الدين

الآخر.. بين منظورين

تشكل النظرة للآخر في العالمين الإسلامي والغربي

  • عبدالرحمن عادل وعائشة عادل

مقدمة:

يمكن تصور الآخر كحالة من حالات التكوين النفسي لأيّ فرد، وذلك بوصف الآخر بالقياس إلى “نفسي”، أو كجماعة اجتماعية محددة لا ننتمي نحن إليها. وهذه الجماعة بدورها يمكن أن تكون داخلية بالنسبة للمجتمع؛ النساء بالنسبة إلى الرجال، الأغنياء بالنسبة إلى الفقراء، أو يمكن أن تكون خارجية بالنسبة للمجتمع، كمجتمع آخر يكون قريبًا أو بعيدًا، بحسب الحالة؛ كائنات يربطهم بنا كل شيء على المستوى الثقافي والأخلاقي والتاريخي، أو كائنات مجهولة، غرباء لا نفهم لغتهم وعاداتهم، لدرجة قد تدفع البعض إلى اعتباراهم كائنات لا تنتمي لنفس النوع الذي ينتمون هم إليه[1].

وهذا النوع الأخير؛ أيْ الآخر الخارجي، المختلف في اللغة والثقافة والحضارة والهوية هو ما نقصده في هذه الورقة، ونتناوله بالنظر المقارن بين رؤيتين. رؤية توحيدية إسلامية وأخرى غربية علمانية، لننظر في أصول تشكل النظر للآخر بين هاتين الرؤيتين وفلسفة كل منهما في التعامل معه وما أفضى إليه منهج النظر هذا في الواقع وما نشأ عنه من أفعال وسلوكيات حددت معالم وشكل العالم الإنساني في أزمنة مختلفة.

أولًا: منهج النظر للآخر في الإسلام:

يعد القرآن أصلًا مرجعيًا للنظر في العلاقات الإنسانية، ويمثل التوحيد الناظم الذي تتشكل منه الرؤية الكلية الإسلامية للوجود كله واقعًا وحقيقة وزمانًا ومكانًا ومصيرًا. ويبنى منهج النظر الإسلامي للآخر على مجموعة من الأسس، نذكر منها:

1- ينطلق الوجود الخارجي للإنسان إلى آخر مطلق (الله) وآخر نسبي (الآخر النسبي الذي نقصده هنا هو غير المسلم) وقد نظم التوحيد العلاقة بين كل منهم في سياق غائية الحياة بعيدًا عن المادية الجامدة، فجعل من الإله ركيزة الإنسان وأساس العلاقة مع غيره التي تستند بكليتها على تشريعه وأمره، ما ضبط تعامل الإنسان مع ذاته ومع من يقوم الكون معه من غيره، وترك فسحة كبيرة من مقومات العدل والمساواة بين كل طبقات البشر. ومن ثم فإن هذا يمنع الأنا المسلمة من التمركز حول ذاتها.

2- الإنسان مخلوق من نفسٍ واحدة “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ”(الأعراف: 189)، ومعيار التمايز بين الناس عند الله هو التقوى وليس العرق ولا اللون ولا اللغة “ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”(الحجرات: 13). وفي خطبة الوداع أوصى رسول اللهﷺ المؤمنين قائلًا: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب”[2]. ثم يؤكد أن لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى.

2- الاختلاف سنة كونية والتنوع أمر محمود، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين. يقول تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” (الروم: 22)، وعليه فإن الاختلاف سنة طبيعية وإذا ما التزم الإنسان بآدابه وأقر بقوانينه كان ظاهرة اجتماعية إيجابية[3].

3- تنظم الرؤية التوحيدية علاقة الإنسان بالآخر في إطار رؤية كلية تقوم على أن الله هو خالق كل شيء وأنه سبحانه فطر الإنسان فطرة يستوي فيها كل البشر، تمكنه من معرفة الله في تعاليه وتفرده، وأراد للإنسان أن يطيعه مختارًا بحيث لا ينحرف الإنسان عن التوحيد. وعليه فإن نظرة المسلم الموحد للآخر تتمثل في علاقة السفينة؛ وفحواها أن البشرية كلها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها شبيهة بركاب سفينة واحدة هي الكرة الأرضية، وهي بحكم أن أمر الله التكليفي للبشر مبني على حرية الاختيار، تنقسم إلى: أمة إجابة قائمة في حدود شرع الله تعالى، وأمة دعوة واقعة في حدود الله تعالى، والمبادرة والفعل الإيجابي من جانب أمة الإجابة شرط لنجاتها هي ذاتها، تمامًا كما أنه شرط نجاة أمة الدعوة[4].

بهذه الركائز حصر التوحيد مفهوم ثنائية الأنا/الآخر في: الأنا المسلم الذي هو جزء من منظومة كونية غائية متكاملة منضبٌط أفرادها بالآخرين حسب نظام تشريعي ثابت، ثم الآخر غير المسلم، ذلك الذي ألزم القرآن الأنا المسلم بعلاقته معه، قائمة على مبدأ العدل وأداء الأمانات إلى أهلها والقوامة بالقسط. كما ضبط الإسلام حركة التفاعل مع الآخر بضابطين مهمين هما[5]:

أ- الاتزان التام في المحاكاة: فالإنسان لديه غريزة محاكاة غيره في الخير أوفي الشر، فهذبها الدين بذمّ التقليد الأعمى والدعوة إلى التأسي بالأسوة الحسنة، وتقرير أن على الإنسان أن يستمد رؤيته التوحيدية لأناه الخاص والآخر من منابع شريعته فلا يتقلد رؤية غيره محاكيًا لها.

ب- مبدأ النصيحة/ الدعوة: فلم يترك التوحيد الناس إلى شهوات نفوسهم فرادى يرى كلٌ في نفسه أنا مطلق تقوم لأجله الحياة الدنيا، إنما ألّف بين الأنا والآخر، فجعل الاحتياج البشري جامعًا بينهما، ومبدأ النصيحة حاملًا على اعتبار الآخر كنفسه ساعيًا بهذا إلى التفعيل الجامعي متجاوزًا حب الخير النفس إلى حبه للآخر.

وفي الفقه السياسي الإسلامي نجد أن أبا عبيد القاسم بن سلام في كتابه “الأموال” ينقل عن محمد بن كثير أن: “أحق ما اقتُضى به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله ﷺ وقوله: “من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيبه”[6]، من كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فإنهم ليسوا بعبيد، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يُرجم محصنهم على الفاحشة، ونساؤهم نساؤنا؛ من تزوجهن منا القسم والطلاق والعدة سواء”[7].

وهكذا يمكن القول أن هذه النظرة للآخر هي التي ضبطت حركة المسلمين التاريخية في التعامل مع الأمم الأخرى، فانطلقت من مبدأ “الدعوة”، وحافظت الفتوحات الإسلامية لكل أمة على استقلالها اللغوي وهويتها وعرقها، فتكونت دولة إسلامية شاسعة النطاق متنوعة الأعراق والقوميات واللغات، لم تقم على القهر ولا نهب الثروات واستعباد الناس، بل قامت في مجملها على مقولة ربعى بن عامر لرستم ملك الفُرس: ” لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

ثانيًا: أصول النظر للآخر في الفكر الغربي:

لم تنطلق الرؤية الغربية للآخر من منظومة كونية شاملة لها ركيزة عليا تنتمي إليها، إنما جعلت ركيزتها أناها المطلقة التي وضعتها معيارًا لرؤيتها في منظور كوني أحادي لا يشمل الآخر كأحد عوامله الفاعلة وإنما توابعه المهملة.

وعليه فلا جدال أن النظرة الغربية للآخر هي نظرة إقصائية عدوانية في مجملها، وذلك على مدار تاريخ الفكر الغربي. فلم تكن هذه الرؤية منظورًا مستحدثًا تلبسه الغرب مع القرون الأخيرة، بل كان العنصرية فكرة راسخة منذ المجتمعات القديمة، في العصور الحجرية ومرورًا بعصور اليونان، لكنها كانت أقل حدة من صورتها الآن. ومع بزوغ شمس عصر الأنوار والنهضة الأوروبية، والدعوة إلى الحرية والعدل والمساواة، بدا واضحًا أن هذه الدعوات خاصة بالأوروبيين فقط وليس دعوة عالمية ولا رحمة للعالمين. وتجلت النظرة الأوروبية العنصرية القائمة على ثنائية الأنا المتحضر والآخر المتوحش؛ ويمكن إبراز تطور تلك النظرة في التاريخ الغربي على النحو التالي:

1- كان البدء من أرسطو الذي ذهب إلى أن شعوب العالم ليست على صنف واحد، وإنما تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ يتربع الشعب اليوناني على قمتها، والأهم من ذلك أنه كان يرى أن هناك أناس مهيئين بطبيعتهم لأن يكونوا عبيدًا، فقد خلقوا لخدمة غيرهم. ومن ثم انتهى أرسطو إلى أن الإغريق هم سادة أحرار بطبعهم لا يجوز استرقاقهم، أما الشرقيون فهم بطبيعتهم عبيد يجب أن ينظر إليهم الحاكم على أنهم مجرد أدوات يسخرها لأغراضه[8]!

2- ثم جاء القديس أوغسطين قبل عشرة قرون خالية وحكى عما رآه في أفريقيا قائلًا: رأينا في ذلك المكان “يقصد أثيوبيا” عددًا كبيرًا من الرجال والنساء بدون رؤوس، ولكن ذوي أعين ضخمة في صدورهم. وبالنسبة لباقي أعضائهم كانت مماثلة لأعضائنا[9]. ومقاله هذا يشبه قول كريستوفر كولومبس في وصفه لما رآه في الأمريكيتين حين اكتشفهما، بأنها جزر نائية يستوطنها أناس ذوو أذناب وآكلي لحوم بشر.

3- ومع حملات التبشير التي غزت بها أوروبا دول العالم، نجد أحد كبار رجال التبشير والاكتشاف يدعى ديفيدلينفنغسون يقول: إن الدين والتقنية يسديان خدمة خيرة للشعوب المستعمرة، إننا نأتي إليها بصفتنا أعضاء في عرق متفوق وخدم لحكومة ترغب في تنشئة الأطراف الأكثر انحطاطًا في العائلة الإنسانية[10].

3- أما فلاسفة الأنوار وأنبياء الليبرالية والمبشرين بالحريات السياسية فقد واصلوا الحفاظ على تلك النظرة، فرأى مونتسكيو أن الاستبداد نظام طبيعي بالنسبة للشرق لكنه غريب وخطر على الغرب، ورأى هيجل أن الشرقيين لم يتوصلوا إلى معرفة أن الروح أو الإنسان –بما هو إنسان- حُرّ، لذا فهم أهل عبودية. أما جون لوك فقد كان مع كتاباته في الحرية والمساواة تاجر رقيق! ثم جاء المركيز دي ساد بنظريته عن “السادومازوخية” ومفادها أن كثيرًا من الناس يرفض الحرية بطبعه ويميل إلى العبودية وإلى تحكم الآخرين في حياته ومصيره، وأن هذا الإنسان إذا تمت السيطرة عليه من قبل من هو أقوى منه فإنه يشعر بالأمان والقوة[11].

لم تتوقف هذه المبادئ عند حد بناء العقل الغربي، بل تجاوزته إلى الممارسات التي تسعى لتحيله واقعًا، فكان الاستعمار والإبادات الجماعية والثقافية، وفكرة التطهير العرقي باعتبار الغرب عرقًا أسمى. ولم تنته خططهم عند حد الاستعمار، فلم يغب عنهم حقيقة أن احتلال الأرض والإبادة الجسدية ليست كل شيء؛ ولا بد من كسر العمود الفقري لضحيتهم، من لغة وثقافة وتراث يقضي على كل ذاتية للآخر والتماهي مع الأنا السامية لديهم*.

ظهر على إثر ذلك ما عرف بالاستلاب اللغوي والهيمنة الثقافية واستلاب الهوية، حيث كانت اللغة ولا زالت ركنًا قويمًا يحفظ للذات هويتها وتراثها، فسعى الغرب لطرح نظرة دونية للغات الغير، واعتبارها مجرد مخلفات تستعين بها الشعوب النامية في التعبير عن ذوات هشة مهمشة، وإحلال لغة الأنا المطلق محلها بصفتها تنويرًا وحضارة، فكانت هذه أداة تعين الغرب على تشكيل أفكارهم في قلب المجتمعات التي استعمروها، تلك المجتمعات التي رحبت بذلك كتعويض عن نكران الذات واحتقارها.

وهكذا وصلنا في تاريخنا المعاصر إلى “نهاية التاريخ”* باعتبار الحضارة الغربية الحالية هي أرقى وآخر ما وصل إليه الإنسان، ومن أراد من بقية الأمم والشعوب أن يتقدم أو “يصبح إنسانًا” على الشكل الغربي، فعليه أن يسير في ركاب الحضارة الغربية ويحذوا حذوهم، متخليًا عن ذاته الحضارية وخصوصيتها وما يمت إليها بصلة، فهذا من رواسب التخلف الذي يجب تجاوزه.

ثالثًا: مسألة الآخر في واقعنا المعاصر:

لا شك أننا نعيش الآن في عصر هيمنة الحضارة الغربية بروافدها الثقافية والفكرية، وأن النظرة الغربية للآخر تسود وتحتل المساحة الأكبر على المستوى الثقافي العالمي وتلقي بظلالها في الواقع لتشكل أكبر مساحة ممكنة على مستوى العلاقات بين الأمم والشعوب وحتى العلاقات داخلها.

وفي إطار المركزية الغربية سعى الغرب إلى تقسيم الثقافات إلى ثقافة عليا (أناه الخاص) وثقافة محلية (العالم غيره) وتقوم العلاقة بينهما على أساس نفي الاختلاف ورفض التفاعل للثقافة المسيطَر عليها، سواء بتدميرها أو تبخيس ذاتها أو نكرانها، واعتبارها موضوعًا سالبًا يسوغ عقلًا للأنا الغربي الاعتداء على الآخر دونه. وبهذا تمكن المجتمع الغربي من بلورة صورة عن ذاته كأنا مطلقة تفوق كل آخر، وبالتزامن معها فقد شكّل صورة ممسوخة عن الآخر ليطمس معالمها ويؤكد بهذا ذاته كمرجعية أحادية.

ومع فقد المسلم لركائز رؤيته التي حددها له التوحيد، تُركت صورته للصناعة الغربية، تلك الذي نتج عنها التماهي مع الآخر الغربي، فلم يعد وعي الذات للمسلم قادرًا على تكوين نفسه إلا عبر ما تعكسه مرآة الآخر عنه، حتى تحول الآخر هو العقل الفعال الذي يحكم على الذوات المستعارة ويملي تقديراته عليها بعيدا تمامًا عن معطيات وجودها في الواقع[12]. بل ما يريد الغربي للمسلم أن يكون عليه بما يحقق للأول مصلحته وتفوقه الحضاري. وقد استغل الغرب في صناعة صورة المسلم وتثبيتها في ذهنه كل الممكنات المتاحة من علوم حديثة وسينما وتقنية وقوة ناعمة*.

وعلى إثر ذلك نجد أن معظم المجتمعات المسلمة منشقة اجتماعيًا شقًا أفقيًا يقسم جسدها، بين نخبة مستغربة تريد لنا أن نكون على شاكلة الغرب وأن نذوب فيه. يعبر عن نظرة هذه النخبة قول الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود: ” فكل ما عندهم واجب النقل إلينا، فرأيت أن نأكل كما يأكلون، ونكتب من الشمال إلى اليمين كما يكتبون، وأن نرتدي من الثياب ما يرتدون”[13]. تمثل مقولة زكي نجيب هذه شريحة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تولت مقاليد الحكم والتحكم في الشأن الثقافي والتعليمي وهيمنت على وسائل الإعلام والميديا وصناعة الفيلم والدراما. فتمكنت من بث أفكارها بسهولة إلى كافة أنحاء المجتمع. وعلى الجانب الآخر أو الشق الآخر، يأتي عامة الناس الذين لازال الإسلام يمثل مرجعيتهم العامة ويشكل ثقافتهم ووعيهم، وإن كانوا متأثرين بالطبع بروح العصر الذي تهيمن عليه ثقافة الآخر الغربي. ومن اللافت حقًا أننا نجد النخبة المستغربة في بلادنا تنظر إلى عامة الناس كما ينظر الغربي إلى شعوبنا بشكل عام.

وأما الآخر الغربي فلازال –برغم كل دعاوي الإنسانية والمساواة والعدالة- حتى يومنا هذا يسير على فلسفته التي ذكرناها والتي تستبطن العنصرية والتعالي والإقصاء لكل آخر مختلفٍ عنه. وليس من دليل أوضح على ذلك في وقتنا الحالي من نموذج التعامل الغربي مع موجات اللجوء من الدول العربية التي أعقبت الثورات والحروب في المنطقة العربية. فهذا اللجوء (المفاجئ وغير المقنن) لاقى عنفًا وكراهية شديدة من الغرب، وأخرج من بطونه كيانات غاية في التطرف كاليمين المتطرف وجماعاته وأحزابه.

وفي الوقت الذي كانت تحارب فيه أوروبا تيارات اللاجئين العرب وتعرضهم لمخاطر الموت والهلاك في البحر أو على الحدود، رحبت تلك الدول باللاجئين الأوكران– اللذين فروا من أوكرانيا على إثر الغزو الروسي- فهم بيض البشرة وملوني الأعين ومثقفين ومتعلمين ولا يملكون ماضيًا غامضًا على حد تعبير رئيس الوزراء البلغاري كيريلبيتكوف. كما شاهد العالم كله ولا زال يشاهد مشاهد العنصرية على الحدود الأوكرانية مع بولندا ورومانيا من رفضهم إدخال السود والعرب والهنود وغيرهم والمسارعة بإدخال الأوكرانيين، كما يشاهد العالم كل يوم العنف والعنصرية تجاه أصحاب البشرة السوداء في أمريكا. إن النموذج الغربي مهما ادعى من إنسانية وحرية وتقدم وحضارة مازال مسكونًا بالتمييز والعنصرية والصراع.

خاتمة:

يمكن القول إن مسألة “الآخر” واقعة بين منظورين؛ الأول منظور توحيدي ينظر إلى الإنسان على أنه مخلوق من نفس واحدة، لا فرق عنده بين أسود وأبيض، وهو منظور إنساني في المقام الأول وعالمي “رحمة للعالمين” يصلح نموذجًا إنسانيًا عامًا. والثاني منظور غربي مادي يخلق ثنائيات متنافرة متحاربة (الأنا /الآخر) مسكون بالتمييز والإقصاء، وهو نموذج يروج زورًا على أنه إنساني عالمي وهو غير كذلك في الواقع، والواجب علينا دفعه وفق منطق التدافع الحضاري للحد منه وتقليص انتشاره قدر الممكن واستبداله بالنموذج التوحيدي.


[1] تزفيتان تودوروف، فتح أمريكا: مسألة الآخر، ترجمة: بشير السباعي، سينا للنشر والتوزيع، 1992، ص9.

[2] أخرجه البزار في مسنده (البحر الزخار) 8/340(2938)، وانظر الهيثمي: مجمع الزوائد 8/86.

[3] سيد الحسيني، في نحن والآخر، دار الفكر، 2001، ص94.

[4] السيد عمر، الأنا والآخر من منظور قرآني، دار الفكر، 2008، ص 56.

[5] المرجع السابق، ص ص 56، 63.

[6] أخرجه أبو داود 3/170(3052).

[7] أبو عبيد القاسم بن سلام، الأموال، دار الفكر للنشر والتوزيع، 1981،ص167.

[8] إمام عبدالفتاح، الطاغية، سلسلة عالم المعرفة، 1994، ص263.

[9] غريغوار مرشو،في نحن والآخر، مصدر سابق، ص19.

[10] المصدر نفسه، ص20.

[11] إمام عبدالفتاح، مصدر سابق، ص ص 266-286.

* يمكن أن يطالع القارئ في هذا المقام كتب الأستاذ منير العكش: أمريكا والإبادات الجماعية –أمركيا والإبادات الجنسية- أمريكا والإبادات الثقافية. وكتاب المفكر تزفيتان تودوروف: فتح أمريكا: مسألة الآخر.

* أطروحة فوكاياما: انظر: فرانسيس فواكاياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993.

[12] غريغوار مرشو، في نحن والآخر، مصدر سابق، ص72.

* القوة الناعمة  هى أن تجعل الطرف الآخر يطلب منك أن تساعده على أن يكون ما تريده أنت.

[13] زكي نجيب محمود، قصة عقل، دار الشروق، 1983، ص73.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى