العلم

القمر: الحارس الصامت

  • ناثانيال شاربينج
  • ترجمة: يارا عمار

ينظر العلماء إلى القمر لحل الألغاز المتعلقة بمركز الكرة الأرضية. تبدو الأرض عند النظر إليها من الخارج كرة زرقاء، لكن يوجد بداخلها كمية من السوائل وسبائك الحديد والنيكل، والحديد الصلب الذي يبلغ قطرها 6000 ميل تقريبًا. يشكل كل من اللب الداخلي والخارجي ما يقرب من ثلث كتلة الأرض، ويولّدان معًا مجالًا مغناطيسيًا يحمي الحياة على هذا الكوكب من الجسيمات المشحونة الضارة المنبعثة من الشمس. ومع هذا قد لا يستطيع اللب تحمل مسئولية إنقاذ البشرية وحده.

نُشرت دراسة يوم الأربعاء في مجلة Earth and Planetary Science Letters يذكر فيها علماء من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي أن القمر يضطلع بدور أساسي في الحفاظ على الحياة على الأرض آمنة. فعلى الرغم من بُعده عن الأرض بحوالي 230 ألف ميل، يعتقد الباحثون أن شدة جاذبيته تحرك سبائك الحديد الموجودة بمركز الأرض؛ مما يساعد بدوره في الحفاظ على المجال المغناطيسي الذي يحمي الكوكب.

في صميم وجودنا

طبقًا لنظرية الدينامو الكلاسيكية: يتولد المجال المغناطيسي الأرضي بحركة اللب الخارجي السائل الموصل كهربيًا. فالحديد المنصهر الموجود باللب الخارجي يولد أثناء حركته تيارًا كهربيًا؛ فينتج مجالًا مغناطيسيًا. وإذا لم يولَّد هذا المجال المغناطيسي باستمرار فإنه سيختفي في غضون 20000 عام، كما يقدردينيس أندرولت وفريقه. إذًا ما الذي يحافظ على استمرارية حركة اللب الخارجي؟ يرجع السبب في ذلك إلى قوتين:

  1. دوران الأرض الذي يحرك سبائك الحديد من خلال تأثير كوريوليس.
  2. يُعتقد أن الحرارة الناتجة عن الاضمحلال الإشعاعي تحث حركة الحمل الحراري في اللب السائل.

ذكر أندرولت في رسالة بريد إلكتروني إلى مجلة Discover: “لكن هذا هو النموذج الكلاسيكي الذي يتطلب –من وجهة نظرنا- فترة من التبريد تزيد على 3.4 مليار سنة تقريبًا بعد انتهاء تنامي كوكب الأرض”

يرى أندرولت وفريقه –بناءً على النماذج الحالية- أنه كان يجب أن ينصهر الكوكب بالكامل منذ 4 مليار عام، وأن تنقص درجة حرارة اللب من 12.200 إلى 6.800 (الدرجة الحالية) لكي تتحقق النظرية الكلاسيكية. لكن الباحثين يقولون إن التحاليل الكيميائية الحديثة للصخور القديمة ودراسات الزلازل تشير إلى أن اللب لم يبرد إلا بمقدار 540 درجة مئوية، بدلًا من 5.400 كما اقترحت النماذج الأخرى.

شكّل تمكُّن اللب من الاحتفاظ بحرارته وطاقة الحمل لوقت طويل لغزًا للعلماء. لا بد من وجود عامل آخر جوهري يعمل على استمرارية الجيودينامو وإبقاء الأشياء تتحرك.

القمر يؤثر عن بُعد

المتغير المجهول في المعادلة هو القمر. يؤكد أندرولت وفريقه أن جاذبية القمر تتحكم في اللب الخارجي السائل وطبقة الدثار الصلبة مثلما يتحكم في المد والجزر. كما يقدرون كمية الطاقة التي ينقلها القمر إلى لب الكرة الأرضية بما يزيد عن 1000 مليار وات، وهي بمثابة نوع من محركات الجاذبية، وتكفي لتشغيل الجيودينامو، وللحافظ على درجات الحرارة المرتفعة داخل الأرض.

تنتج الحركة المستمرة احتكاكًا يولد –مع التيارات الحرارية- الحرارة اللازمة للحفاظ على تدفق اللب وسلامة المجال المغناطيسي. تعتبر القوى التي يولدها القمر في حالة تدفق بطيء، لكنه مستمر. وبسبب تذبذب الأرض قليلًا أثناء دورانها حول محورها تتولد جاذبية القمر في أماكن مختلقة بقوى متفاوتة بمرور الوقت، ويؤدي هذا التفاوت إلى تشويه طبقة الدثار والضغط على اللب تحت إيقاع معين يمخض الدثار ويولد حركة دائرية.

ونظرًا لعدم استقرار قوى الشد والجذب تضطرب حركة اللب، فتنصهر أحيانًا أجزاء من الدثار؛ مما يؤدي إلى فترة من نشاط البراكين العنيفة على السطح. وقد أكد رواد الفضاء أن أقمار الكواكب الأخرى مثل أقمار المشتري “آيو وأوروبا” تولد قوى جاذبية قد تؤثر على المجالات المغناطيسية.

تلك هي المرة الأولى التي يفترض فيها أن هذه العملية تحدث على سطح الأرض، مما يحل الإشكالات المتعلقة بالنماذج الحالية لمجالنا المغناطيسي. يبدو أن الحياة على الأرض تدين بالكثير للقمر، ذلك الحارس الصامت.

أعجبني المقال

المصدر
discovermagazine

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى