فكر وثقافة

الحجة الأخلاقية على وجود الله

  • بول كوبان
  • ترجمة: أحمد زايد
  • تحرير: إسراء سالم

يقولُ الفيلسوف جون ريست (John Rist): “من المُسلَّم به على نطاقٍ واسع، أنَّ هناك أزمةً في الجدل الغربي المعاصر حول الأُسس الأخلاقيّة”[1]، وهوَ على حقّ؛ إذ يبدو في نهاية المطاف، أنَّ الأزمة هي نتيجةُ منهجٍ أخلاقيٍّ لا يرجِعُ إلى إله.

عندما تنفصل الأخلاق عن جذورها اللّاهوتية، لا تستطيع الأخلاق العلمانية أن تحافظ على نفسها؛ بل إنها تذبل وتموت. ولا يمكنني إلا أن أرسم دفاعًا موجزًا عن العلاقة بين الله والقيم الأخلاقية الموضوعية، وهو ما فعلته على نطاق واسع في أماكن أخرى[2]. سأقول: إذا كانت هناك قيم أخلاقية موضوعية، فإن الإله موجود؛ ولحل أزمتنا الأخلاقية، يجب أن نُدرك طبيعة الإله الّذي خَلَق البشرَ على صورته، كأساس ضروري للأخلاق، وحقوق الإنسان، والكرامة الإنسانية.

1- القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة بشكلٍ أساسيّ، وهيَ موجودة سواء كان الشخصُ أو الثقافةُ تؤمن بها أو لا، والبشر الطبيعيون يأخذون موضوعَ القيم على أنّه أمرٌ أساسيٌّ مُسلَّم به؛ لتحقيق الرفاهية والازدهار.

  • لا يتعين على البشر معرفة ما هو أخلاقيّ من خلال قراءة الكتاب المقدس؛ فهذه المعرفة متاحة لجميع الناس. تقول رسالة (رومية 2: 14-15) إن أولئك الذين ليس لديهم وحي خاص من الإله، يمكنهم معرفة الصواب من الخطأ بوحي الله العام؛ لقانونه الأخلاقيّ الأساسيِّ في ضمائرهِم؛ “لأنَّ الأُمَمَ الَّتي لَيْسَ عِنْدَها النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلَت بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ”.
    لا عجَب أنَّهم “خُلقوا على صورة الإله” (تكوين 1: 26-7).

    لذا فإنَّ الأشخاص -بما في ذلك الملحدين-، الّذين لم تتحجَّر قلوبُهم، ولم يخدعوا أنفسَهم، سيكونُ لديهم نفس الغرائز الأخلاقيَّة عندَ المسيحيين: أنَّ تعذيب الأطفال من أجل المتعة -مع الاغتصاب أو الزِّنا- فعلٌ خاطئ، وأنَّ العطف والإحسان فعلٌ صحيح.

عندما يقول شخصٌ ما: “ربما القتل أو الاغتصاب ليس خطأ حقًا”، فهو لا يحتاج إلى نقاش؛ لأنَّه يخدع نفسه. إذا كان يؤمن بهذا حقًا، فهو بحاجة إلى مساعدةٍ نفسيّة؛ لأنَّه ليس شخصًا طبيعيًّا، حتى أنصار النِّسبيّة الأخلاقيّة، الّذين يدَّعون أنَّ قِيَم شخصٍ ما قد تكون صحيحة بالنّسبة له، ولكن ليس بالنّسبة للآخرين، هم -على الأرجح- يقولون: “لديّ حقوق”، أو “يجب أن تكون متسامحًا”، لكنَّ الحقوق والتسامح لا معنى لهما، إذا كانت النسبية الأخلاقيّة صحيحة. بدلًا من ذلك، فإنَّ هذه الأشياء تَنطوي على وجود القيم الأخلاقيَّة الموضوعيّة.

  • مثلما نثق عمومًا في تصوُّراتنا الحسّيَّة باعتبارِها موثوقة -ما لم يكن هناك سببٌ وجيه للشَّك فيها-، يجب أن نتعامل مع الحدسِ الأخلاقيِّ العام -النُّفور من تعذيب الأطفال من أجل المتعة، والاغتصاب والقتل-، على أنّه موثوقٌ حتى يُثبَتَ العكس أيضاً.
    لماذا نثق في حواسنا الخمس؟ يجد معظمُنا أنّها موثوقة بانتظام، حتى لو أخطأنا في تصوُّر الأشياء من حينٍ لآخر، فمن الحكمة أن ننتبه إلى حواسنا بدلًا من الشَّكِّ فيها باستمرار، وبالمثل، لدينا غرائز أخلاقيّة أساسية؛ على سبيل المثال: الاشمئزاز من قتل إنسانٍ بريء، أو الاغتصاب “عامل القرف”. أو تأكيد داخلي يتعلَّق بالتّضحية بالنفس من أجلِ رفاهية طفلي “عامل التّضحية”. يقع عِبْء الإثبات على عاتقِ أولئك الذين ينكرون، أو يشككون في المبادئ الأخلاقيّة الأساسيّة، ومن الحكمة أن ننتبه إلى هذه الغرائز الأخلاقية الأساسية، حتى لو كانت هذه البديهيات تحتاج إلى ضبطٍ دقيق من حين إلى آخر.

يمكن للبشر الحسّاسين أخلاقياً -الحس الأخلاقي، يعني القدرة على رؤية معضلة أخلاقية، بما في ذلك كيف ستؤثر أفعالنا على الآخرين- الحصول على الأساسيات الصحيحة فيما يتعلق بالأخلاق. في ملحق كتاب سي إس لويس (C.S. Lewis “(إلغاء الإنسان”[3]، يسرد العديد من الفضائل التي تم قبولها عبر العصور والحضارات (اليونانية، والمصرية، والبابلية، والأمريكية الأصلية، والهندية، والعبرية وما إلى ذلك)، ويتم إدانة السرقة والقتل في هذه القوانين، بينما يتم تكريم الوالدين والحفاظ على عهود الزواج.

قد يجادل البعض: ألا توجد صراعات أخلاقية أيضًا؟ بعض الثقافات تسمح بتعدد الزَّوجات على سبيل المثال. نعم، لكن عادات الزواج، وعهود الزواج التي تربط الزيجات معًا، تحظر الزنا أيضًا. في حين أن تطبيقات وتعبيرات المبادئ الأخلاقية، قد تختلف من ثقافة إلى أخرى. هناك مبادئ أخلاقية أساسية تتقاطع مع الخطوط الثقافية، ماذا يحدث عندما نواجه -على الأقل ظاهريًا- مبادئ أخلاقية متضاربة؟ نبدأ بالقضايا الواضحة أخلاقياً، ونعمل على المجهول. في ضوء الصراع الأخلاقي الواضح، سيكون من الخطأ القفز واستنتاجُ أنَّ الأخلاق نسبية. كما قال مؤلِّف القواميس صامويل جونسون (Samuel Johnson): “حقيقةُ وجود شيء مثل الشَّفق، لا تعني أننا لا نستطيع التمييز بين الليل والنهار”.

  • المبادئ الأخلاقية تُكتَشف، ولا نقوم باختراعها؛ فالإصلاحات الأخلاقية مثل: إلغاء العبودية، والدعوة إلى حق المرأة في التصويت، وتعزيز الحقوق المدنية للسّود، لا معنى لها ما لم تكن هناك قيم أخلاقية موضوعية. حتى إنِ استغرق خلقُ جوِّ الإصلاح وقتًا -ولو قرونًا-؛ فإنّ هذا لا يعني أن الأخلاق تطورت فقط خلال تاريخ البشرية، وأنّها مجرد اختراعٍ بشري. بدلاً من ذلك، فإنَّ المبادئ الأخلاقيَّة يمكن اكتشافها بسهولةٍ، وهي جديرة بالمتابعة، ولو بتكلفة باهظة.

يعترف الفيلسوف الملحد كاي (Kai Nielsen) نيلسن بهذه النقطة: “من المعقول أن نعتقد أن أشياء مثل: ضرب الزوجة، إساءة معاملة الأطفال؛ هي شرٌّ، بدلاً من تصديق أي نظريّة مشكِّكة، تخبرنا أنَّنا لا نستطيع أن نعرف، أو نعتقد بشكل معقولٍ أنَّ أيًا من هذه الأشياء شرّ … أعتقد اعتقادًا راسخًا أنَّ هذا هو الأساس المتين والصحيح، وأنَّ أي شخصٍ لا يؤمن به، لا يمكنه أن يتعمَّق بما فيه الكفاية في أُسس معتقداته الأخلاقيَّة”[4].

2- الله، والأخلاق الموضوعية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

ليس من الغريب أن نسمع: “يُمكن للملحدين أن يكونوا صالحين بدون الإله”. يحتجّ الملحد مايكل مارتن (Michael Martin)، أنَّ المؤمنين يقدّمون نفس الأسباب التي يقدمها الملحدون لإدانة الاغتصاب؛ فهو يَنتهك حقوق الضحية ويضُرُّ بالمجتمع. ما يعنيه مارتن هو أنَّ الملحدين يمكنهم أن يكونوا صالحين دون الإيمان بالإله. لكنهم لن يكونوا صالحين؛ أي: لهم قيمة جوهرية، ومسؤولية أخلاقية، وما إلى ذلك- بدون الإله، في الواقع، لن يكون هناك شيءٌ بدونه؛ لأنَّ البشر مخلوقين على صورة الإله، يمكنهم معرفة ما هو صالح حتى لو لم يؤمنوا به. يمكن للملحدين والمؤمنين تأكيد نفس القيم، لكن يمكن أن يؤمن المؤمنون بحقوق الإنسان والكرامة؛ لأننا جميعًا مخلوقون على صورة إلهٍ ذي قيمة عالية.

فكِّر في الأمر؛ الأشخاصُ المفكرون ذوو القيمة الجوهرية، لا يأتون من عمليات غير شخصية، وغير واعية، وغير موجهة، وعديمة القيمة بمرور الوقت؛ فالإله الصّالح الشخصي، الواعي لذاته، الهادف، يوفِّر السياق الطبيعي والضروري لوجود أشخاص بشريين ذوي قيمة، ممن يحملون الحقوق، والمسئولية الأخلاقية. وهذا يعني أن الشخصية والأخلاق مرتبطان بالضرورة؛ فالقيم الأخلاقية متجذرة في الشخصية، وبدون الإله (الكائن الشخصي)، لن يوجد أي شخص، وبالتَّالي لا توجد قيم أخلاقية على الإطلاق.

لا شخصية، لا قيم أخلاقية؛ فقط إذا كان الله موجودًا، يمكن أن تتحقق الخصائص الأخلاقية.

3- النظريات الأخلاقية غير الإيمانية ستكون غير مكتملة وغير كافية.

قد يقترح بعض العلمانيين إمكانية  أن يكون لدينا أنظمة أخلاقية لا تشير إلى الإله؛ على سبيل المثال: أرسطو، وكانط، وفي حين أنهم قد يقدِّمون بعض المساهمات الإيجابية في المناقشة الأخلاقية -فيما يتعلق بالفضيلة/الشخصية الأخلاقية، أو الالتزامات الأخلاقية العالميَّة-، فإنّ أنظمتهم لا تزال غيرَ مكتملة، وما زالوا لا يخبروننا لماذا للبشر قيمة جوهرية، وحقوق وواجبات أخلاقية.

ماذا عن الأخلاق التطورية الطبيعية، التي نطور من خلالها وعيًا بالصواب أو الخطأ، ونطور من خلالها الالتزامات الأخلاقية التي تساعدنا على البقاء/التكاثر؟ الوعي الأخلاقي له قيمة بيولوجية فقط[5]، يترك لنا هذا المنهج المشاكل التالية: أولاً، هل يمكننا أن نثق بأذهاننا إذا لم نكن أكثر من نتاج التطور الطبيعي، نحاول القتال، الحصول على الطعام، الفرار، والتكاثر؟ كان لدى تشارلز داروين (Charles Darwin) “شك مروع”، وبما أنَّ العقلَ البشري قد تطور من الحيوانات الأدنى، فلماذا يثق به أي شخص؟ لماذا تثق في قناعات عقل القرد؟[6]. تهتم العملية التطورية الطبيعية بالبقاء فقط على قيد الحياة، وليس بتوليد اعتقادات حقيقة أو واقعية؛ لذلك لا يتم تقويض الأخلاق الموضوعية فحسب، بل يتم تقويض الفكر العقلاني. قد تساعدنا معتقداتنا -بما في ذلك المعتقدات الأخلاقية- على البقاء، ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأنها صحيحة. قد يساعدنا الإيمان بالأخلاق الموضوعية، أو الكرامة الإنسانية على البقاء، لكن هذا الإيمان قد يكون خاطئًا تمامًا. مشكلة الشك -بما في ذلك الشك الأخلاقي-، هي أنني أفترض عملية تفكير جديرة بالثقة، للوصول إلى نتيجة مفادها أنني لا أستطيع الوثوق بمنطقي! إذا كنا نثق في قدراتنا العقلانية والأخلاقية، فسوف نفترض وجهة نظر إيمانية: أن تكون على صورة كائن صادق وعقلانيٍّ وخَيِّر، يجعلنا نثق في حواسنا/حدسنا الأخلاقي.

بالإضافة إلى ذلك، تبقى لدينا هذه المشكلة: إذا كان البشر ببساطة نتاج التطور الطبيعي، فإننا لا نملك أسَاسًا للالتزام الأخلاقي، والكرامة الإنسانية. هذا يمكن أن يقوض بسهولة الدافع الأخلاقي. اعترف المفترس الجنسي وآكل لحوم البشر جيفري دامر (Jeffrey Dahmer) بخطورة الأمر: “إذا حدث كل هذا بشكل طبيعي، فما الحاجة إلى الإله؟ لا يمكنني وضع القواعد الخاصة بي؟ من يملكني؟ أنا أملك نفسي”[7].

لتعزيز النقطة المتعلقة بالعلاقة بين “الله” و”الأخلاق” لاحظَ هذه النقطة عدد من الملحدين والمشككين، قال الفيلسوف الملحد الراحل جي إل ماكي (J. L. Mackie): إنّ الخصائص الأخلاقية “شاذة” تحت ظل المذهب الطبيعاني. “إذا كانت هناك قيم موضوعية، فإنها تجعل وجود إله أكثر احتمالًا، مما كان يمكن أن يكون بدونها، وهكذا لدينا حجة يمكن الدفاع عنها من الأخلاق إلى وجود إله”[8]. ويلاحظ اللا أدري بول دريبر (Paul Draper): “العالم الأخلاقي محتمل جدًا تحت ظل الإيمان”[9]. كما يؤكد إعلان الاستقلال، فإن البشر “منحهم خالقهم حقوقًا معينة غير قابلة للتصرف = حقوق طبيعية يُولد الإنسان متمتعًا بها ولا يمكن سلبها منه أبدًا”. هذا الخالق الصالح هو الأساس الحقيقي للأخلاق، والأمل المطلق لإنقاذها من أزمتها الحالية.

اقرأ ايضًا: اخلاق بدون اله ؟


مصادر:

[1] John Rist, Real Ethics (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p. 1

[2] See Paul Copan, “Is Michael Martin a Moral Realist?  Sic et Non.”  Philosophia Christi, new series 1/2 (1999): 45-72; “Atheistic Goodness Revisited:  A Personal Reply to Michael Martin,” Philosophia Christi, new series 2/1 (2000); p. 91-104; “The Moral Argument” in The Rationality of Theism, ed. Paul Copan and Paul K. Moser (London: Routledge, 2003), pp.149-74; “A Moral Argument” in To Every One An Answer: A Case for the Christian Worldview:  Essays in Honor of Norman L. Geisler, eds. Francis Beckwith, William Lane Craig, and J. P. Moreland (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 2004), pp. 108-23; “Morality and Meaning Without God: Another Failed Attempt,” Philosophia Christi, new series 6/1 (2004); pp. 295-304; “God, Hume, and Objective Morality” in In Defense of Natural Theology: A Collection of New Essays in the Philosophy of Religion, eds. Douglas R. Groothuis and James R. Sennett (Downers, Grove, InterVarsity Press, 2005), pp. 200-25

[3] C.S. Lewis, The Abolition of Man (San Francisco: HarperSF, 2001)

[4] Kai Nielsen, Ethics Without God (Buffalo: Prometheus Books, 1990), pp. 10-11

[5] Michael Ruse, The Darwinian Paradigm (London: Routledge, 1989), p. 262

[6] Letter (3 July 1881) to Wm. G. Down, in The Life and Letters of Charles Darwin, ed. Francis Darwin (London: John Murray, Abermarle Street, 1887), pp. 1:315-16

[7] Jeffrey Dahmer: The Monster Within, A&E Biography (1996)

[8] J. L. Mackie, The Miracle of Theism (Oxford: Clarendon Press, 1982), pp. 115-16

[9] In Greg Ganssle, “Necessary Moral Truths” Philosophia Christi, new series 2, 2/1 (2000), p. 111

أعجبني المقال

المصدر
namb

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى