الفلسفة

متاهة النسبية الأخلاقية

  • بول بوغوسيان
  • ترجمة: غادة المعيوف
  • تحرير: تركي طوهري

أصبحت النظرة النسبية حول الأخلاق تؤدي دورًا مهمًّا في الثقافة المعاصرة ولا يمكن للعديد من المفكرين تجنبها، لا سيما أولئك الذين لا يريدون أن يستمدوا منظومة أخلاقهم من الدين، وقد يعللون ذلك بسؤالهم عن المصدر الذي تستند إليه الحقيقة المطلقة عن الصواب والخطأ في حال لم يكن هناك كيان متجاوز للعالم هو من يملي علينا سلوكنا الأخلاقي، وبالتالي يرون أنه ينبغي أن نرفض أي مسلَّمات أخلاقية حتى مع إيماننا بمعتقداتنا الأخلاقية، مما يعني الدخول في متاهةِ نسبيةِ الصواب والخطأ؛ فهناك خطأ وصواب في تطبيقات هذا القانون الأخلاقي المعين، لكن لا يوجد ما هو خطأ أو صواب بحد ذاته. (انظر على سبيل المثال مقال ستانلي فيش، “إدانة بدون مسلمات”)[1]

فإذا ما اتفقت آراؤنا على أنه لا وجود للساحرات، فقد قطعنا في المسألة وخرجنا بها عن النسبية، لكن هل من المقبول عقلا الرد على من يرفض الحقائق الأخلاقية المطلقة بالنسبية الأخلاقية؟ لماذا لا ينبغي أن يكون ردنا متطرفًا عدميًّا نتوقف بموجبه عن استخدام مصطلحات معيارية كالصواب والخطأ سواء في شكلها المطلق أو النسبي؟

ليست النسبية طريقة منطقية دائمًا للرد على من يرفض فئة محددة من الحقائق، فعندما قطعنا بعدم وجود الساحرات، لم يعد وجود الساحرات مسألة نسبية تحتمل الشك، بل إننا لم نتخلَّ عن الحديث عن الساحرات تماما إلا عن طريق تصنيف تصرفات الناس (مثل من سكان مدينة سالم)[2] الذين آمنوا خطأً بأن العالم به ساحرات، أو عن طريق تصنيفٍ ما يسعد الأطفال بتنكرهم بزي الساحرات في عيد الهالوين. وبالتالي فقد أصبحنا ما نسميه “إقصائيِّين” حول فكرة وجود الساحرات، وفي المقابل عندما علَّمَنا أينشتاين نظريته النسبية الخاصة التي تعني أنه لا وجود لما يسمى بالتزامن المطلق بين حدثين، كانت النتيجة الموصى بها حول التزامن هي تبني نظرية النسبية، مما يسمح بوجود ما يسمى “بالتزامن النسبي” حسب الإطار المرجعي (الزمكان) وليس حسب التزامن بحد ذاته.

فما الفرق بين مسألة وجود الساحرات ومسألة التزامن؟ لماذا أدت مسألة التزامن إلى النسبية الخاصة بينما مسألة الساحرات أدت إلى كوننا إقصائيين؟

فيما يتعلق بمسألة التزامن فقد أوضح أينشتاين أنه بينما لا وجود للتزامن المطلق في العالم، إلا أنه يوجد تزامن نسبي بحسب الإطار المرجعي، وهي الخاصية التي تلعب دورًا يشبه دور التزامن الكلاسيكي في نظرتنا  للعالم.

أما عن مسألة الساحرات فعندما لا نؤمن بها فإنه لا مجال للنسبية، ولا يمكنها أن تؤدي أو تلعب دورًا مشابهًا لنسبية التزامن، حيث تعتبر خاصية -التي قد تكون لحدثين- “التزامن النسبي بحسب إطار مرجعي ف” نوعًا واضحًا من التزامن، ولكن لا تعتبر خاصية “كون الشخص ساحرًا حسب نظام اعتقادي ت” نوعًا من الساحرات بل نوعًا من المحتوى (محتوى النظام الاعتقادي ت)؛ فالخاصية طريقة لتوصيف ما يقوله نظام المعتقدات ت وليست طريقة من طرق تصنيف العالم.

ويجدر بنا هنا السؤال عما إذا كانت مسألة الأخلاق تشابه مسألة التزامن أم الساحرات؟ ثم هل عندما نرفض الحقائق الأخلاقية المطلقة تصبح النسبية الأخلاقية هي النتيجة الصحيحة أم العدمية؟[3]

تعتمد الإجابة -كما شاهدنا- على وجود التشابه النسبي للصواب والخطأ الذي يلعب دورًا مشابهًا لدور الصواب والخطأ المطلق، حيث من الصعب تحقيق كليهما، فالمهم معرفته في مسألة الصواب والخطأ هو أنها مصطلحات معيارية، تستعمل لبيان كيف ينبغي أن ننظر للأمور عوضًا عما هي حقيقتها القائمة بالفعل، ولكن ما دور التشابه النسبي للصواب والخطأ في لعب الدور المعياري؟

يقول معظم دعاة النسبية الأخلاقية بأنه يجب نسبة الصواب والخطأ لقانون المجتمع الأخلاقي، ووفقًا لبعض هذه القوانين فبعضها يحلِّل أكل اللحم والبعض يعتبرها إهانةً وظلمًا يجب تحريمه، لذا تتجه نسبية الأخلاقية إلى أنه لا يجب التحدث ببساطة عن ما هو الصواب والخطأ، بل لا يمكننا إلا الحديث عن “نسبية الصواب والخطأ حسب قانون أخلاقي محدد”.

وتكمن المعضلة في أن قول عبارة معيارية واضحة مثل “أكل اللحم عمل خاطئ”، وفي قول ملاحظة وصفية لا تحمل معانٍ معيارية مثل “أكل اللحم عمل خاطئ بالنسبة إلى المنظومة الأخلاقية في الديانة الهندوسية” حيث يُعتبر قول ذلك بمثابة طريقة لتصنيف ما يتبناه قانون الهندوسية الأخلاقي، ومنها يمكن لأي شخص أن يستنبط هذه الحقيقة وأن يتفق على أن أكل اللحم عمل خاطئ بالنسبة لقانون الهندوسية الأخلاقي بغض النظر عن وجهة نظره عن أكل اللحم.

لذا تشابه مسألة الأخلاق مسألة الساحرات أكثر من مسألة التزامن لأنه لا يوجد بها تشابه نسبي للصواب والخطأ، فنكران مسألة الحكم المطلق الأخلاقي لا يؤدي للنسبية بل للعدمية، حيث لا توجد منزلة وسطى تسمى “الأخلاقية النسبية” والتي نستخدم فيها مفردات معيارية شريطة أن تُفهم في ضوء قانونٍ أخلاقي محدد، ولو لم توجد الحقيقة المطلقة عن الأخلاق لانضمت مسألة الصواب والخطأ لمسألة “الساحرات” ووُضعت في سلة مهملات المفاهيم الخاطئة، فالخلاف هنا جسيم لأنه يوضح أهمية عدم التسرع في تكذيب الحقائق الأخلاقية المطلقة -رغم غموض معانيها أحيانًا- فقد يبدو العالم أكثر غموضًا بدون استخدام المفردات المعيارية إطلاقًا، وقد يشكك أحدهم في حجتي حول مناقضة النسبية الأخلاقية، أليست بعض المجالات المعيارية مألوفة لنا -مثل آداب السلوك- والتي نكون نسبيين تجاهها؟ وبالتأكيد لا يمكن لأحد بكامل قواه العقلية أن يعتقد بوجود بعض الحقيقة المطلقة حول مسألة وجوب تناول “الشعرية/ النودلز” بطريقة معينة.

فإذا كنا نتناول الطعام في قصر باكنغهام فإنه لا يجب أن نلتهم الشعرية بجرعات كبيرة، لأن ذلك قد يعتبره المستضيف فعلا مهينًا ولا يجب علينا فعل أي فعل مشابه له حتى لا نهين المستضيف، أما إذا كنا نتناول الطعام في مدينة شيان في الصين فحبذا تجرع الطعام بجرعات كبيرة لأنه يدل على أننا مستمتعين بالوجبة وقد يشعر المستضيف بالإهانة في حال عدمه، ولا يجب علينا فعل أي فعل مشابه له حتى لا نهين المستضيف.

ولكن إذا كانت النسبية منطقيةً فيما يتعلق بآداب السلوك فلم لا نزعم بأن الأخلاق نسبية كالسابق؟

يرجع السبب في ذلك إلى أن نسبيتنا حول آداب السلوك لا تنفي جميع الحقائق الأخلاقية المطلقة بل إننا نسبيين حول آداب السلوك؛ أي أننا نختار المعيار الصحيح فيما يتعلق بمسائل محددة كالسلوك حول مائدة الطعام والتحيات والتي نحدد من خلالها ما يجب وما لا يجب فعله حتى لا نهين المستضيف، ويعد هذا المعيار مطلقًا وينطبق على الجميع ويتناسب مع كل الأزمنة، حيث تكمن نكهته النسبية في حقيقة أن المعيار يؤيد تغيير الفرد من سلوكه تبعًا للعرف المحلي مع الأخذ بعين الاعتبار سلوكيات محددة كالسلوك حول مائدة الطعام والتحيات ولكن لا يؤيد على سبيل المثال الإساءة إلى الأطفال بغرض المتعة.

وبمعنى آخر تعتمد نسبية آداب السلوك على وجود معايير أخلاقية مطلقة، وبما أن آداب السلوك لا تنفي الحقائق الأخلاقية المطلقة فلا يمكن أن نستخدم آداب السلوك كقاعدة للنسبية الأخلاقية.

فلنفترض أننا أخذنا تلك النقطة بالاعتبار واعترفنا بأنه لا وجود للحقائق الأخلاقية المطلقة، لم لا تكون مثل الحقائق المتعلقة بآداب السلوك؟ لم لا يقول الجميع -مع الأخذ بعين الاعتبار أي سؤال ذا علاقة بالأخلاق- أن ما يجب علينا فعله يعتمد على العرف المحلي؟

اقرأ ايضًا: أسطورة النسبية الأخلاقية

تكمن المعضلة في هذا النهج بأنه متى ما اعترفنا بوجود بعض الحقائق الأخلاقية المطلقة فإنه يصعب علينا رؤية لماذا لا ينبغي لنا أن نفكر بوجود العديد منها والتي يمكن تبريرها أيضا بالفطرة السليمة والمنطق. فبعد أن تخلينا عن الإيمان بجدوى الرفض الشامل للأحكام المطلقة، يجدر بنا البحث حول معرفة ما الحقائق الأخلاقية المطلقة، ولمعرفة ذلك نحتاج إلى توظيف حججنا المعتادة والحدس والخبرة ومعرفة ما الحجة والحدس والخبرة التي تبين لنا ما إذا كان ينبغي علينا تناول الطعام حسب العرف المحلي أو عدم الإساءة إلى الأطفال بغرض المتعة.

ويحتاج من يريد أن يصبح نسبيًّا حول الأخلاق أن يقرر ما إذا كانت وجهة نظره تسمح بوجود بعض الحقائق الأخلاقية المطلقة أم ما إذا كانت وجهة نظره نسبية بحتة وخالية من أي التزامات لأي حقيقة مطلقة، وكما ناقشت سابقًا بأن الموقف الثاني يقود إلى العدمية، بينما يقود الموقف الأول إلى الخروج عن النسبية والرجوع إلى السؤال عن الأخلاق المطلقة.

ولا يعني ذلك نكران وجود مسائل صعبة والتي ليس من السهل معرفة الإجابة الصحية عن السؤال عن الأخلاق، بل إن ذلك للتأكيد على عدم وجود بديل جيد حول التفكير في أننا عندما نكون مشوشين ذهنيًّا عن الإجابة على سؤال أخلاقي صعب فإننا مشوشون في معرفة ما هي الإجابة الصحيحة المطلقة.

اقرأ ايضًا: أخلاقٌ بدون إله؟


الهوامش:

[1] – إن تثبيت موقف فيلسوفي معين على شخص ما خاصةً شخصًا ليس فيلسوفًا دائما ما يكون صعبًا؛ لأن غالبًا ما تعطي الناس صيغًا غير متكافئة لوجهة النظر نفسها، فلنأخذ مقال الكاتب فيش على سبيل المثال حيث بعدما قال: لا توجد معايير منفصلة تحدد أي تفسير من التفسيرات المتناظرة لحدثٍ ما هو التفسير الصحيح، ويعد ما قاله نسبيًّا بحق، إذ زعم في النهاية إلى أن كل ما كان يقصد هو “أن وضع نفسك مكان عدوك ليس لتقمص سلوكه بل لتفْهم -وليس لتتقبل- السبب وراء هذا التصرف، ويعد هذا المثال مجرد توصيات للفهم وتقمص الموقف، وكل ما قاله رأي سديد ومتماثل جدًّا للتأييد الأخلاقي المطلق.

وتقول وجهة نظر أخرى والتي تتعارض أحيانًا مع النسبية الأخلاقية هي أن الشيء الصحيح يعتمد على الظروف حيث لا شك في أن فعل الشيء الصحيح يعتمد على الظروف حتى في وجهة النظر المطلقة، وسواء ما إذا كان ينبغي عليك مساعدة شخص محتاج يعتمد على الظروف وظروفهم وما إلى ذلك، ولكن ما يخلق وجهة نظر نسبية هو ما تحمله الفلسفة في معانيها من أن الصواب والخطأ لا يعتمد فقط على الظروف بل ما يعتقده الشخص أو مجتمعه بالفعل الصحيح حسب قانون المجتمع الأخلاقي. وأخص هذا المقال بمن يريد إنكار وجود أي حقائق أخلاقية مطلقة في هذا المعنى ولو لم تكن ممن تبنى وجهة النظر تلك فإنك لست المستهدف في هذا النقاش بالتحديد. (الإشراف)

[2] – مدينة في ماساتشوستس من معالمها منازل يقال أنها تعود للساحرات. (الإشراف)

[3] – قد يظن بعض الفيلسوفيين أن بإمكانهم الهرب من هذه المعضلة بأن يدلي بالفلسفة النسبية على أنها أساس الحقيقة النسبية عوضًا عن تبيين أنها أساس الأخلاق النسبية، ولكن كما شرحتُ سابقًا أن المعضلة تكمن في تكرار فقدان المحتوى المعياري في هذا السياق. (الإشراف)

أعجبني المقال

المصدر
blog nytimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى