عام

قَدح العَقل

  • تهاني ثنيان العايش

ما قيمةُ أنْ تنالَكَ هِبةُ السؤالِ الجَامِحِ والبحثِ عن جوابٍ لائقٍ؟ ونحنُ في زمنٍ أصبحتِ الأجوبةُ تنهالُ علينا مُعَلَّبَةً وجاهزةً للاستخدامِ كلٌّ حسب شَهيتِهِ المعرفيةِ أو مُيُولِهِ أو مُعتقدات..!

في السابقِ لَمْ أَعِ أهميةَ الأسئلةِ كمصطلحٍ حتى أضحت الاستفهاماتُ الكبيرةُ بالنسبة لي طَوْقَ نجاةٍ مِن دَوَّامَةِ أجوبةٍ سطحيةٍ لا تبررُ أهميةَ الأفكارِ وحافزًا للبحثِ عَن شرارةٍ تُوقِدُ حَطَبَ القراءةِ مِن جديدٍ .. كذلكَ التَّوْقُ لفتحِ نوافذَ مُشرعةٍ على المتعةِ والثقافةِ خارجَ نطاقِ الأدبِ والتاريخِ والفنِّ.

وأتذكَّرُ أَنَّ أولَ كِتابٍ حَوْلَ قيمةِ طَرْحِ السؤالِ والتفكيرِ حصلتُ عليهِ ولم أبلغِ السابعةَ عشرةَ بعدُ، وَقَدْ كانَ مَنْهَجًا تعليميًّا تَابعًا لمادةِ الفلسفةِ وتاريخِهَا في العالم ومدارِسِهَا والمُدرج ضمنَ موادِ المرحلةِ الثانويةِ في دولةِ الكُوَيت، وَلم يكنْ غَرَضُ تمريرِهِ عَلَى العقلِ زادًا ثقافيًّا؛ بل إنَّ ضَعْفَ مستوى التحصيلِ في المادةِ لدَى إحدى قريباتي دَفَعَهَا للاستنجادِ بالقارئةِ الأكثر تَفلسُفًا على نطاقِ العائلةِ – حسب وصفِهَا آنذاك – محاولةً القَفْز خارجَ حُفرةِ الصفِّ الأولِ الثانويِّ.

هَذَا الاطلاعُ على أرضٍ جديدةٍ مِن مناطقِ المعرفةِ كان مشوِّقًا ومُحرِّضًا على الاستزادةِ مِن القراءةِ في عالمِ الفكرِ والأفكارِ مُرورًا بالفلسفةِ ونمطِ التفكيرِ الفلسفيِّ وأهميةِ السؤال والتي سَبق أنْ حَضَّ عليها القرآنُ الكريمُ عن طريقِ مَنهجِ التعليم الربانيِّ في أسلوبِ طرحِ الاستفهامات والإجابة (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9]، ثَم تَلَتْهُ السُّنَّةُ النبويةُ في الدعوةٍ لتحكيم العقلِ، والتنشيطِ الفكريِّ في طَرْحِ اللُّغْزِ المشوِّقِ كما في سؤاله صلى الله عليه وسلم:

«إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وإنَّهَا مَثَلُ المسْلِمِ؛ فحدِّثوني ما هِيَ؟

فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ البَوَادِي، قال عبد الله (ابن عُمر، راوي الحديث): وَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، فاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ»[1]!

عِندَهَا تَعلَّمْتُ أنَّ قيمةَ العَقْلِ تَكْمُنُ في فَضِيلَةِ إدَارَةِ المرءِ لحياتِهِ مُستنِدًا إلى فَرَضِيَّاتِ وأهدافِ البحثِ والسؤالِ والاختيارِ أكثرَ مِنْ دَهْشَةِ نَيْلِ الأجوِبَةِ، ونَبْشِ خَبَايَا العِلْمِ والعَالَمِ، واستنباطِ الحِكمةِ في ضَرْبِ الأمثالِ سواء أدَّتْ إلى فَهْمٍ أَوْ محاولةِ تَصحِيحٍ أَو الاختيارِ بين طريقِ الخَيْرِ والشَّرِّ، ذاكَ الحقُّ السَّمَاوِيُّ والَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ – سبحانَهُ وتعالى – للإنسانِ كما قال: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10]، وجَعَلَ هِبتَهُ الأثيرةَ – العَقْلَ – تقودُهُ نَحو النجاةِ أو الهلاكِ؛ قَالَ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ:

“أصلُ الخيرِ والشرِّ مِنْ قِبَلِ التفكيرِ، فإنَّ الفكرَ مبدأُ الإرادةِ، والطَّلَبَ في الأخذِ، والتَّرْكِ، والحُبِّ، والبُغْضِ، وأَنْفَعُ الفِكْرِ في مَصَالِحِ المَعَادِ، وفي طُرُقِ اجتِلابِهَا، وفي دَفْعِ مَفَاسِدِ المعَادِ، وفي طُرُقِ اجتِنَابِهَا، فَهَذِهِ أربعةُ أفكارٍ هيَ أصلُ الأفكارِ, وَيَلِيهَا أربعةٌ: فِكْرٌ في مَصَالحِ الدُّنيَا، وطُرُقِ تحصيلِهَا، وفِكْرٌ في مَفَاسِدِ الدُّنيَا، وطُرُقِ الاحترازِ منهَا”[2].

وإنَّ هَذَا العقلَ اللينَ والمعقَّدَ والمُتنقلَ بينَ مراحلِ النُّضْجِ والإدراكِ وتَسَاقُط عددِ الأسئلةِ مع هَزَّاتِ المعرفةِ، وهوَ مَا يجعلُنَا نتبرأُ – غَالبًا – مِن بعضِ تصرفاتِنَا وأفكارِنَا السابقة بِفِعْلِ تراكُمِ التجاربِ والنموِّ العقليِّ، وقَدْ حُزتُ التَّعَقُّلَ حينَ بلغتُ مَرحلةَ عَدمِ الاكتراثِ بكميَّةِ الطياتِ داخل الكتابِ المسترجعِ مِن صديقةٍ، أو الخطوطِ والألوانِ التي تَدُسُّهَا طفلتي خِلسَةً بينَ الصفحاتِ أثناء غاراتِهَا على المكتبةِ خِلالِ تشاغُلِي عَنهَا؛ فَقَدْ أيقنتُ أنَّ قيمةَ المعرفةِ بالنسبةِ لي بلغتْ حَدَّ انتفاعٍ عقليٍّ بِها أكثرَ مِن مجردِ الجمعِ والاقتناءِ للكُتُبِ، وإنَّ شَغَفَ البحثِ والتقصي والسؤالِ أضحَى أَهَمَّ بكثيرٍ مِن بَهجةِ اقتناصِ الكتابِ والجوابِ المُناسبِ.

وهذَا لا يعني أنْ نَتَبَاهَى بالفلسفةِ كمصطلحٍ مَعَ تجاهُلِ حمولَتِهِ التاريخيةِ ومَا تُرَافِقُهَا مِن تَوَجُّسَاتٍ عَقَدِيَّةٍ لهَا تاريخٌ طَاعنٌ في القِدَمِ مِن العصرِ اليونانيِّ الكلاسيكيِّ وحتى العصرِ الحديثِ؛ بَلْ مَا يُثيرُ اهتمامي هُوَ نمطُ الفلاسفةِ والعلماءِ والمفكرينَ في التفكيرِ والطريقةِ المنتظمةِ عِندَ وضعِ الأسئلةِ موضعَ حَبَّاتِ سُكَّرٍ ما إنْ تسقطُ واحدةٌ منهَا داخلَ قَدح العقلِ إلا وتلحقُ بِها أخواتُهَا إلحَاحًا على حلاوةِ التساؤلِ، وبحثًا عن إجاباتٍ قد توصِّلُنَا إلى الرِّضَى أو الطمعِ بالمزيدِ.

إنَّ أكثرَ ما يميِّزُ هذه الطريقة في التفكيرِ هوَ الجمعُ بين الفُضُولِ والغايةِ، وبينَ الفردِ وقُدُرَاتِهِ؛ حتى استهدفت ممارسة التفكير والتعمق في السؤال بالنسبةِ للمفكرِ والعالمِ إدراك ما وَرَاءَ الحياةِ الواقعيةِ في حدِّ ذاتهَا إلى مَا وراء العَالَمِ (الميتافيزيقيا) وما يتبعها عن عُمقِ الأشياء وماهيتها وطرحِ أسئلةِ الوُجُودِ، والمفاهيمِ وما لَحِقَهَا مِن تطوُّرِ أنماطِ التحليلِ البشريِّ للأحداثِ والأشياء وما قَدَّمَهُ للعالَمِ مِنْ أفكار وتجارب ونظريات غيَّرت وجهَ التاريخِ والإنسانِ معًا.

وكما أَنَّ المياهَ الراكدةَ تكونُ مرتعًا للحشراتِ فالأوبئة تعد العقول الجامدة سواء كانت مُتعصبة لما بلغتْ من معرفةٍ أو راضية بمحدوديةِ المعرفة والجواب السهل المُعَدّ مسبَّقًا جاذبةً للركودِ المعرفي؛ ومشاركة في تحجيم قدراتِ الإنسانِ في التفكير والحَدْسِ وعدمِ احترام ما تتوصل له مِن نتائج وقناعات.

نَحْنُ نفيقُ كُلَّ صباحٍ بأفكارِنَا قبلَ أَنْ ندعك زجاجَ العيونِ كي تتضح الرؤيةُ للعقولِ؛ العقولِ المُعقدةِ والتي تنتشر بينها التساؤلاتُ، وتكونها الأفكارُ دونَ الوعي بمصدرِهَا الحقيقيِّ أكانَ مِنَ الفكرِ ذاتِهِ أَمْ من ميلٍ نفسيٍّ أو رُوحِيٍّ؛ أمْ بسببِ ضغطِ البيئةِ المُحيطةِ…؟ مكونةً مَشْهَدًا من الفُسيفساء المنتظمة والمُعقَّدَة في آنٍ واحدٍ كما وصفها المترجمُ في مقدمةِ كتاب جُون هرمان راندال (تكوين العقل الحديث) بقوله عن عقول الأفراد: “تُشبهُ الفُسيفساء في تركيبها أو الطرس الذي تراكم عليه اعتقادٌ فوقَ اعتقادٍ”، أو حين تحدَّثَ عن “موجاتِ الفكرِ الكبيرةِ وتاريخها والتي أدَّتْ إلى تراكم الاعتقادات بعضها فوق بعضٍ”[3].

هذا اليأسُ والشقاءُ المعرفيُّ والذي حَدَا بكثيرٍ مِن المفكرينَ والأدباء على مرِّ التاريخ للجنوحِ نحوَ حَرْقِ كتبهم كأبي حَيَّان التَّوْحِيِدِيِّ أو النية في حرقها مِثل كَافكا، وَفْقَ الصراعِ الداخليِّ بينَ مَا يَعْرِفُ وما يَجهلُ، وقيمةِ ما يعرفُ، وبأنَّ ما قدَّمَهُ مِثلهم لا شيء يُذكرُ أمامَ كُلِّ هذا النتاجِ الإنسانيِّ وأمامَ هذا الكونِ الكبيرِ الشاسعِ، وأنَّ الخَوَاءَ الروحيَّ قد يدفعُ بالمرءِ إلى أَنْ يكونَ مُفرِّطًا في حياتِهِ رُغمَ كُلِّ منجزاتِهِ الفكريةِ والفنيةِ والنفسيةِ والعلميةِ، ويدفعُهُ لفجيعةِ الانتحارِ محاولةً منه لوقفِ سيلِ الأسئلةِ المتدفقةِ دونَ جوابٍ عنِ العيش والغايةِ والمعنى والحياةِ كما حَدَثَ للرسام فَان جوخ، ويتَّضِحُ جَليًّا في مُقدمةِ رسالتِهِ الأخيرةِ لأخيه حين قال:

“عزيزي ثيو.. إلى أينَ تمضى الحياةُ بي؟ ما الذي يصنعه العقلُ بنا؟ إنه يُفقِدُ الأشياءَ بهجتَهَا ويقودُنَا نحو الكآبةِ .. إنني أتعفنُ مَلَلاً لولا ريشتي وألواني هذِهِ”..

هذه المَرحلةُ مِن النضجِ العقلي حد التَعفن لذلك نشقى في تركيب فُسيفساء الإنسان وأسئلته الكثيرة والتي تكون فكرًا فضوليًّا وعقلاً حَسن التنظيم جاذبًا بما يحوي مِن أفكار ومُعتقدات وأخلاقيات تُشكِّلُ لوحةَ الفكرِ الخلَّاقة مِن خلال الحَدْسِ والفَرَضِيَّات والتغيرات الجذريَّة في أنماطِ التفكير السائدة؛ وهي المهمةُ الأصعب للفكر على مرِّ العصورِ…!

كَون التمحيص في الأفكار منتهية الصلاحية وتغيير مُعتقداتٍ ضاربةٍ في الأجيال لقرونٍ دونَ تبيانِ منطقها وفحصِ جودتها وتجديدها أزمنة مُتتابعة أدى لمعارك فكرية وجدليَّة أزليَّة بين الأفكار ومُعتنقيها وبين الراغبين في التجديد والتغير.


[1] صحيح البخاري،ج1، كتاب العلم، (ص41)، رقم (67).

[2] الفوائد (ص222 – 223).

[3] تكوين العقل الحديث، جون هرمان راندال، ترجمة جورج طعمة، المركز القومي للترجمة،٢٠١٣م، الجزء الأول، (ص٤٤).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى