فكر وثقافة

لماذا يكره المحافظون مارجريت ميد؟

جوهر أطروحة ميد هو أن الثقافات غير الغربية قدمت طرقًا بديلة -وغالبًا أفضل- لتعيش كإنسان؛ فلماذا لحقها الذم جراء ذلك؟

  • سام دريسر
  • ترجمة: رانية محسن
  • تحرير: ريمة بعث

في عام 1978، وبعد 50 عامًا من تربعها على عرش الرأي العام الأمريكي، توفيت مارجريت ميد عالمة الأنثروبولوجيا وتركت إرثاً لامعاً من السمعة الطيبة.

بدا صعودها وكأنه يعكس صعودَ نجم المرأة في المجتمع الأمريكي. وفي حوالي عشرين كتاباً وعددٍ لا يحصى من المقالات، دعمت بقلمها الليبراليةَ الفتيةَ والناميةَ آنذاك بحذر: فكانت تناهض العنصرية بحزم، تدافع عن حرية الاختيار، وتشجّع “طرقَ التفكير الجديدة”.

في حين أنها تناولت مواضيع مثل ممارسة الجنس قبل الزواج بحذر، وتردّدت في قضية تناول حبوب منع الحمل. وكان لها بعض مواقف الشد والجذب أيضا في الرأي العام. وفي نعيها؛ وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها “الملهمة الوطنية”.

لكن السمعة الطيبة قد لا تدوم بعد الوفاة، فمن الصعب الدفاع عن النفس بعد الموت، والسنوات تُبلِي الأسماء وتختزلها في نهاية المطاف إلى غبار أو مجرد “أثر”. وهذا ديدن الزمن، ففيه تتغير القضايا، وتتبدّل المعايير، ويظهر مفكرون جدد، والقليلُ منهم فقط من يستمر.

بقي اسم ميد موقّراً في مجال علم الأنثروبولوجيا، لكن في الغالب -فقط- كوسيلة لفهم أصل الانضباط في المجتمعات. بينما في الوعي المجتمعي فقد اختفى اسمها تقريبًا كليّاً وتقلّصت سمعتها إلى مجرد اقتباس ملفقٍ مطبوعٍ على أكواب القهوة وملصقات غرف النوم: “لا تشكّ أبدًا في أن مجموعة صغيرة من المواطنين المهتمين والملتزمين قادرون على تغيير العالم ؛ في الواقع، هذه هي الحقيقة الوحيدة الثابتة. “

ثم تطور الأمر إلى أبعد من ذلك، فقد أصبحت ميد هدفًا للنقد اللاذع من قبل فريق معين من المثقفين المحافظين. ففي عام 1999، قام معهد الدراسات الجامعية المشتركة (وهي مجموعة تعمل على نشر الفكر المحافظ في الكليات) بتصنيف كتاب ميد “بلوغ سن الرشد في ساموا” (1928) على أنه أسوأ كتاب غير روائي في القرن العشرين.

وفي “رسائله إلى الشباب المحافظ” (2002)، كتب شبه المفكر  دينيش دي سوزا المعروف بسوداويته، يتهم ميد -كما فعل كثيرون آخرون-  بإمراض “الثقافة الغربية” لأنها أدخلت عليها نوعاً من النسبية المؤذية والمزعزعةِ للاستقرار.

وفي “إغلاق العقل الأمريكي” (1987)، حطّم الفيلسوف (ألان بلوم) ميد بوصفها كـ “مغامرة جنسية”.

ماذا حدث بعد ذلك؟ بالإضافة لطي الزمان لاسمها بمرور الوقت في كتب التاريخ، ظهر لها عدو هاجمها بكراهية منقطعة النظير: ديريك فريمان، عالم الأنثروبولوجيا النيوزيلندي الذي جعل هدف حياته الأوحد هو محو اسم ميد!

وكالكائن الطفيلي الذي يتغذى على غيره، اشتهر اسمه فقط بصفته ناقداً لميد (توفي عام 2001)، وقد تسبب بكتاباته في خلق أجواء صنعت حالة  غريبة إلى حدٍّ ما: فغالباً ما يتم الآن هو تذكّر ميد على أنها  الشخص الذي تمّت تخطئته!

و أعطى فريمان لخصومها هراوةً جاهزة ليس فقط لضرب  إنجازاتها في علم الانثروبولوجيا، ولكن لتحطيم كل شيء مثّلته أبعد من ذلك.  وماذا كان هذا الذي مثلته؟ هذا ما سنعرفه من خلال الأسطر القادمة.

ولدت مارغريت ميد عام 1901 في ولاية بنسلفانيا. نشأت الفتاة الفضولية المّتقدة الذكاء في عائلة أكاديمية صارمة. وبعد أن عاشت طفولةً يغلب عليها الحزن، اكتشفت شغفها في الحياة -ألا وهو علم الأنثروبولوجيا- وذلك في سنوات دراستها الجامعية في كلية بارنارد في مدينة نيويورك.

وكطالبة دراسات عليا في جامعة كولومبيا في عشرينات القرن الماضي، وقعت الفتاة تحت سطوة فرانس بواس. هذا الكهل متعدد الثقافات، الألماني الأصول (هو من عرّف حد علم الأنثروبولوجيا الأمريكي.)

كان منهجه ومدرسته الفكرية، هي التي فصلت علم الأنثروبولوجيا عن التخصصات القريبة، وحدّدت مهامَ علماء الأنثروبولوجيا. مثله مثل إميل دوركايم بالنسبة لعلم الاجتماع أو سيغموند فرويد ومكانته من التحليل النفسي؛ بنى بواس تخصّصًا علمياً جديداً.

 مقالة بواس “دراسة الجغرافيا” عام (1887) ميّزت بين قطبي الدراسة “المادية الفيزيائية” والدراسة “التاريخية” (الجغرافيا المقصودة هنا أقرب ما تكون إلى ما نسميه اليوم الأنثروبولوجيا).

الطريقة الفيزيائية المادية تبحث عن الحقائق التي من خلالها يمكن استنتاج القوانين الكلية: (الحقائق نفسها مثيرة للاهتمام فقط بقدر ما يمكن تحزيمها معًا لتشكل قوانين غير قابلة للانخرام، ومن ثم فهي تحدّد ملامحَ ما هو ممكن، وتسفر عن تنبؤات قابلة للاختبار). بينما الطريقة التاريخية تجد حقائقَ العالم مثيرةً للاهتمام وتبحث عنها لذاتها، لا لتستخلص من جمعها تعميمات صارمة أو قوانين عامة.

 في نهاية القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، حكمت البيولوجيا العنصرية العلومَ الإنسانية. وتمّ إرجاع أسباب الاختلافات بين المجتمعات إلى الاختلافات في التركيب البيولوجي الأساسي لأعضائها (أي العرق).

فلكي يشرح علماء الأنثروبولوجيا أسبابَ أن بعض الشعوب كانت  أكثر “بدائية” من غيرها، نظروا إلى الأجناس المختلفة وسجّلوا درجات التطور العلمي والرقي التي وصلت إليها، ثم قيّدوهم بشكل دائم إلى تلك الدرجة. واعتقد علماء الأعراق أن القوانين الطبيعية البيولوجية التي تتحكّم  في سلوك الجنس البشري (كما كان معتقداً حينها) يمكن استنتاجها  من خلال معرفة حقائق معينة عن الخصائص العرقية لكل فرد.

وكنتيجة سياسية طبيعية لهذا الرأي نشأ بالطبع علمُ تحسين النسل/اليوجينيا.

 الرابط بين هذا الفكر و”المنهج المادي” لـ بواس واضح. فقد كان بواس أحد أعظم المناهضين للعنصرية في التاريخ. (ولا يزال يمثل مصدر قلق بالنسبة للمتعصبين البيض، جاريد تايلور (محرر مجلة عصر النهضة الأمريكية) وضع بواس على قائمة “الأمريكيين الذين أضروا بمصالح البيض”.)

كانت كراهية بواس للفكر العنصري ناتجة عن قناعة أخلاقية ذاتية بأن الجنس البشري متساوٍ إلى حد كبير، وقام بدعم نظريته ببحوث إثنوغرافية (العرقية) مكثّفة عن الهنود الحمر.

لكن ماذا يمكن أن يحل محل العرق كتفسير للاختلافات بين المجتمعات البشرية؟

هنا تم وضع حجر الأساس للأنثروبولوجيا الأمريكية: واستبدل بواس العرق بالثقافة.

قبل ظهور بواس، كانت “الثقافة” تُفهم إلى حد ما على أنها نتاج إبداعي للبشر: الفنون والعلوم (التفاعل مع هذه المعطيات يجعل المرء “مثقفًا” ومتحضرًا).

الثقافة هي حكاية غينجي الكلاسيكية اليابانية من القرن الحادي عشر، الثقافة هي تعدد اللغات، الثقافة هي فضول للاستكشافات البشرية. لكن هذا لم يكن مقص بواس حين تحدث عن الثقافة.

بعد حوالي العام 1911، نادرا ما كان بواس  يتحدث عن “الثقافات” بصيغة الجمع، إنما عن “الثقافة”. بالنسبة إليه الثقافة تتكون من مجموعة السلوكيات المكتسبة التي تحكم جماعةً من الأشخاص (“الأنماط” كما اطلق عليها تلميذه النجيب روث بنديكت، وأحد الرواد المفضلين لدى ميد).

بدلا من إثبات أن الاختلاف سببه نوعُ الخلقة -كما اعتقد العلم العنصري- أراد إثبات أن البشر يختلفون بسبب “تكرار العمليات العقلية”. فالثقافة عبارة عن مجموعة عادات من السلوكيات المكتسبة وأنماط التفكير التي تدرّس للأطفال عن طريق الموروثات الشعبية، فبالإضافة إلى التعليم الموجه ونزوع الصغار لتقليد الكبار، فإن هذه المعطيات تشكّل عدسةً يرى المرء من خلالها ويتعامل ويؤثّر على العالم.

إنها أيضًا، تشكّل بالتأكيد النقطةَ المرجعية  التي يتم من خلالها تفسير كل أنواع السلوك. فهذا ما يسمى ثقافة، وهناك عدد لا يحصى من الثقافات التي تصوغ الطرق التي يسلكها البشر في حياتهم.

بواس لم يتخلَّ عن علم الأحياء بالكامل؛ لكنه ببساطة جعل الثقافة أكثر تأثيرًا.

هذه الرؤية للبشرية والتي أصبحت تعرف باسم “الحتمية الثقافية”  ترتّب عليها آثار سياسية: فإذا كانت الثقافة متغيّرة وتخضع لشروط، فإن “الطبيعة” البشرية ستكون طيّعة ومرنة، ويمكن أن تتغير -غالباً- للأفضل

وعند التقدميين الذين اعتنقوا مفهوم الحتمية الثقافية؛ أضحى الفقر والجريمة وعدم المساواة العرقية نتيجةً تسببت فيها الحالةُ الاقتصادية، وليس الاختلافات الطبيعية، فلا يوجد شيء غير مبرر أو لايمكن تفاديه.

الثقافة بهذا المفهوم أصبحت موضوعَ دراسة الأنثروبولوجيا الجديد. وبالنسبة لبواس وأتباعه كان من الضروري دراسة المجموعات اللانهائية العدد من الثقافات والعادات والموروثات التقليدية للبشر. (يُنصح بقراءة قصة رواها مؤخرًا تشارلز كينج في كتابه “آلهة طبقات الهواء العليا” 2019).

هذه الفكرة جعلت الآلاف من علماء الأنثروبولوجيا ينطلقون إلى أقاصي الأرض ويتركون غرف الندوات لينتشروا في ميادين العمل، يبحثون فيها عن الطرق التي يمكننا نحن البشر أن نسلكها لتسيير أنفسنا. يجب أن نلتقيَ بالآخرين، ونعرفَ لغاتهم ونفهمَ عاداتهم، فإذا أرادت البشرية أن تدرسَ نفسها، فعليها أن تعتز بالتنوع الثري للوجود وتبحثَ عنه: “كل ظاهرة، كل حقيقة  في نفسها هي شيء مثير للاهتمام”، على حد تعبير بواس نقلاً عن جوته. وهذا يعني أننا يجب أن نفعّل علم الأجناس (الإثنوغرافيا).

وهذا ما شرعت ميد في القيام به. ففي صيف عام 1925، بعد عام واحد من حصولها على درجة الماجستير، بدأت ميد في أول عمل ميداني احترافي لها، تحت إشراف بواس، في جزيرة طاوو في ساموا الأمريكية. وكانت قد خطّطت للبقاء هناك لمدة تسعة أشهر، فتركت رسالة وداع لزوجها عالم الآثار الأمريكي لوثر كريسمان، اشتملت على هذا السطر الخالد: “لن أتركك إلا إذا وجدت شخصًا أحبه أكثر منك” (كانت دائمًا صريحة، وبالفعل تركت زوجها بعدها بقليل).

على جزيرة طاوو تعلمت لغة ساموا، وتقرّبت إلى السكان المحليين، وسجّلت كمياتٍ هائلةً من البيانات الإثنوغرافية.

سكنت هناك في حي خاص بجنود البحرية الأمريكية، وكان هذا خيارًا سيئًا لأنه فصلها عن سكان ساموا الأصليين. ومع ذلك، فبحلول وقت نهاية إقامتها قامت قرية فيتيوتا بتكريم ميد بشكل احتفالي  -كما دوّنت هي بشيء من الفخر والخيلاء- وأعطوها رتبة “الحرق” التي تمكّنها من إعطاء أمر الإحراق في المراسم للقرية بأكملها. وهذه العلامة كانت دليل على تقبّلهم لها بعد ما يقرب من العام من البحث الإثنوغرافي.

 جزء من مشروع بواس كان تحطيم كل ما بدا أنه قانون عام للإنسانية. وجود  “حالات سلبية” لا تتبع الظواهر التي كان يعتقد أنها صالحة لكل البشر في كل مكان سيدعم بالتأكيد نظرية الحتمية الثقافية،  لأنه سيثبت أن الثقافةَ وحدها -وليس علم الأحياء- هي المسؤولةُ عن الاختلافات بين البشر.

 جعل جي ستانلي هول -عالم النفس والمربي الأمريكي- دراسةَ المراهقة موضوعاً لتحقيق جادٍّ التزم فيه بشكل من أشكال الحتمية البيولوجية حتى أوصلته لنهايتها المحتومة، بالقول بتحسين النسل (وكان عضوًا في منظمة أبحاث تحسين النسل الأمريكية، ومعروفاً بشدة معاداته للسامية).

واحدة من أفكاره العديدة والتي كانت مقبولة على نطاق واسع هي فكرة أن المراهقة -بحكم الضرورة البيولوجية- هي وقتSturm und Drang أي  “عاصفة وتوتر” بالألمانية.

(نحن نحتفظ بنواة هذه الفكرة في العبارة التي تجري على ألسنتنا بكثرة: “الهرمونات الهائجة”). وبعبارة أخرى غير علمية: فإن المراهقة هي قطعة من الجحيم.

رأى هول أن هذا ينطبق على الجميع، في كل مكان، وفي جميع الأوقات. ولنفس غاية الطبيعة في جعلنا بشراً؛ فقد جعلت المراهقة أيضًا جحيماً.

قامت ميد في دراستها لسكان ساموا بفحص هذه الشمولية البيولوجية، وركّزت عليها عند الفتيات المراهقات. “لأنني امرأة فيمكنني أن آمل في مزيد من الحميمية بالعمل مع الفتيات وليس مع الأولاد، وأيضا بسبب ندرة عالمات الأجناس فمعرفتنا عن الفتيات البدائيات أقل بكثير من الذكور، لهذا اخترت التركيز على الفتاة المراهقة في ساموا”.

الدافع لسؤالها وهدفها النهائي كان محدّداً بما يكفي لأن يكون قابلاً للدراسة العرقية الإثنوغرافية ولإثبات شيئٍ مهمٍّ بالفعل: “هل الاضطرابات التي تزعج المراهقين تعود لطبيعة المراهقة نفسها أم تسببها لهم الحضارة؟”

فإذا كانت فتيات ساموا قد عشن المراهقة دون ويلات الضغوطات التي يبدو أن المجتمع الأمريكي يُلحقها بشبابه، فإن ذلك سيشكّل “الحالة السالبة”، التي ستضيف لبنةً أخرى إلى صرح بواس.

ميد أدركت جيدًا أن هذا البحث من شأنه الخروج بتوصيات عن الكيفية التي ينبغي على الأمريكيين القيام بتربية صغارهم بها. يمكنهم تحسين أداءهم، وميد ستعلمهم كيف!

بعد عامين من عودة ميد إلى نيويورك، تم نشر كتابها “بلوغ سن الرشد في ساموا” وأصبح بالتأكيد من أشهر الكتب الأنثروبولوجية على الإطلاق. كانت ميد حينها في السابعة والعشرين من عمرها. وصرّحت  بأن فتيات ساموا -على عكس الأمريكيات- قادراتٌ على التعامل مع سن المراهقة بسهولة.

من أحد الأسباب الفارقة هو مشاركة المجتمع في تربية الأطفال، ولا سيما الأسرة الكبيرة. وهذا أدّى إلى خلق نوع  كبير من  “تشتيت السلطة” مما ساعد على التقليل من تبعات التمرد على الوالدين.

فرق آخر: الانفتاح. الولادة -على سبيل المثال-  لم يتم إخفاؤها. “الأطفال شاهدوا الإجهاض وألقوا نظرة خاطفة من تحت ذراعي كبار السن من النساء اللواتي كن يغتسلن ويعلّقن على الجنين الغير مكتمل”.  الموت أيضًا، لم يكن محجوبًا عن الأطفال: “لم تكن هناك رغبة في حمايتهم من الصدمة أو إبقائهم على جهل “.

قد يكون هذا القبول لأحد الأوجه الكئيبة والسيئة للحياة هو في الواقع ما حرّر سكان ساموا من الخوف المقلق من المجهول. لكن حتى الآن فإن الجزء الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام من كتاب ميد كان وصف موقف ساموا تجاه الجنس ( بالرغم من أن مكانته متواضعة إلى حد ما بالنسبة لموضوع الكتاب نفسه).

مثل موقف قبائل ساموا من الولادة والموت والمرض؛ لم يكن الجنس كذلك عليه قيود. بالنسبة للأولاد، كانت العادة السرية نشاطًا مبهجًا يمارس في الخارج في يوم مشمس مع الأصدقاء، بعيدًا عن إشراف الكبار. وبالنسبة للفتيات، كانت أكثر انفرادية وخصوصية، لكن لم يتم قمعهن بأي حال من الأحوال.

وفقا لميد، فإن اللوطية كانت متقبلة بشكل عرضي، وتعتبر نوعًا من أنواع اللعب. وربما من أكثر الأمور التي شكلت صدمة للأمريكيين في عشرينيات القرن الماضي هو معرفة أن قبيلة ساموا تسمح للمراهقين بممارسة الجنس في السر قبل الزواج: “الجنس هو شيء طبيعي وممتع؛ الحرية التي تسمح به، لها اعتبار واحد فقط، وهو الحالة الاجتماعية.

ينحرف الفصلان الأخيران من الكتاب بعيدًا عن الإثنوغرافيا النزيهة إلى نقد لاذع للثقافة الأمريكية المعاصرة.  وتجدر الإشارة إلى أن كتاب “بلوغ سن الرشد في ساموا” هو  بالدرجة الأولى كتاب شعبي وليس أكاديمي. فلا توجد حواشي ولا يوجد فهرس وهو مليء بالتكهنات ويضجّ بالتفسيرات. لكنه يُعتبر في المقام الأول محاولةً لترجمة الثقافة المغايرة، وطرقاً لأذهان الأمريكيين للاطلاع على أساليب عيش الآخرين – ليتفكّروا في أنماط حياتهم الخاصة.

الكتاب موجه بالأساس للقاريء الأمريكي العادي؛ لا لـ ” أتباع بواس”.

وفي نهاية الكتاب، أسفرت ميد أخيراً للقراء عن غرضها، لتقول: إن الثقافة الأمريكية قمعيّة، مسفة، مليئة بالصرامة والالتزامات الكئيبة، ويوجد بها ضوابط تعسفيّة غالبًا ما يتعارض بعضها مع البعض الآخر، مما يُحدث عواصف من الاضطرابات والارتباكات والتوقعات: “​أطفالنا يواجهون ستة معايير مختلفة للأخلاق: معيار مزدوج للجنس عند الرجال و الجنس عند النساء، الجماعات التي تروج أن المعيار الوحيد هو الحرية، بينما يروّج آخرون بأن المعيار الوحيد يجب أن يكون الزواج الأحادي المطلق…

القائمة الطويلة للشعارات الحماسية، والولاءات المقترحة -والتي لا تتوافق مع بعضها البعض- مروّعة، في حين أن أهالي ساموا  الذين تعتبر المراهقة  عندهم وقتًا هادئًا، يخوضون الحياة بأريحية يمكن للأميركيين تعلّمُ الكثير منها.

حقّق كتابها نجاحًا تجاريًا منقطع النظير. وملأت به مجلة نيويورك سان العالم صياحاً: “ساموا هي المكان الأمثل للمرأة” 1929؛ “حيث تتوقف أمراض العصاب عن إثارة القلق وتموت العقد النفسية”. وبشكل مستغرَب قام العالم الغربي بتلميع سمعة تلك الجزر، وفي نفس العام الذي ظهرت فيه رواية دي إتش لورانس “عشيق السيدة شاترلي” لأول مرة.

دفع كتاب ميد الموجة التي غيّرت الأعرافَ الجنسية في الولايات المتحدة.  لقد حان وقت مخاض الثورة الجنسية، والتي قوبلت بردة فعل استباقية وموقفٍ متيبس من المحافظين.

الأمريكيون -وخاصة آباء المراهقين المتمردين- بحثوا وسط هذا البحر الهائج عن وسيلة للإبحار في هذه الأجواء الفوضوية الجديدة.

كتاب ميد، كان سهلاً واضحاً ومباشراً بطريقة لا تقاوم. وأعلنت مجلة هنولولو ستار أن ميد سعت  لاكتشاف “المرأة في حالتها البدائية”.

ومع كل هذا الاحتفاء بالكتاب إلا أنه كان مثار انتقاد بعض زملاء ميد من علماء الأنثروبولوجيا.

إدوارد سابير (عشيق ميد الذي هجرته) وصف الكتاب بأنه “رخيص وممل”، وبأنها “مومس بغيضة” -وهو بالطبع نقد غير علمي-.

عالم الأنثروبولوجيا برونيسلاف مالينوفسكي وأتباعه هاجموا أسلوب التعميم وإفراطَ الكتاب في التعليقات الاجتماعية.

وفي الآونة الأخيرة، تمّت إدانة ميد لرسمها صورةً مثالية تُنمِّط بها سكانَ جزر جنوب المحيط الهادئ وتصور أنهم يعيشون في نوع من اليوتوبيا البدائية الشهوانية:  “جنة عدن مع اللحم الوفير”.

السامويون أنفسهم استاءوا من هذه الصورة، وتساءلوا -ولهم كل الحق-  لماذا تتحدّث ميد على لسانهم! (جاءت هذه الانتقادات على الرغم من أن ميد كانت واضحة في أن الكتاب يمثل رؤية شخصيةً وخاصةً بها).

كتبت ميد في آواخر الأربعينات  “عندما تكون البيانات الميدانية من الجودة بحيث يمكن استخدامها بأثر رجعي -خاصةً من قبل الباحثين الآخرين- فإن هذا تكريمٌ حقيقي لـدقة العمل الميداني. ومع ذلك كان لدى ميد ميلٌ لرسم” نموذج يوم في الحياة”، مما سهّل عليها عرض ملاحظاتها الفوضوية.

هي نفسها وصفت كتاب “بلوغ سن الرشد في ساموا”  بأنه عمل أدبي.  أما كتابها  “التنظيم الاجتماعي في مانوا” (1930)، فقد كان كتاباً أكاديمياً جافاً مليئاً بالبيانات والحقائق المجردة، وموجهاً في المقام الأول للمتخصصين. على عكس كتابها بلوغ سن الرشد، فهو موجّه للقراء العاديين.  بعبارة أخرى، الأول عن ساموا، بينما الأخير يتعلق أكثر بالولايات المتحدة.

في آخر خمسين عام من حياتها -بالإضافة إلى استمرارها في أبحاثها  الأنثروبولوجية- مثّلت ميد صوتَ الليبرالية في الولايات المتحدة. وحصدت أعمدتها الشهرية في المجلة النسائية (ريد بوك)  متابعةَ ملايين القراء. كما ظهرت في برنامج جوني كارسون التلفزيوني، وكتبت كتباً أخرى- بعضها كان عادياً، و الآخر أكاديمياً، ومنها الجيد. ورفضت عرض الرئيس الأمريكي ليندون جونسون لتولي منصب سكرتير عام الصحة والتعليم والرفاهية، على الرغم من أنها أوصته بعض الوصايا عن قضايا المرأة، وكانت من أوائل من حذّر من تغير المناخ الأنثربولوجي. كما كانت تبدأ رسائلها إلى الرئيس كارتر بأسلوب فيه الكثير من التباسط “عزيزي جيمي…”

وكما مثل ألبرت أينشتاين الفيزياء، وبيب روث البيسبول، كانت مارغريت ميد تمثل الأنثروبولوجيا. لقد تجاوزت شهرتها شهرةَ بواس بكثير. وفي أواخر الستينيات، في ذروة الثورة الجنسية، بيعت أكثر من 100000 نسخة من “بلوغ سن الرشد”.

استخدامها الرائد للراديو، كتبُها التجارية التي تتبعت فيها الثقافات النائية من جزر ساموا إلى إنجلترا، دفاعها الثابت واحتفاؤها الجامح بتنوع العادات البشرية؛ كلُّ ذلك جعلها عالمةَ الاجتماع المثالية والمفكّرةَ الموقرة. (قالت ميد  ذات مرة لأحد موظفيها: “لقد أرهقت”، “ابحث لي عن محاضرة لكي ألقيها”).

في قسم الأسئلة والأجوبة الشهري في مجلة ريدبوك، أعربت عن رأيها في كل شيء، ابتداءاً من قوانين المخدرات (حيث كانت ترى أنه يجب تخفيفها، وأن يستثمر أكثر في إعادة التأهيل بدلاً من ذلك)، إلى أن الأجداد “يجب أن يعيشوا بالقرب من أحفادهم”، وانتهاءاً بموضوع المعاشرة قبل الزواج (ولم يكن لها فيه رأي محدد).

 أثناء حياتها المهنية وكواحدة من النخبة المثقفة، كانت أحياناً تعارض بعضَ أوجه الليبرالية، لكنها كانت تدرك دائمًا حقيقة أن الأعراف تتغير، وأن أسس المجتمع لن تستمر للأبد، وأن الثقافة نموذج موروث لا ينتقل بحذافيره من جيل إلى جيل.

منحها قبولها لنظرية الحتمية الثقافية -على الأقل جزئيًا- الدافعَ لأن تصبح  مُصلحةً اجتماعية وناقدة ثقافية. وأنتج فكرها نوعاً من الجودة المعيارية لنظرية الحتمية الثقافية، فإذا كانت الثقافة سلوكاً يتم تعليمه، وطريقةً للتنظيم، وإذا كان بإمكاننا دراسة كيف تنظّم الثقافات الأخرى نفسها؛ إذن فهذه إشارة ضمنية قوية إلى أنه يمكن إصلاح ثقافةِ المرء والارتقاءُ بها. فالثقاقة مرنة -على عكس الحتمية العنصرية والمتحيزة جنسيًا التي آمن بها أسلاف ميد- وإذا كانت حقًا مرنة، فمن ذا الذي لن يحاول تغييرَها للأفضل؟

شكّلت وفاة ميد عام 1978 ذروةَ شهرتها. ووُجد بين أوراقها بعد أن ماتت، مخطوطةٌ من شأنها أن تشوه اسمها بعد ذلك بقليل، مكتوب عليها: (ديريك فريمان “تعليقاً على عند بلوغ سن الرشد في ساموا: عدو أسطورة الأنثروبولوجية). لقد أرسلها إلى ميد على أمل أن تقرأها، لكنها لم تفعل.

أما إنها لو فعلت، لكان الكتاب سيثير فيها موجةً شديدة من الغضب.

لا يحتاج المرء أن يعرف الكثير عن فريمان سوى ما وصف هو به نفسه: أنه زنديق! كان يرى أن الرأي العام قد أجمع على تصويب نظرية بواس وآمن بأن الثقافة هي التي تجعل منا بشرًا، وفي المقابل عدّ علم الأحياء علماً غيرَ مهم نسبيًا، مما جعل الحتمية الثقافية تهيمن على الفكر السائد بطريقة دوغمائية، وغير علمية في جوهرها. وقد اعتقد فريمان شجاعةً في نفسه  ورأى فيها بصيصاً من الأمل جعله يظن أنه قادر على هزيمة هذه النظرية.

في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، أظهر فريمان اهتمامًا بالأنثروبولوجيا -وكطالب في جامعة فيكتوريا في ويلينجتون- حضر ندوات العالم النفسي النيوزيلندي إرنست بيجلهول، واعتنق فكر بواس، الذي قدّم إليه أعمال ميد، والتي دفعته بدورها ليكون مولعاً بساموا.

وفي عام 1939،حصل فريمان على دعوة للعمل كمدرس في قسم التربية في غرب ساموا، وتسلّم وظيفته في العام التالي. وخطّط لأن يستغل أوقات فراغه في البحث الميداني إلى جانب عمله بالتدريس.

وكما كان عمر ميد في رحلتها الأولى إلى ساموا، كان يبلغ هو أيضا من العمر حينها 23 عامًا. من بين الكتب التي أحضرها معه كان كتاب “علم الأنثروبولوجيا العامة “لبواس (1938) ومجلد صغير أنيق موجّه للعامة، يسمى “بلوغ سن الرشد في ساموا”.  ومثله مثل ميد، حصل فريمان على لقب فخريّ أسبغه عليه أهالي ساموا. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب وقته بين أهالي ساموا حتى أتقن لغتهم، إلا أنه كان يسكن هناك مع الأوروبيين والنيوزيلنديين.

عندما قامت الحرب العالمية الثانية انتهت وظيفته وتوقفت جميع مهامه الأكاديمية، بعدها أصيب بانهيار عصبي في عام 1961، منعه من العودة إلى ساموا حتى منتصف الستينيات. في هذه الفترة الفاصلة استمرت علاقته بساموا وكان كثيراً ما يحاضر عن ثقافتها، لكنه نشر القليل. كما أن وجهات نظره تبدّلت بشكل كبير.

وبحماسة كبيرة ورغبة في التغيير، أراد أن يفعّل الأنثروبولوجيا  كعلم. ولكي يحدث ذلك – وفقًا لفريمان-  لابد أن تعود الأنثروبولوجيا إلى جذورها: مرحلة ما قبل بواس: “يجب أن يكون علم الإنسان أساسه بيولوجيًا، يجب أن نبدأ بالحيوان البشري، وألا نسمح له مرة أخرى بالغياب عن أعيننا أثناء دراسة النظم الاجتماعية…

لكن حال بينه وبين طموحه آنذاك كتاب “بلوغ سن الرشد”، كان كتاباً عمره 40 عامًا، يتمتع بجاذبية عامة واسعة بالرغم من مكانتة الأكاديمية المتواضعة. (فحتى ميد اعتبرته شيئًا من الماضي)، وكان فريمان مصممًا على تدميره.

خصّ فريمان الفيلسوف النمساوي كارل بوبر بإهداء كتابه عن ميد. هذا الفيلسوف الذي تدين له البشرية بفكرة القابلية للتزييف: (النظرية العلمية تكون علمية فقط إذا كانت قابلة للدحض ( أي التخطئة)). وفي 23 مارس 1973، كتب فريمان رسالته الأولى إلى بوبر، معلنا بفظاظة أنه “بالنسبة إليّ فأنت لا تقارن بأي فيلسوف من كل فلاسفة القرن ال 20”. وهكذا بدأت مجموعة مراسلات غريبة ومثيرة للضحك.

يصنِّف فريمان مشروعه بأنه واحد من خلاصات تجليات فلسفة بوبر، وبأنه مثال من داخل علم الأنثروبولوجيا على استخدام الأساليب العلمية التي علّمها بوبر للبشرية.

من ناحيته، بوبر بدوره قبل المديح، لكن بارتباك. فيبدو أنه لم تكن لديه أدنى فكرة عن ما هو ” بلوغ سن الرشد”، ولم يكن يعرف إلا القليل عن الأنثروبولوجيا الأمريكية. (رسائله في الغالب كانت تحمل تشجيعات لطيفة).

في عام 1981، عندما أنهى فريمان كتابه “مارجريت ميد وجزر ساموا: صناعة وهدم أسطورة علم الأنثروبولوجيا” (1983)، كتب إلى بوبر: “لقد ألّفتُ كتابًا سيكون له تأثير جذري على تفكير علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الأحياء كليهما، وستكون له مكانة دائمة في تاريخ علم الأنثروبولوجيا الناشئ، (في حين لم نجد أحداً من علماء الأنثروبولوجيا يتّفق معه على هذا الرأي، فقد اعتبرت الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا أن كتاب فريمان “مكتوب بشكل سيئ، غير علمي وغير مسؤول ومضلِّل”)، ولكن كما هو الحال مع النجاح الكبير الذي حقّقه  كتاب ميد، فإن لعوام القراء وجهة نظر مختلفة تمامًا.

عنوانُ كتابه “كتاب ساموا الجديد يتحدى استنتاجات مارجريت ميد” تصدّر الصفحة الرئيسية  في صحيفة نيويورك تايمز قبل شهرين من نشره. وسجل فريمان في مذكراته الخاصة: “الآن تحقق الحلم الفريد: بتصميم، وجرأة وإقدام “(من الجيد دائمًا تدوين تعليقات المرء). وتبع ذلك المزيد من الدعاية. فكتبت الواشنطن بوست، ومجلة التايم، ووول ستريت جورنال والسيمثسونيان. وتمت دعوة فريمان إلى برنامج فيل دوناهيو ليناظر ابنةَ ميد (ماري كاثرين باتيسون)، وعالمَ الأنثروبولوجيا (براد شور). قال المضيف لفريمان: “أنت تنال قليلاً من شخصية مقدسة”، وكانت ملاحظة عابرة في وسط الحديث. كذلك طلب من علماء الأنثروبولوجيا -الذين لم يقرأ معظمهم كتاب فريمان- تعليقات فورية، فلم تأت الردود بطريقة علمية مدروسة. ونظراً إلى الطريقة التي تمت إدارة الحوار بها، فقد بدا للعامة أن فريمان أثبت خطأ ميد بشكل قاطع.

لقد كتب بروح مسمومة ولم يعترف يوما بخطأ علمي واحد فيما يتعلق بعدائه مع إرثها من الشهرة.

 وفي عام 1998، أطلق فريمان تسديدة هدفه الثاني، وكان يأمل منها أن تفضح قصور ميد العلمي، ولكن بدلاً من ذلك أظهرت بوضوح قصوره هو الشديد. في كتابه  “الخداع المشؤوم مارغريت ميد: تحليل تاريخي لأبحاثها عن جزر ساموا”، ادّعى أن الفتاة الشابة ميد (وحدها في جزيرة طاوو)، تكن كفؤاً، لدرجةٍ جعلتها تؤسّس معرفتها عن النشاط الجنسي للمراهقين على خدعة.

في رواية فريمان للأحداث، رأى أن مرافقي ميد، “فآبوا” و “فوفوا”  أخبراها بمزحة. ولم تكن حتى مزحة مضحكة: لقد أخبراها أنهم في فترة المراهقة كن يخرجن ليلا بعد أن ينام الكبار ليمارسن الجنس مع الصبيان. وصرح فريمان بأن هذه المزحة هي التي قامت ميد ببناء كتابها عليها، ونشأ عن هذه الدعابة السخيفة صورةٌ مزيفة عن الحرية الجنسية، خُدع بها الناس.

كتب قائلا: “نحن هنا نتعامل مع واحدة من أكثر الأحداث إثارة للمثقفين في تاريخ القرن العشرين : مارغريت ميد -كما نعلم- تم استغفالُها بشكل صارخ من رفقائها في ساموا، وميد بدورها -من خلال إقناع الآخرين بـ “صدق” روايتها عن ساموا- ضلّلت تماماً وأضلّت فعلياً المؤسسةَ الأنثروبولوجية بأكملها… لا يمكن أبدًا أن يكون للأكاذيب المثيرة للضحك مثل هذه النتائج بعيدة المدى في الأروقة الأكاديمية.

 أثبت عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي بول شانكمان، (المرجعُ الأول في جدال ميد/فريمان) أن حجة “الخدعة” خاطئة تمامًا.

وكان فريمان قد أجرى مقابلات مع فآبوا عدة مرات (من خلال وسيط) في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، يستفسر عن علاقتها بـ ميد منذ حوالي 60 عامًا سبقت. كما روى عنها، أنه في لحظة درامية مناسبة أدركت فافوا فجأةً أن رواية ميد الخاطئة (عن السلوك الجنسي في ساموا) لابد أن تكون قد نشأت عن المزحة التي خدعتها بها هي وصديقتها فوفوا من قبل.

لكن النصوص الكاملة للمقابلات -والتي تبرّع بها فريمان إلى جامعة كاليفورنيا في سان دييغو- تخبرنا عن قصة مختلفة تمامًا: كانت فأبوا مرتبكة في كثير من الأحيان، ويتم استفزازها للإجابة الفورية، ولا تعرف شيئًا عما قامت به ميد منذ عام 1926 غير ما أخبرها به فريمان، والذي كان يقصد أن يقوله بطريقة مهينة واستفزازية قدر الإمكان (قال -على سبيل المثال-: إن ميد كتبت أن فآبوا “كانت تخرج في الليل -طوال الليل- كل ليلة”، وهذه كذبة).

أقل من صفحة واحدة من 140 صفحة تم عرضها على الجمهور. في الواقع، حجته كانت من الشناعة لدرجة أن مطبعة ويست فيو -التي نشرت كتابه ” الخداع المشؤوم، مارجريت ميد” لأول مرة- توجّب عليها  أن تصدر طلبًا لسحبه من الأسواق.

بعيدًا عن كونها مرشداً رئيسيًا، ميد لم تذكر فآبوا في  “بلوغ سن الرشد”  إلا بضع مرات فقط (وتحت اسم مستعار)، وأطلقت عليها هي وفوفوا “أصدقائي المرحين”. ولا تشير ميد في أي مناسبة إلى ما سُمّيَ بالنكتة التي يُفترض أن فآبوا قد ألقتها إليها، وكانت على وعي تام بميل أهالي ساموا للسخرية من الأجانب.

ولو تقبّلنا حجة “الخدعة” التي أطلقها فريمان، فسنضطر أيضًا إلى التخلّص من كل أبحاث ميد، بما في ذلك تلك الخاصة بالمنظمة الاجتماعية، وسنلقي بها دون أدنى مبرر أدراجَ الريح.

 ساموا من زاوية رؤية فريمان هي تقريبًا نسخة  مقلوبة من رؤية ميد. السامويون ليسوا منفتحين أو عفويين. إنهم منافسون قاسون، نحيفو البشرة، شريرون، وينتشر بينهم الاغتصاب.

استحضرت ميد روح أركيديا اليونانية حين وصفت ساموا، بينما سعى فريمان إلى إبراز مدينة هاديس “مثوى الأرواح بعد الموت”.

وبما أن صورة ميد الكاملة عن ساموا كانت بعيدة عن الواقع، قرر فريمان أن نتائجها عن المراهقة كانت أيضا كذلك.

“اللطف والاحترام الباديان على شخصية ساموا، يخفيان القابلية الداخلية للغضب والعنف”. ياله من وصف منسوب لرجل يدّعي أنه يحب ساموا من صميم قلبه لدرجة أنه تعهّد بأن  يدفن في أرضها!

بينما تصوِّر ميد ساموا على أنها جزيرة هادئة (الصورة شبه النمطية)، وأن أهلها يتحلون بأخلاق هادئة وتقل بينهمالصراعات، قدّم فريمان ساموا على أنها مسيحية متزمتة، تقدس العذرية فوق كل شيء.

ولهذا تفسير واضح:  ففريمان لم يذهب إلى ساموا لدراسة مرحلة المراهقة. ولم يكن محدّثوه من الإناث ولم يكونوا صغاراً، بل كانوا من الرجال الحريصين على تقديم ثقافة أكثر صرامة، يهيمن عليها الذكورة وليس كما عرّفتها الشابات لميد.

الفضيلة المعلنة والتي يتبناها القادة لا تتطابق دائمًا مع السلوك الخاص للأفراد الذين يتبعونهم.

هذا وقد تغير الكثير أيضًا منذ ذلك الحين في ساموا، لأسباب من أهمها تمركز الآلاف من مشاة البحرية الأمريكية أثناء الحرب  هناك، والذين تزوج بعضهم من نساء ساموا.

فالثقافة بالنهاية تمتاز بالديناميكية والتغير الدائب.

لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا؟ إذا كان فريمان يعتبر نفسه جادًا في البحث الأنثروبولوجي، فلماذا ركّز على كتاب شعبي  قديم، ولم يركز مثلاً على نظرية ميد للمنظومة الاجتماعية في مانوا (التي كان يعرفها لكنه قلّل من شأنها)؟ الجواب هو أنه لم يكن مهتمًا بحصر القتال في الأوساط الأكاديمية. هو -مثل ميد- أراد أن ينشر في الرأي العام وجهة نظرة عن الحداثة والغرب، ولم يكن يمانع من استغلال أهالي ساموا لبلوغ غايته.

حجّته لم تكن أنيقة بما يكفي لكنها كانت فعّالةً من خلال اعتبار “بلوغ سن الرشد” أساسًا قامت عليه دوغمائية الحتمية الثقافية.

تمكّن فريمان  من ارتداء زي المخلّص الذي سيخلّص البشرية من هذه الدوغمائية، بينما هو لم يكن في حقيقته كذلك.

اعتقد فريمان أنه يعرف لماذا صدّرت ميد وجهةَ نظر مغايرةً للواقع عن ساموا، وبرّر ذلك بأنها كانت مستعبدة بشكل أعمى لبواس. رغبتها في إثبات نظريات بواس في جنوب المحيط الهادئ  كانت شديدةً  لدرجة أنها لاحظت وسجلت فقط ما كان مفيدًا لتأكيد تصوراتها المسبقة عن المكان. احتاج بواس إلى ميد لإثبات الحتمية الثقافية، وهي كانت بحاجة إلى أن تثبت كفاءتها إليه، ولذلك فشلت ؛ وبالتالي فشل معها بواس.

إنها حجة شيطانية صغيرة، مؤسسة على التحيز الجنسي، بينما تقلّل أيضًا من قيمة علم بواس الأنثروبولوجي وتهبط به إلى مكانة مدون طفولي غريب الأطوار، كما لو كانت كل إسهاماتهم في علم الأنثروبولوجيا يمكن اختزالها إلى نوع من أنواع الفرويدوية الشعبوية. بهذا الاعتبار كان يتوجب على فريمان أن يقف وينظر في المرآة: “ميد” كتب قائلاً ذات مرة، “كانت تُعرف بأنها تخصي الرجال، كانت تصطادهم ثم تسحقهم!”

إن إزالة الحتمية الثقافية يمهد الطريق لإحياء التفسيرات البيولوجية للاختلافات البشرية.

على شواطئ ساموا،سعى اثنان من علماء الأنثروبولوجيا للحصول على دليل لنظريتين مختلفتين تماما لتفسير السلوك البشري، ومعرفة كيف يمكن تغييره. ملاحظاتهم الإثنوغرافية، والتي تأثّرت بمعتنقاتهم المسبقة، عزّزت الأفكار العظيمة التي توصلوا لها وكان لها آثار تجاوزت نطاقهم  الأكاديمي الضيق. ذهبت ميد بشكل صريح للبحث عن “الحالات السلبية” لتهدم بها نظرية الاختلافات البيولوجية والتي كانت مهيمنة على علم الأنثروبولوجيا في وقتها. في حين بحث فريمان بدوره عن “الأمثلة السلبية” لنظرية ميد وسعى صراحة لدعم نظام أكثر تمحوراً حول البيولوجيا. هم كانوا -في هذه الحالة ومن وجهة نظر التاريخ- أيقونتان رمزيتان لـ “الثقافة” ولـ”علم الأحياء”، والصراع بينهما جسّد التوتر السحيق الذي تولده هاتان الفكرتان  في أذهان من يحاولون فهم معنى أن تكون إنساناً.

طريقة حل هذا التوتر تخبرنا بالكثير عن مذهب المرء السياسي، ليس بصورة قطعية، لكنها معبرة عنه بالتأكيد. فالثقافة أولاً -من وجهة نظر بواس- هي التي تشكّل طبيعة الإنسان الغامضة والمرنة، بدون إعدادات معقدة أو أساسات ثابتة لتقيم لنا هذه الصنعة المعجزة.

نجد في طيات هذه الفكرة (إن لم يكن الكثير من التناقض) فالكثير من السيولة الجوهرية للبشرية نفسها، وقدرتها على التكيف وهي تطال مركز المنظومة الإنسانية، وتفسّر قدرتَنا على تنظيم أنفسنا بأساليب أكثر إنصافًا وعدلا وكرامة،  وهذا هو المبدأ الذي كرّست له ميد أغلب حياتها.

أما أولئك الذين يجذبهم القطب المعاكس (مثل فريمان) فمن المرجّح أنهم يرون البشرية بطريقة مختلفة، ويعتقدون أن هناك طرقًا أساسية محددة في تكويننا البيولوجي يتم تصميمها وراثيًا أو بيولوجيًا، ويمكن فهمها علميًا.

الناس -في مفهومهم- عبارة عن “مجموعة من الانضباطات المسبقة” منذ الولادة، فأسس الطبيعة البشرية مدفونة بعمق سحيق بداخلها. الرجال هم الرجال، النساء هم النساء، وهذه التصنيفات وأمثالها متجذرة في أصل الإنسان.

انطلاقاً من هذا المشهد نجد أن غموض كثير من القضايا يتلاشى، وتتلاشى معه أيضا المرونة والقدرة على التغيير. فإذا أراد المرء إحداث تغيير اجتماعي فسيجد صعوبةً بالغة جدًا في تحقيق ذلك. والأسوأ منه أنه قد لا يوجد لدى المرء أقل نية لمحاولة التغيير (بما أن الطبيعة قد حددت مسبقا أماكن الأشياء؛ فتلك الأشياء يجب أن تبقى في أماكنها ولا داع لتحريكها)!

تبنى علماء النفس التطوريون هذا الفكر على وجه الخصوص. وفي سياق جدل ميد/فريمان، فإن إعدامهم لـشخص ميد يمثّل وسيلتهم لرفض الحتمية الثقافية. فهم يرون أن التخلص من الحتمية الثقافية سيمهّد الطريقَ لإحياء التفسيرات البيولوجية للاختلافات بين البشر، ناهيك عن تحديد النشاط الجنسي والفروق بين الجنسين.

فلنأخذ كمثال ديفيد بوس عالم النفس التطوري الأمريكي الذي كرّس الكثيرَ من حياته المهنية للدفاع عن الثوابت والفروق الجنسية بين الرجال والنساء: قراءة سريعة لـ “اكتشافات” فريمان بخصوص “الخدعة” كانت كافيةً لإقناعه بأن الكثير من أعمال ميد كانت خاطئة (وقد يتساءل المرء عما إذا لم يكن بوس هو نفسه قد خُدع من قبل فريمان).

كاتب العلوم البريطاني مات ريدلي وصف ميد بأنها شبح “التصحيح السياسي”، وربط بين تبنيها لمبدأ المرونة الثقافية و”الشيوعية”، وبالتالي لطّخ موقفها المعتدل من تحسين حياة المجتمعات البشرية ذات معدل الجرائم الكبير في القرن العشرين. هذا مثال شديد الوضوح يرينا كيف يمكن تضخيم أبحاث أنثروبولوجية بالأساس، وإخراجها من جميع الأطر المعقولة.

في كتابه “القائمة الفارغة” 2002، قام عالم النفس الأمريكي الكندي الأصل ستيفن بينكر بسلوك نفس المسار، وسلخ ميد على أسياخ النقد اللاذع، في حين أنه أشار إشارة مقتضبة إلى كتاب فريمان “الاكتشافات” الذي -بالنسبة له-  أثبت أن ميد كانت على “خطأ وانحراف كبير”.

أيضاً سار على دربهم عالمُ النفس الكندي والمؤلف الشعبي جوردان بيترسون الذي يمتزج فكره التطوري بالابتذال والعنف، ويفيض بنظريات كارل يونج النفسية، فهو يؤيد بقوة ويصدر أيديولوجيات كارثية، ولكنها مثالية لأولئك الذين يبحثون عن مستندات في الطبيعة تثبت سيادتهم وعلو جنسهم.

(ذكر هؤلاء المفكرين مجتمعين، لا يعني نسبتهم لنفس المذهب السياسي، إنما جاء ذكرهم ببساطة لتسليط الضوء على ميولهم التي جعلتهم حلفاء لفريمان، وبالتالي أعداء لـميد).

أعجبني المقال

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى