عام

سَراب الشّهرة

حينما تقلب النظر في كتب التراجِم تَجِد أناملك تَطوي صفحاتٍ كثيرة على نسقٍ متشابه حتى يمرّ بك معنى دقيق بين السطور يوقف استرسالك، ويستثير اهتمامك، ويستحوذ على تفكيرك، ويأخذك نحو إجالة الفكر في مشيئة الخالق سبحانه وعجائب تصاريفه للأقدار.

ثمة شخصيات علمية كانت مقدّماتها الأولى تَشِيْ بنتائج باهرة ونفعٍ عظيم ثم عصفت بها المشاغل أو الظروف القاهرة فانزوت بعيدا في الظلّ، واستروحت لحياة ساكنة بَعِيدَةٍ عن الصخب، وعاشت حياة وادعة في زاوية قصيّة لم تخطر ببالها يوما ما، ثم أمست في خريف العمر بئرًا معطلة وقصرا مشيدا، شُهُب لمعت في الأفق في أول مشوارها ثم انطفأت وانطوت في وِدْيان الخمول، وهذا لا يختص بأهل العلوم الشرعية، بل في كل مجالٍ في من مجالات الحياة.

ولست أرى أن مسلكَ ربط الشهرة والذيوع وحصول شيء من النَّفع بالصدق وإخلاص النية مسلكٌ صحيحٌ، فكم مِّن صادق مُخلِصٍ عَصَمَهُ الله بخمول الذكر وَحَفِظَه بموات الشهرة، فعاش في سَكينة الظِّلّ ثابتًا كالطود، لم يُبدِّل تبديلا، ورحل ولم يعرفه الناس (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).

نعم.. قد يثيب الله بعضَ الصادقين في الدنيا في حياتهم وبعد رحيلهم بقوة الأثر وامتداد التأثير وغزارة النفع واتساع رقعة الشهرة، وكلُّ هذا رغم إبائِهم الصادق لتلك الحال، ونفورهم منها، وخوفهم من مغبَّتها، فقد تواترت الوصية عن أئمة السلف بأن يدفن الإنسان نفسه في أرضِ الخمول، حتى قال سفيان لابن المبارك: (إياك والشّهرة، فما أتيت أحدا إلا وقد نهى عن الشهرة). وكان الإمام أحمد يقول: (لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذِكر، أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشّهرة). وقال لتلميذه: (أخمِلْ ذكرك! فإني بليت بالشهرة). وكان الشافعي يقول: (وددت أن الناس تعلموا هذا العلم، ولا ينسب إلي منه شيء، فأوجر عليه ولا يحمدوني)، وكانت هذه سِّمة الصالحين من الأسلاف حتى قال ابن رجب حاكيًا عن أحوالهم: (ما زال الصادقون من العلماء والصالحين يكرهون الشهرة، ويتباعدون عن أسبابها، ويحبون الخمول ويجتهدون على حصوله).

فَمَنْ لزم الطريقَ وبُلِيَ بالشهرة، وجاهَدَ نفسه في إصلاح سريرته، فقد يفتح الله بصدقه القلوب، فتخترق كلماته حواجز التأثير، ولو وُضِعَ الصِّدقُ على جُرْحٍ لبرئ! كما يقول الإمام أحمد، ولكن الإشكال في الرَّبْطِ القسري لدى بعض الناس بين الحالَين، فَمَن حصل له شيء من الاشتهار قلّ أو كَثُرَ، قيل: لصدقه وخلوص قصده. ومن سكن أودية الخمول مختارا أو مضطرًّا ارتِيبَ في نِيَّتِه.

فهذا التفكير المادِّي مِن فروع الأصل الفاسد عند كثير من الناس وهو أن الدنيا دار عمل وجزاء، والحقيقة أن الدنيا للمؤمنين دار عمل وقد يحصل بها ثواب أو عقاب، والآخرة هي دار الجزاء (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا)، فما أعده الله للمخلصين الصادقين في الجنة خير لهم من إثابتهم بالاشتهار وذيوع الاسم في دنيا عابرة كأنها أضغاث أحلام.

وإنما الذي يصحُّ ربطه بالصدق هو ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية بـ”القبول العام عند الأمة” نحو القبول الحاصل لكبار الأئمة وجِلَّة العلماء المصلحين، فهذه هي الشهادة العامة من عموم الأمة لهؤلاء الذين استفاض في الناس صدقهم وبذلهم وثباتهم.

أما مجرد تحليق طائر الشهرة عاليًا في لحظةٍ زمنيةٍ معينة، أو نفاد الطبعات الأولى من الكتاب، أو تضاعف رقم المتابعين للقناة، أو نحو ذلك من ألوان الرّواج النِّسبيّ، فهذه كثيرا ما تكون مظاهر مؤقتة تضمحلّ سريعا، وهي أحوال عارِضة تحصل للصادقين وغيرهم.

ومن دقائق المعاملة التفريق بين العزلة القسرية والعزلة الاختيارية، فبعض النفوس حين تنضب مواردها، ويجفّ عطاؤها؛ تشرع بترتيل مواعظ الخمول والزهد بالشهرة، وربما تمادى بها الحال حتى تنهمك في ثلب المتصدرين للنفع وبث العلوم، وهو خلاف مراد السلف من طلب الخمول، بل هو من حيل النفوس البشرية في مخاتلةِ عيوبها، والتربيتِ على جوانبِ قصورها.

والنفس البشرية كثيرا ما تَتَقَنَّع أَغراضها، وتلتوي حتى على صاحِبِها، فربما طلب الإنسان الشهرةَ بضدِّها، فَسَلكَ طرائق أهلِ الخمول، ليشتهر بين الناس زهدُه في الشهرة، ومن أجل ذلك كان المعوّل عليه هو الصدق وإخلاص القصد سواء كان الإنسان مشهورًا أو مغمورًا.

ولذلك كلِّه أعجبني جوابُ بعض المعاصرين حين سأله أحدُهم بأنه يسعى للخمول، ويتطلب تلك الحال، ويفر من الشهرة، فهل عليه شيء في ذلك؟، فأجاب: (كثير ممن طلب الخفاء والخمول صادقًا أظهره الله، والحال الأكمل أن لا يتطلب المرء الخمول والخفاء، ولا يتشوف الشهرة والظهور، وإنما يريد وجه الله سبحانه ويصرف قلبه أصلا عن النظر لهذه الأمور، والله أعلم حيث يقدر الأصلح له، فلا يتكلف ضد الحالة التي هو عليها، ويجتهد في عبادة الله حيث كان، مغموراً أم مشهورا، ولذلك ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها). وهذا جواب سديد.

حينما كنتُ أفتش في أجوبة العلامة ابن سعدي -رحمه الله- ومراسلاته الشخصية وجدتُّ مراسلات متكررة لطالب اسمه عبدالرحمن بن محمد المقوشي، وكان هذا المقوشي مُهَذَّبا حَيِّيًا في سِنِّ العِشْرين يعتذر للشيخ الخمسينيِّ من كثرة أسئلته واستشكالاته، وكان الشيخ السّعدي حينها رأسًا في العِلم والشهرة، وفي تلك الحقبة إذا قيل: قال الشيخ. فهو السعدي. خصوصا في بلدتِه وما حولَها.

تساءلت في نفسي عن ما آل إليه حال الشاب المقوشي، وهل استكمل مشواره العلمي، أم اختفى في زحام مشاغل الحياة، فبحثت عنه في كتاب (علماء نجد خلال ثمانية قرون)، لعلي أظفر بترجمة لهذا الطالب الذي كان أثيرا عند شيخِه المتفنِّن، فوجدت بغيتي في ترجمةٍ ليست طويلة ولكنها معبرة، وأكثر ما لَفَت انتباهي خمول ذكر الشيخ المقوشي مع تميزه العلمي الواضح، وإن كان في سؤالاته للسعدي خصوصًا يبرز حرصه على معرفة ترجيحات شيخه في المسائل الخلافية، ولكن يظهر تميزه ويستبين للناظر بمطالعة ترجمته، فقد كان الشيخ البسام حَفِيًّا به حفاوةً بالغة، وذكر أن المقوشي حين لقيه الفقيه عبدالله بن حميد وباحثه (زاد قدره في عينه، وأعظمه لوفرة معلوماته لا سيما في الفقه، فكتب إلى الشيخ محمد بن إبراهيم يبلغه عن مدى إعجابه به وسعة اطلاعه)، وحكى الشيخ البسام أنه حضر الشيخ السعدي والطالب المقوشي يتباحثان في الفقه والأصول (على مستوى رفيع لا تصل إليه أفهام متوسِّطي الطلاب).

ومع هذا التميز العلمي الواضِح لم يشتهر الشيخ المقوشي شهرةً واسعة (ولم يكن له أصحاب يحملون عنه هذا العلم والفقه الواسع) كما يقول البسام، ويقول عنه أيضًا: (وأنا من أخبر الناس بحاله، فهو عالم ضليع، وفقيه كبير.. إلا أن انطواءَه وبعدَه عن الناس حرَمه من نشر علمه، وحرَم أهل العلم من الاستفادة منه).

وإنما كانت الشهرة والنفع في تلاميذ الشيخ السعدي من نصيب طالب صغير جاء متأخِّرا، وجلس في حلقة تلاميذ التلاميذ، وفارَقَ السِّعديُّ الدنيا وعمر هذا الطالب في أواخر العشرين! (وربك يخلق ما يشاء ويختار).

ولفت انتباهي لطف الشيخ السعدي ورِقَّة حاشِيَتِه مع تلميذه الشاب المقوشي، وعدم أَنَفَتِه من كثرةِ السؤال حقيقةً لا تصنُّعا حتى بلغ به الحال أن يبوحَ لتلميذه النَّابِه أنه هو المتفضِّلُ عليه بهذه الأسئلة! وذلك لئلا يبقى في خاطِرِ التلميذ شيء من الحَسَكَةِ والتردد، فلله درُّ الفقيه الرَّضِيِّ ابن سعدي ما أطيبَ نَفْسَه وأحسنَ أخلاقَه!

يقول الشيخ السعدي لتلميذه: (من عبدالرحمن الناصر السعدي إلى جناب الأخ الفاضل عبدالرحمن المحمد المقوشي.. أخي كتابكم هذا وما قبله، كَرَّرْتَ فيها الاعتذار من كثرة الأسئلة..، وأنا مسرورٌ بكثرة أسئلتكم وممنون لها لأمور: أولا ليس عندي أرغب من البحث في المسائل الدينية والتعلم والتعليم مشافهة ومكاتبة. ثانيا: تعرف أن الاشتغال بذلك أفضل الأعمال الصالحة خصوصا في هذه الأوقات التي قلَّ فيها الراغب، وكاد العلم أن يضمحلّ، وهو دعامة الدين، وأصل الأمور كلها.. فإذا كان الأمر كذلك، فلم تحرم أخاك من هذا المقصد الأسنى..)، والرسالة أطولُ من هذا، وهي تَسِيل عذوبةً ولطفًا.

ومن اللطيف أني حين نظرت في تاريخ هذه الرسالة، وجدته يوم 27 من رمضان عام 1358 هـ، مع أن عامة المسائل المكتوبة فروعية فِقْهية في أبواب المعاملات والأسرة، ووجدتُ عددًا من رسائل الشيخ كتبها في هذه الشهر المبارك، ولا شك أن الاشتغال بالقرآن في هذا الشهر من أعظم الأمور، ولكن مع الاشتغال به وبتفسيره وتقديمه على غيره لا ينبغي لطالب العلم إذا انفسح وقته أن يمتنع من تحقيق بعض المسائل العلمية العارِضَة، أو مراجعة بعض المتون والمحفوظات، أو أن يضيِّق على غيره في ذلك ولو تَنظيرا.

وأخيرا .. إذا أَدهشتكَ كثرةُ عباراتِ السلف في النهي عن الشهرة، فاعلم أن من بواعث ذلك حرصهم التام على صيانة الدين من الخضوع لقانون العرض والطلب، بينما أقدام طلَّاب الشُّهرة سَيَّارةٌ تتبع حركة الضوء، ولا تستقرُّ في موضِعٍ قَطّ، فهم في تحوُّلٍ مستمرٍ، وتلوّنٍ دائمٍ، ولُهاثٍ لا ينقطع إلى سرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجد شيئا، وفي حديثِ المبادرة بالأعمال الإشارةُ إلى أن الرجل (يبيع دينَه بَعَرَضٍ من الدنيا)، والشهرة والجاه وحبّ العلو في الأرض كلُّها داخلةٌ في هذا العَرَضِ القليل والسَّرابِ الزائل.

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى