عام

المفاهيم الخاطئة عن “ما بعد الحداثة”

  • ستيوارت تشامبرز
  • ترجمة: يسرى اللحياني
  • تحرير: بلال الخصاونة

التعليقات المُعاديَة لما بعد الحداثة هي بالتّأكيد رائجة هذه الأيام، سواءٌ صاغها المحافِظون أو الليبراليّون، فإنّهم جميعًا يدعمون الافتراض الأساسي نفسه: ما بعد الحداثة أمر خطير. على سبيل المثال، يقترح روبرت سيبلي أن ما بعد الحداثة قد أدت إلى “كسوف كامل لجميع القيم”، بينما يلقي (تيري غلافين) باللوم على اليسار الأكاديمي الأمريكي و “إنجيل ما بعد الحداثة” في صعود الترامبية[1]. وفقًا (لغلافين) فإن تركيز ما بعد الحداثة على البناء الاجتماعي للحقائق “أفسح المجال فعليًا لأكاذيب الرئيس دونالد ترامب في المقام الأول”. أصر (جوردان بيترسون) على أن نشطاءَ المتحولين جنسيًا الذين يطالبون باستخدام ضمائرهم المفضّلة يُمثلون “أيديولوجية يسارية راديكالية لما بعد الحداثة” والتي “تشبه بشكل مخيف المذاهب الماركسية التي قتلت ما لا يقل عن 100 مليون شخص في القرن العشرين”. تعتقد (هيلين بلوكروز)، رئيسة تحرير أريو نفسها، أن ما بعد الحداثة “لا تُمثِّل تهديدًا للديمقراطية الليبراليّة فحسب، بل للحداثة نفسها”.

 لكن في كثير من الأحيان، يعتمد مناهضو ما بعد الحداثة على المبالغة والجدل والتخمين، بدلاً من الحجج المتوازنة.

ما بعد الحداثة باختصار

في كتابه الصادر عام ١٩٧٩ بعنوان “حالة ما بعد الحداثة”، يشير (جان فرانسوا ليوتار) إلى ما بعد الحداثة على أنها “تشكيك في السرديات الكبرى”: شك في أي شخص يقدم سردية كبرى حول كيفية سير العالم. وبما أن الحقيقة والمعرفة والتفسير هي بِنىً بشرية بالمقام الأول، وبالتالي فهي محدودة، فيجب أن نكون دائمًا على دراية بطبيعتها العَرَضيّة وأنها دائما عرضة للتغيّر[2].

في الأساس، ما تقوله ما بعد الحداثة هو أننا لا نستطيع الوصول إلى العالم المادّي إلا من خلال الأوصاف البشريّة له. نظرًا لأن لا أحد منا يأتي مزودًا بالحقيقة المُطلَقة، يجب علينا تفسير الواقع بالمفردات الموجودة تحت تصرفنا، مثل تلك التي أنشأها العلم والفلسفة والقانون والأخلاق وعلم الاجتماع وعددٌ لا يحصى من التخصصات الأخرى. ثم تتنافس وجهات النظر المختلفة لتحديد معايير الحقيقة[3].

لا تُلغِي ما بعد الحداثة الأحكام القِيَميّة. يشير مفهوم نيتشه عن “موت الإله” إلى موت القِيم المطلَقة، وليس القِيم في حدّ ذاتها. ولحلّ معضلة النسبيّة المعرفيّة – الإيمان بالحقائق أو الحقائق الشخصيّة أو الثقافيّة المحدّدة – يتم فحص وجهات النظر المتضاربة. سيتم التخلّي عن تلك التي تفتقر إلى الجدارة، بينما تفوز تلك التي تتمتع بمصداقية أكبرَ بالدّعم.

لطالَما قبِل دارسو نيتشه عملية تبادل القيمة هذه. ففي أطروحته عام ١٩٠٩ (فريدريك نيتشه حول فلسفة الحق والدولة)، يُذكِّرنا (نيكوس كازانتزاكيس) أنّه بمجرّد التّخلِّي عن الحقائق التي فقدت مصداقيّتها، فإنّ الجنس البشريّ “ينشئ ترتيبًا جديدًا للقيم والمُثُل العليا للإنسانيّة والمجتمع والدّولة”. بعبارةٍ أخرى، لا يوجد مبدأ غير قابل للتّغيير أو حدود أخلاقيّة نهائيّة. نحن نبحث باستمرار عن طُرُقٍ أكثرَ صرامة لشرح الوجود[4].

إذن، ما بعد الحداثة لا ترفض الحقيقة: إنها تشير فقط إلى أنها مُؤقَّتة. بمرور الوقت، ستصبح بعض الافتراضات حتمًا عفا عليها الزمن أو مضطربة في مواجهة التحديات الجديدة لصحتها. على الرّغم من أن ما بعد الحداثيين قد يرفضون المفاهيم العالمية للحقيقة الموضوعية والأخلاق والتقدم الاجتماعي، إلا أن الادعاءات الجريئة لا تزال تتطلب حشد الأدلة.

الخرافة الأولى: على عكس ما بعد الحداثة، العلم موضوعي

غالبًا ما يتم انتقاد ما بعد الحداثة لافتقارها إلى أسسٍ معرفيّة عادلة بما فيه الكفاية. لطالما كانت ما بعد الحداثة أقرب إلى العقلية الفلسفية منها إلى النظرية العلمية. لكن العلماء الذين يتفاخرون بأن شكوكهم المحددة تفصلهم عن شكوك ما بعد الحداثة الراديكالية قد يرغبون في الانخراط فيها بين فينةٍ وأخرى. في بعض الأحيان، لم يكن أولئك الذين يتصرفون باسم العلم – طبيعيًا واجتماعيًا – متشككين على الإطلاق: في الواقع، غالبًا ما كانت وجهات نظرهم ملوثة بالتحيزات الثقافية والسياسية والدينية[5].

ثلاثة أمثلة محددة تتبادر إلى الذهن:

المثال الأول: يتعلّق بالعنصرية العلمية. في كتاب (Superior: The Return of Race Science) كشفت (أنجيلا سايني) أن العلماء في القرنين التاسع عشر والعشرين لم يدعموا التسلسلات الهرمية العرقية فحسب، بل اعتقدوا أنها تستند إلى حقيقة موضوعية. أدّى هذا الادّعاء إلى القبول الاجتماعي لكل شيء من حدائق الحيوان البشريّة! وحركة تحسين النسل إلى منظمات التفوق الأبيض[6]. في هذه الحالة، لم يتصرف العلماء كباحثين منفصلين. كانت افتراضاتهم نتاج السّرد العنصري للثقافة المهيمنة.

المثال الثاني: يتعلق بعلاج التحويل. على مدى عقود، طور الأطباء النفسيون المدربون نظريات التحليل النفسي على أمل علاج السلوك الجنسي غير الطبيعي. خلص أحد أبرز المدافعين عن هذا العلاج، (جوزيف نيكولوسي) إلى أن الأمهات المستبداتِ والآباء البعيدين تسببوا في انجذابٍ من نفس الجنس. عندما تم الطّعن في آراء نيكولوسي من قبل مؤيدي حقوق المِثليّين، فقد رفضها ووصفهم بأنهم “نُشطاء سياسيّون” متنكرون بأنهم “علماء موضوعيون”. لكن نيكولوسي هو الذي تبنّى المعايير المسيحية المهيمنة المحيطة بالإنجاب وألبسها زِيَّ التّحليل النفسي. تثبت حقيقة عمل نيكولوسي في عيادة توماس الأكويني النفسية أن علم اللاهوت – وليس العلم التفسيريّ المرتبط بالتحليل النفسي – هو الذي وجّه أساليبه.

المثال الثالث: يتعلق بالانتحار بمساعدة الطبيب في كندا. في أواخر القرن العشرين، مارس العديد من الأطباء ضغوطًا ضد إلغاء تجريمه لسببين: لقد أساء إلى قدسية الحياة البشرية وكان منحدرًا زَلِقًا. لكن لم تكن أيٌّ من هذه الافتراضات علمية: كانت حججًا دينية. نشأ مفهومهم عن قدسية الحياة البشرية في سفر التكوين، وثبت أن ادعاءات المنحدر الزّلِق لا أساس لها من الصِّحَّة. عانى المرضى الميؤوس من شفائهم بلا داعٍ لأن الأعراف المسيحية وجّهت أخلاقيات الطب. على النقيض من ذلك، فإن فهم ما بعد الحداثة للمرض يتجاوز السّرد الطّبي السائد. كما يشير (آرثر دبليو فرانك في The Wounded Storyteller): المرضى المحتضرون غالبًا “يعبرون عن شكوكهم في تقليل الطب لمعاناتهم إلى وجهة نظره العامة الموحدة.” إنهم يرغبون في استعادة أصواتهم من خلال “التعرف على معاناتهم في خصوصياتهم الفردية”. كان من الممكن أن يستفيد الممارسون الطّبّيون المعارضون للانتحار بمساعدة الطبيب من هذا التوسيع في المنظور[7].

إذن، هل العلم لا يُقدّر بثمن؟ على الإطلاق. هل ادعاءات الحقيقة موضوعية تمامًا؟ بالطبع لا. يمكن أن تُقوِّض الأمتعة الثقافية الأُسسَ المعرفية للعلم، مما يؤدي إلى تحيّز التأكيد. يتمثل الموقف التراجعي المعتاد لمناهضي ما بعد الحداثيين في الادّعاء بأن هؤلاء العلماء والأطباء النفسيين والأطباء لم يتصرفوا بطريقة عقلانية أو منطقية. هذا هو بالضبط ما أكدته ما بعد الحداثة دائمًا: الحالات الطارئة تُعيق الموضوعيّة.

الخرافة الثانية: ما بعد الحداثة تشجع الدوغمائية

نظرًا لأن التفسير والمعرفة ظرفيان، فإن ما بعد الحداثة ترفض فكرة الحقائق الثابتة، تناقض صارخ مع أولئك الذين يتبنّون القيم المطلقة ويفرضون معتقداتهم على الآخرين. هذه الممارسة الأخيرة هي أكثر أشكال الكمال تآكلًا: سِمةٌ شخصيّة تُحرّض على الكراهية وتؤدي إلى أعمال عنف غير عقلانية[8].

والأمثلة على ذلك عديدة. في عام ٢٠١١ دفع غسيل الدماغ المناهض للمهاجرين (أندرس بريفيك) لقتل سبعة وسبعين شخصًا، من أجل مواجهة تهديد التعددية الثقافية. في عام ٢٠١٥ دفعت العنصرية المتعصب للبيض (ديلان روف) إلى قتل تسعة من أبناء الرعية السود في كنيسة بجنوب كارولينا. في عام ٢٠١٧ دفعت الهستيريا المعادية للإسلام (ألكسندر بيسونيت) لقتل ستة رجال مسلمين في مسجد بمدينة كيبيك. جميع الأفراد الثلاثة هم ما يسميه الفيلسوف (كوامي أنتوني أبيا) “الكوزموبوليتانيون المضادون”[9]. إنهم يؤمنون بروايات جامدة وسامة عن الثقافة والعرق والدين، والتي لم تترك مجالًا لوجهات نظر مُتنوّعة.

لا توجد علاقة بين مفكري ما بعد الحداثة وسلوك الصعاليك الفاسدين، الذين لم يتمكن معظمهم من تَسمية مُفكِّرٍ ما بعد حداثي واحدٍ ناهيك عن التهجئة. يدّعي المُتطرِّفون العنيفون بالفعل أنهم يمتلكون الحقيقة لذلك من وجهة نظرهم ليست هناك حاجة لمناقشة القضايا الاجتماعية المعقّدة. كما يشير (ستانلي فيش) عندما يقول الأفراد أو يفعلون أشياء بغيضة، “فإن طريقتهم في الكلام والتفكير لا يمكن أن تكون أبعد من التفصيل الدّقيق والصّبور للمشاكل الصّعبة التي تميز خطاب ما بعد الحداثة.”

ومع ذلك، فإن الميول المتعصّبة ابتُليَ بها اليسار أيضًا. خذ على سبيل المثال النسويات الراديكاليات وموقفهن المُتشدِّد ضدَّ الدّعارة. أصرّين على أن الإلغاء هو الحل التّقدميُّ الوحيد الذي سيسمح للمرأة بتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين والكرامة الإنسانية. المشكلة هي أنهنّ يُهمشنَ كل الروايات المنافسة الأخرى من أجل فرض رؤيتهنّ الأيديولوجية للعالم. على سبيل المثال، ترفض النسويات الراديكاليات أي دليل علمي يقاوم نموذج القمع الخاص بهن – الاعتقاد بأن من يتّخِذن الجنس مهنةً لهنّ يتعرّضن للاستغلال والسيطرة عالميًا، بغض النظر عن السياق-. كما أنهنّ يرفضن النِّسْويّات الليبراليات وما بعد الحداثيات لأنهن أصرّين على توفير مساحة لتعدد الأصوات والتعبيرات الجنسيّة[10].

يرى ما بعد الحداثيين أن الروايات الرئيسة خادعة. عاجلاً أم آجلاً، تؤدي هذه الروايات إلى العنف أو الفَرْض. يريد ما بعد الحداثيين منع الحقائق الوظيفيّة العَرَضيّة من أن تصبح عقائد. لا يهم ما إذا كان التفكير الأيديولوجي الضيّق يتم استمالته من قبل اليسار أو اليمين. يدرك ما بعد الحداثيين أن أيًا من المتطرفين يمكن أن يفشل في الحفاظ على موقف النقد الذاتي.

الخرافة الثالثة: ما بعد الحداثة ترفض قيم التنوير

يدعي مناهضو ما بعد الحداثة أيضًا أن قيم التنوير في خطر. نقلاً عن الفيلسوف (ستيفن هيكس) يؤكد (فيلفيت فافريتو) أن ما بعد الحداثة تؤدي إلى “رفض شامل لأفكار التنوير البارزة عن العقل والمنطق والمعرفة والحقيقة”. لكن كسوف هذه القيم لم يكن أبدًا أحد الأهداف الأساسية لما بعد الحداثة. هذا ينسب إلى ما بعد الحداثة أجندة سياسية لا تمتلكها.

في ظل إطار ما بعد الحداثة، تُعتَبر الحقائق متنازعًا فيها وسياقيّة، لكن هذا لا يؤدّي إلى أن جميع القِيَم متساوية أو أي شيء يصير مقبولًا في العقل. هذا لا يعني -مع ذلك- أن هناك حاجة إلى أحكام إضافيّة من أجل تقديم تفسيرات دقيقة. هذا البحثُ عن معرفة أوسعَ يُكمِّل تركيز التنوير على البحث عن الحقيقة. كما أنه يتفق مع رفض التنوير للتعصب.

تواصل المجتمعات الغربية إجراء تحولات طفيفة في السياسة العامة والقانون الذي يحترم القيم العَلمانية، مثل الحقيقة والرحمة والمساواة. تواصل المحاكم وضع تمايزات قانونية دقيقة بما يتماشى مع القانون الدستوري. يقر الأطباء بوجود تناقضات في أخلاقيات مهنة الطب، والتي يجب معالجتها من أجل التخفيف من معاناة المرضى. وعلماء الاجتماع يناقشون سلامة طرق البحث، حيث يحاولون استخلاص استنتاجات أكثر دِقّة. لم تُعِق ما بعد الحداثة هذا النوع من التقدم. إذا كان هناك أي شيء، فإن تركيزها على الشك يضمن فحص أسس الحقيقة بعناية أكبر[11].

يشير مناهضو ما بعد الحداثة أيضًا إلى أن التفكير النقدي في تراجع في برامج الفنون الليبرالية الغربية. تجادل (فافريتو) بأن “الدورات التي تتبنى وجهة نظر ما بعد الحداثة تميل إلى نبذ أي منظور متضارب بشدة، وبالتالي تقويض الحرية الفكرية التي كانت تعتمد عليها الفنون الليبرالية حتى الآن”، وتزعم أن أحد محاضريها في العلوم الإنسانية “بدا غير مُدرِك أن الدورة التي يلقيها مُشبعَة بالتحيّزات الثقافية والسياسية التي تستبعد أيّ طالب لديه وجهات نظر مختلفة. هذه هي الطبيعة المُلتوية لما بعد الحداثة في الفصول الدراسية الحديثة “. لكن هذه الادعاءات قصصية وليست علمية.

هل يصبح طلاب ما بعد المرحلة الثانوية أكثر تعصبًا للأفكار المتعارضة؟ استنادًا إلى دراسات واسعة النطاق وجد (كايل دودسون) أن المشاركة الأكاديمية لا تعزز التعنت ولكن الاعتدال في الآراء: “بينما يصبح الطلاب المحافظون أكثر ليبرالية نتيجة للمشاركة الأكاديمية، يصبح الليبراليون أكثر تَحفُّظًا نتيجة لمشاركتهم الأكاديمية… التفاعل النقدي مع مجموعة متنوعة من الأفكار – السِّمة المميزة لتجربة الكلية – تتحدى الطلاب لإعادة تقييم قوة قناعاتهم السياسية.”

وبالمثل، وجدت دراسة أمريكية أُجريت عام ٢٠١٨ أن طلاب السنة الأولى الجامعيين أصبحوا أكثر تسامحًا مع وجهات النظر الليبرالية والمحافظة. يعترف المؤلفون بأن “الالتحاق بالجامعة يرتبط، في المتوسط، بمكاسب في تقدير وجهات النظر السياسية عبر الطّيف، وليس فقط لصالح الليبراليين” وخلصوا إلى أنه “يبدو كما لو أن السنة الأولى من الكلية تفعل ما ينبغي، وتعريض الطلاب إلى الخِبرات التي تُعلّمهم كيفية التفكير بدلًا من تلقينهم الأفكار.”

ومن المفارقات أن هذا البحث يتعامل مع اهتمام (فافريتو) الرئيسي: “يجب أن تكون الفنون الحرة مكانًا يواجه فيه الطلاب تحديات من قبل أقرانهم ووجهات النظر الجديدة… يجب دفعهم إلى التفكير النقدي في الأفكار الجديدة وإعادة النظر والتفكير في أفكارهم وتحيزاتهم الحالية. “

الخرافة الرابعة: ما بعد الحداثة تناقض كلٍ من المحافَظة والليبراليّة

تشترك ما بعد الحداثة والمحافظة في قِيمٍ متشابهة، لأن كلا المذهبين مبنيان على الشك. يشير (أندرو سوليفان في The Conservative Soul) إلى أن السِّمة المُميّزة للمُحافِظ هي أنه “يعرفُ ما لا يَعرِفه”[12]. وباعتبارهم “حُرّاس الشك”، يظل المحافظون متواضعين. على عكس الأصوليّ الدّيني الذي يعتقد أن الحقيقة محسومة، يعترف المحافظون بأن المعرفة غير كاملة. يذكرنا (سوليفان) بأن السعي وراء القيم المطلقة لا يمكن التوفيق بينه وبين حكومة البشر المقيدين بالعادات والشعور والعادات والتاريخ والتحيز. مثل ما بعد الحداثيين، يقبل المحافظون أن الحقيقة ليست موضوعية تمامًا. يلعب المنظور دورًا دائمًا.[13]

ولكن إذا كانت ما بعد الحداثة تشكل تهديدًا للحداثة، فيمكن بسهولة توجيه نفس الاتّهام ضِدّ الآراء المحافِظة. لأن المحافظة تقبل الطبيعة العَرَضيّة للحقيقة، فقد يؤدي ذلك إلى النّسبيّة المعرفية. ولأن النزعة المحافظة تؤكد الشك، فمن المحتمل أن تكون الحقيقة في متناول النسبية.

لقد تحولت المحافظة إلى المحافظين الجدد – وهي أيديولوجية سياسية يمينية متشددة تؤكد على السياسة الخارجية التدخّلية واليقين الأخلاقي – ولكن هل ينبغي لهذه النسخة الراديكالية أن تستبعد التيار المحافظ باعتباره تقليدًا سياسيًا قيمًا؟ قد يجادل المحافظون المفكرون بأنه من المخادع اختيار الشكل الأكثر تطرفاً لنظام الاعتقاد وتقديم ذلك باعتباره معناه الأساسي. بدلاً من ذلك، يجب الحكم على المحافظين والمحافظين الجدد بناءً على مزاياهم الخاصة. إذا كان الأمر كذلك، ينبغي إيلاء اعتبار مماثل لما بعد الحداثة والدوغماتية التي ابتليت بها حاليًا بعض مجالات الدراسات النقدية.

يقدم مناهضو ما بعد الحداثة أيضًا أن ما بعد الحداثة تعارض الليبرالية. هذا مبالغ فيه. منذ أواخر القرن الثامن عشر، كانت الليبرالية تجربة ناجحة ومستمرة. تدعم المجتمعات الديمقراطية كلاً من الحُريّة الفردية وحُريّة الآخرين، وعندما تتعارض الحُريّة مع الأخلاق المجتمعية، يتم حَلّ التوترات تدريجياً من خلال موازنة المصالح المتنافسة. في الديمقراطيات، لا تشكل ما بعد الحداثة أي تهديد للحُريّة. يمكن أن تُعَزّز الحريّة الشخصيّة بنفس السهولة من خلال الكشف عن كيفية تقييد الهياكل التقليدية للحقوق الدستورية.

ما يجب أن يثير قلق مناهضي ما بعد الحداثة أكثر هو الليبرالية الجديدة، وهو الاعتقاد بأن السوق يجب أن يسود في جميع قرارات الدولة والسياسة العامة. هذه العقيدة تدفع جانبا الاهتمامات الليبرالية والاشتراكية والبيئية والنسوية لصالح أصولية السوق. بدون تنظيم حكومي، تصبح النيوليبرالية حرية على حساب الآخرين. يرفض أنصار ما بعد الحداثة الرواية الاقتصادية السائدة القائلة بأن السوق يجب أن يُقرِّر، مع العلم أن وجهات النظر الأخرى ستكشف ما يخفيه الرأسماليون.

فوائد ما بعد الحداثة

كما كتب (كينيث هيوستن) فإن ما بعد الحداثة تدور حول “رفع مفاهيم الفطرة السليمة لدينا إلى النور والتحقق من وجود تصدعات، وإلقاء الضوء على تلك الانقسامات وإزعاج يقيننا وحتمياتنا المُتَصوَّرة”. أعظم أصول ما بعد الحداثة، هو الانعكاسية الذاتية: وعيٌ جادٌّ بالحاجة إلى تحدي المواقف الواضحة، بما في ذلك المواقف الخاصة بالفرد، حتى تظهر تفسيرات جديدة.

يشير (مايكل هايد) إلى أن ما بعد الحداثة تعمل بمثابة “انقطاع” من خلال التشكيك في ما تم اعتباره أمرًا مفروغًا منه على أنه الفطرة السليمة. ما بعد الحداثة تسأل ببساطة، هل أنت متأكد؟ إن تبنّي هذه العقلية يجعلنا جميعًا أقل غرورًا.

 يواصل مناهضو ما بعد الحداثة ربط ما بعد الحداثة بمجموعة متنوعة من الشّرور، بما في ذلك الإبادة الجماعية وتقويض الديمقراطية وصعود دونالد ترامب.

بالاعتماد على نظريات المؤامرة على غرار (جلين بيك) يفترض مناهضو ما بعد الحداثة سردهم الكبير: كل أمراض الحياة تؤدي بطريقة ما إلى ما بعد الحداثة.

ومع ذلك، هناك سبب يدعو للتفاؤل. لم يتخلَّ مثقفو ما بعد الحداثة عن قيم الحقيقة، ولا يؤمنون بأن كل الحقائق تمتلك مزايا متساوية. إنهم ببساطة يرفضون فكرة أن الحقائق ثابتة إلى الأبد. إن غطرسة الدوغمائيين – سواء كانوا أصوليين دينيين أو مناهضين لكوزموبوليتانيين أو نسويات راديكاليات – هي التي تجعل ما بعد الحداثيين ينكمشون[14].

كما أن ما بعد الحداثة لا تُحوّل الطّلاب إلى طائرات مُسيّرة طائشة. يفهم أولئك الذين تأثروا بفلسفة ما بعد الحداثة أن غاندي ليس هتلر وأن هناك تمييزًا نوعيًا بين البلاغة الخطابية لمارتن لوثر كينغ جونيور وصخب القومي الأبيض الذي يحمل شعلة تيكي.

لم تنهر مُثُل التنوير لأن مثقفي ما بعد الحداثة قرروا تحدي سلطة ما وراء السرديات. لقد جعلنا خطاب ما بعد الحداثة أكثر وعيًا بأن مفهوم الحقيقة المطلقة هو تشويه للواقع. كبشرٍ غير معصوم من الخطأ، نحن جميعًا تحت رحمة الطوارئ[15].

بدلاً من القفز إلى استنتاجات حول المخاطر التي تشكلها ما بعد الحداثة، ربما ينبغي على مناهضي ما بعد الحداثة الانتباه إلى التحذير الذي قدمه كاتب المقالات الفرنسي في القرن السادس عشر (ميشيل دي مونتين): “الافتراض هو مرضنا الطبيعي والأصلي”.

اقرأ ايضًا: العدمية في فكر ما بعد الحداثة


[1] الترمبية (Trumpism)‏: مصطلح سياسيّ يُشار به إلى الظاهرة والأيديولوجيا السياسية التي خلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهي شكل من أشكال الحكم والحركات السياسية ومجموعة من الآليات لاكتساب السلطة والحفاظ عليها. (المترجمة)

[2] لاحظ أن هناك فرضيّة مضمّنة، وهي: هذه المفاهيم اختراعات بشريّة! وذلك غير مسلّم. (المحرر)

[3] هو هذا، ولازمه: التسليم لمصدر غير بشريّ. (المحرر)

[4] هذا البحث الدائب دليل وجود حاجة مُلحّة للقِيم المُطلقَة تقودها الفطرة المركوزة في النفوس والمؤمنة بوجود تلك المفاهيم. (المحرر)

[5] بل هو الغالب، فلكل فنٍّ مُنظِّرون مؤسِّسُون، يَعقُبهم مَن يُسوّغ لهم ويُخرّج ما يُعارضهم. (المحرر)

[6] منظمات التفوق الأبيض: فكر عنصريٌّ مبنيٌّ على الاعتقاد بأن الأفراد ذوو العرق والأصل الأبيض هم أسيادٌ على الأعراق الأخرى. (المترجمة)

[7] في الأمثلة الثلاثة وغيرها مما هو على شاكلتها يبقى السؤال قائما لم يُجَب، ما هو المعيار العلمي؟ لم لا يكون المعيار الواضح من خارج المختبر؟ ألا يُمكن الاعتراض على العكس بالمثل؟ فيقال مثلًا: معاداة الدين أو تأييد المثليين وجّها البحث…الخ! ألا يمكن أن تُستعمل مثل هذه المحاججة لإنكار نتائج علميّة لأنها وافقت مبدئًا أو فكرةً ما؟ (المحرر)

[8] هل الكراهية وما تؤدي إليه من اعتداءٍ خُلق مذموم؟ هذا مركوز في الفِطَر، وجُعل عندهم ضابطًا مُطّردًا! (المحرر)

[9] الكوزموبوليتية: هي الأيديولوجية التي تقول إن جميع البشر ينتمون إلى مجتمع واحد، على أساس الأخلاق المشتركة. (المترجمة)

[10] هذه أحد القضايا الشائكة التي لا تُحل إلا باعتبار المعيار الأخلاقي لا الحقوقي حسْبُ، فكما ترى؛ الحقوقيون فيها متضاربون، ولا يُنكَر قيام كثير من هذه السوق الآسنة على الاستغلال، غير أن الإغراء المالي والنسيج الاجتماعي الذي لا يوجد فيه والٍ مُنفق على المرأة سببٌ فعّال أيضًا تتجاهله النِّسويّات. (المحرر)

[11] هل المقصود لم تُعِقه عمليًّا؟ هل المذكورون مؤمنون بها ولم يُعقهم إيمانهم! (المحرر)

[12] المقصود: يُميّز المعلومَ من المجهول فلا يُسوِّي بين المجهول والباطل أو المعدوم. (المحرر)

[13] عدم إدراك الحقيقة كاملة حقٌّ، غير أنه لا ينفي ثبوت حقائق ثابتة، فالإله كماله والعبودية له حق مطلق، وكيف كماله غير مُدرَك، وحُسن العدل وقُبح الظّلم مدرك على الحقيقة، لكن تمييز ذلك على التفصيل في كل قضية ليست قضية محسومة أو مطلقة. (المحرر)

[14] أسلوب التظلم وإلقاء اللوم على الآخر! يُضرب الحَجران ببعضهما فالأصلب يصمد والأضعف ينكسر وكذلك الأفكار.

[15] تحت رحمة الله، ولن يدرك البشر الحقيقة المطلقة (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) وليست هذه دارها (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، وما نعلمه هو ما يعلّمنا الله لنا شرعًا (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وكونًا (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى