عام

سحر العادات اليومية الصغيرة

عمل تغييرات بسيطة ذات تأثير كبير

  • تونيا ليستر
  • ترجمة: سهام أحمد
  • تحرير: نورة المحسن

كانت هناك دعابة على الفيسبوك في الأسبوع الأول من فترة الحجر المنزلي مضمونها كالآتي: “إما أن أغادر هذا الحجر المنزلي وقد قمت بممارسة اليوجا وطلاء المنزل والتحدث بثلاث لغات، أو أنني سأزيد خمسة عشر كيلو بالإضافة إلى إفراطي في شرب الكحول”؛ اكتظت شبكة الإنترنت بالعديد من المنشورات التي تحث على الإنتاجية، متسائلين: ماذا ستفعل بكل هذا الوقت المتوفر لديك؟، بعد بضعة أسابيع قام العديد من الأشخاص بتغيير موقفهم، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة بعنوان (كُفّ عن محاولة أن تكون مُنتجا) لكاتبها تايلور لورينز، تحدثت هذه المقالة عن الأشخاص الذين توقعوا أنه سيكون لديهم الكثير من الفراغ لينطلقوا في مشاريعهم غير عابئين للأسف بالوقت الذي يتطلّبه العمل والتعليم المنزلي ورعاية الأسرة كذلك؛ حتى لو لم يذهبوا إلى العمل كل يوم، ناهيك عن الإجهاد الذي قد يشعرون به، فالأمر يتطلّب الكثير من الطاقة للحفاظ على التوازن في الأوقات الصعبة؛ فقد قال أحد الرجال وهو يُحدّق في الخشب الذي لم يُستخدم في المشروع غير المدروس لتطوير المنزل: ” لقد أدركت الآن أنها فكرة سخيفة “، وأضاف: ” إنه أمرٌ مُرهق جدًا فوق ما كنت أتوقع”.

أستطيع أن أتفهّم الأمر؛ فأنا لا أصدّق النعاس الشديد الذي أشعر به الآن وبصورة مفاجئة، وسواء كانت هذه جائحة عالمية أم لا فإنني أمقت هذا التوجه الذي يعامل الإنتاجية على أنها شيء مقدّس، فإذا كان الهدف من الإنتاجية والكفاءة هو التواصل والإبداع والرفاهية العامة فهذا مذهل! ولكن من الواضح أنها أصبحت مثار احترام وغاية لذاتها في كثير من الأحيان، ومع ذلك؛ فإن الاعتناء بأنفسنا وبمن حولنا جسديًا وعقليًا أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى، ويجب علينا أن نحقق التوزان بين المثالية المتزمتة وبين التفريط.

تصفح كتاب العادات اليومية الصغيرة من تأليف برين جيفري فوغ مدير مختبر التصميم السلوكي بجامعة ستانفورد، أنشأ الدكتور فوغ نظام العادات اليومية الصغيرة عندما كان يحاول الاعتياد على تنظيف أسنانه بالخيط، وبعد العديد من المحاولات الفاشلة؛ قرّر أن يلتزم بتنظيف سنٍ واحد فقط كل يوم، كان التزامًا صغيرًا جدا حتى أنه من السخف أن يتجاوزه، وعندما يقوم عادةً بالانتهاء من تنظيف سنٍ واحد فإنه يُنهي فمه بأكمله، وحتى إن لم يقم بتنظيف فمه كلّه فهو لا يزال يشعر بالرضا عن التزامه بهذا الأمر بغض النظر عن صغر هذا الالتزام ومتابعته له، وفي وقت قصير جدًا أشاد طبيب الأسنان بصحة أسنانه وفمه، ثم بدأ بتطبيق هذه الاستراتيجية على كل جانب من جوانب حياته تقريبًا، وهنا نشأت عادات يومية صغيرة.

قضى فوغ بعدها عشر سنوات في تدريب أكثر من أربعين ألف شخص على هذه الطريقة البسيطة، وقام بجمع البيانات أسبوعًا تلو الآخر، إضافة إلى تحسين نظامه، ثم أنشأ نموذج يُسمى (نموذج فوغ السلوكي) B=MAP ومعناه : (يحدث تغيير في السلوك عندما يجتمع كل من الدافع والقدرة والحافز في نفس اللحظة)، وهذا النموذج بسيط جدًا ويمكن تنفيذه بسهولة.

 

طريقة إنشاء عادة يومية جديدة:

  • حدد غايتك (الدافع).
  • قم بعمل عصف ذهني للإجراءات التي ستجعلك تصل إلى غايتك.
  • اجعل هذه الإجراءات صغيرة جدًا بحيث يكون القيام بها أسهل من تجاوزها (القدرة).
  • قم بإنشاء طريقة لكل سلوك، ويجب أن تشمل هذه الطريقة (الحافز) مثل: بعد أن أفعل كذا: (العادة اليومية الثابتة حاليًا، مثل: تنظيف أسنانك)، سأفعل كذا: (العادة اليومية الجديدة المرغوبة).
  • احتفل مباشرة بإنجاز العمل الصغير الذي قمت به، قد يبدو هذا سخيفًا في البداية، ولكنه أمرٌ أساسي للوصول إلى العادة اليومية الجديدة، وكلّما كانت طريقة الاحتفال ساذجة كلّما كانت أفضل، والطريقة المفضلة لدي حاليًا هي أن أقوم بفتح ذراعيّ بوضعية الانتصار مثل نجمة كرة القدم ميجان رابينو.

على سبيل المثال: لنفترض أنك تريد أن تقوم بكتابة مذكراتك بصورة يومية؛ ستتخيل نفسك في ساعات الصباح الباكر جالسًا على طاولة المطبخ وبيدك فنجان قهوة ساخنة مستعرضًا أفكارك على الورق، ستكون طريقة إنشاء هذه العادة اليومية التي ستستخدمها لبدء هذا الروتين الجديد كما يلي:

  • بعدما قمتُ برفع مائدة العشاء مساءً؛ قمتُ بوضع دفتر ملاحظاتي وقلمي على طاولة المطبخ.
  • بعد أن أقوم بغسل أسناني في الليل؛ سأضبط المنبّه على الساعة السادسة صباحًا ليتوفر لدي وقت للكتابة قبل ذهابي للعمل.
  • بعد أن أقوم بتحضير قهوتي؛ سأكتب التاريخ في أعلى الصفحة الجديدة.

هكذا يتم الأمر.. بعدها ربِّتْ على ظهرك من الخلف او افتح ذراعيك بانتصار محتفلًا بإنجازك، أو افعل أكثر منه إن أردت، أو لا تفعل شيئًا أبدًا واكتفِ بالذهاب إلى الفراش وأنت مغتبطٌ بنجاحك؛ لكنك لن تذهب إليه ربّما، فخطوات البداية الصغيرة هذه تخلق زخمًا يتحول إلى سلوكيات دائمة ومتسقة لتحسين الحياة.

وإذ إنني مُعالج؛ أحب أن أقوم بمساعدة العملاء ليتمكنوا من رؤية ما بداخلهم ومساعدتهم في شفاء جروحهم الماضية وتوضيح قيمة ذواتهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء حياة تعكس هذا الوعي الذاتي العميق لديهم، وجزء من هذا العمل هو أن تتعلم أن تكون مراعيًا للجوانب التي تمقتها في نفسك وترأف بها دائما، فالعديد منا يقع فيما تصفه عالمة النفس والمؤلفة ومعلمة التأمل تارا براش بأنه (الشعور بعدم الاستحقاق) أو الميل للنظر في العيوب كدليل على الضعف والفشل، وهناك طريقة واحدة للخروج من هذا الشعور وهي العلاج، ولكن بجانب هذا العلاج التأملي سنشعر بالتحّسن عندما تكون هناك خطة موضوعة –إذا شعرنا بأننا على ما يُرام- وهنا يبرز دور العادات اليومية الصغيرة، وهذا النموذج قائم على المراعاة والرأفة بالذات، فمضمونه أننا لا نلوم الشخص إذا فشلت محاولاته ولكننا نلوم طريقته لإنشاء عادته اليومية، بعكس نموذج العصا أو الجزرة التقليدي لتغيير السلوك؛ فإن لم تنجح في كتابة المذكرة اليومية عند انتهائك من تنظيف العشاء فلا بأس! جرّب شيئًا آخر، إذا لم تقم بكتابة أكثر من جملة واحدة يوميًا على الرغم من مرورك بجميع عاداتك اليومية الصغيرة الجديدة فإذًا عليك الاهتمام بالأمر؛ ربما يكون هناك وقت كافٍ للكتابة في الصباح، أو قد تكون هذه العادة بحاجة إلى الانتقال نحو جزءٍ آخر من يومك حتى تنمو لتصبح العادة اليومية التي تطمح إليها.

تطبيقات العادات الصغيرة خلال الجائحة لا حصر لها، فيمكنك مثلًا القيام بمساعدة أطفالك على تذكر غسل أيديهم وبدء ممارسة الامتنان، أو بدء برنامج تدريبٍ واقعيٍ في هذه الظروف المتغيرة جدًا؛ فقد استخدمت نظام العادات اليومية الصغيرة لإدخال عادات التأمل والتدريب والكتابة إلى حياتي فأصبحت قادرًا على تحّملها بقدرةٍ أعلى من السابق. أنا متفائلٌ كثيرًا؛ فبجانب عملي العلاجي قمت بتدريب العديد من العملاء على نفس هذه الأساليب البسيطة.. هذه العادات اليومية الصغيرة ستغير كل شيء! لذا يجب عليك أن تقرأ كتاب ( العادات اليومية الصغيرة) الرائع للدكتور فوغ مهما كان، ، أو قم بتعيين مدرّب للعادات اليومية الصغيرة ثم ابدأ.

إن ترسيخ هذه العادات الصحية وأسلوب الحياة الإيجابي في ذواتنا لا يدلّ على الأنانية، كما أنه لا يدلّ على تجاهل الظروف الصعبة التي نواجهها حاليًا. إن البشر مهيؤون لتهدئة ذواتهم بطريقة إيجابية أو سلبية، ويُمكن أن يكون الوقوع في الطرق السلبية أسهل بكثير للعديد منا، وأفضل منه السماح لنفسك أن تجد الملاذ في الأعمال الصغيرة الإيجابية التي يمكنك اتخاذها الآن.

اقرأ ايضًا: كيف تكف عن التسويف؟

أعجبني المقال

المصدر
psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى