيق يسمح فقط بوجود الحياة“. هذا كل شيء. فالضبط الدقيق يخبرنا فقط أنه يمكن أن تكون هناك إمكانية لظهور الحياة، وليس أن الحياة ستكون ممكنة في كل مكان وزمان أو أن ظهور الحياة في الكون أمر حتمي نتيجه ضبطه. فالحجة ليست معتمدة أساساً على ظهور الحياة في كل مكان وزمان. بل معتمدة بشكل أساسي على أن قوانين وثوابت الطبيعة تقع في النطاق الضيق الذي يسمح بظهور الكون نفسه ثم ظهور الذرات والنجوم ومن ثَمّ يصبح ظهور الحياة في مثل هذا الكون أمراً ممكناً نتيجة ذلك. هناك فرق.

أيضاً العديد من مناطق الكون غير الصالحة للحياة هي ضرورية لكون يسمح بظهور الحياة. صحيح أن الحياة لا يمكن أن توجد على سطح الشمس مثلاً. لكن وجود الشمس مهم للسماح بظهور الحياة. لا يمكن أن تعيش بجوار انفجارات السوبرنوڨا – ولكن بدون هذه الانفجارات، لن يكون لدينا عناصر ثقيلة موزعة في جميع أنحاء الفضاء، مما يجعل ظهور الحياة أمرًا ممكنًا. نقرأ مثلاً في عناوين أحد الأوراق الأكاديمية: ”كل الكون المرصود ساهم في الحياة”.

 

الاعتراض الثامن: الضبط الدقيق ليس ضبطاً مثالياً، هناك ثوابت لو أخذت قيماً مختلفة عن قيمها المرصودة في كوننا، الكون سيصبح أكثر ملائمة للحياة بدرجة أكبر من حالته الآن، وعليه لا يوجد مصمم مثالي خلف الكون. علي سبيل المثال عالم الكونيات الملحد لورانس كراوس يدعي في مقال نشرته صحيفة (The New Yorker) أن الثابت الكوني الذي نرصده في كوننا له قيمة صغيرة موجبة. لو كان هذا الثابت صفريًا، الكون سيكون أكثر ملاءمة لظهور الحياة من حالته الآن.

الرد:

هذا مجرد ادعاء من عنده بلا دليل، هو يستخدم سلطته كعالم كونيات ليخبرنا فقط بذلك. لم يستشهد في المقال الذي كتبه على الصحيفة بأي دراسات منشورة في دوريات الفيزياء قام بها هو أو قام بها علماء آخرون تدعم هذا الادعاء. ولو بحثت بنفسك لن تجد أي دراسات تدعم هذا الادعاء. لا يوجد سوى ورقة واحدة من عام 2011 غير مراجعة حتى الآن من قبل الأقران وجدتها منشورة على موقع (arXiv) لعالم الفيزياء المسيحي (Don N. Page) تدعم هذا الادعاء. لكن صاحب الورقة بنفسه يقول إن ما في الورقة مجرد ”تلميح ابتدائي غير حاسم = تخمين“. وصاحب الورقة بنفسه كتب أن هناك علماء فيزياء كبارًا آخرين مثل مارتن ريس من جامعة كامبريدج وروبرت مان من جامعة واترلو لا يتفقون معه في هذه النتيجة.

 

الاعتراض التاسع: أنقله بتصرف بكلمات الفيلسوف الملحد (J.J.C. Smart): ”تتمثل إحدى المشاكل في حجة التصميم في أنه يجب أن يكون هناك ”مخطط كوني“ في عقل الإله، عقل الإله يجب أن يحتوي بداخله على خطة معقدة – على الأقل تعقيدها مماثل لتعقيد القوانين الأساسية والظروف الأولية المضبوطة التي بدأ بها الكون – لتصميم الكون وفقها .. لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بالتأكيد: ما الذي صمم عقل المصمم المعقد؟“.

الرد:

هذا الاعتراض هو مغالطة الرنجة الحمراء: طبيعة المصمم ليست ذات صلة بمقدمات ونتيجة حجة الضبط الدقيق. إذا وجدنا عند اكتشاف مرض جديد دليلاً يوحي بأن أفضل تفسير هو وجود نوع جديد من الڨيروسات، يجب أن نقبل هذه النتيجة. إن عدم توفر معلومات لدينا عن هذا الفيروس الجديد لن يقوض هذا الاستنتاج. إن طبيعة هذا الفيروس الجديد هي مسألة مختلفة تماماً عن تفسير المرض. وبالمثل، إذا تم ضبط الكون بدقة، وكان أفضل تفسير لهذه الظاهرة هو وجود المصمم، فيجب أن نستنتج أنه لابد من وجود مصمم. هذا الاستنتاج صالح بشكل مستقل عما إذا كان المصمم نفسه يحتاج إلى مصمم آخر أو غير ذلك.

الافتراض القائل بأن أي مخطط في عقل المصمم ”يجب أن يكون له تعقيد مساوٍ – على الأقل – لتعقيد قوانين الكون“ ليس صحيحاً. هناك احتمال أن تكون القوانين الأساسية والشروط الأولية المضبوطة التي بدأ منها الكون هي نتيجة قواعد أبسط منها بكثير. هناك العديد من الأمثلة في الواقع على تعقيد ينتج من قواعد بسيطة. في هذه الحالات يكون هناك تعقيد في النتيجة لم يكن موجوداً في السبب. القاعدة 30 (Rule 30) لستيفن ولفرام مثال على قاعدة بسيطة يمكن أن ينتج عنها تعقيد كبير. خطة (عقل) الإله بالمثل قد تكون بسيطة وينتج عنها مع ذلك تعقيد كبير. وبما أنها بسيطة فهي لا تتطلب مصممًا آخر.

 

الاعتراض العاشر: الأشياء غير المحتملة بشكل كبير تحدث طوال الوقت، الضبط الدقيق هو بمثابة معجزة لكن المعجزات تحدث طوال الوقت، للحصول على مثال قياسي لحدث غير محتمل بشكل كبير، لا تنظر إلى أبعد من وجودك. لكي تكون موجوداً، كان على والدك وأمك الالتقاء، والوقوع في الحب والزواج. ليس ذلك فحسب، بل أنت نتيجة حيوان منوي معين وبويضة معينة ضمن مئات الآلاف من البويضات والحيوانات المنوية. يمكننا مضاعفة عدم احتمالية وجودك من خلال النظر في احتمالية لقاء أجدادك وإنجاب والديك … إلخ. وجودك غير محتمل للغاية، لكنك هنا. وبنفس الطريقة، يُقال إن وجود الكون وسماحه بظهور الحياة غير محتمل إلى حد كبير، لكن ها هو كذلك، لا نحتاج مصممًا لتفسير ذلك.

الرد:

تخيل أن صديقك المقرب قد قُتل وأن المشتبه به الرئيسي يحاكم. في الواقع، أدلة الحمض النووي تدين المشتبه به. نتيجة لذلك، يذهب المحامي المدافع عن المشتبه به إلى هيئة القضاة ويقول لهم: ”إن أدلة الحمض النووي تجعل من غير المحتمل أن يكون موكلي بريئًا. لكن، الأشياء غير المحتملة تحدث طوال الوقت. على سبيل المثال، لكي تكون موجودًا، كان على والدتك وأمك الالتقاء، ….“. فهل سيقبل القضاة بمثل هذا الرد؟؟ بالتأكيد لا. لكن لماذا لا يقبلون ذلك؟ لا يقبلون بذلك؛ لأنه يوجد تفسير أفضل. وهو أن المشتبه به هو القاتل حقًا. بالمثل التفسير الأفضل لوجود التصميم هو وجود مصمم، وهو تفسير أفضل بالتأكيد من تفسير هذه الظاهرة العجيبة على أنها مجرد ”صدفة“. عندما نملك التفسير الأفضل من الصدفة نلجأ له دوماً.

 

الاعتراض الحادي عشر: اعتراض المبدأ الإنساني (Anthropic principle) على الضبط الدقيق؛ باستخدام هذا المبدأ يقول المعترض ببساطة: إذا لم يكن كوننا ملائماً لظهور الحياة، فلن نكون هنا للتساؤل عن ذلك. على هذا النحو، ليس هناك ما يدعو للاستغراب أو البحث عن سبب، إن لم تكن ظروف الكون كما هي، فلن نكون موجودين لملاحظتها.

الرد:

هذا الاعتراض لا يجيب على السؤال الصحيح الذي يطرحه اللاهوتيون؛ تخيل هذه التجربة الفكرية كمثال لتوضيح خطأ هذا الاعتراض: تخيل أن هناك سجينًا حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص؛ تم ربطه في شجرة وتقدم 1000 جندي ماهرين جداً في رمي الرصاص من على بعد 2 متر من الشجرة لقتله واحداً تلو الآخر. في لحظة الضرب كل الرصاصات ذهبت بعيداً عنه وفتح هذا السجين عينيه فوجد نفسه حياً. وعندما وجدناه غير متفاجئ مما حدث، سألناه لم لست متفاجئاً من وقوع هذا الاحتمال الصغير وأنك ما زلت على قيد الحياة؟ فقال: لست متفاجئاً لأنه لو لم يقع هذا الاحتمال لما كنت موجوداً هنا كي أسأل. هنا هو أجاب على سؤال خاطئ. جميعنا متفقين أنه لأنه حي فإن احتمالية أن يخطئ جميع الجنود في قتله قد حصلت بالفعل. لكن هنا نحن نسأل كيف هذه الاحتمالية وقعت مع أنها احتمالية بعيدة جداً؟؟ هذا الاعتراض لا يجيب على هذا السؤال.

 

الاعتراض الأخير: ماذا عن الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والأعاصير وماذا عن الڨيروسات والبكتيريا والأمراض المختلفة الفتاكة .. إلخ هل هذا تصميم وضبط دقيق أيضاً؟؟

الرد:

الإيمان (Theism) وبالتحديد الإيمان الإسلامي لم يتنبأ أبدأ أساساً أن الكون سيكون مثاليًا وخاليًا من كل الشرور بنسبة 100%، بل على العكس الإيمان يؤكد على ضرورة وجود بعض الشر في العالم لأن هذا العالم هو الدنيا ولا يمكن أن تكون الدنيا مثالية بنسبة 100% لأنها ليست الجنة. لكن وبالرغم من ذلك فالمتأمل سيجد دوماً أن نسبة الخير في العديد من الأشياء – التي نحسبها شراً – تفوق بكثير نسبة الشر فيها. على سبيل المثال: الڨيروسات مثل فيروس كورونا المستجد (COVID-19) الذي أصاب وقتل العديد من الناس هو شر لكن ماذا لو اختفت الڨيروسات من الطبيعة؟ ماذا سيحدث؟ الڨيروسات تحافظ على التنوع الحيوي والتوازن البيئي، تحافظ على حياة البشر بطرق مختلفة ويمكن استخدامها في علاج السرطان. كما يقول الخبراء ”لو اختفت كل الڨيروسات من على كوكب الأرض سنموت جميعاً فوائد الڨيروسات تفوق أضرارها بكثير“. البكتيريا كمثال آخر: الغالبية العظمى من البكتيريا الموجودة على الأرض لا تضر ولا تنفع أو تنفع ولا تضر، قلة فقط من البكتيريا هي ما تضر فقط، بحسب دراسات قامت بها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية يوجد بداخلك وعلى جسدك خلايا بكتيرية عددها يساوي عشرة أضعاف خلايا جسدك نفسه (10 تريليون خلية جسدية مقابل 100 تريليون خلية بكتيرية) هذه البكتريا في الواقع لا تضرك بل تحميك من الأمراض المختلفة وتساعدك في أداء العمليات الحيوية، كما يقول الخبراء ”الجينات الموجودة في الخلايا البكتيرية التي تعيش بداخلك أو على سطح جسدك تشفر لوظائف تساعدك على النجاة والاستمرار في الحياة بدرجة أكبر من جينات خلايا جسمك نفسها (8 مليون چين بكتيري مقابل 22,000 چين بشري)“.


مصادر:

[1] https://royalsocietypublishing.org/doi/10.1098/rstb.1991.0124

[2] https://www.newyorker.com/tech/annals-of-technology/astrobiology-made-case-god

[3] https://www.arxiv-vanity.com/papers/1101.2444/

[4] https://www.wiley.com/en-us/Atheism+and+Theism%2C+2nd+Edition-p-9780631232599

[5] https://www.sciencealert.com/the-mathematician-behind-wolfram-alpha-wants-to-rebuild-the-universe

[6] https://ghi.wisc.edu/what-if-all-viruses-disappeare/

[7] https://newsinhealth.nih.gov/2012/11/your-microbes-you

وراجع المصادر في المقال السابق أيضاً.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى