عام

كيف تحولت “دكّا” في سنوات بنغلاديش الخمسين؟

منذ نصف قرن من الاستقلال؛ نضجت العاصمة من مدينة مستتبة إلى مركز اقتصادي، لكن هل ترقى إلى أحلام الذين يتدفقون إليها لأجل العمل؟

  • كامل أحمد
  • ترجمة: جنى مشعل
  • تحرير: مريم إياد

الصورة: لقطة جوية لدكّا القديمة، تصوير SK Hasan Ali/Alamy

على ضفاف بوريغانغا، بحّارة دكّا المسنون الذين لا يستريحون سوى للحظات قبل رحلة العودة، ينقلون المسافرين بلا هوادة ذهابًا وإيابًا عابرين النهر. يحملونهم من ميناء سادرات، مركز التجارة التاريخي الذي ساهم في بناء وتطور المدينة، مجدّفين بهم نحو الضواحي مترامية الأطراف التي تغلغلت إلى ما اعتيد أن تكون أراضٍ زراعية مفتوحة لعقدين منصرمين.

دكّا القديمة لم تعد قلب المدينة الاقتصادي والسياسي؛ بيد أن سادرات لا تزال الصورة المميزة لحركتها ونموها الدائمين، للمسافرين الذين يعيشون ويعملون عبر بوريغانغا، وللمهاجرين الجدد الهاربين دائما من العبّارات المزدحمة الوافدين من الأرياف.

تعكس دكّا مسار بنغلاديش لخمسين عامًا منذ استقلالها في تاريخ ٢٦ مايو ١٩٧١، حينئذ كانت مدينة صغيرة لمليون نفس في أمة فقيرة وغير متطورة بعد عقودٍ من الإهمال الباكستاني.

أما الآن فدكّا مدينة ضخمة، مركز اقتصادي نما بصورة فوضوية -صعودًا ونزولًا- لتستوعب ٢٠ مليون إنسان يعيش هناك، مع وفود ٤٠٠ ألف كل عام، فالعديد من الأشخاص يهاجرون مع أحلام بفرص اقتصادية لا يستطيعون إيجادها في مكان آخر.

صورة جوية لدكّا، عاصمة بنغلاديش.تصوير M Rahman/Alamy

سبق أسد الزمان أسد المعظم في هجرته إلى العاصمة واصلًا من المنطقة الغربية لجنيدة في عام  ١٩٦٦-عندما كانت دكّا عاصمة لباكستان الشرقية- حاملًا فكرة تأسيس مشروع تجاري. يقول أسد “كانت المدينة صغيرة جدًا، فكان عدد المباني ذات ثلاث طوابق قليلًا، وترى في الغالب بيوتًا بأسقف من الصفيح، كانت هناك البرك والقنوات وقليل من الناس، كانت هادئة”

بعد الاستقلال في مارس ١٩٧١، استقر أسد في محمدبور: منطقة لا تزال تأخذ حيزًا في شمال المدينة المستقرة حديثًا، كانت دكّا تتوسع بسرعة، وخصصت الحكومة في بعض المناطق أراضٍ للوفود الجدد حتى يستقروا فيها، مما شجع المزيد من المهاجرين للتوجه نحو المدينة. في أماكن أخرى؛ ابتلعت أحياء جديدة مساحات شاسعة من الأراضي الرطبة والزراعية.

عبّارات الناقلين ترسو في بوريغانغا أثناء الإغلاق التام بسبب كوفيد المفروض من الحكومة، تصوير ZUMA Press, Inc./Alam

سهّلت الطرقات الجديدة من السفر والتجارة، فحصد أسد مكاسب شخصية بازدياد الزبائن لمتجره.

وصف هنري كيسنجر اقتصاد بنغلاديش -وهو الذي عارض نشأتها- في عام ١٩٧١ بوصف مَشين “كحالة السلة Basket case”. وبمرور نصف قرن؛ لطالما اعتز قادة الدولة في الإشارة إلى برهنتهم لخطأ كيسنجر.

توقع صندوق النقد الدولي IMF في أكتوبر أن النمو الاقتصادي للدولة سيصل إلى ٤.٤٪ في ٢٠٢١ رغم أن جائحة فايروس كورونا خفّضت من النمو العام المنصرم.

وكان معظم ذلك مدفوع بصناعات قائمة في دكّا التي ولّدت فئة سريعة النمو من فاحشي الثراء الذين يعيشون في أحياء باهظة وارفة الظلال، ويأكلون الطعام في مطابخ عالمية ويتسوقون في مراكز تسوق تجارية فارهة أو في الخارج، وتتغذى هذه الصناعات على التدفق المستمر للمهاجرين الفارين من الفاقة أو الأزمات المناخية، الذين ينتقلون إلى أماكن مثل كاليانبور وأحياء كورايل العشوائية، أو الضواحي الواقعة بين دكّا والمدن التابعة لها المبينة لمصانع الملابس.

منظر لحي كورايل العشوائي بجوار بركة بناني في دكّا. تصويرSK Hasan Ali/Alamy
تعد كورايل أحد أكبر الأحياء العشوائية في دكّا، وتأوي المهاجرين الجدد الذين يتدفقون باستمرار للمدينة. تصويرStinger/Alamy

“توجد مشاكل هنا، ويوجد عمل كذلك، ومع تصاعد الأزمة في قريتنا؛ أتيت إلى دكّا لأعثر على معيشة” بارفين بيقوم -٤٥ عامًا- التي غُمر بيتها في منطقة بولا الساحلية عندما فاض النهر.

استقرت في كاليانبور، في رقعة على أرض حكومية تعرف “ببوستي”، ووجدت عملًا في مصنع ملابس، ومنذ العقد المنصرم؛ شاهدَت استبدال أكواخ الخيزران أولًا بمنازل صفيحية، ومن ثم ببُنى أصلب لكنها عشوائية إلى جانب شبكة من الأزقة المعبدة.

تدفع بافين وزوجها ألفي تاكا (16£) شهريًا لإيجار غرفة واحدة، حيث عليهما الإبقاء على الإضاءة مفتوحة لأن الضوء الطبيعي لا يصل، وفي الخارج؛ نظم التصريف الصحي دائما ما تغلق بالمجاري.

تقول: “الأمر ليس أنني بخير هنا؛ بيد أن توافر الفرص الوظيفية أكثر من القرية. نحن لا نود أن نعيش في هذه الأحياء العشوائية المتسخة، فدائما نتمنى لو كان بوسعنا أن نعود”

وأجر بافين المقدر بثلاث مئة تاكا عندما وصلت إلى دكّا قد تصاعد إلى ٣,٦٠٠ تاكا. وتعتقد أنه ما لم يوجد استثمار في قرى بنغلاديش؛ فسترغم الأجور المرتفعة العديد من الناس لترك القُرى للمدينة.

ومن الممكن أن تكون دكّا رابع مدينة كبرى مكتظة بالسكان بحلول عام ٢٠٣٠ -وفق الأمم المتحدة- وقلة من تعتقد أن المدينة مستعدة لهذا النمو.

1972
2018

وتستمر المباني السكنية بالارتفاع العمودي بلا أي قوانين تنظيم عمراني، فالمسافات ضئيلة بين المباني، والأسلاك الكهربائية متدلية في فوضى متشابكة، ونظام الصرف الصحي -والذي لا يزال ينظف يدويًا- في حالة حمل مفرط بالأمطار الغزيرة بشكل روتيني.

وتصنف جودة الهواء بانتظام في دكّا ضمن الأسوأ حول العالم، والطرقات محتقنة إلى درجة أن حركة المرور بطُأت إلى قرابة سرعات مشي تعادل ٤ ميل/ للساعة، نزولًا من ١٣ ميل/ للساعة قبل عقد من الزمن.

“بعض الأحيان أظن أن دكّا ككل “بوستي”، ببساطة لا يمكن أن تكون لديك حياة كريمة في المدينة، ولو كنت تمتلك شقة جيدة” يقول الدكتور شهادات حسين، خبير في التخطيط الحضري في جامعة دورتموند التقنية في ألمانيا.

“لا يمكنك رؤية أي منتزهات تنموية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويعودون إلى المنازل ويجلسون في الداخل… إن البُنى الأساسية الاجتماعية مفقودة تمامًا” يقول حسين، ويستكمل” فعلاقتك بالمدينة هي مع شقتك، مكان عملك، والمدرسة التي يذهب إليها طفلك؛ لكنك لا تملك أي علاقة بأي شيء فيما بينهم، لأن الطرقات والمجتمع الذي تعيش فيه غريبان عليك”

صورة جوية لمدينة حضرية جديدة ومصنع طوب في دكّا، تصوير SOPA Images Limited/Alamy

يقول حسين في حين ازدهار الصناعة، فثمة عوز إلى استراتيجية شاملة لدعم سكان المدينة، وساءت الأوضاع بسبب الفساد، والسماح للمتنفذين باستغلال القوانين أو -في حالة ضواحي كيرنيغانج- بشراء الأرض لمشاريع سكنية ميسورة ومن ثم بيعهم بأسعار تفوق قدرة العاملين العاديين.

يرى أسد الزمان الفوائد في التغيرات الحاصلة للمدينة الصغيرة التي قدم إليها عام ١٩٦٦، فاليوم مشروعه التجاري مزدهر وهناك فرص لا توجد في أماكن أخرى في الدولة، لكنه قلق من تحول المدينة إلى مكان غير قابل للعيش.

ويقول: “نحن بحاجة إلى لامركزية، نحتاج إلى رعاية طبية ممتازة في القرى، وتعليم ممتاز وسبل عيش بديلة” ويكمل قائلًا “بإمكاننا بسهولة توقع مستقبل دكّا، فإن استمرت التنمية غير المخططة؛ فإن المدينة ستصبح غير أهل للعيش”.

أعجبني المقال

المصدر
theguardian

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى