الفلسفة

جنون الفلاسفة: هل يمكن أن تقود الفلسفة إلى الجنون؟ أم الجنون يقود إلى الحقيقة؟

  • ووتر كوستيرس
  • ترجمة: أسامة الدسوقي
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

إن إضفاء الطابع الطبي على الجنون في عصرنا المادي له عواقب؛ فذات مرة، كان يُعتقد أن المجنون لديه حق الوصول إلى الحقيقة الإلهية، ولكن الجنون الآن هو مجرد عرَض بيولوجي عصبي مؤذٍ، وتُتجاهل أي إدراكات تأتي في أنساق متغيرة، يمكن أن يكون الجنون خطيرًا ومضرًا بالطبع؛ لكن من فتجنشتاين إلى نيتشه، شهد بعض فلاسفتنا فترات من الجنون ومع ذلك، فإن فلسفتهم لا تقل أهمية على الرغم من هذا الجنون أو ربما بسببه!

في عمله الأصيل: الجنون في عصر الحضارة (Madness in Civilization) ، يستجوب عالم الاجتماع الأمريكي “أندرو سكل” طريقة الجنون التي كان يتعذر استئصالها في أي مجتمع إنساني راقٍ، والانطباع الملازم للخوف والإرهاب ، بالإضافة إلى أنها كانت ساحرة تجذب وتُلهم الفنانين والمتأملين.

عند الإغريق، بدأ التقليد الأبقراطي بمحاولة الأطباء شرح الانحرافات المقاربة للسلوك العقلي والمادي بمصطلحات علمية باستخدام عناصر الأخلاط الأربعة : الدم، البلغم، المرة السوداء، المرة الصفراء؛ وعلى إثر ذلك، قُدمت التفسيرات الشعبية لما يغلب تسميته اليوم بـ: “المرض العقلي”، من حيث تأثير الأرواح والشياطين ، بالإضافة إلى تأثيرات وتوبيخات وتحذيرات وتعاويذ الآلهة؛ وكان يُعتقد أيضًا -في بعض الحالات على الأقل- أن المجنون يدرك شيئًا حقيقيًا  كما يقول أفلاطون: “لقد صنعنا أربعة أقسام للجنون الإلهي ، وعزاهم إلى أربع آلهة، قائل إن النبوءة مستوحاة من أبولو ، والجنون التصوفي لديونيسوس ، والشاعرية لإله الإلهام، وجنون الحب المستوحى من أفروديت وإيروس كان الأفضل”، ومن وجهة النظر الثالثة هذه -وجهة نظر أفلاطون- حول حقيقة الجنون، فإن المجنون ليس مريضًا بمرض، ولا يعاني من القدر الإلهي، ولكنه باحث على مقربة من شيء ذي قيمة كبيرة.

وبعد عدة قرون، أصبح الموقف الطبي مسيطرًا على هذا الحقل؛ فمنذ القرن العشرين، احتجّ الطب النفسي بأنه يعرف أفضل طريقة لعلاج الجنون، وقد أُشبعت تفسيرات علمائه بمصطلحات طبية “علمية”؛ فتحولت التفسيرات الشعبية السابقة التي فسرت الجنون على أنه لعنة أو انتقام أو نزوة من الآلهة أو الشياطين أو الأرواح، إلى المصطلحات الجافة الخالية من الروح لعلم النفس الحديث، وتجريد الآلهة من شخصيتها “الحقيقية” في عالم مشترك، وتُرجم الجنون على أنه الشخص الباطني يعمل من خلال مشاعر الذنب والعار والتوتر والصدمات الدورية، وكلها تتفاعل مع المستوى البيولوجي العصبي للدماغ.

ولكن ما الذي حل بالطريقة الثالثة لتفسير الجنون، أعني التصوف والنبوءة والوحي؟ حول تلك الإمكانية من الأوقات الغابرة، قال أندرو سول: “قد يُمثل الجنون طريقة أخرى ممكنة للبصيرة؛ حيث العربدة والشهوانية والإبداعية والنبوئية والتحويلية … كان هناك نوع آخر مخفي من المعرفة، المعرفة الحدسية والمثالية والتحويلية والجنون قد يوفر المفاتيح لهذه المملكة التصوفية “، ومع ذلك ففي عصرنا الحديث، أُجبر هذا البحث عن “المعرفة المخفية” على الظهور في العلن في شكل علم، مما أدى إلى معرفة “متقنة” وعامة عن الطبيعة وأنماطها وقوانينها “الخافية”، وتعتبر المعرفة والحقيقة صالحين فقط اليوم عندما يكونان قابلين للتواصل، ومحددين، وقابلين للتعبير؛ أما المثالية والنبوئية فقد مُنعوا من أي ادعاءات حول المعرفة والحقيقة، وتمت إحالتهم إلى المجالات الخيالية الدينية والقصصية؛ وما هو التحويلي؟ لقد أصبح البحث عن التحول أحد خيارات نمط الحياة من بين العديد من الخيارات المسموح بها طالما أنها لا تزال كفاحًا فرديًا، وقد أُخذ هذا الدافع التحويلي ووُضّحَ في كتب المساعدة الذاتية ومسارات التدريب وكتب الإدارة وما إلى ذلك.

مثل هذه التكييفات المطابقة، والتوسعات الواقعية إلى ما كان في السابق “تحولات مجنونة ” لم تستنفد التوق الكامن لـ  “الجنون الإلهي ” الأفلاطوني ، والطرق العديدة التي لا يزال الناس يتوقون إليها – مهما نسميها – الحرية، والآخر، واللانهاية، والوجود أو العدم.

 وبعض أولئك الذين يتوقون إلى هذه الأشياء يضعون أقدامهم على المسار الفلسفي، ويميلون إلى الأشكال المحددة والفاعلة والعلنية وحتى الأشكال الأكاديمية للتفلسف، ويذهب الآخرون في طريقهم الخاص بطريقة أكثر حدسية ويسعون ويحلمون بنمط سلبي، وكلاهما يواجه خطرًا من أنه في مرحلة ما، يعتبر كفاحه لا شيء آخر سوى تعبيرات عن مشاكل نفسية فردية ، أو كمنتج ثانوي لانتقال الدوبامين المزعج المزعوم، أي أنهم يخاطرون بأن تجوالهم وبحثهم العائم عن الجنون الإلهي قد تم تحويله إلى ” نفسانية ” تُعزى إلى هويتهم الشخصية، أو إلى مشاكل شخصية، أو حتى تُختزل إلى المستوى العصبي البيولوجي الوحيد الذي يعتبر “أساسيًا ” فيما يتعلق بالحياة.

بالتأكيد، هذا التفكير النفسي والآراء النفسية حول هذا العالم المثالي لأفلاطون، ليست سيئة في حد ذاتها، حيث تعتمد رفاهية المجتمع على الثقة والرعاية المتبادلتين، ويساعدها إضفاء الطابع الاحترافي على الرعاية الصحية؛ ولكن عندما تُترجم المنطقة المبهمة التي لا توصف والتي يشير إليها سول وأفلاطون بالتصوف والجنون الإلهي بالكامل وتُختزل إلى مجال الصحة العقلية ، فإن شيئًا ما يخاطرك بأنك مخنوق أو مهمل أو حتى مقموع ومنكَر، ويدرك بعض الممارسين الأكثر تفكيرًا والأطباء النفسيين الحريصين في مجال الصحة العقلية هذا ، وقد حاولوا الاقتراب من الحياة الباطنية وتجارب ورغبات مرضاهم، بدون افتراض أحكام مسبقة حول الجنون، وبعقل متفتح قدر الإمكان؛ وبالفعل نجح بعضهم، مثل رونالد لينج أو لويس ساس، إلى حد كبير في رسم عوالم أولئك الذين يتجولون في الجنون الإلهي، لكن في كثير من الأحيان ، أولئك الذين بدأوا من هذه النقطة الفلسفية النفسية، يظلون مقيدين بالحقيقة الجَلية، وهي: أن نقطة انطلاقهم هي التشخيص النفسي، وعند تتبع هذا الاستنتاج التشخيصي أو نقطة النهاية إلى أصولها، فإنهم يغرسون الأصول مع الشلل المفترض لنقطة النهاية، ويصبح التشخيص الذي يقومون به هوية جديدة للمريض، مما يُلقي بظلاله على المظاهر السابقة، وما كان يُعتبر يومًا ما أحلام يقظة، أو نزوة غريبة، أو تجربة غريبة الأطوار وأفكارًا منحرفة، أُعيد تفسيره على أنه مجرد علامات مبكرة للاضطرابات العقلية الطبيعية، كاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والتوحد، والانفصام، والاضطراب ثنائي القطب، وما إلى ذلك؛ حيث لا يوجد شيء إلهي يمكن العثور عليه هناك! لا تُختزل الحالة الحالية للشخص فقط إلى مزيج من الأنماط العصبية الحيوية وردود الفعل النفسية، ولكن أيضًا الخبرات السابقة والأفكار والمشاعر والسلوك يتم رسمها وإعادة تفسيرها في التشخيص.

من المؤكد أن إعادة التفسير هذا بعد التشخيص له وظيفته؛ حيث يتلقى الناس سرديات قوية تمنحهم إحساسًا واضحًا بالهوية، ونوعًا ما من البوصلة في كيفية الإبحار أكثر مع هذا السرد المتمركز حول التشخيص؛ لكن الثمن قد يكون باهظًا أيضًا، ففي العالم الثالث “عالم الجنون الإلهي” -كما حددته أعلاه بمساعدة سول وأفلاطون نفسه- قد يتلاشى تمامًا، و يُعاد تفسير البحث الروحاني على أنه بحث نفسي عن قدوة حسنة، ويغدو الاستغراق الفلسفي مشكلة “نقص الانتباه”، وتغدو التجربة التصوفية “متلازمة عُسر التنظيم التمييزي (salience dysregulation syndrome)”.

في كتابي “فلسفة الجنون” أسلكُ مسلكًا آخر، ليس التشخيص من النهاية، ولكن في البداية بالفلسفة. ما هي مجالات الفكر المتطرف سهلة المنال من قبل شخص ذي تفكير فلسفي؟ إلى أين يمكن أن تؤدي الدراسة في الفلسفة في شكلها الأكاديمي الجَلية وفي أشكالها الأكثر حدسية، تؤدي إلى أين؟ ومن أين ينبثق الدافع الفلسفي؟ وما نوع الفكر والتجارب الفلسفية التي يمكن أن تجره إلى الحافة؟

في هذا التمرين، ركزت بشكل خاص على الفلسفة، وأيضًا التحليل المستوحى من أفكار وخبرات أولئك الذين يُطلق عليهم عادةً بالمتصوفة أو بالروحانيين؛ لقد بدأت بالإدراك الفلسفي الأولي (أيضًا عند أفلاطون ، من عمله “الثئيتتس” وهي واحدة من محاوراته) للتساؤل بالإضافة إلى القدرة الاستدلالية المتسقة الناتجة عن الفلسفة، ولقد اتبعت هذه المسارات الفلسفية، واختبرت ما قد يحدث عندما تنزلق في المغارات الفلسفية، عندما تفكر بعيدًا أو تحلم بعيدًا من خلال الفلسفات والأفكار والتاملات حول الأسئلة العتيقة حول الزمان أو المكان أو اللانهاية أو الهوية، فقد تأتي بأفكار وتجارب غريبة وجذابة ومُغرية، والتي قد تحتوي إلى حدٍ بعيد بعض التقارب مع ما يحدث وراء تلك المسميات المخيفة والغامضة ولا سبيل لفهمها، مثل الاضطراب ثنائي القطب، أو الانفصام، وبهذا التمرين، آمل أن أكون قد أحدثت نوعًا من “الاختراق” من خلال الجدار الذي يفصل -غالبًا- بين الفلسفة والجنون، من أجل مواجهة الفيلسوف النظري ضد مواقف “الحياة الواقعية” حيث تُمثل أفكارهم، و “المجنون” مع إعادة تشكيل بينة ودقيقة للأفكار والتجارب التي تشكل أساس ما يسمى بمشاكل الصحة العقلية.

من ناحية أخرى قد يكون لهذا الأمر قيمة علاجية، لأنني أقدم استكشافًا عميقًا أكثر لطرق العقل بخلاف الحسابات الطبية النفسية المعتادة. وعلى وجه آخر لها قيمة مشرفة تمحو العار، ليس من خلال الجدل بأن جميع الأشخاص الذين لديهم علامات تشخيصية أو بدونها يجب أن يُحترموا على قدم المساواة، ولكن من خلال ” اكتشاف ” تلك الرُقع، واكتشاف أنماط التفكير والتجارب الشائعة بين الجنون والأحلام، الفن  والفلسفة على وجه الخصوص.

قد يُكشف مفهوم الجنون هنا ، وربما بطريقة خرقاء وغير مقبولة اجتماعيًا أن يعبر عن التوترات المتناقضة وغير المحتملة في بعض الأحيان والتي تكمن وراء أي محاولة منهجية أو سعي فلسفي لإدراك متكامل، أو السعي إلى الوحدة والتوافق، فقد يؤدي الشغف الذي يكمن وراء هذا الانجراف الفكري للعديد من الفلاسفة إلى نوع من الانفصال السماوي عن الأمور الواقعية الدنيوية، مما قد يؤدي بهم إلى الانغماس كحافز لمزيد من الانجراف بعيدًا عن الفطرة السليمة والحياة الجماعية، ليس فقط بين طلاب الفلسفة  ولكن أيضًا بين بعض الفلاسفة العظماء نجد فترات أو حلقات كانوا فيها لفترات أطول أو أقصر خارج أذهانهم، وعلى الأقل سيتم تشخيص بعضهم اليوم بلا تردد، على سبيل المثال فكّر في لودفيج فيتجنشتاين ، وأيضًا بليز باسكال ، وديفيد هيوم ، وميشيل فوكو.

من المؤكد أنني لا أدعي أن كل أنواع الفلسفة تؤدي فقط إلى رؤى معتدلة أو نبوءات أو تجارب فكرية مثيرة للاهتمام؛ لكن الفلسفة احتوت وستظل تحتوي على أفكار تشكل خطورة على المجتمع أو رفاهية الأفراد.

إن قابلية عدوى هذه الأفكار معروفة على المستوى المجتمعي ، والسُلطات تبذل كل ما في وسعها لحماية النظام من تدمير المجتمع للأفكار أو تقويضها، وعلى المستوى الشخصي، هناك أيضًا أفكار وخبرات قد يتم استخلاصها من فلاسفة مثل نيتشه أو دولوز، والتي قد تؤدي إلى تحولات مجنونة، وقد يُنظر إليها أيضًا على أنها مؤذية من منظور مألوف وطبيعي، ومع ذلك للوصول إليها واستكشاف ما تنطوي عليه المملكة التصوفية التي يشير إليها أندرو سول، لن يكفي أبدًا منع الاتصال بالأفكار الخطرة لمجرد اعتبارها مؤذية، وربما يكون هناك إدراك آخر بالصحة أكبر وأهم من الصحة العقلية، و اسمحوا لي أن أنهي هذه المقالة باقتباس لنيتشه إذ يقول: ” من كانت روحه متعطّشة لاختبار مجمل ما عُرف إلى حد الساعة من قيم ورغبات، وإلى استطلاع كلّ نقطة من سواحل هذا “المتوسط” الرائع؛ ومن يريد أن يَخبر من خلال مغامرة التجربة الشخصية مشاعر الفاتح ومكتشف المُثل وكذلك الفنان والقديس والمشرّع والحكيم والعالم والورع والراهب المنعزل من ذلك الطراز القديم، من يريد معرفة كل الأشياء لا بد له قبل كل شيء أن يكون متمتعا بعافية كبرى، عافية ليس على المرء أن يجدها في نفسه فحسب، بل أن يكتسبها، وأن يظل مُجبرًا على مواصلة اكتسابها على الدوام، ذلك أنه على الدوام ينفقها وعلى الدوام سيظل مضطرًّا لإنفاقها”.

أعجبني المقال

المصدر
iai

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى