فكر وثقافة

المرض العقلي الحديث

إن كنت تعتقد أن الجنون قديم قدم البشرية، فأنت على خطأ

  • بقلم : ليه غرينفيلد
  • ترجمة : نجوى الشمري
  • مراجعة : مصطفى هندي
  • تحرير : جواهر الشلوي

يختلف البشر المعاصرين – الذين يوسمون كمجتمعات ديمقراطية، وآمنة، ومزدهرة نسبيًا، والتي تُعرف بمنح افرادها خيارات متعددة في الحياة – عن البشر الذين عاشوا أو لا يزالون يعيشون في مجتمعات تتميز بسمات مختلفة؛ فنحن نرى الحياة بشكل مختلف عما يرونه، وندرك الواقع بطريقة مختلفة عنهم، ونشعر بمشاعر لم تكن موجودة لدى البشر الآخرين.

وقد تغيرت الخبرة الإنسانية تغيرًا جذريًا في إنجلترا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، كما سبق ذكره في المقالات السابقة، وذلك لأن المشاعر الإنسانية الجديدة كالطموح، والمحبة، والسعادة، ارتبطت بالشكل الجديد للوعي الإنساني، والتي أصبحت فيما بعد تدعى بـ ” القومية “، وأن هذه المشاعر الجديدة شكلت الإطار الثقافي للحداثة، وبشكل عام نحتت الحداثة واقعًا خاصًا، ورسمت القومية صورة خاصة للمجتمع، فهو مجتمع سيادي أعضاؤه متساوون ( أمة ).

وتُعد القومية إنجليزية المنشأ، كانت في أساسها ديمقراطية، وحملت معها أيضًا بذور الديمقراطية أينما حلت وارتحلت، ونظرًا لاعتبار المجتمع السيادي الحي “مصدر كل القوانين”، فقد تراجع الارتباط بالإله، وإن اعترفت تلك المجتمعات الجديدة بالدين واستعملوا مصطلحات دينية – كما يحدث في كثير من الأحيان – فهي تستعمله وسيلة لأغراضها ومقاصدها العلمانية، فيما كانت القومية مختلفة تمامًا، بمعنى أنها لم تكن كالفكر الديني الأصولي المعتمد على التراتبية التي حلت محلها، والتي استطاعت أن تشكل طريقة معيشتنا اليوم، ومن بين هذه الأمور الأخرى أن هذا الوعي الجديد جعل من الفرد ” صانعًا لنفسه “، بمعنى أنه آل الخيار إلينا لنقرر ما نريد أن نكون، بشكل زاد من قيمة الحياة البشرية، ما يدفعنا لإدراك إلى أي حد بلغت فينا هذه القيمة، وبعبارة أخرى ما منحنا إياه هذا الوعي الجديد من الكرامة والحرية.

ولأن المجتمع المبني على أساس المساواة، وسيادة الشعب هو مجتمع منفتح، فإن للفرد الحق المطلق في تحديد هويته الخاصة، ولأن المجتمع أيضًا ينظر إلى هوية الشخص على أنها شأن خاص، فليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه المشاعر الجديدة التي تمت مناقشتها في المقالات السابقة – والتي برزت عند إعادة تعريف المجتمع الإنجليزي كـ “أمة” – مرتبطة بطريقة ما بقدرة الفرد على تعريف نفسه وتحديد هويته، فالعاطفتين المهيمنتين في زمن الحداثة – الطموح والحب – هما في الحقيقة نتاج حاجة جديدة خلقتها هذه القدرة وهي: الحاجة إلى المساعدة في تكوين الهوية.

ومثل كل شيء في هذه الحياة، لم تكن ثمار القومية – الكرامة، والحرية، والمساواة، وتمكين وتشجيع الفرد على رسم هويته – مجانية، فبالرغم من مساهمات المحبة والسعادة في تجاربنا الحياتية، فإنه يستحيل تجاهل كُلفة هذه الحرية الجديدة، فهي وأن مَنحت الفرد مُطلق الحرية لتحديد هويته، فهي بالمقابل جعلت من تكوين هويته الفردية مُعضلة كبرى، فلا يمكن للفرد أن يعتمد على البيئة في تحديد هويته، لأن هناك من نشأ في نظام ديني طبقي متشدد لا مساواة فيه، حيث يتم تحديد مرتبة وسلوك كل فرد بمكان ولادته والعناية الإلهية[1]، وكذلك إلى جانب الجنسية العامة التي يحملها الفرد، فهي تقرر من هو؟ وما يجب عليه فعله ؟، وبالتالي بناء هويته الفردية.

إضافة إلى أن الثقافة الحديثة لا يمكن أن تزود أفرادها بتوجيه ثابت ومتسق، كما هو الحال مع الثقافات الأخرى، فمن خلال الإرشادات المضطربة التي تعترض طريقنا ( لأننا نستمد الإرشاد من بيئتنا الثقافية )، نجد أن هذه الإرشادات في حقيقة الأمر تعمل بنشاط على إرباكنا، وهذا ما يدعى بـ انهيار البنية الاجتماعية أو اللامعيارية[2]، ويُعد هذا القصور الثقافي من أخطر مشكلات الحداثة منذ ما يزيد عن نصف قرن، فأصبحت ضرورة بناء الهوية وتحديد إذا ما كان الفرد “صانعٌ بنفسه” بالنسبة إلى العديد من الناس عبئًا لا يطاق، فظهرت على إثر إعادة تعريف المجتمع الإنجليزي كـ ” أمة” مشاعر الطموح والسعادة والمحبة لأول مرة، وفي ذات الوقت تم رصد مجموعة خاصة من الأمراض العقلية المتنوعة لأول مرة أيضًا، وتختلف هذه الأمراض عن الأمراض العقلية المعروفة منذ القدم، والتي تظهر على صورة درجات متفاوتة من القصور، والتشوش العقلي، والخلل الوظيفي، وهذه الأعراض الشائعة لعدم القدرة على التكيف الاجتماعي ( انزعاج الفرد المزمن من بيئته )، والانزعاج المزمن ( المرضي ) من الذات أي : الشعور المتأرجح بين كراهية الذات وجنون العظمة، وفي حالات نادرة تتدهور إلى تجربة مرعبة من فقدان الذات كليًا.

إن بعض علامات الاضطرابات الجديدة شبيهة بأعراض الاضطرابات العقلية المعروفة، وعلى وجه الخصوص – بعض الحالات المعروفة سابقًا –، والتي تتجاوز فيها بعض الانفعالات الحدود الطبيعية، والتي تتمثل في الإثارة والحماسة المبالغ فيها، والحزن الذي يصيب صاحبه بالعجز عن إتمام مهامه الطبيعية، وخلافًا للحالات المعروفة التي تكون فيها الأعراض مؤقتة، تصبح تلك الأعراض مزمنة ومتكررة، إضافة إلى أن جوهر الاضطرابات الحديثة يتسم بنوع من الوهم، أي عدم القدرة على التمييز بين العالم الداخلي والخارجي، وهو ما يزعزع معرفة المرء بنفسه، ويوقعه في حرية وتيه بشأن هويته، ويورثه السخط وعدم الشعور بالأمان، بمعنى أنه يمزق الذات في صراع داخلي، إلى الحد الإذابة تمامًا في البيئة.

إن العبارات التي تعبر عن روح القرن السادس عشر في الفضاء الإنجليزي، مثل “فقدان المرء عقله” و “خروج عقل المرء عن سيطرته”، و”الضياع عن النفس” لخصت الاضطرابات التي عبرت عن نفسها بسلوكيات خارجة عن السيطرة (وهي السلوكيات الخارجة عن سيطرة المرء، وفقدانه السيطرة على نفسه) والتي كانت نتيجة لعدم القدرة على التكيف والعجز الوظيفي، فلم تكن أيٌ من المصطلحات والمفردات الطبية المنتشرة في ذلك الوقت (والتي شملت فئات عديدة من الأمراض العقلية) قادرة على استيعاب المرض العقلي الحديث، ولم يكن علاجه أيضًا بالوسائل التي عولجت بها الأمراض العقلية المعروفة سابقًا، وقد تطلب الأمر مصطلحًا جديدًا فكان “الجنون”، وتطلب أيضًا مستشفى يُعنى بهذه الحالات فكان أول مستشفى للأمراض العقلية، وكذلك نشأ تخصص طبي جديد عُرف بـ “الطب النفسي”، إضافة إلى التشريعات القانونية المتعلقة بالجنون، ومن الواضح أن أمراض الاضطراب الثنائي القطب والأوهام التي ظهرت في ذلك الوقت، والتي ستُصنف بعد ثلاثة قرون على أنها متلازمات منفصلة عن مرض انفصام الشخصية ( الشيزوفرينيا )، والاضطرابات العاطفية ( الاكتئابية والاكتئاب الهوسي ).

اقرأ ايضاً: روحانيات الحياة: رومانسية العصر الجديد والرأسمالية الاستهلاكية


[1] ليس بصحيح أن للبيئة كامل التأثير على توجه المرء الديني , ففي مرحلة ما يكون المرء مقلدًا متأثرًا ببيئته , لكن بعد مرحلة معينة من الوعي والاحتكاك بالغير يكون الاستمرار أو المفارقة خيارًا واعيًا من المرء , وإلا فلو كانت البيئة هي المؤثر الوحيد فما تفسير المتحولين من دين لآخر ؟ فللبيئة تأثير ولكن ليس هو التأثير الوحيد. (المراجع)

[2] اللامعيارية : هي الحالة التي يقل فيها قدرة المجتمع على التوجيه الأخلاقي لأفراده , وكان عالم الاجتماع (إميل دوركايم) أول من وضع هذا المصطلح , وقد وصف فيه تضاءل التزام الناس بالمعايير إلى حدّ يتعطل معه عملها ؛ فتفضي بالمجتمع إلى الفوضى , والصراع , وارتفاع معدلات الجريمة والانحراف والانتحار , وقد يؤدي إلى التفسّخ والانحلال. (المراجع)

المصدر
psychology today

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق