عام

من أقاصيص الحياة: ذُو السنِّ الذهبية

كانت عقارب الساعة في ظهيرة الرياض اللافحة صيف عام 1401هـ تُشير إلى الثانية، موعدِ وصولِ رحلة الطيران القادمة من جدة، ومرزوق على عادته يتكئ مائلًا بمرفقه الأيمن على مقدّمة سيارته الأجرة، وعيناه تختلسان النظر إلى ساعة يده اليسرى بسوارها الحديدي المتخلخل، يترقَّبُ خروج الركاب من صالة القدوم، وشُعاع الشمس يسيلُ على جبينه فيتفصّد عرقًا، وهو يحاول عبثًّا تجفيفَه فيمسحه بطرف شماغٍ برتقاليٍّ فاقعِ اللون، يعلوه عقال فاحم غليظ، ثم يمدُّ أنامل يده السمراء إلى أعلى ثوبه المُبتلِّ جهة نحره، فينفضه ليُزيح التصاقه عن جسده.

بعد هُنيهةٍ، بدأت أفواج الركاب تَنْداحُ من بوابة المطار لتملأ الرصيف الخارجي، ما بين قاصدٍ إلى سيارات الأجرة، وآخر يفترش الرصيف ينتظر صَحْبًا وأهلًا، وطائفة تدفع عربات الأمتعة وقد تقوّست ظهورها، يتخلّل ذلك صيحات بهيجة ينثرها الصغار وهم يركضون لاعبين.

كان نصيبُ مرزوقٍ من أولئك القادمين اثنين في أشُدِّهما، تلوح النعماء غضّةً طريّةً من قسماتهما كما يومضُ البدر وضّاءً في صفحة السماء، يحمل الأوّل مشلحه الذهبيَّ على يده اليسرى وقد طواه على هيئة مرتبة، وتتدلّى من يد الآخر حقيبةٌ جلديّةٌ سوداءُ لامعةٌ، ورائحة عطر جلسندر المشوب بالبخور الهندي تتضوّع منهما.

قال أحدهما بعد أن استويا جالسين في مقعد السيارة الخلفي مخاطبًا مرزوق:

– شارع الخزّان لو سمحت، وأرجو ألا يُزعجك جلوسنا في المقاعد الخلفية، فلدينا أمرٌ نودُّ نقاشَهُ.

صوّبَ بصره إليهما من مرآة السيارة الداخلية، وشَفَتاه المكتنزتان تفترّان باسمتين عن سِنِّهِ الذهبي الذي يتخلّل أسنانًا صفراء، ثم هزَّ رأسه بالإيجاب وانطلقت سيّارته، وكعادة سائقي الأجرة، أخذت أذنه تتلصّصُ عليهما وهما يتهامسان، لعلّه يجد مدخلًا للحديث إليهما فيُخفف عن نفسه عناء الطريق.

– لقد ربحنا من تصفية مساهمتنا الماضية مع أبي عبدالله أربعة ملايين ريال، أعتقد أن عوائدنا هذه المرة لن تكون أقلَّ منها.

– لا تنسَ أنَّ شهرة أبي عبدالله قد رَبَتْ كثيرًا، فالناس تثق فيه وتأتيه من أقاصي المملكة، وهو لا يردُّ أحدًا يرغب بالمساهمة معه، فقد تنقص أرباحنا.

أوشكت عين مرزوق أن تخرجَ من مَحْجَرها لهَولِ ما يسمعه من الأرقام الضخمة التي لا يكترث بها هذان الراكبان، كما لو كانتْ ريالاتٍ معدوداتٍ، ويُسِرُّ في نفسه: أرباحهم أربعة ملايين ريال، فكم هو رأس المال إذن! إنَّ يدي لم تضمَّ أكثر من خمسة آلاف ريالٍ ريال، كانت تعويضًا عن بيت والدي الذي أزالته البلدية في حي السبالة، حملتها بحذر شديدٍ كأني أحمل خزانة البنك الأهلي.

دأَبَ مرزوق على ملاطفة ركّابه العاديين بالحديث والتعليقات الساخرة المتبادلة، أمّا هؤلاء الأثرياءُ فلا تليق بهم إلا الألفاظ المنمّقة بنبرةٍ فخمةٍ لا يُحسنها، فأكمل طريقه إلى شارع الخزّان صامتًا، لكنَّهُ أرْهَفَ أذنه لتعيَ تفاصيلَ حديثِهما الصادم، وانشغلتْ عينهُ بحفظِ مسارِ الرحلةِ إلى بيت أبي عبدالله شارعًا شارعًا.

وبعد أن أبلغَ الضيفين الأنيقين إلى مقصدهما، عاد إلى بيته الشعبي الصغير في حي العُود، يقود سيارته ببطء واحتراس عبر أزقتها الضيّقة المتعرّجة، وقد شَذَتْ كراسيها بروائح العطور والبخور.

فلمّا دخل تلقّته زوجته بمعزوفتها المتكررة:

– الأزواج يعودون محمّلين بأكياس التموين، وأنت تأتي بأيادٍ جوفاء، وهم يعملون في مكاتب فخمة مكيّفة، وأنت تقتحم علينا برائحة ملابسك التي صنّت لكثرة وقوفك في الشمس، آه يا حسرتي ليتني تزوّجت ابن خالتي عنبر، لَكُنَّا الآن في كَنَفِ الشيوخ على شواطئ الإسكندريّة.

لم يجاوبها بكلمة، بل قرّر مغادرة حِصَّةِ التعذيبِ الشفويِّ فورًا، فلاذَ بُحجرة نومه وأوصد الباب على نفسه، ثم جثا على ركبتيه وحنى رأسه وصوّب صدره ليتفحّص أسفل السرير، فمدَّ يديه وأخرج حقيبةً معدنيّة كبيرةً فضِّية اللون قد اسودَّت أطرافها، ففضّها وأخرج منها صندوقًا خشبيًّا صغيرًا، فمسح ما علق به من غبار، ثم راح يبلُّ إبهامه بلعابه ويبدأ في عدِّ أمواله المخبّأة هناك.

في صباح اليوم التالي فزَّ عن سريره وقد تعبّأت طاقته بنشاط لم يعهده، لكنّه لم يتوجّه إلى المطار لينال ما كُتب له من فتات أموال المسافرين، بل غدا تلقاء بيت أبي عبدالله في شارع الخزان، فلمّا حاذى البيتَ أبصرَ الباب مفتوحًا، فولج منه إلى ممرٍّ قصير نفذ من خلاله إلى بهو المنزل، حيث وجد نفرًا متكئين على أرائكَ مبثوثةٍ متباعدةٍ، فتباطأتْ خطواته حتى جمدتْ، ثم خاطبهم بعد السلام قائلًا:

– هل هذا مكتب أبي عبدالله؟

– نعم هذا مكتبُهُ، وهو في المطبخ يُعدُّ القهوة لضيوفه، يمكنك الذهاب إليه إن شئت.

“أبو عبدالله في المطبخ يُعدُّ القهوة!”

راح مرزوق يوسعُ أولئك الجالسين شتمًا في سِرِّه، وهو لا يشكُّ لحظةً أنّهم يتهكّمون به لأجل هيئته، أيُعقلُ أن يُعدَّ أبو عبدالله القهوة في مطبخه بنفسه، وهو الرجل الثري، وأنا سائق الأُجرة لم أنشغل يومًا بصناعة القهوة، بل تتكفّلُ بها زوجتي التي لا تطيقني!

لا ريبَ أنَّهم يسخرون مني، ويَصْرِفوني عن لقاء أبي عبدالله.

في تلك الأثناء أطلَّ عليه من ناحية المطبخ رجل نحيل البدن قصير القامة، على ذقنه شعيراتٌ سوداءُ دبَّ إليها بعض الشيب، لا توحي هيئته بثراء ولا وجاهة، ثم أقبل نحوه مشمّرًا ثوبه عن ذراعيه، وقد فتل شماغه كحبل غليظ ألقاه على كتفه، ويحمل منشفة ضئيلة يمسح بها بقايا الماء عن يده، فرحّب به باسِمًا، وقال:

– تفضّل، أنا أبو عبدالله، سمعت أنّك تريدني.

ارتبك مرزوق ولم يكد يصدّق عينيه، لكن نبرة صوت أبي عبدالله العطوفة أعادت إليه ثباته، فاستأنف الحديث وهو يبتلعُ ريقه بصعوبة:

– أتأذنُ لي بالجلوس معك على انفراد، فإنَّ عندي شأنًا خاصًا.

لم يمضِ قليلٌ من خلوتهما سويًّا، فإذا هما يخرجان من حجرة صغيرة، وأبو عبدالله يناوله ورقةً ويقول له:

– هذا سند مساهمتك معي بخمسة آلاف ريال.

– أنا في غاية الخجل لأني لم أُحضر المال، إذ ما كنتُ أطمحُ للجلوس معك، فضلًا عن قبولك بمساهمتي بهذه السرعة وليست بيننا سابق معرفة.

– سيماهم في وجوههم، من الآن فصاعدًا أنتَ أخونا وشريكنا في المساهمة، والبيت بيتك، أمّا النقود فمن عُسْرك إلى يُسْرك.

أبهرته هذه الكلمات: “أخونا وشريكنا” و”البيت بيتك”، حيث وقعت من نفسه موقعًا عظيمًا، وراح يتعجّب من سماحة أبي عبدالله وحُسن معاملته، فاندفع يطاوله حتى تمكّن من تقبيل رأسه، ثم ابتعدَ خطوة إلى الوراء وأخذ يمسح بمنديل كان في يده عن جبينه الذي تندّى عرقًا، وأمسكَ في يده الأخرى بسند القبض، ثم ودعَّه بعد ذلك منصرفًا إلى شؤونه.

كان وجه أبي عبدالله يتهلّلُ كسحابةٍ راعدةٍ ملبدةٍ بالمطر، لا يراهُ أحد إلا استيقن برزقٍ وشيكٍ، لهذا قفل مرزوق من فَوره راجعًا إلى بيته وقد أضمر في نيّته أن يُحضر المال ولا يفوّت على نفسه هذه الفرصة الاستثماريّة، وأدار مُحرّك سيّارته فأطلقت إطاراتِها تسابق رياح السموم التي كان يزفرها صيف الرياض القائظ، فلمّا بلغ بيته دخل إليه متخفّيًا في خِلسة، ثم أخذ المال وانسلَّ راجعًا.

 أطلق مرزوق العنان لمخيّلته وهو يقود سيارته عائدًا إلى بيت أبي عبدالله، وراح يفكر ويُسائل نفسه: لماذا وثِق به وجعله مساهمًا معه دون أن يدفع ريالًا؟ أتُرى هذا هو سرُّ البركة في تجارة أبي عبدالله وحبِّ الناس إيّاه، أنَّهُ سمْحٌ أمينٌ يحبُّ الخير للآخرين، وليس به كِبْر ولا غرور، حقًّا لم تزل الدنيا بخير، ما دام فيها أشباه هذا الرجل الطيّب.

بينما لُعاب أفكاره يسيل على لحظات الثراء المرتقبة في أحلام اليقظة، دوّى فجأةً صوتٌ هائلٌ مُرعبٌ، وانعطفت سيّارته انعطافًا شديدًا، تهشّم معه زجاج نوافذها، ثم أخذت تتقلّب عدة مرات.

 كان مرزوقٌ لانهماكه في التفكير قد قطع إشارة المرور دون أن يشعر، وارتطم بسيارة مسرعةٍ قادمةٍ من اليمين، فهبَّ المشاةُ وأصحابُ المحلات المحاذية للطريق إلى إسعاف السيارتين، أما السيارة الأولى فقد أخرجوا سائقها يرفعونه من تحت إبطيه ويداه تتدلّيان إلى الأسفل، وعيناه شاخصتان نحو السماء، ورأسه قد ارتكز خلف كتفيه، علامةً على موته.

أمّا مرزوقٌ فقد كان مُلقىً على الكرسي المجاور للسائق في غيبوبة لا حراك به، والأموال التي معه تناثرت في موضع الأقدام من السيارة، فتسلّلتْ إحدى الأنفس الدنيئة وأخذتها في غمْرة انشغال الناس بإسعافِ مرزوق، ثم أطلق ذلك اللصُّ ساقيه للريح بعد أن وَطِئَ بحذائه المسودِّ على سند القبض الذي طار من نافذة السيارة، واختفى المال للأبد.

أقلّتْ تقارير الأطباء رياحَ أنباءٍ تعيسةٍ، فقد دخل مرزوقٌ في غيبوبة لا بُرْءَ لها، لهذا فَترتْ فيما بعدُ زياراتُ أهله، فكانوا ينقطعون عنه أيًّامًا طويلة، لاسيّما أنَّهُ في غرفة يرقدُ فيها عددٌ من المرضى الأمواتِ الأحياءِ، أفواههم وأنوفهم وبطونهم محشوّة بالأنابيب، وأعينهم فاغرةٌ كأنها تتربّصُ قادمًا من عالم المجهول المرعب، لا شكَّ أنَّ رؤية هؤلاء المرضى كانت تزيدُ الكآبة في نفس زوجته البئيسة.

لبث على حالته تلك بضعَ سنين، ورُوحه تتردّدُ كل يوم بين ملفَاتِ صادرِ الأحياءِ وواردِ الأمواتِ، يتقاذفونها بينهم، وكانت زوجته إثْرَ كل زيارةٍ تقوم بها كتأديةٍ للواجب، تنفثُ مخبوء غيظها عليه:

– لم نسلم من سوء حاله لا سليمًا ولا مريضًا، فسيّارته تحوّلت إلى كومةِ حديدٍ، والخمسة آلاف حصّته من بيت والده لم نجدها، لا بدَّ أنّهُ بدّدها على نزواته ومراهقته المتأخرة وأعطاها بنات الحرام، إنَّ كلَّ الذكور خونة لعّابون، لولا الله ثم زوجة عنبر التي شفعت لنا عند زوجات الشيوخ، لكنتُ الآن أمدُّ يدي في الطرقات أتسوّل الناس من أجل سداد دية الشخص الذي قتله في الحادث!

حسم الطبُّ رأيَهُ، وفتحت السماءُ أبوابها مُرسلةً وفْدَ الموتِ ومعهم مرسومٌ عاجلٌ إلى رُوح مرزوق للقاءِ ملكِ الملوك، فتوقف قلبه عن النبض ووجم طنين الأجهزة الطبية، فهبَّ الأطباء والممرضات إلى سريره لعلَّ وعسى، لكنَّ رُسُلَ السماء أحكمتْ قبضتها، فكانت روحه محمولةً على نعش الملائكة وقد شَخَصَ بصره إلى السماء.

 طارَ نبأ وفاتِهِ سريعًا في الحي، فراح يتناقله الصغار قائلين: أبو سن ذهبية مات، وانكبَّ الدائنون على بيته يعزّون أهله بيَدٍ، ويقدّمون مستندات المبالغ التي في ذمته باليدِ الأخرى، فلم يدرِ أهلُه بمَ يُفجعون، أَبِمَوته، أم بمبالغ ديونه التي لم يحيطوا بها علمًا، وهي على قلّة مبالغها لكن مجموعها يُرهقُ كاهلهم، فلجؤوا إلى شيوخِ عنبرٍ لسداد ديونه حتى لا يشتعل قبره عليه نارًا، فالمحسنون يُحرّك نخوتَهم سريعًا هدوءُ الموتى في مقابرهم، أكثر ممَّا يُحرّكها صخبُ بطونِ الأحياءِ المتضوّرين جوعًا.

بعد بضعة أشهر، وذات صباحٍ وَسْميٍّ رقَّ نسيمُه وهتفَ فيه الرعد مُبشِّرًا بشآبيب المطر، تلقّتْ أرملة مرزوق اتصالًا من مكتب أبي عبدالله، وطلبوا منها حضور أحد أبنائها عاجلًا، لسداد دينٍ على مرزوق بخمسة آلاف، فتجهّم وجهها وراحت تتحسّبُ على زوجها الذي ما ترك فقيرًا ولا غنيًّا إلا اقترضَ منه.

فولْولتْ وصاحتْ وأقامت الدنيا وأقعدتها، ثم ثابتْ إلى رُشدها بعد أن اعتراها الخوف على أولادها فهي لا تستطيع مماطلة سداد هؤلاء الأثرياء، ممّا اضطرها إلى دفعِ ما تبقّى من أساور يديها إلى ابنها الأكبر مبارك ليبيعها ويسدد دين والده، غير أنَّها في هذه المرة لم تأتِ على ذكرِ ابن خالتها عنبر، رفيقِ الشيوخِ، ولم تلجأ إليه، فقد دقَّ عنبرٌ مسمار النعش الأخير في آمالِها، عندما أُلقيَ القبضُ عليه قبل ثلاثة أشهر لاختلاس أموال الشيوخ، فحُكم عليه بالسجن بضعَ سنين.

لم يتوانَ مبارك عن طاعة أمّهِ فباع ذهبها، وقبل أن تبرد حرارة النقود في جيبه أوصلها في دقائق إلى مكتب أبي عبدالله، ثم حصلَ ما لم يكن بالحسبان، فقد عاد مباركٌ بوجهٍ آخر غير الذي ذهب به، حيث كان يحمل معه هذه المرة شيكًا بخمسة ملايين ريال، هي أرباحهم من مساهمة والدهم التي ظلَّ أبو عبدالله يستثمرها لهم طيلة السنين الماضية وهم لا يعلمون.

انتهتْ.


مفاتيح القصة:

  • أبو عبدالله: هو الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الموسى، العقاري المشهور، ومن عاداته التي عُرف بها أنه كان يستثمر أموال الفقراء والأرامل والأيتام وينمّيها لهم.
  • مرزوق: اسم مستعار لشخصيّة حقيقية.
  • القصة: مستوحاة من وقائع حقيقية، وجميع الأرقام المالية صحيحة، زيدت لها بعض التفاصيل بقصد الحبكة والسرد القصصي، وهي منشورة بشكل مختصر في كتاب “عبدالعزيز الموسى أبو المساكين”.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ((فالمحسنون يُحرّك نخوتَهم سريعًا هدوءُ الموتى في مقابرهم، أكثر ممَّا يُحرّكها صخبُ بطونِ الأحياءِ المتضوّرين جوعًا.))
    يا الله!! ما أدقها وأجمل وصفها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق