الفلسفة

الحُب الذي فصل الله بينه

  • محمد كريم إبراهيم*
  • تحرير: نايفة العسيري

دعني أسألك سؤالًا: ما الذي يتطلبه الأمر لخطيب أن ينفصل عن خطيبته فجأةً بالرغم من حبه الشديد لها؟ لعله وجود فتاة آخر في حياة الخطيب؟ أو ربما بسبب اكتشاف معلومة ما عن الخطيبة أجبره على تركها، معلومة عن حياتها الرومانسية السابقة؟ أو لأن الوقت لم يكن مناسبًا، فلم يفكر الخطيب كثيراً عما يدخل إليه من الحياة الزوجية؟ أو حالات مؤسفة خارجية منعتهما من الزواج، كعدم القدرة على تحمل المصاريف؟ جميع تلك الأعذار تبدو مقنعة ومبررة لانفصال الحبيب عن حبيبته. لكن ماذا لو كان السبب الله والفلسفة؟

عاش الفيلسوف الدانماركي (سورين كيركغارد) حياةً طبيعية في القرن التاسع عشر في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك داخل أسرة متدينة من الطبقة الوسطى، كان أبوه تاجرًا ناجحًا وأمه خادمة البيوت، وكان لديه أخ واحد بيتر الذي أصبح كاهنًا في إحدى الكنائس الدانماركية. وصفه أساتذته بأنه “متحفظ جدًا” بالرغم من مشاجراته العديدة مع زملائه، شخص غامض قليلًا، وغير مهتم بالمظاهر لكنه ولدٌ جيدٌ ومطيعٌ ومتدين. إلا أن شيئًا ما حدث له عندما انتقل ليدرس علم الدين في جامعة كوبنهاغن، شيءٌ غيّر مجرى حياته للأبد وجعله يتحكم بقدره، كتبَ في مذكراته: “لم أعد أريد أن أعيش حياة العلم والمعرفة بعد الآن، بل حياة إنسانية كاملة.”

يعد كيركغارد من حفنة من الفلاسفة الذين عاشوا كما دعت إليه فلسفتهم، فقد فعلوا ما كانت أقلامهم تخط على الورق، وطبقوا المبادئ والمذاهب التي أوجدوها على شخصيتهم. نرى مثلاً الفيلسوف شوبنهاور الذي جاء بفلسفته التشاؤمية والحياة السطحية عديمة الجدوى، فعاش حياته كذلك، كئيبًا ومتشائمًا وسطحيًا. ومثله الفيلسوف كانط الذي رأى بأننا لا نستطيع أن نترك الأخلاق في بعض الأحيان ونجسدها في أوقات أخرى كيفما شئنا، بل يجب علينا تطبيقها في كل مجالات حياتنا الاجتماعية والفردية وفي جميع الأوقات دون استثناء، فعاش يومه هكذا لم يكسر قوانينه الأخلاقية أبدًا. وتبعهم في ذلك كيركغارد، حيث جاء لنفسه بفلسفة مميزة عن الحب وكان عليه أن يطبقها بحذافيرها مهما تطلب ذلك من تضحيات، فهو الرجل الذي قال: ما أحتاج أن أوضحه هو ما الذي علي فعله، وليس ما يجب علي أن أعرفه.

هناك، بشكل عام، ثلاثة أنواع من الحب في الفلسفة الغربية:

  • فيليا (philia): وهي كلمة إغريقية تعني الحب، وبالأخص الحب غير الجنسي، مثل حب الأصدقاء والعائلة والأغراض.
  • ايروس (eros): كلمة إغريقية أيضًا، ولكنها تعني بالضبط الحب الجنسي والحب الرومانسي الذي يدور مثلًا بين الأزواج.
  • اغابي (agape): أو ما يسمى باللاتينية كاريتاس (caritas)، والذي سُمي بعد ذلك بالحب المسيحي، فهو حب روحي تجريدي مثل حب الآلهة والكيانات الميتافيزيقية الأخرى.

ظنَ كيركغارد أن اغابي يجب أن يعلو فوق جميع أنواع الحب الأخرى، لأن حب الآلهة هو حب المثلى الذي يمكن أن يتخلل سطحيات البشر والحياة إلى عالم آخر نقي من الشوائب السيئة وغني بالعطاء ومُجرد من الندم. فهذه كانت فلسفة سقراط وأفلاطون أيضاً، الذي تأثر كيركغارد كثيراً بهما، بأن الحياة هي نسخة رديئة من عالم مثالي فوقه، الطبيعة التي نراها ما هي إلا ظل خيالي لذلك العالم الحقيقي. كذلك الحب الذي يدور بين الأشخاص سواء كانوا أحباء أم أصدقاء، هذا الحب السطحي ما هو إلا نسخة وقطعة من الحب الروحي، يمكنك أن تحب جسد وعقل الشخص ربما لمنفعته لك أو بسبب الجنس، لكن لا تستطيع أن تحب روح شخص ما لسبب مادي ودنيوي. هذه كانت فلسفة كيركغارد من عمر المراهقة قبل التقائه ب”ريجين أولسن”، خطيبته المستقبلية.

كيركغارد التقى بريجين قبل سنتين من عام 1840 عندما كان عمرها 15 وعمره 24 سنة، لكن كان عليه أن يعبر بحبه لها لأول مرة في لحظة رومانسية دار بينهما عندما كانت تلعب البيانو له. بعدما انتهت من الموسيقى، اعترف كيركغارد لها، وهي بدت فرحة جداً بذلك، فهي بنفسها كانت تحبه عندما التقيا لأول مرة في منزل عائلتها قبل سنتين.

تبادلا عدة رسائل الحب بينهما لمدة سنة كاملة، كل واحد منهما يريد أن يشرح مقدار حبه للآخر. لكن يومًا بعد يوم، قلت رسائل كيركغارد إلى ريجين، وتعذر في رسائله إليها بقوله أن عمله قد شغله عنها. حتى عام 1841، في 11 من أغسطس، التي جاءت لريجين رسالة غير عادية من كيركغارد، رسالة باردة وثقيلة، تحمل في طياتها خاتم الخطوبة!

هذه رسالة كانت غير عادية لأنها لم تعبر عن العواطف والأحاسيس، بل عن الأفكار والمنطق. كتبَ فيها كيركغارد بأنه لا يحبها بعد الآن ولا يريدها، ويجب عليها أن تبتعد عنه وتخرج من حياته فورًا. ظنتْ ريجين بأن شيء ما قد حدث لكيركغارد، وذهبت مسرعة إلى بيته لتراه، لكنه كان غائبًا، وبعد شهرين من الصمت، استدعاها كيركغارد ليلتقي بها شخصيًا، ويفصل علاقته معها مرةً أخرى بشكل رسمي.

أصبحت ريجين غاضبة منه ومريضة بسببه، فقد كانت تظن أن كيركغارد يلعب معها، وأرسلت رسالة إلى كيركغارد تتوعده بأنها لن تسامحه أبدًا. الشيء الذي آذى كيركغارد كثيرًا، وقضى حياته يتوسل إليها لتغفره على خذلانه لها. كتب لها: بعد كل ذلك، انسي كاتب هذه الرسالة، وسامحي شخصًا لم يستطع أن يجعل الفتاة سعيدةً.

لكن الأمر انتهى، والقرار اتُخذ. فكرَ كيركغارد أن يرسل رسالة لها ليشرح السبب الفعلي لتركها، لكنه تراجع ولم يفعل. نحن نعلم السبب لأنه كتبه في كتاباته كثيرًا وبشكل مفرط، من الواضح أن ريجين أثرت في حياته حيث هناك مئات من الصفحات في كتبه يتكلم عن حبه لها، والمشاعر التي كانت تدفئ قلبه عندما يفكر بها. على كل حال، السبب الحقيقي كان الله وكان كتبه وفلسفته، حيث شعر كيركغارد بأن الله يناديه ليكتب عن دينه ويفكر به ويحبه، ولا ينشغل بأمور دنيوية زائلة من الزوجة والعائلة والحياة الطبيعية، وهذا ما استطاع أن ينجزه بالفعل.

يعتبر كيركغارد اليوم واحدًا من أوائل المؤسسين الرئيسيين لمذهب الوجودية في الفلسفة، ومن الأشخاص العظماء الذين جعلوا الدين المسيحي على ما هو عليه الآن من الفردية واعتناء الإنسان بدينه ونفسه، وأن لا يتدخل بحياة أشخاص آخرين وينتقد تصرفاتهم وأفعالهم الدينية. ويعتبر أيضاً من شعراء الدانمارك الخالدين، ومن المساهمين لوضع أخلاقيات المسيحية. وهو معروف اليوم بشكل شائع بفكرته الإبداعية عن الإيمان بالله، حيث رفض أي أدلة منطقية وعقلانية من البشر والطبيعة عن وجود الله، وقال إن الإيمان بوجوده هو عبارة عن قفزة خارج حدود دماغ الإنسان، لا يمكن أن تدركه الحواس والعقول، نستطيع فقط أن نؤمن به من داخلنا إيمانًا مطلقًا.

ربما لم يكن يستطيع كيركغارد أن يجعل لنفسه اسمًا  في التاريخ لولا قراره بترك حبيبته والاجتهاد بتلك الأمور، لعل ذلك الزواج كان سيمنعه عن تخليد اسمه وتمجيد سمعته والتقرب إلى ربه.

قضى كيركغارد بقية حياته – التي كانت قصيرة، مات وهو في سن 42 – وحيدًا ومشغولًا بتلك الكتابات. لكنه لم يتوقف عن التفكير للحظة بريجين، وذكر في مذكراته أنه كان يبكي في فراشه ليلًا عندما كان يتذكرها. مات كيركغارد في عام 1855، وترك كل أملاكه لريجين في وصيته، لكن ريجين التي كانت تعيش حياة زوجية مستقرة وسعيدة رفضت وصيته، وسامحته بعدما توفي على كل شيء.

هل ندم كيركغارد في قراره بعدم الزواج من ريجين والعيش بقية حياته وحيدًا؟ من الصعب الادعاء بذلك أو حتى إدحاضه؛ فهو الذي قال في كتابه (إما / أو: جزء من الحياة) : “اشنق نفسك، سوف تندم عليه، أو لا تشنقه وسوف تندم على ذلك أيضًا، تزوج أو لا تتزوج، فسوف تندم على كليهما”.

يبدو أن كل خيار بالنسبة لكيركغارد له مساوئه ومحاسنه، وهذا ما عليك أن توازن بينه وتفكر جيدًا عند قرارك بالزواج أو عدم الزواج.


  • محلل وكاتب عراقي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى